عمدة الحفّاظ في تفسير أشرف الألفاظ - ج ٢

الشيخ أحمد بن يوسف [ السمين الحلبي ]

عمدة الحفّاظ في تفسير أشرف الألفاظ - ج ٢

المؤلف:

الشيخ أحمد بن يوسف [ السمين الحلبي ]


المحقق: الدكتور محمّد التونجي
الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: عالم الكتب
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٠٤
الجزء ١ الجزء ٢

أطرافها». قوله تعالى : (وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ)(١) ، قيل هما صلاة الفجر والعصر. وأطراف النهار : ساعاته وأزمنته ، كأطراف المكان لنواحيه. والطّراف : بيت من الأدم من ذلك ، لأنه يؤخذ طرفه. قال طرفة بن العبد (٢) : [من الطويل]

رأيت بني غبراء لا ينكرونني

ولا أهل هذاك الطّراف الممدّد

وناقة طرفة : ترعى أطراف المرعى ، والمرعى : طريف (٣). وطريف : علم لرجل مشهور ، وهو أبو رجل من الخوارج ، قالت الفارعة ترثيه (٤) : [من الطويل]

أيا شجر الخابور مالك مورقا؟

كأنّك لم تجزع على ابن طريف

ومطرف الخزّ : ثوب منه ، والجمع مطارف. قالت امرأة روح بن زنباع تهجوه (٥) : [من الطويل]

بكى الخزّ من روح وأنكر جلده

وعجت عجيجا من جذام المطارف

ومال طريف : تشبيها بأطراف المرعى ؛ يقال في خياره. ومنه طرف العراق. ورجل طريف : لا يثبت على امرأة. والطّرف للفرس الكريم وللرجل الشريف. وتحقيقه أنه لحسنه يطرف ، أي ينظر إليه. فالطّرف بمعنى المطروف كالذّبح بمعنى المذبوح. وبهذا المعنى قيل هو قيد النّواظر ، أي إذا رآه ناظر أقتصر عليه فقيّده مجازا. وفي المثل : «لا يدري أيّ طرفيه أطول» (٦) قيل : طرفاه نسب أبيه ونسب أمّه. يقال : هو كريم الطّرفين ، أي

__________________

(١) ١١٤ هود : ١١.

(٢) الديوان : ٤٢.

(٣) الطريف : ما تتناوله الناقة (المفردات : ٣٠٢).

(٤) في الأصل للنابغة ، وهو سقط قلم. والفارعة بنت طريف. من أبيات ذكر ياقوت اثنين منها والخابور : اسم لنهر كبير بين رأس العين والفرات في الجزيرة السورية (معجم البلدان ـ خابور). وابن طريف خارجي ، أخوها (معاهد التنصيص : ٣ ١٥٩).

(٥) هو روح بن زنباع الجذامي ، أمير فلسطين وسيد اليمانية في الشام وقائدها وخطيبها. وله صحبة ، وقيل : ليس له صحبة (أسد الغابة : ٢ ١٨٩).

(٦) قال الأصمعي : معناه لا يدري أنسب أبيه أفضل أم نسب أمه. وقيل غير ذلك (مجمع الأمثال : ٢ ٢١٤). وفي النهاية (٣ ١٢٠) جاء الفعل مبنيا للمجهول.

٤٦١

من جهة الآباء والأمهات. وقيل : طرفاه : ذكره ولسانه. وفسّر قولهم : كريم الطرفين بعفّة الفرج واللسان. ومنه قول قبيصة : «ما رأيت أقطع طرفا من عمرو» (١) يريد أدأب لسانا منه. ومن كلام زياد : «إنّ الدنيا قد طرفت أعينكم» (٢) أي طمحت بأبصاركم إليها وشغلتكم عن الآخرة. وقال الأصمعيّ : امرأة مطروفة : طرفها حبّ المال أي أصاب طرفها حّب المال ؛ فهي تنظر إلى كلّ من أشرف عليها. وقيل : معناه صرفتكم ، أي صرفت أعينكم عن النظر في عواقبها. يقال : طرفت فلانا عن كذا ، أي صرفته عنه. وأنشد (٣) : [من السريع]

إنّك والله لذو ملّة

يطرفك الأدنى عن الأبعد

ط ر ق :

قوله تعالى : (وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ)(٤) الطارق : النجم أيّ نجم كان. سمي طارقا لأنه يرى ليلا. وكلّ من أتى ليلا أو رئي فيه سمي طارقا. ومنه الحديث : «نهى المسافر أن يأتي أهله طروقا» (٥) أي ليلا. وفيه : «إلا طارقا يطرق بخير يا رحمان» (٦) وأصله أنّ الطارق هو السالك للطريق سمي طارقا لأنه يطرق الأرض والسبيل برجله ، أي يضربها بها عند سيره. ومن ثمّ سميت السبيل طريقا ، أي مطروقة بالأرجل ، إلا أنه خصّ في العرف بالآتي ليلا فقالوا : طرق أهله طروقا. وقول هند (٧) :

نحن بنات طارق

نمشي على النمارق

__________________

(١) النهاية : ٣ ١٢٠ ، وهو قبيصة بن جابر. وفي الأصل : عمر.

(٢) النهاية : ٣ ١٢٠.

(٣) البيت لعمر بن أبي ربيعة (اللسان ـ طرف).

(٤) ١ الطارق : ٨٦.

(٥) النهاية : ٣ ١٢١.

(٦) النهاية : ٣ ١٢١ ، وليس فيه «.. يا رحمان».

(٧) جاء في هامش الورقة ٢٠٧ آ من النسخة س تعليقا على شعر هند : «النمرق والنمرقة مثلثة : الوسادة الصغيرة أو الميثرة أو الطنفسة فوق الرحل. القاموس. وتمام الأبيات :

والدر في المخانق

والمسك في المفارق

ذكر الزبير بن بكار أنهن بنات العلاء بن طارق بن أمية بن عبد شمس بن المرقع من كنانة ، يضرب بهن المثل في الحسن والشرف. وهما لهند بنت عتبة لمشركي قريش يوم أحد تحرضهم على المسلمين». وفي اللسان بيت آخر (مادة ـ طرق) مع تغيير في الترتيب.

