عمدة الحفّاظ في تفسير أشرف الألفاظ - ج ٢

الشيخ أحمد بن يوسف [ السمين الحلبي ]

عمدة الحفّاظ في تفسير أشرف الألفاظ - ج ٢

المؤلف:

الشيخ أحمد بن يوسف [ السمين الحلبي ]


المحقق: الدكتور محمّد التونجي
الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: عالم الكتب
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٠٤
الجزء ١ الجزء ٢

والصّدى أيضا ذكر [البوم والدّماغ](١) أيضا لكون الدماغ يتصوّر بصورة الصّدى ولهذا سمي هامة. وقولهم : أصمّ الله صداه : دعاء عليه بالخرس ، لأنّ المعنى : لا جعل الله له صوتا حتى لا يكون له صدى يرجع إليه بصوته. وقد يقال للعطش صدى. يقال : رجل صديان وامرأة صدياء وصديانة وصادية. وقد أنشدني شيخنا أثير الدين لبعضهم : [من الخفيف]

لا تفه ما حييت إلا بخير

ليكون الجواب وقفا لديكا

قد سمعت الصّدى وذاك جماد

كلّ شيء تقول ردّ عليكا

وفي حديث ابن عباس : «كان يصادى منه غربه» (٢) أي تدارى. والمصاداة والمدالاة والمداصاة والمراداة والمرافاة والمداملة ، كلّه بمعنى واحد. وقال الخبيث الحجاج لأنس بن مالك رضي الله عنه : «أصمّ الله صداك» (٣) ، قد مرّ تفسيره. وقيل : هو كناية عن الموت ، لأنه إذا مات انقطع صوته.

فصل الصاد والراء

ص ر ح :

قوله تعالى : (إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ)(٤). الصّرح في اللغة : القصر والبناء المشرف. ومنه قوله تعالى : (فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً)(٥). وصرحة الدار : ساحتها. وهو مأخوذ من الصراحة ، لأنه خالص مما يشوبه ؛ فإنّ الصرح في الأصل بيت عال مزوّق. ولبن صريح : بيّن الصّراحة والصرّوحة ، أي خالص. والكذب الصّراح (٦) : الخالص من الصدق. والتصريح ضدّ الكناية

__________________

(١) إضافة من المفردات : ٢٧٩ ، يقتضيها السياق.

(٢) النهاية : ٣ ١٩. وفي الأصل : غرب. والحديث عن أبي بكر.

(٣) النهاية : ٣ ١٩. والمعنى : أهلكك.

(٤) ٤٤ النمل : ٢٧.

(٥) ٣٨ القصص : ٢٨.

(٦) الصراح : مثلثة الصاد.

٣٨١

لأنه إظهار المعنى. وفلان صريح النسب ، أي خالصه. قيل : أنّ سليمان اتّخذ صرحا من زجاج وجعل تحته ماء ، فلما رأته بلقيس حسبته ماء من عرش فوقه. وفي الشعر الذي في حديث أمّ معبد (١) : [من الطويل]

دعاها بشاة حائل فتحلّبت

له بصريح ضرّة الشاة مزبد

يقال : لبن صريح ، أي لم يمذق بماء. وصرّح بالشيء : كشفه. وفي المثل : «عاد تعريضك تصريحا» وجاء فلان صراحا ، أي جهارا.

ص ر خ :

قوله تعالى : (فَلا صَرِيخَ لَهُمْ)(٢) أي لا مغيث يغيثهم. والصريخ يكون للمستغيث وللمغيث ، وأنشد (٣) : [من الكامل]

قوم إذا سمعوا الصّريخ رأيتهم

ما بين ملجم مهره أو سافع

قوله تعالى : (ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ)(٤) أي ما أنا بمغيثكم وما أنتم بمغيثي. قوله : (وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها)(٥) أي يستغيثون : يفتعلون من الصراخ ، وهو التصويت بالاستغاثة. وفي حديث ابن عمر : «استصرخ على صفية استصراخ الحيّ على الميت» (٦) ، وفي الحديث : «كان يقوم من الليل إذا سمع صوت الصارخ» (٧) قيل : الصارخ : الديك.

__________________

(١) النهاية : ٣ ٢٠ واللسان ـ مادة صرح.

(٢) ٤٣ يس : ٣٦.

(٣) من شواهد اللسان ـ مادة سفع.

(٤) ٢٢ إبراهيم : ١٤.

(٥) ٣٧ فاطر : ٣٥.

(٦) النهاية : ٣ ٢١.

(٧) النهاية : ٣ ٢١.