٤٦٢

إن تقبلوا نعانق

أو تدبروا نفارق

قيل : عنت بذلك أن أباها كالنّجم في الشّرف وعلوّ المنزلة. والطوارق : الحوادث الآتية ليلا. وطرق فلان : أصيب ليلا. قال الشاعر (١) : [من الطويل]

كأني أنا المطروق دونك بالذي

طرقت به دوني فعينيّ تهمل

قوله تعالى : (فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ)(٢). الطريق : السبيل الذي يطرق بالأرض ، أي يضرب بها. وعنه استعير لكلّ مسلك يسلكه الإنسان من الأفعال محمودا كان أو مذموما ؛ فيقال : طريق الخير كذا ، وطريق الشرّ كذا. والطرق في الأصل كالضّرب (٣) لكنه أخصّ من حيث إنّه ضرب توقّع كطرق الحديد بالمطرقة. والضرب : تماسّ جسمين حسبما بينّاه في بابه. ثم يتوسّع في الطرق توسّعهم في الضرب. وعنه استعير طرق الحصى للتكهّن ؛ قال الشاعر (٤) : [من الطويل]

لعمرك ما تدري الطوارق بالحصى

ولا زاجرات الطير ما الله صانع

ومنه الحديث : «الطّيرة والعيافة والطّرق من الجبت» (٥). وفسّر أبو عبيدة الطرق بأن يخطّ الكاهن بإصبعين ثم بإصبع ثم يقول : ابني عيان أسرعا البيان. وقد مرّ تفسير هذا (٦). واستعير الطّرق للماء الكدر الذي تخوضه الدوابّ لأنها طرقته بأرجلها ، ويقال : له ريق وطرق (٧) ، ومنه حديث إبراهيم : «الوضوء بالطّرق أحبّ إليّ من التّيمّم» (٨) وأنشد (٩) : [من الوافر]

__________________

(١) البيت من شواهد الراغب في المفردات : ٣٠٣ ، وفي الأصل : وعينك. والبيت من أبيات قالها أب في حضرة النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم حين شكاه ابنه. والحديث في مسند أحمد ومسند أبي داود ومسند ابن ماجه.

(٢) ٧٧ طه : ٢٠.

(٣) وفي الأصل : كالطرب.

(٤) البيت للبيد (الديوان : ١٧٢) ، وفيه : الضوارب بالحصى. ورواية اللسان (مادة طرق) موافقة للأصل.

(٥) النهاية : ٣٠ ١٢١.

(٦) انظر تفسيره في النهاية : ٢ ٤٧.

(٧) الريق : تردد الماء على وجه الأرض من الضحضاح ونحوه إذا انصب الماء. وربما قرئت رنق ، وهي عكس الصافي من الماء.

(٨) اللسان ـ مادة طرق ، والحديث لإبراهيم النخعي كما في النهاية : ٣ ١٢٣.

(٩) البيتان لأبي خالد القناني ، والأول مذكور في اللسان من غير عزو ـ مادة ضعف والمشهور : رنقا بعد ـ

٤٦٣

لقد زاد الحياة إليّ حبا

بناتي إنّهنّ من الضّعاف

أحاذر أن يرين البؤس بعدي

وأن يشربن طرقا بعد صاف

ويروى : رنقا.

وباعتبار الضّرب قالوا : طرق الفحل الناقة ، كما قالوا : ضربها. ومنه طروقة الفحل. وكنّي بالطّروقة عن المرأة. وأطرق فلان : أغضى ، كأنّ عينه صارت طارقة للأرض أي ضاربة لها. وباعتبار الطريق قيل : جاءت (١) الإبل متطارقة ، أي في طريق واحد. وتطرّق إليه : توسّل (٢) من الطريق. وطرّقت أي جعلت له طريقا. ورجل مطروق : فيه استرخاء ولين ، وأصله من قولهم : طرق فلان ، أي أصابته حادثة ليّنته لأصحابه ، لا أنه مطروق من قولهم : ناقة مطروقة ، تشبيها بها في الذّلّة.

قوله تعالى : (فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ)(٣) جمع طريقة ؛ سميت السماء طريقة لأنها متطارقة بعضها فوق بعض من قولهم : طارقت بين نعلين (٤). طارقت النّعل : جعلته طبقات (٥). وطارقت بين الدّرعين. وطراق الخوافي ، أي يركب بعضها بعضا. والطّريقة : النخل سمي بذلك لشبهه بالطريق في الامتداد. قوله تعالى : (وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى)(٦) قال الأخفش : بدينكم وسنّتكم. وقال الفراء : هي الرجال ؛ يقال : هؤلاء طريقة قومهم (٧) وتطورة قومهم. قلت : تسميتهم مجازا عن كونهم متبوعين ومقتدى بهم ، فهم طريقة بهذا الاعتبار ، وحينئذ يكون فيه مجازان لأنّ استعمال الطريقة في السنّة والاقتداء مجاز ، واستعمال ذلك في الأشراف مجاز ثان لا بأس به. وفي الحديث : «كان يصبح جنبا من غير

__________________

ـ صاف. قالهما ردا على حث قطري بن الفجاءة له ، بشعر. والخبر كله مذكور في الكامل للمبرد : ٢ ١٢٤.

(١) وفي ح : حال ، وفي س : حان. ولعل الصواب ما ذكرنا.

(٢) وفي الأصل : توصّل.

(٣) ١٧ المؤمنون : ٢٣.

(٤) ولعلها بين طرقتين ، وفي الأصل : بقرتين.

(٥) أي : صيّرها طاقا فوق طاق.

(٦) ٦٣ طه : ٢٠. وجاء في التفسير أن الطريقة الرجال الأشراف.

(٧) طريقة القوم : الرجل الفاضل (اللسان ـ طرق). والكلمة بعدها غير مستقيمة لعلها. قدوة.