٣٨٢

ص ر ر :

قوله تعالى : (رِيحٍ فِيها صِرٌّ)(١) أي برد شديد ، ومنه الحديث : «نهى عمّا قتله الصّرّ من الجراد» (٢) أي البرد. وقوله : (بِرِيحٍ صَرْصَرٍ)(٣) أي شديدة البرودة هي من الصّرّ ، وإنما كرر اللفظ دلالة على تكرار المعنى كما قالوا : صلصل في صلّ. قيل : وأصل ذلك من الصرّ وهو العقد المحكم. ومنه الإصرار على الذّنب لأنه تعقّد في الذّنب وشدّ عليه وامتناع من الإقلاع عنه. وأصله من الصّرّ وهو الشدّ. ومنه صرّة الدراهم لأنه يعقد عليها. والصّرار : خرقة تشدّ على أطباء الناقة (٤) لئلّا (٥) ترضع. قوله : (فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ)(٦) قيل : في جماعة من النساء ، سميت صرة لانضمام بعضهنّ إلى بعض كأنهنّ جمعوا وصرّوا في وعاء واحد. وقيل : في صيحة ، يعني ولولة النساء لعادتهنّ. قيل : ومنه صرير الباب لصوته. والصّرورة : من لم يتزوج ، ومن لم يحجّ رجلا كان أو امرأة. ومنه : «لا صرورة في الإسلام» (٧) بمعنى التبتّل والترهّب. وسمي الأسير مصرورا لجمع (٨) يديه إلى عنقه.

ص ر ط :

قوله : (الصِّراطَ) قد تقدّم الكلام عليه في باب السين لأنها أصلية والصاد بدل عنها ، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.

__________________

(١) ١١٧ آل عمران : ٣.

(٢) النهاية : ٣ ٢٣.

(٣) ٦ الحاقة : ٦٩.

(٤) الطّبي : واحد الأطباء وهي حليمات الضرع التي من ذوات خف وظلف وحافر.

(٥) في الأصل : التي ، والسياق يؤكد ما ذكرنا ؛ فقد كانوا يربطونها لئلا ترضع أبناؤها.

(٦) ٢٩ الذاريات : ٥١.

(٧) من حديث التبتل وترك النكاح كما في النهاية : ٣ ٢٢.

(٨) وفي ح : بجمع.

٣٨٣

ص ر ع :

قوله تعالى : (فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى)(١) جمع صريع ، وهو من أصابه داء صرعه أي ألقاه. يقال : صرعته أصرعه صرعا. قال الشاعر (٢) : [من الرجز]

يا أقرع بن حابس يا أقرع

إنّك إن يصرع أخوك تصرع

وفي المثل : «وقع المصطرعان عدلي عير». وصارعته فصرعته. وفي الحديث : «ما تعدّون الصّرعة فيكم؟» (٣) هو الرجل الحليم في هذا الحديث وفي غيره. هو الذي يصرع من قاومه. ويستوي فيه الواحد والجمع. يقال : رجل صرعة ـ بتحريك العين ـ وقوم صرعة. والصّرعة : بفتح الفاء وسكون العين ، حالة المصروع. والصّراعة : حرفة المصارع كالخياطة. وقيل : أصل الصّرع الطرح. وأصاب المجنون صرع لأنه يطرح غالبا. وهما صرعان كقولهم : قرنان. ومصراعا الباب على التشبيه بالمتصارعين. وبمصراعي الباب شبه المصراعان من الشعر ، ولذلك سمي بيتا.

ص ر ف :

قوله تعالى : (سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ)(٤) أي سأنحّى وأعدل بهم عنها.

يقال : صرفه عن كذا : إذا عدل به عنه ونحاه. وقيل : وأصل الصرف ردّ الشيء من حالة إلى حالة وإبدال غيره به. وقيل : هو التقليب والتحويل. ومنه قوله تعالى : (وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ)(٥) أي تقليبها من جهة إلى أخرى تكون شمالا فتصير جنوبا ثم دبورا ثم نكباء. وتصريف الدراهم من ذلك. والتصريف الاصطلاحيّ من ذلك لأنه يقلب اللفظ من بنية إلى بنية نحو :

__________________

(١) ٧ الحاقة : ٦٩.

(٢) البيت من شواهد مغني اللبيب ، رقمه ٨٠٧.

(٣) النهاية : ٣ ٢٣.

(٤) ١٤٦ الأعراف : ٧.

(٥) ١٦٤ البقرة : ٢ ، وغيرها.