٤٦٤

(طروقه) (١) ، أي من غير زوجة. ومن كلام عمر : «البيضة منسوبة إلى طرقها» (٢) أي إلى فحلها ؛ عبّر عن الفحل بالمصدر كرجل عدل. وأنشد للراعي (٣) : [من الكامل]

كانت نجائب منذر ومحرّق

أمّاتهنّ وطرقهنّ فحيلا

قال الهرويّ : يجوز أمّاتهنّ نصبا على خبر كان ، ويجوز نجائب (٤) نصبا وأماتهنّ رفعا اسما لكان. وطرقهنّ فحيلا أي وكان طرقهن فحيلا (٥). قلت : ما ذكره من نصب أمّاتهنّ لا يستقيم معناه ، إذ ليس المقصود أن يخبر عن نجائب هذين الرجلين بأنهنّ أمّاتهنّ إلا على وجه التشبيه. أي مثل أماتهنّ. ولا يتكاذب الخبر والمخبر عنه ، وليس التشبيه مقصودا. وإعراب البيت أن يكون نجائب رفعا بكان ، وأماتهنّ بدلا منهنّ ، وطرقهنّ عطف ، والمراد به الأب. وفحيلا خبر عن المتعاطفين. المعنى على ذلك ، والتقدير : كانت أمّات هذه النجائب وآباؤها فحيلا ، أي منسوب لفحل كريم. وتجويزه نصب النجائب مردود بما ردّ به نصب أمّاتهن ، ولسنا الآن بصدد تحقيق إعراب ، فلنعد إلى ما نحن بصدده.

وأمّات جمع أمّ ؛ يقال في العقلاء أمهات وفي غيرهم أمات. هذا هو الغالب ، وقد يعكس. وفي الحديث : «كأنّ وجوههم المجانّ المطرقة» (٦) أي التّرسة التي أطرقت بالعقب ، أي ألبست به ، من طارقت النّعل. كذا فسّره الهرويّ وغيره : يقول : من دقّها وطرقها بالمطرقة. وهو أقرب للتشبيه بوجوه التّرس. والتّرسة تكون حديدا.

ط ر ي :

قوله تعالى : (تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا)(٧) أي غضّا جديدا من الطّراوة ، وهي ضدّ اليّبس. يقال : طرّيت كذا. وقد طري فهو مطريّ. ومنه المطرّاة من الثياب. والإطراء : هو تجاوز

__________________

(١) النهاية : ٣ ١٢٢.

(٢) النهاية : ٣ ١٢٢.

(٣) قاله في وصف الإبل. وهو في اللسان (مادة طرق) وفيه : كانت هجائن.

(٤) وفي س : أماتهن ، وهو وهم.

(٥) أي منجبا.

(٦) النهاية : ٣ ١٢٢. ورويت الراء مشدّدة للتكثير ، وحسب الأصل أشهر.

(٧) ١٢ فاطر : ٣٥.

٤٦٥

الحدّ في المدح والكذب فيه ، وهو من ذلك لأنّ فيه تجديد المدح وذكره. وفي الحديث : «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى» (١) يعني لا تجعلوني إلها ولا ابنا لله كما فعل أولئك الضّلال. ومن هذا يؤخذ : إنما نمدحه بكلّ شيء خلا مسامعنا صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وسمعت بعض الصلحاء يقول : ارفع عنه مقام الإلهية وقل ما شئت فيه من المدح. وما أحسن قول صاحب البردة الشهير بالبوصيريّ رحمه‌الله (٢) : [من البسيط]

دع ما ادّعته النّصارى في نبيّهم

واحكم بما شئت مدحا فيه واحتكم

فمبلغ العلم فيه أنّه بشر

وأنّه خير خلق الله كلّهم

وقيل : سمي المدح إطراء لأنه يطرّ أوجه الممدوح. وقيل : الطريء من طرأ كذا : إذا طلع وهجم ؛ فأصله الهمز فخفّف ، لأنّ الطارئ شيء جديد. وقد أدخل الراغب لفظ (ط ر ي) في مادة الياء ، والهرويّ ذكر لفظة الإطراء فيها. الصواب ذكرهما فيما ترجمته.

فصل الطاء والعين

ط ع م :

قوله تعالى : (وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ)(٣) أي إطعامه. والطعام : ما يتناول [من](٤) الغذاء. واختصّ في عرف الشّرع بالبرّ فيما روى أبو سعيد رضي الله عنه «أن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أمر بصدقة الفطر صاعا من طعام أو صاعا من شعير» (٥). والطعم : [ما](٦) يتناول [من] الغذاء ، أو يتغذى به أيضا. قوله : (وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ)(٧) أي لم يذقه. والذّوق يكون

__________________

(١) النهاية : ٣ ١٢٣.

(٢) ديوان البوصيري : ١٩٣.

(٣) ٣٤ الحاقة : ٦٩.

(٤) إضافة يقتضيها السياق.

(٥) النهاية : ٣ ١٢٦ ، وفيه : «زكاة الفطر». والمثبت في الأصل كما في اللسان.

(٦) الإضافتان يقتضيهما السياق.

(٧) ٢٤٩ البقرة : ٢.

٤٦٦

في المأكول والمشروب. وفي الحديث عن زمزم : «طعام طعم» (١) أي تشبع من شربها كما يشبع بالطعام. قال النضر : يقال : هذا طعام يطعم من أكله ، أي يشبع آكله. وهذا لا يطعم آكله ، أي لا يشبع. وقيل : الطعم مختصّ بالمأكولات وأجابوا عن الآية بأنه تعالى إنما قال : (لَمْ يَطْعَمْهُ) تنبيها أنه محظور عليه تناوله إلا غرفة من طعام ، كما أنه محظور عليه أن يشربه إلا غرفة فإن الماء قد يطعم إذا كان مع شيء يمضغ ولو قال : ومن لم يشربه ، كان يقتضي جواز تناوله إذا كان في طعام. فلما قال : «ومن لم يطعمه» بيّن أنه لا يجوز تناوله على كلّ حال إلا بقدر المستثنى ، وهو الغرفة باليد. وأجابوا عن الحديث بأنه عليه الصلاة والسّلام إنما قال ذلك لأنه قام مقام الطعام ، فنبّه أنه يغذّي بخلاف سائر المياه.

قوله : (فَإِذا طَعِمْتُمْ)(٢) أي أكلتم الطعام. وفي قوله تعالى : (أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ)(٣) أي أعطى الطّعام وجعله له. وقرئ : «إطعام» (٤) على المصدرية نسقا على (فَكُّ رَقَبَةٍ) بالرفع ؛ فإن القراءتين متلازمتان. قوله : (وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ)(٥) أي على حبّهم ٢١٥ للطعام. وهذا كقوله : (وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ)(٦) قيل : نزلت في فاطمة الزهراء وبعلها أمير المؤمنين وولديها سيدي (٧) شباب أهل الجنة في قصة طويلة ذكرتها في التفسير. واستعير الإطعام والاستطعام لردّ الكلام والجواب ؛ وفي الحديث : «إذا استطعمكم الإمام فأطعموه» (٨) أي إذا أرتج على إمام الصلاة في قراءته فردّوا عليه غلطه أو وقفته.