٣٨٤

ضارب ومضروب وضرّاب ، كما هو محقق في موضعة. وصريف الباب والبكرة : أصواتهما عند حركتهما ، وحقيقة ذلك أنّ هذا الصوت يظهر عند تصريفهما أي ترديدهما وتقليبهما. وقال النابغة (١) : [من البسيط]

له صريف صريف القعو بالمسد

أي لبابها صوت كصوت البكرة على البئر. وقد بينّا وجه ذلك في شرح القصيدة متصرّفا في أحد الأقوال لأنّ فيه ما يشبه الصرف وهو التنوين. قوله تعالى : (ثُمَّ انْصَرَفُوا) ـ أي ذهبوا ـ (صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ)(٢) يجوز أن يكون خبرا أي فعل بهم ذلك فأخبر به ، وأن يكون دعاء. قوله : (فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلا نَصْراً)(٣) أي لا يقدرون أن يصرفوا عن أنفسهم العذاب أو أن يصرفوا أنفسهم عن النار أو أن يصرفوا الأمر من حال إلى حال في التعبير. وقيل : الصرف : الحيلة. وعن مكحول في قوله عليه الصلاة والسّلام : «لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا» (٤) ؛ الصرف : التّوبة ، والعدل : الفدية : وقال غيره : الصرف : النافلة ، والعدل : الفريضة. قوله : (وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً)(٥) أي معدلا. وأنشد لأبي كبير الهذليّ (٦) : [من الكامل]

أزهير هل عن شيبة من مصرف؟

قوله : (وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً)(٧) أي أقبلنا بهم إليك وإلى الاستماع منك.

__________________

(١) عجز للنابغة الذبياني ، وصدره : مقذوفة بدخيس النحض بازلها.

الصريف : الصرير. القعو : البكرة. المسد : الحبل من ليف.

(٢) ١٢٧ التوبة : ٩.

(٣) ١٩ الفرقان : ٢٥.

(٤) النهاية : ٣ ٢٤. ويقول ابن الأثير : فالصرف : التوبة ، وقيل : النافلة. والعدل : الفدية ، وقيل : الفريضة.

(٥) ٥٣ الكهف : ١٨.

(٦) صدر لمطلع قصيدة لأبي كبير (ديوان الهذليين : ٢ ١٠٤). وعجزه :

أم لا خلود لباذل متكلّف

(٧) ٢٩ الأحقاف : ٤٦.

٣٨٥

والصّريف : اللبن إذا سكنت رغوته ، كأنه صرف الرغوة عن نفسه أو صرفت عنه. وقيل : هو اللبن ساعة يحلب ، كأنه صرف به عن الضّرع. ومنه حديث الغار : «في رسلها وصريفها» (١). ورجل صيرف وصيرفيّ وصرّاف : يعرف جيد الدراهم من رديئها. قال الشاعر (٢). [من البسيط]

تنفي يداها الحصا في كلّ هاجرة

نفي الدراهيم تنقاد الصّياريف

أشبع في اللفظين أي الدراهم والصيارف ؛ سمي بذلك لأنه يقلّبها ويديرها ليعرفها. قوله تعالى : (وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ)(٣) أي نبيّنها تبيين من يقلب الشيء ، هذا إن أريد بها آيات القرآن وإن أريد بها ما أرسله من الآيات (٤) والدّلالات. فالتصريف على حاله أي يشيعها ويقلّبها ويردّدها بين الناس ، إما بالمشاهدة وإما بالسماع ليرتدعوا. ويقال : عنز صارف كأنها صرفت إلى نفسها (٥) ، يراد بها الحائل (٦). والصّرف : صبغ أحمر خالص ، فمن ثم سمي صرفا ؛ ويقال لكلّ خالص عن غيره : صرف ؛ كأنه صرف عمّا يشوبه. والصّرفان : الرّصاص ، قيل : سمي بذلك كأنه صرف [عن](٧) أن يبلغ قيمة الفضة. قالت الزّبّاء (٨) : [من الرجز]

ما للجمال مشيها وئيدا؟

أجندلا يحملن أم حديدا؟

__________________

(١) وتمامه : «ويبيتان في ...» النهاية : ٣ ٢٥.

(٢) البيت للفرزدق ، وهو فريد في الديوان : ٥٧٠. وانظر اللسان ـ مادة صرف. وكتاب سيبويه : ١ ٢٨. ولم يشبع الدراهم في الديوان.

(٣) ١٠٥ الأنعام : ٦.

(٤) وفي س : العلامات.

(٥) وفي الأصل : نعتها.

(٦) الحائل : كل أنثى لا تحمل.

(٧) إضافة يقتضيها السياق.

(٨) الرجز للزباء الملكة ، ذكره ابن منظور ـ مادة صرف. واستشهد بالأول ابن هشام في مغني اللبيب ، شاهد ٨٣٢ ، والفراء في معاني القرآن : ٢ ٧٣ و ٤٢٤.