وطعم فهو طاعم : أكل الطعام ، ويكون بمعنى حسن الطعام أيضا. يقال : هو طاعم ،

__________________

(١) النهاية : ٣ ١٢٥.

(٢) ٥٣ الأحزاب : ٣٣.

(٣) ١٤ البلد : ٩٠.

(٤) قراءة علي «فكّ رقبة أو أطعم». وبها قرأ ابن كثير وأبو عمر والكسائي أيضا (تفسير القرطبي : ٢٠ ٧). ويقول الفراء : وهو أشبه الوجهين بصحيح العربية ، لأن الإطعام اسم ، وينبغي أن يرد على الاسم اسم مثله (معاني القرآن : ٣ ٢٦٥).

(٥) ٨ الإنسان : ٧٦.

(٦) ٩ الحشر : ٥٩.

(٧) وفي الأصل : سيدا.

(٨) النهاية : ٣ ١٢٧. ولعل الصواب أن يقول : إذا أرتج عليه في قراءة الصلاة.

٤٦٧

أي حسن الحال ، ويعبّر به أيضا عن العاجز الذي يطعمه غيره. وقال الحطيئة يهجو الزبرقان ابن بدر (١) : [من البسيط]

دع المكارم لا تقصد لبغيتها

واقعد فإنّك أنت الطاعم الكاسي

أي ذو الطعام والكسوة من غيرك لك. وقد شكا آل الزبرقان الحطيئة لعمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال : لا أرى بما قاله بأسا : أنت الطاعم الكاسي. فقيل : اسأل ابن الفريعة ـ يعني حسانا ـ فقال : هجاه وسلح عليه. فحبسه عمر في أهويّة (٢). وكان عمر رضي الله عنه أعرف الناس بمواقع الكلام ، وإنما قصد إخماد فتنه وإشاعة قوله. وكان رأيه أن يحمل الكلام على أحسن محامله ما وجد إليه سبيلا ، وهذا يدلّ على اتساع علمه بالكلام وتوجّهاته رضي الله عنه ، وإلا فكيف يخفى عليه ذلك مع قوله في صدره : «دع المكارم»؟ ورجل مطعام : كثير الإطعام. ومطعم : كثير الطّعم. ومطعوم : مرزوق ؛ قال علقمة بن عبدة (٣) : [من البسيط]

ومطعم الغنم يوم الغنم مطعمه

أنّى توجّه والمحروم محروم

والطّعمة : الشيء المعدّ للطّعم ، وقدّر الشيء المطعم كالغرفة. والطّعمة المرّة ، والطّعمة الهيئة ، ويعبّر بها عن الكسب أيضا. ومنه : هو طيب الطّعمة أو خبيثها. وفي حديث أبي بكر : «إن الله [إذا] أطعم نبيّا طعمة» (٤) أي رزقا وحكما بدليل قوله بعد ذلك : «ثم قبضه جعلها للذي يكون بعده». وفي حديث الحسن : «القتال على ثلاثة ـ فذكر اثنتين ثم قال : ـ وعلى هذه الطّعمة» (٥) أي المال. والطعام لغة : كلّ ما يطعم ، أي يؤكل أو يشرب إن حملناه على الذّوق ؛ قال تعالى : (كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ) (٦) (وَيُطْعِمُونَ

__________________

(١) الأغاني : ٢ ١٨٦ ، وفيه قول آخر لعمر. والمشهور : لا ترحل.

(٢) الأهوية : البئر المغطاة. وفي الأغاني : «فجعل في نقير في بئر». والفريعة بنت عمرو بن خنيس (أسد الغابة : ٥ ٥٢٩).

(٣) ديوان علقمة : ٦٦.

(٤) النهاية : ٣ ١٢٦ ، والإضافة منه.

(٥) النهاية : ٣ ١٢٦ ، وفي الأصل : حسن. ويرى ابن الأثير أن الطعمة هي الفيء والخراج.

(٦) ٩٣ آل عمران : ٣.

٤٦٨

الطَّعامَ) (١) (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ)(٢). وإمّا شرعا فقد تقدّم ، وفيه بحث كقوله في المصرّاة : «وصاعا من طعام لا سمراء» (٣) أي من تمر لا حنطة ؛ فالتمر عند الشرع طعام. قلت : ويمكن أن يكون من قلب الدليل ، وإنّ قوله : «لا سمراء» أي لا حنطة ، فلولا تبادر الفهم إلى اختصاص الطعام بها لما أخرجها. وفي الحديث : «طعام الواحد يكفي الاثنين وطعام الاثنين يكفي الأربعة» (٤) أي شبع الواحد (٥) ويؤيده ما قال عمر في تفسير عام الرّمادة : «لقد هممت أن أنزل على أهل كلّ بيت عددهم فإنّ الرجل لا يهلك على نصف بطنه».

ط ع ن :

قوله تعالى : (وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ)(٦) أي عابوه وثلبوه ، وهو استعارة من طعنك بالرمح ونحوه. يقال : طعن يطعن ، بالضمّ. وأنشد لامرئ القيس (٧) : [من الطويل]

وليس بذي رمح فيطعنني به

وليس بذي سيف وليس بنبّال

فاستعير ذلك للكلام فيقال : طعن في نسبه. ومكّن الحاكم الخصم من الطعن في الشاهد. وبعضهم فرّق في المضارع بين الطّعنين فقال : يطعن بالرمح ـ بالضم ـ وفي النّسب ـ بالفتح ـ ، وليس يثبت. وتطاعنوا واطّعنوا ؛ افتعال منه فأبدلت التاء طاء. وفي الحديث : «فناء أمّتي بالطعن والطاعون» (٨) قيل : هو فساد الماء أو الهواء ولذلك يعمّ فناؤه. وعام الطاعون معلوم. وقيل : عبّر بالطّعن عن الفتن فإنها إذا قامت تطاعنوا.

__________________

(١) ٨ الإنسان : ٧٦.

(٢) ٩٦ المائدة : ٥.

(٣) النهاية : ٣ ١٢٦ ، وفيه تفصيل شرعي. والمصرّاة : من صرّ الناقة يصرّها : شدّ ضرعها. وليس في النهاية واو العطف في «وصاعا» ، ولعله أصوب.