٣٨٦

أم صرفانا باردا شديدا؟

أم الرّجال جثّما قعودا؟

ص ر م :

قوله تعالى : (فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ)(١) ؛ قيل : كالليل ، يعني أنها احترقت فاسودّت فشبّهت بالليل. قيل : وهو من الأضداد. وحقّقه بعضهم بأن كلا من الليل والنهار يتصرّم من صاحبه ، أي منسلخ ؛ فكلّ منها صريم لذلك. ويقال لهما الأصرمان ، لأنّ كلا منهما يتصرّم من صاحبه. والأصرمان أيضا الذئب والغراب لانصرامهما ، أي انعزالهما عن الناس. وقيل : كالصّريم ، أي الذي صرم حمله ، أي ذهب به. فهو فعيل بمعنى مفعول. والصّرم والصّرم ـ بالضم والفتح ـ القطيعة ؛ قال امرؤ القيس (٢) : [من الطويل]

أفاطم مهلا بعض هذا التّدلّل

وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي

وفي الحديث : «فتقول : هذه صرم» (٣) هو جمع الصّريم ، وهو ما قطع أذنه ، أي قطع وصرم وصلم بمعنى واحد. وفيه أيضا ... (٤) واحده وهو الصّيرم بمعنى فتنة قاطعة وهو فيعل من الصّرم. ومن ذلك الصارم وهو الماضي من السيف القاطع. وناقة مصرومة (٥) : لا لبن لها كأنها (٦) قطع ثديها فلا يخرج لبنها. وأنشد : [من البسيط]

وردّها درهم حرقا مصرّمة

ولا كريم من الولدان مصبوح (٧)

والصّريم أيضا : قطعة منفردة من الرمال. ويقال الصريمة أيضا ؛ قال الشاعر : [من البسيط]

__________________

(١) ٢٠ القلم : ٦٨.

(٢) البيت من معلقته ، شرح القصائد العشر : ٤٦. وفي الأصل : صبرا فأجملي.

(٣) النهاية : ٣ ٢٦.

(٤) بياض في الأصل.

(٥) وفي الأصل : مصرمة.

(٦) وفي الأصل : كأنه.

(٧) البيت موزون ، لكن المعنى لم يستقم.

٣٨٧

وبالصريمة منهم منزل خلق

غاف تغير إلا النؤي والوتد

قوله : (لَيَصْرِمُنَّها)(١) أي ليقطعنّ ثمرها وليجذّنّه وقت الصباح. وفي التفسير قصّة (٢). ونصّرمت السنة ، وانصرم العمر وأصرم كناية عن سوء الحال.

فصل الصاد والطاء

ص ط ر :

قوله تعالى : (لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ)(٣) أي بوكيل يصيطر عليه إذا توكّل به. وكذا قوله : (أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ)(٤). وأصله من السّطر والتّسطير وهو الكتابة ، لأنها أصل الضّبط ، وأصله السين ، وقد قرئ بهما. فقوله : (لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ) أي موكل بأن يكتب عليهم. ويثبت ما يقولونه. وقوله : (أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ) أي هم الذين تولّوا كتابة ما قدّر قبل أن يخلق ، إشارة إلى قوله : (إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ)(٥). وقوله : (فِي إِمامٍ مُبِينٍ)(٦). وهذا قد تقدّم في باب السين فأغنى عن إعادته ، وظاهر كلام الراغب (٧) أنهما أصلان ؛ فإنّه قال : سطر وصطر واحد ، وليس كذلك بل السين الأصل.

__________________

(١) ١٧ القلم : ٦٨.

(٢) تنظر هناك.

(٣) ٢٢ الغاشية : ٨٨.

(٤) ٣٧ الطور : ٥٢.

(٥) ٧٠ الحج : ٢٢.

(٦) ٣ سبأ : ٣٤.

(٧) المفردات : ٢٨٠.

٣٨٨

فصل الصاد والعين

ص ع د :

قوله تعالى : (إِذْ تُصْعِدُونَ)(١) الصعود : الذهاب في المكان العالي. والصّعود والحدور بالفتح أيضا. قال الراغب (٢) : هما بالذات واحد وإنّما يختلفان بحسب الاعتبار بمن يمرّ فيهما (٣) فمتى كان المارّ صاعدا يقال لمكانه صعودا ، وإذا كان منحدرا يقال لمكانه حدورا. والصّعد والصّعود والصّعيد في الأصل واحد ، لكن الصّعد والصّعود يقالان للعقبة ، ويستعار لكلّ شاقّ. قال تعالى : (يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً)(٤) أي شاقّا. وقوله : (سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً)(٥) أي عقبة كؤودا. يروى أنه كلما صعد أعلاها تقطّعت يداه ورجلاه فيهرول منها إلى أسفلها ، ثم تثبّت يداه ورجلاه ، ولا يزال يعذّب بذلك. والصّعيد يقال لوجه الأرض. وقيل : بل هو الغبار الصاعد من وجهها ، ولذلك يشترط في التيمّم أن يعلق بيده غبار. وأما الإصعاد فقد قيل : هو الإبعاد في الأرض سواء كان في صعود أو حدور ، وإن كان أصله من الصّعود وهو الارتقاء نحو تعال ، فإنه في الأصل الدعاء من مكان مستفل إلى مكان عال. ثم قيل في مطلق الإتيان ، حتى يقال لمن هو عال : تعال أسفل. فقوله : (إِذْ تُصْعِدُونَ) أي في الجبل. وقيل : المراد مجرد الذهاب. وقيل : لم يقصد الإبعاد في الأرض ، وإنما أشار إلى علوّهم فيما تحرّوه وأتوه كقولهم : أبعدت في كذا ، وارتقيت فيه كلّ مرتقى. فكأنه قال : إذا بعدتم في استشعار الخوف والاستمرار على الهزيمة. وقرئ : تصعدون ـ بضم التاء ـ على مجرد الذهاب ـ وبفتح التاء والعين ـ على معنى الارتقاء في الجبل والتوغّل فيه فرارا من العدوّ. والظاهر أنّ القراءتين بمعنى واحد على ما قدّمناه (٦).

__________________

(١) ١٥٣ آل عمران : ٣.

(٢) المفردات : ٢٨٠.

(٣) وفي الأصل : وفيه.

(٤) ١٧ الجن : ٧٢.

(٥) ١٧ المدثر : ٧٤ ، أي مشقة من العذاب.

(٦) قرأ أبو حيوة «إذ تصعّدون» بفتح التاء وتشديد العين. وقرأ كما في النص أبي بن كعب وابن محيصن (مختصر الشواذ : ٢٣). وقرأ الحسن البصري : «إذ تصعدون» (معاني القرآن للفراء : ١ ٢٣٩).

٣٨٩

قوله : (كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ)(١) قرئ بالتّثقيل والتخفيف ، وهذا مثل لشدة الأمر وضيق العطن ، كقولهم : يتنفّس الصّعداء إلى فوق. وأصل يصّعد يتّصعّد فأدغم. قوله : (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ)(٢) استعارة لما يصل من العبد إلى الله فيما أمره به ونهاه عنه ، كما استعير النزول لما يصل من الله إلى العبد من الخيرات والبركات. وتصعّد فيّ كذا : شقّ عليّ. ومنه قول عمر رضي الله عنه : «ما تصعّد لي أمر ما تصعّدني خطبة النّكاح» (٣). قوله : (صَعِيداً زَلَقاً)(٤) الصّعيد : الطريق لا ثبات به ، وكذلك الزّلق فهما كقوله : (عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ)(٥). والظاهر أنّ الزلق : ما لا تثبت فيه الأقدام لما فيه من الوحل (٦).

ص ع ر :

قوله تعالى : (وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ)(٧) أي لا تمل به تكبّرا عليهم. يقال : صعّر خدّه ولوى جيده ، وثنى عطفه ، ونأى بجانبه أي تكبّر. وقرئ : تصاعر (٨) وهما لغتان ؛ [صعر و] صاعر : وأصله من الصّعر ، وهو ميل في العنق. وقيل : داء يصيب البعير في عنقه فيلتوي. ويقال فيه الصّيد أيضا ، أي لا تلزم خدّك الصّعر. وفي الحديث : «يأتي على الناس زمان ليس فيهم إلا أصعر أو أبتر أو معرض بوجهه تكبرا» (٩) يعني رذالة الناس. وفيه : «كلّ صعّار ملعون» (١٠) أي كلّ [ذي](١١) أبهة وكبر.

__________________

(١) ١٢٥ الأنعام : ٦. وقراءتها بالتخفيف «يصعد». وتقرأ «يصّاعد» يريد يتصاعد (معاني القرآن للفراء : ١ ٣٥٤).

(٢) ١٠ فاطر : ٣٥.

(٣) النهاية : ٢ ٣٠. وفيه «ما تصعّدني شيء ما تصعّدتني ..». والراغب مثل الأصل.

(٤) ٤٠ الكهف : ١٨. والمعنى : رملا هائلا أو أرضا جرزا لا نبات فيها يزلق عليها لملاستها.

(٥) ١٥٧ البقرة : ٢.

(٦) جاء في هامش ح ، ورقة ١٩٦ : كل أرض مستوية صعيد.

(٧) ١٨ لقمان : ٣١.

(٨) قرأها أهل المدنية وعاصم بن أبي النّجود والحسن. ويقول : ويجوز ولا تصعر ، ولم أسمع به (معاني القرآن للفراء : ٢ ٣٢٨).

(٩) النهاية : ٣ ٣١ ، عدا الجملة المعطوفة الأخيرة.

(١٠) النهاية : ٣ ٣١. الصعّار : المتكبر. وفسّر ما لك بالنمّام.

(١١) إضافة يقتضيها السياق.