(٤) النهاية : ٣ ١٢٥.

(٥) يريد : شبع الواحد قوت الاثنين.

(٦) ١٢ التوبة : ٩.

(٧) الديوان : ٦٩٣.

(٨) النهاية : ٣ ١٢٧.

٤٦٩

فصل الطاء والغين

ط غ و :

قوله تعالى : (وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ)(١) أي في ضلالهم. وأصل الطّغيان مجاوزة الحدّ في كلّ شيء ، وغلب في تزايد العصيان. قال تعالى : (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ)(٢) أي تزايد على حدّه. (فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ)(٣) أي بطغيانهم ، فهي مصدر كالعاقبة. وقال الراغب : (٤)(فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ) إشارة إلى الطوفان المعبّر عنه بقوله : (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ) ، وفيه نظر من حيث إنّ المهلك بالطاغية غير المهلك بالطوفان ، وهو واضح إلا أن يريد في مجرّد الاستعارة. قوله تعالى : (وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى)(٥) تنبيه أنّهم كانوا أشدّ طغيانا ، ومع ذلك لم ينجهم من طغيانهم. قوله : (إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى)(٦) أي يتزايد في طغيانه إذا كثر ماله.

قوله : (رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ)(٧) أي ما حصّلته له. قوله : (كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها)(٨) أي بطغيانها ؛ فهو مصدر كالدّعوى والبلوى (٩). وفيه تنبيه أنهم لم يصدقوا إذ خوّفهم بعقوبة طغيانهم. قوله : (ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى)(١٠) أي لم يتجاوز حدّه وقصده. قوله : (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ)(١١) قيل : الطاغوت : الصنم. وقيل : كلّ ما عبد من دون الله ، وليس هذا تفسيرا لموضوع اللفظ بل أطلق عليه مبالغة. وأصل الطاغوت مصدر بني على فعلوت

__________________

(١) ١٥ البقرة : ٢.

(٢) ١١ الحاقة : ٦٩.

(٣) ٥ الحاقة : ٦٩.

(٤) المفردات : ١٠٤.

(٥) ٥٢ النجم : ٥٣.

(٦) ٦ العلق : ٩٦.

(٧) ٢٧ ق : ٥٠.

(٨) ١١ الشمس : ٩١.

(٩) يريد : الطغوى.

(١٠) ١٧ النجم : ٥٣.

(١١) ٢٥٦ البقرة : ٢.

٤٧٠

مبالغة كالملكوت والرّغبوت. وأصله طغووت أو طغيوت فقلبت الكلمة بأن أخّرت عينها إلى موضع لامها ولامها إلى موضع عينها ، فصارت طغيوتا أو طيغوتا ، فتحرّك حرف العلة وانفتح ما قبله فقلبت الفاء ؛ فوزنه بعد القلب فلعوت. وقيل : هو فعلوت ، وتحقيقه في غير هذا ؛ فلامه واو أو ياء بدليل قولهم : طغوت وطغيت طغوانا وطغيانا ، ولغة القرآن الياء ؛ قال تعالى : (فَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْياناً كَبِيراً)(١). ويكون واحدا ويكون جمعا ، ويذكّر ويؤنث ؛ قال تعالى : (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ)(٢) فأخبر عن جمع. وقال تعالى : (وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها)(٣) فأنّث ، وفي موضع آخر : (وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ)(٤) فذكّر ؛ قوله : (يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ)(٥) قيل : هو كعب بن الأشرف (٦) ، وفي التفسير قصته وهذا من جنس ما تقدّم من تفسيرهم له بالصّنم.

فصل الطاء والفاء

ط ف أ :

قوله تعالى : (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ)(٧) أي ليذهبوا دين الله ، وهو استعارة من : أطفأت النار ، أي أخمدتها فطفئت. وقد طفئت فهي طافئة ومطفأة. وقال في موضع : (لِيُطْفِؤُا)(٨) ، والفرق بين الموضعين أنّ قوله : (أَنْ يُطْفِؤُا) يقصدون إطفاء نور الله تعالى ، و (لِيُطْفِؤُا) أي يقصدون أمرا يتوصّلون به إلى إطفاء نور الله. كذا قاله

__________________

(١) ٦٠ الإسراء : ١٧.

(٢) ٢٥٧ البقرة : ٢.

(٣) ١٧ الزمر : ٣٩.

(٤) ٦٠ النساء : ٤.

(٥) مطلع الآية السابقة.

(٦) وانظر معجم أعلام القرآن ـ مادة طاغوت.

(٧) ٣٢ التوبة : ٩.

(٨) ٨ الصف : ٦١.

٤٧١

الراغب (١) ، وفيه نظر لأنّ قوله : (لِيُطْفِؤُا) بتقدير : لأن يطفئوا ، و (أَنْ يُطْفِؤُا) بتقدير : لأن يطفئوا أيضا ؛ فإنّ أن بعد لام كي ولام الجرّ يطّرد حذفها مع أن ، وتحقيقه في غير هذا.

ط ف ف :

قوله تعالى : (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ)(٢) هم الذين ينقصون المكيال والميزان. قيل لهم ذلك لأنّهم لا يكادون يبخسون الناس إلا الشيء اليسير ، وهو الطفيف. وأصله من طفا الماء وهو جانبه. وقيل : من الطّفافة وهو ما لا يعتدّ به. وفي الحديث : «كلّكم بنو آدم طفّ الصّاع» (٣) أي قريب بعضكم من بعض ، لأنّ طفّ الصاع قريب من ملئه.

ط ف ق :

قوله تعالى : (وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما)(٤) أي شرعا ، وهي من أفعال الشّروع ترفع الاسم وتنصب الخبر كعسى. ولا يقترن خبرها بأنّ لتنافيهما. يقال : طفق يفعل كذا ـ بفتح الفاء وكسرها ـ. وطفق وطبق ـ بالباء والحركتين ـ بمعنى واحد. قيل : ولا تستعمل أفعال الشروع إلا في الإثبات دون النفي ؛ فلا يقال : ما طفق يفعل كذا. وقوله : (فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ)(٥). أي أخذ يمسح سوقها وأعناقها بالسيف أو بيده. وتفسير أبي عبيدة : ما زال يفعل كذا تفسير للمعنى دون اللفظ.