٣٩٠

ص ع ق :

قوله تعالى : (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ)(١) قيل : هي صوت الرعد الشديد الذي يصعق منه الإنسان ، أي يغشى عليه. يقال : صعقتهم الصاعقة ، وأصعقتهم فصعقوا وصعقوا. وقيل في الأصل مصدر على فاعله كالعاقبة. وقال بعض أهل اللغة (٢) : الصاعقة على ثلاثة أوجه : الموت كقوله تعالى : (فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ)(٣). والعذاب كقوله تعالى : (فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ)(٤). قلت : وذلك أن عادا أهلكت بالريح وثمود بالرّجفة ، فسّمى ذلك صاعقة. والنار كقوله تعالى : (وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ)(٥). قال الراغب : ما ذكره فهو أشياء متولدة من الصاعقة ؛ فإنّ الصاعقة هي الصوت الشديد من الجوّ ، ثم يكون منه نار فقط أو عذاب أو موت ، وهي في ذاتها شيء واحد. وهذه تأثيرات منها. وقرئ : الصّاقعة (٦) فقيل منها ، وأنشد لابن أحمر (٧) : [من الطويل]

ألم تر أن المجرمين أصابهم

صواقع لا بل هنّ فوق الصّواعق

ونسبها الفراء لتميم. فعلى هذا ليست مقلوبة. وقال الراغب (٨) : الصاعقة والصاعقة يتقاربان وهما الهدّة (٩) الكبيرة ، إلا أنّ الصّقع في الأجسام الأرضية ، والصّعق في الأجسام العلوية. قال بعضهم : وجملة الصاعقة الصوت مع النار. وأنشد لبيد يرثي أخاه ، وكان قد أصابته صاعقة فقتلته (١٠) : [من المنسرح]

فجّعني الرعد والصواعق بال

فارس يوم الكريهة النّجد

__________________

(١) ١٥٣ النساء : ٤ ، وغيرها.

(٢) ومنهم الراغب ، في المفردات : ٢٨١.

(٣) ٦٨ الزمر : ٣٩.

(٤) ١٣ فصلت : ٤١.

(٥) ١٣ الرعد : ١٣.

(٦) الصاعقة والصاقعة : يتقاربان (المفردات : ٢٨١). الصواعق والصواقع واحد (اللسان ـ صعق).

(٧) من شواهد اللسان ـ مادة صقع.

(٨) المفردات : ٢٨١.

(٩) الكلمة ساقطة من الأصل ، أخذناها من المفردات.

(١٠) البيت في أخيه أربد. الديوان : ١٥٨. والبيت في الأصل ناقص ومضطرب.

٣٩١

وقيل : هي كلّ عذاب مهلك. وقيل : هي الموت وإن اختلفت أسبابها من ريح أو نار أو صوت أو غير ذلك. قوله : (وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً)(١) أي لحقته غشية بدليل : (فَلَمَّا أَفاقَ)(٢) وهو نوع من الإغماء ، والإغماء جائز على الأنبياء لأنه من بعض الأمراض بخلاف الجنون.

فصل الصاد والغين

ص غ ر :

قوله تعالى : (وَهُمْ صاغِرُونَ)(٣) أي أذلاء قمآء. والصّغار : الذلّة. قال تعالى : (سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللهِ)(٤). وقال الشافعيّ : معنى الصّغار أن يعلو حكم الإسلام حكم الشّرك. يقال : صغر صغارا أي ذلّ ، وصغر ضدّ كبر ، فوقع الفرق بالمصدر. والصاغر : الراضي بالمنزلة الدنيّة. وعليه حمل قوله : (وَهُمْ صاغِرُونَ). والصّغر والكبر من الأسماء المتضادّة (٥) المقولة عند اعتبار بعضها ببعض ؛ فالشيء قد يكون صغيرا في جنب شيء وكبيرا في جنب آخر. وقد يقال تارة باعتبار الزمان. فيقال : فلان صغير لمن قلّ زمان عمره ، وفلان كبير لمن كبر وإن كان جرمه أقلّ تارة باعتبار الجرم وتارة باعتبار القدر والمنزلة.

قوله : (وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ)(٦). وقوله : (لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً)(٧)(وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ)(٨). كلّ ذلك من القدر والمنزلة في الخير والشرّ من اعتبار بعضها

__________________

(١) ١٤٣ الأعراف : ٧.

(٢) تتمة الآية السابقة.

(٣) ٢٩ التوبة : ٩ ، وغيرها.

(٤) ١٢٤ الأنعام : ٦.

(٥) وفي الأصل : المتضايفة ، وهو وهم.

(٦) ٥٣ القمر : ٥٤.

(٧) ٤٩ الكهف : ١٨.

(٨) ٦١ يونس : ١٠.

٣٩٢

ببعض. وفي الحديث : «المرء بأصغريه ، إن قال قال بجنان وإن تكلم تكلم ببيان عن القلب واللسان».

ص غ و :

قوله تعالى : (وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ)(١) أي ولتميل إليه قلوب. والصّغو : الميل : يقال صغت الشمس والنجوم صغوا : مالت للغروب. وصغيت الإناء وأصغيته : أملته. وقد أصغيت إلى فلان بسمعي [نحوه](٢). وحكي : صغوا (٣) ، وصغيت أيضا وأصغيت أصغي. وصاغية الرجل : الذين يميلون إليه ، ويكنى بذلك عن قلة الحظ ؛ فيقال : فلان مصغيّ إناؤه. وقد يكنّى به عن الهلاك أيضا. وفي الحديث : «يحفظني في صاغيتي بمكة وأحفظه في صاغيته بالمدينة» (٤) أي خاصته والمائلون إليه. وعين صغواء إلى كذا ، أي مائلة. والصّغي : ميل في الحنك والعين. وفيه أيضا : «وكان يصغي لها الإناء» (٥) أي يميله. ويقال : صغى يصغى وصغى يصغي. فالمادة يجوز أن تكون من الواو ومن الياء لأنه قد سمع فيها الحرفان. وقد ذكر الراغب اللغتين ، ولم يذكرهما (٦) الهرويّ إلا في مادة الياء.

__________________

(١) ١١٣ الأنعام : ٦.

(٢) إضافة يقتضيها السياق.

(٣) يعني : أصغو صغوا ، ولعل الناسخ أسقط الكلام.

(٤) النهاية : ٢ ٣٣ ، وأوله : «كاتبت أمية بن خلف أن ..» والحديث لابن عوف.

(٥) النهاية : ٢ ٣٣ ، من حديث الهرّة.

(٦) وفي الأصل : يذكرها.

٣٩٣

فصل الصاد والفاء

ص ف ح :

قوله تعالى : (أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً)(١) أي إعراضا ، والمعنى أفنعرض عنكم إعراضا فلا ندعوكم؟ يقال : صفحت عنه ، أي أعرضت ، وأصله من أوليته صفحة وجهي وصفحة عنقي ؛ لأن المعرض يولي المعرض عنه ذلك ، لأنّ صفح الشيء وصفحته : عرضه ، كصفحة السيف والوجه والحجر. وصفحت عنه ، أي أعرضت عن ذنبه. والصّفح : ترك التّأنيب ، وهو أبلغ من العفو ؛ فقد يعفو الإنسان ولا يصفح. فصفحت عنه : أوليته مني صفحة جميلة معرضا عن ذنبه. ولقيت صفحته متجافيا عنه ، أو تجاوزت الصفحة التي أثبت فيها ذنبه من الكتاب إلى غيرها ، من قولك : تصفّحت الكتاب. فصفحا مصدر من معنى «أفنضرب» أو بمعنى اسم الفاعل ، ونصبه على الحال أي صافحين معرضين. والصّفوح : هي التي تريك أحد صفحتي وجهها دلالا وتحبّبا. قال كثير (٢) : [من الطويل]

صفوح فما تلقاك إلا بخيلة

فمن ملّ منها ذلك الوصل ملّت

قوله : (فَاصْفَحْ عَنْهُمْ)(٣) أمر له بالمجاملة ، وهذا ونحوه قيل : هو منسوخ. والظاهر أنه محكم لأنّ هذا خلقه عليه الصلاة والسّلام. وأما القتال فذاك لأجل الإسلام ، ولا تنافي بينهما حتى يقال : نسخ أحدهما الآخر. قوله : (فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ)(٤) هو الإحسان إلى من أساء ، وإلا فالصفح الذي يراد به ترك التأنيب والمعاقبة كاف في ذلك.

__________________

(١) ٥ الزخرف : ٤٣.

(٢) قاله في امرأة أعرضت عنه. ورواية الأغاني : ٩ ٢٧ واللسان ـ مادة صفح : صفوحا. والصفوح هنا : المعرضة الصادّة.

(٣) ٨٩ الزخرف : ٤٣.

(٤) ٨٥ الحجر : ١٥.

٣٩٤

ص ف د :

قوله تعالى : (مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ)(١) هي القيود ، الواحد صفد. ويقال : صفد وصفاد. وقيل : هي الأغلال. والصّفد : العطية أيضا ، وذلك على تخييلهم أنّ النّعمة قيد للمنعم عليه. ومن ثمّ قالوا : أنا مغلول أياديك ، وأسير نعمتك. وقال عليّ رضي الله عنه : «غلّ يد أنت مطلقها». إلا أنه يقال : صفدته وصفّدته ـ مخففا ومثقلا ـ : قيّدته في الحديد وبالحديد. وأصفدته ـ بالألف ـ : بمعنى أعطيته. وأنشد للأعشى (٢) : [من الطويل]

وأصفدني على الزّمانة قائدا

وجمع الصّفد أصفاد ، قيل : وأصفد وصفد أيضا. وفي الحديث : «إذا جاء شهر رمضان صفّدت الشياطين» (٣) أي غلّت.