ط ف ل :

قوله تعالى : (ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً)(٦) قيل : الطفل : يكون واحدا وجمعا ، ومنه هذه الآية وأجيب بأن التقدير : يخرج كلّ واحد منكم طفلا. واستشهد بقوله : (أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا)(٧) فوصفه بالجمع ، وأجيب بعموم ال. قيل : والطفل يطلق على الصبيّ من

__________________

(١) المفردات : ٣٠٥.

(٢) ١ المطففين : ٨٣.

(٣) النهاية : ٣ ١٢٩.

(٤) ٢٢ الأعراف : ٧.

(٥) ٣٣ ص : ٣٨.

(٦) ٥ الحج : ٢٢.

(٧) ٣١ النور : ٢٤.

٤٧٢

حين يولد إلى حين يحتلم ؛ قال تعالى : (وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ)(١) قيل لهم ذلك باعتبار ما كانوا كقوله تعالى : (وَآتُوا الْيَتامى)(٢) وقد تقدّم في مادة (ص ب ي) الكلام على ذلك مستوفى. ويقال طفل للرجل والمرأة ، وقد يؤنّث كقول الشاعر (٣) : [من الكامل]

ولقد لهوت بطفلة ميّالة

بلهاء تطلعني على أسرارها

وقيل : الرواية بطفلة بفتح الطاء ـ يقال : امرأة طفلة ، أي ناعمة (٤) ، وأصل ذلك من الطّفل ؛ فإنه يقال للصبيّ طفلا ما دام ناعما. فباعتبار النّعومة (٥) يقال لها طفلة. وقد طفلت طفولة وطفالة. والطّفل : اصفرار الشمس ، وأنشد (٦) : [من الوافر]

وعلى الأرض غيايات الطّفل

وطفلت الشمس : همّت بالرّؤود (٧). ومنه : الطّفيليّ ؛ يقال طفّل : إذا أتى طعاما غير مدعوّ إليه ، من طفل النهار ، وهو إثباته في ذلك الوقت. وقيل : الطفيليّ نسبة إلى رجل يقال له طفيل العرائس ، وكان معروفا بحضور الدّعوات. وفي حديث الاستسقاء : «وقد شغلت أمّ الصبيّ عن الطّفل» (٨) هو كقولهم : «في أمر لا ينادى وليده» (٩) أي لشدّة الأمر اشتغلت أمّ الطفل عنه ، وأين هذا من قوله تعالى : (تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ)(١٠).

__________________

(١) ٥٩ النور : ٢٤.

(٢) ٢ النساء : ٤.

(٣) أنشده ابن شميل كما في اللسان ـ مادة بله.

(٤) وفي الأصل : ناعم.

(٥) وفي الأصل : النعمة.

(٦) عجز للبيد (الديوان : ١٨٩) ، وصدره :

فتدلّيت عليه قافلا

والغياية : ظل الشمس أو كل شيء أظلّ الإنسان.

(٧) وفي اللسان : بالوجوب. وفي المفردات : وبالدّور.

(٨) النهاية : ٣ ١٣٠.

(٩) تمام الكلام : وقع في أمر لا ينادى وليده.

(١٠) ٢ الحج : ٢٢.

٤٧٣

فصل الطاء واللام

ط ل ب :

قوله تعالى : (ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ)(١) الأصل في ذلك أنّ الكفار كانت تطلي أصنامها بالزّعفران وغيره ، فيجيء الذباب يلحسه ، فضرب الله ذلك مثلا لضعفهم فقال : (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ) إلى أن قال : (وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً)(٢) الآية. (ضَعُفَ الطَّالِبُ) وهو الأصنام ، (وَالْمَطْلُوبُ) وهو الذباب. وحمل الآية على أعمّ من ذلك أظهر. وأصل الطلب الفحص عن وجود الشيء عينا كان ذلك الشيء أو معنى. وأطلبته : أسعفته بما طلب. وإذا أحوجته إلى الطلب : أوجدته كذلك. وأطلب الكلأ ، أي تباعد حتى صار بحيث أن يطلب ، وحقيقته صار ذا طلب ، نحو أحصد الزرع. قال :

لم أر كاليوم مطلوبا ولا طالبا

والطّلبة : هي الشيء المقصود بالطلب ، ومنه ظفر فلان بطلبته.

ط ل ح :

قوله تعالى : (وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ)(٣). قيل : الطلح : الموز ، والمنضود : المتراكب بعضه على بعض. وعن علي : «أنه كان يقرأ (وطلع) ـ بالعين ـ ويقول : ما الطّلح؟» (٤). وهذا لا ينبغي أن يصحّ عن مثله. وقيل : الطلح : شجر عظيم بالبادية كالسّمر ونحوه ، إلا أنه تعالى وصفه بخلاف صفته الدّنيوية ، فذكر أنّه نضد بالثمرة من أوله إلى آخره. وقيل : هو

__________________

(١) ٧٣ الحج : ٢٢.

(٢) من الآية السابقة.

(٣) ٢٩ الواقعة : ٥٦.

(٤) قرأها علي بالعين على المنبر. فقيل له : أفلا نغيره في المصحف؟ قال : ما ينبغي للقرآن أن يهاج ، أي لا يغير (مختصر الشواذ : ١٥١).

٤٧٤

شجر حسن اللون لخضرته ، له رفيف ونور طيب. فخوطبوا ووعدوا بما يحبّون ، وذلك لكثرة ظلّه ، وهم يحبون الظلّ ، ولذلك وعدوا به في مواضع. والواحد طلحة.

وإبل طلاحيّ : منسوب إلى الطّلح لأكله منه. وإبل طلحة : مشتكية من أكله. ٢١٧ والطّلح والطّليح : المهزول المجهود (١). ومنه : ناقة طليح أسفار. والطّلاح منه ، وهو مقابل الصّلاح.

ط ل ع :

قوله تعالى : (وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ)(٢) الطّلع : ما ينشقّ عنه الجفّ (٣) أول ما يبدو ، ثم هو بلح. والهضيم : الخفيف ، وهو أحسن له. وسيأتي إن شاء الله تعالى ؛ سمي بذلك لطلوعه من الكفرّى (٤). قوله : (طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ)(٥) يجوز أن يكون ذلك حقيقة ، وأنّ الله خلق شجرة لها طلع بشيع المنظر ، فقيل ذلك لأنهم أنفر شيء من الجنّ ، كما أنهم آنس شيء بالملك خوطبوا بذلك حقيقة. وقد كثر في الحديث والأخبار رؤية الجنّ ، فيجوز أن يكونوا رأوها على تلك الهيئة المخيفة. وبلغني في ذلك وقوع مثله ولو لواحد لا لكلّ فرد من الناس. ومن طالع أخبار العرب عرف من ذلك شيئا كثيرا. وقيل ذلك على سبيل الاستعارة التخييلية ، والأول هو الحقّ.

قوله تعالى : (حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ)(٦) أي إلى طلوع الفجر ، فهو مصدر ؛ قرئ بفتح اللام (٧) وهو القياس وله أخوات وردت بالكسر والفتح ، والفتح القياس كالمشرق (٨) والمغرب

__________________

(١) ساقطة من ح.

(٢) ١٤٨ الشعراء :

(٣) الجفّ : غشاء الطلع إذا جفّ.

(٤) الكفر : وعاء طلع النخل. وتلفظ : الكفر ، الكفرّى ، الكفرّى ، الكفرّى ، الكفرّى (اللسان ـ كفر).

(٥) ٦٥ الصافات : ٣٧.

(٦) ٥ القدر : ٩٧.

(٧) «مطلع» كسر اللام يحيى بن وثاب وأبو رجاء والأعمش ... وقرأه العوام بفتح اللام. وقول العوام أقوى في قياس العربية لأن المطلع ـ بالفتح ـ هو الطلوع (معاني القرآن للفراء : ٣ ٢٨٠).

(٨) وفي الأصل : كالمسبوق.

٤٧٥

والمنبت (١). وطلعت الشمس طلوعا : بدت تشبيها بإنسان قد أشرف من علو ؛ يقال : طلع علينا واطّلع ؛ قال تعالى : (فَاطَّلَعَ فَرَآهُ)(٢)(أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى)(٣) وهو افتعال من الطلوع. واستطلعت رأيه : استشرته ، كأنك سألت رأيه الطلوع عليك. وطليعة القوم : عينهم الذي يتقدّمهم. وطلاع الأرض : ملؤها. وفي الحديث : «طلاع الأرض ذهبا» (٤). وطلاع الأرض : ملء الأرض منها. ومنه : قوس طلاع ، أي تملأ الكفّ.

قوله : (تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ)(٥) أي تشرف على القلوب استشراف من يطّلع على الشيء. والمراد بها أنها تصل إلى أرقّ شيء فيهم. نسأل الله العافية.

ط ل ق :

قوله تعالى : (الطَّلاقُ مَرَّتانِ)(٦). الطلاق لغة : التّخلية من الوثاق (٧). يقال (٨) : أطلقت البعير من عقاله ، وأطلقت لك من مالي كذا : خلّيت عنه. وأمّا شرعا فهو حلّ عقدة النكاح ، بقول صريح أو كناية من زوج بشروط مذكورة في موضعها ، وفيه معناه اللغويّ أيضا لأنه تخلية للمرأة من وثاق الزوج. ويقال : طلّقت المرأة فهي مطلّقة وطالق. ويقال للحلال طلق ، أي أنه غير مقيد على أحد شرعا. والمطلق يقابل المقيد لغة وعرفا. قوله تعالى : (وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ)(٩) فهذا عامّ في الرجعيّات والبائنات. قوله : (وَبُعُولَتُهُنَ)(١٠) خاصّ بالرجعيّات. وله مخصصات أخر استوفيناها في «القول

__________________

(١) ومنها : المسجد ، المسقط ، المرفق ، المفرق ، المجزر ، المسكن (وكلها وغيرها مكسورة العين). وقد جعلوا الكسر علامة للاسم والفتح علامة للمصدر.

(٢) ٥٥ الصافات : ٣٧.

(٣) ٣٨ القصص : ٢٨.

(٤) تمام الحديث : «لو أن لي ...» وهو لعمر بن الخطاب (النهاية : ٣ ١٣٣).

(٥) ٧ الهمزة : ١٠٤.

(٦) ٢٢٩ البقرة : ٢.

(٧) في الأصل : وثاق.

(٨) ساقطة من ح.

(٩) ٢٢٨ البقرة : ٢.

(١٠) من الآية السابقة.

٤٧٦

الوجيز». قوله : (فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا)(١) أي فإن طلقها الزوج الثاني. وانطلق فلان : مرّ مرورا مخلّى عنه. ويستعار التطليق لفراق الألم. وأنشد النابغة (٢) : [من الطويل]

يسهّد من ليل التّمام سليمها

تطلّقه طورا وطورا تراجع

يعني الحية التي ذكرها قبل ذلك في قوله (٣) : [من الطويل]

فبتّ كأنّي ساورتني ضئيلة

وعدا الفرس طلقا أو طلقين اعتبارا بتخلية سبيله. وإطلاق اليد : عبارة عن سخائها كقولهم في العكس : يده مغلولة ، وغلّت يده. وفلان طلق المحيّا ، وطلق الوجه وطليقه : عن حسن خلقه. كقوله (٤) : [من الطويل]

عدس ما لعبّاد عليك إمارة

غدوت (٥) وهذا تحملين طليق

والطليق أيضا ضدّ الأسير ، وفي المثل : «هان على الطليق ما لقي الأسير».

ط ل ل :

قوله تعالى : (فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌ)(٦) الطّلّ : المطر اليسير كالنّدى ، وهو الطّشّ

__________________

(١) ٢٣٠ البقرة : ٢.

(٢) في البيت اضطراب ؛ فرواية ابن السكيت تخالف رواية أبي عبيدة. على أن المؤلف وقع في الخلط فأخذ الصدر من البيت الثاني عشر (الديوان : ٤٦) وأضافه إلى عجز البيت بعده على رواية أبي عبيدة (أنظر الحاشية ١٣). على أن في الصدر اختلافا أيضا. أما رواية اللسان فتختلف أيضا ، والقافية فيه : تراجعه (مادة ـ طلق).

(٣) صدر من البيت السابق ، وعجزه :

من الرّقش في أنيابها السمّ ناقع

(٤) البيت ليزيد بن مفرغ الحميري ، وقيل ليزيد بن ربيعة بن مفرغ. وهو من شواهد النحو ذكره ابن هشام ثلاث مرات في أوضح المسالك : ١ ١١ و ٢ ٩١ و ٣ ١٢٤. وهو من قطعة في اللسان (مادة ـ عدس).

(٥) في اللسان : نجوت ، وهي على إحدى روايات أوضح المسالك ، والمشهور : أمنت. وانفرد الأصل بهذه الرواية.

(٦) ٢٦٥ البقرة : ٢.

٤٧٧

أيضا. وأطلّت الأرض فهي مطلولة : أصابها طلّ. ومنه : طلّ دم فلان : إذا هدر كأنه غير معتدّ به وصار (١) أثره كأنه طلّ. ومنه في الحديث : «ومثل ذلك يطلّ» (٢) ويروى : بطل بيّن البطلان. وفي حديث آخر : «فطلّها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم» (٣) أي أبطلها. يقال : طلّ دمه ؛ فهو مطلول. وأطلّه الله. ولا يقال : طلّ دمه ، مبنيا للفاعل ، وجوّزه الكسائيّ.

وفي حديث يحيى بن يعمر : «أنشأت وتطلّها» (٤) أي تسعى في بطلان حقّها من طلول الدم. ويكون طلّ متعديا بهذا المعنى ؛ يقال : طلّ فلان غريمه. ولما كان الطلول يستعمل في الشيء القليل قيل لأثر الدار : طلل. وأنشد (٥) : [من مجزوء الوافر]

لمية موحشا طلل

يلوح كأنّه خلل

وقال امرؤ القيس (٦) : [من الطويل]

لمن طلل أبصرته فشجاني

كخطّ زبور في عسيب يمان

وطلل الرجل أيضا لشخصه المترائي. وقولهم : أطلّ فلان : معناه أشرف بطلّه ، أي بشخصه.

__________________

(١) وفي الأصل : وصار أمره أثره ، فأسقطناها.

(٢) النهاية : ٣ ١٣٦. والرواية لم ترد فيه.

(٣) النهاية : ٣ ١٣٦ ، أي : أهدرها وأبطلها.

(٤) النهاية : ٣ ١٣٦ ، بتبديل الفعلين. وليس بينهما حرف عطف.

(٥) من شواهد اللسان ـ مادة طلل. وذكره سيبويه شاهدا ونسبه إلى كثير عزة. كما نسبه آخرون إلى ذي الرمة. كما أنه من شواهد الحال (أوضح المسالك : ٢ ٨٢).

(٦) الديوان : ٧٧.

٤٧٨

فصل الطاء والميم

ط م ث :

قوله تعالى : (لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌ)(١). الطّمث في الأصل : دم الحيض ودم الافتضاض ثم تجوّز به عن نفس الافتضاض (٢). فيقال : طمث فلان فلانة ، أي أصابها فأدماها. وقد يقال ذلك وإن لم يكن ثمّ دم. وقيل للحائض طامث. وطمثت المرأة ، بفتح العين وكسرها : حاضت. وطمثت : افتضّت. وقرئ : لم يطمثهن بكسر العين وضمّها وهما لغتان ، وقرئ شاذّا بفتح العين (٣). وقيل : الطمث : المسّ. وأنشد للفرزدق (٤) : [من الوافر]

دفعن إليّ لم يطمثن قبلي

وهنّ أصحّ من بيض النّعام

وقال ابن عرفة : لم يطمثن : لم يمسّهنّ رجل ولا حبل.

ط م س :

قوله تعالى : (رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ)(٥) أي أهلكها. وفي التفسير أنه جعل منكرهم حجارة وهو المسخ في الحقيقة. وأصل الطمس محو الأثر ، ومنه طمس الأثر ،

__________________

(١) ٥٦ الرحمن : ٥٥.

(٢) وفي اللسان بالقاف.

(٣) قرأت القراء كلهم بكسر الميم في «يطمثهن» ، وكذا قرأها أصحاب علي. وأما أصحاب عبد الله فقرؤوها بضم الميم. وكان الكسائي يقرأ واحدة برفع الميم والأخرى بكسرها لئلا يخرج من هذين الأثرين وهما «لم يطمثهنّ» (هذه الآية والآية ٧٤) (معاني القرآن للفراء : ٣ ١١٨ ـ ١١٩).

(٤) الديوان : ٨٣٦. وفيه : مشين إلي ، بينما رواية اللسان : وقعن إلي.

(٥) ٨٨ يونس : ١٠.

٤٧٩

وطسم مقلوبه. وطريق طامس : إذا لم يبق فيه أثر ولا علم. وأنشد لكعب بن زهير (١) : [من البسيط]

عرضتها طامس الأعلام مجهول

قوله تعالى : (مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً)(٢) أي نجعلها مثل أقفائها لا عين ولا فم ولا أنف كالقردة (٣). ومنه قوله تعالى : (وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ)(٤) أي محونا أثرها وأزلنا ضوءها كما يزال الأثر. وقيل : (مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً ؛) ذلك في الدّنيا بأن نجعل الشّعر على وجوهكم فيكسوها ، فتصير وجوهكم كوجوه القردة ، وقد وقع ذلك لأسلافهم. وقيل : معناه : نردّهم من الهداية إلى الضلالة كقوله : (وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً)(٥). وقيل : عنى بالوجوه الرؤساء والأكابر ، أي نجعل رؤساءهم أسافل وأذنابا كقول الأفوه الأوديّ (٦) : [من البسيط]

... فالأذناب أكتاد

وذلك أعظم أسباب البوار. ومثله : «وأن ترى الحفاة العراة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان» (٧). وقيل ذلك إشارة إلى ما يفعل بهم في الآخرة. وقيل : الطّمس : استئثار أثر الشيء. ومنه قوله تعالى : (فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ)(٨). ومنه طمست الريح آثار القوم.

__________________

(١) عجز من «بانت سعاد» ص : ٩. وصدره :

من كلّ نضّاخة الذّفرى إذا عرقت

(٢) ٤٧ النساء : ٤.

(٣) وفي الأصل : كالقرصة.

(٤) ٦٦ يس : ٣٦.

(٥) ٢٣ الجاثية : ٤٥.

(٦) من داليته المشهورة (الأمالي : ٢ ٢٢٢) ، وتمام البيت :

أمارة الغيّ أن يلقي الجميع لذي ال

إبرام للأمر ، والأذناب أكتاد

(٧) صحيح مسلم ، باب الإيمان : ١ ، ٧.

(٨) ٨ المرسلات : ٧٧.

٤٨٠