ص ف ر :

قوله تعالى : (بَقَرَةٌ صَفْراءُ)(٤) هو تأنيث الأصفر. والصّفرة : لون معروف. وقيل في قوله : (جِمالَتٌ صُفْرٌ)(٥) وفي «الصفراء» إنه السواد ، وأنشد للأعشى (٦) : [من الخفيف]

تلك خيلي منه وتلك ركابي

هنّ صفر أولادها كالزّبيب

وحضرت يوما درس الشيخ فأوردت البيت متعجبا من استشهاد الزّمخشريّ وغيره به على ذلك. وقلت : أليس من الزبيب ما هو أصفر؟ فقال : صدقت ، ولكن الغالب في الزبيب

__________________

(١) ٤٩ إبراهيم : ١٤.

(٢) وصدره كما في الديوان : ٦٥ :

تضيّفته يوما فقرّب مقعدي

أصفدني : أعطاني. الزمانة : الضعف والعاهة ؛ إشارة إلى وهن وبصره.

(٣) النهاية : ٣ ٣٥.

(٤) ٦٩ البقرة : ٢.

(٥) ٣٣ المرسلات : ٧٧.

(٦) هو البيت الأخير من قصيدة في مدح قيس بن معد يكرب (الديوان : ٣٣٥). ويقصد بهنّ صفر : سود.

٣٩٥

السواد ، حتى إنّ بعض البلاد لا يكون فيها إلا كذلك. وقوله : (فاقِعٌ)(١) هذا تابع لا معنى له غير ذلك ؛ يقال : أصفر فاقع ، أي خالص ، وأسود حالك وحائل ، وأبيض يقق ، وأحمر قان ، وأخضر ناصع ، وأزرق حطبانيّ ، كلّ ذلك بمعنى الخلوص. وقال الراغب : الصفرة بين السواد والبياض ، وهي إلى البياض أقرب ، ولذلك قد يعبّر عنها بالسواد. وقال الحسن : سوداء شديدة السواد. قال بعضهم : لا يقال في السواد : فاقع. قوله : (كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ) هو جمع أصفر [وليبيس البهمى](٢) صفار. والصّفير للصوت الكائن من الأشياء الخالية. قيل : ومن هذا صفر الإناء ، أي خلا ، لأنه إذ خلا سمع منه صفير من أجل الهواء ، ثم صار متعارفا في كلّ خال من الأبنية وغيرها. وفي الحديث : «إن يدهما صفراء» أي فارغتين.

وفي الحديث : «لا صفر ولا هامة ولا عدوى» (٣) الصّفر : تزعم العرب أنه حيّة في البطن إذا حصلت جاع الإنسان ، فإذا جاع آذته (٤). وتزعم أنها تعدي. والهامة تزعم العرب أنّ القتيل إذا قتل خرج منه طير يرفرف عليه ويقول : اسقوني اسقوني ، حتى يؤخذ بثأره فيسكن. والعدوى : أن يصيب الإنسان مثلما بالمبتلى. فنفى الشارع ذلك كلّه ، فإنّ المقادير بكفّ الإله. قال بعض الحكماء : سمي [خلوّ](٥) الجوف والعروق من الغذاء صفرا. ولما كانت تلك العروق الممتدة من الكبد إلى المعدة إذا لم تجد غذاء امتصّت أجزار المعدة ، اعتقدت جهلة العرب أنّ ذلك حية في البطن تعضّ الشّراسيف ، وعلى ذلك قال شاعرهم (٦) : [من البسيط]

ولا يعضّ على شرسوفه الصّفر

__________________

(١) ٦٩ البقرة : ٢.

(٢) التعريف منقول من المفردات ، والإضافة منه : ٢٨٣.

(٣) النهاية : ٣ ٣٥ ، مع تقديم العدوى.

(٤) ولقد نفى النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم اعتقاد جهلة العرب بها. وقيل : أراد به النسيء وهو تأخير المحرّم إلى صفر.

(٥) إضافة من المفردات : ٢٨٣.

(٦) عجز لأعشى باهلة ، وصدره كما في اللسان ـ مادة صفر :

لا يتأرّى لما في القدر يرقبه

٣٩٦

وصفر : علم لشهر ، سمي بذلك لخلوّ بيوتهم (١) من الزاد ، والصّفريّ من النّتاج : ما يكون في ذلك الوقت. وقيل صفر (٢) لما كانوا يفعلونه من النّسيء ؛ يؤخّرون المحرم إلى صفر. وفي الحديث : «صفرة في سبيل الله» (٣) أي جوعة ، من الخلوّ. وفي حديث أمّ زرع : «صفر ردائها وملء كسائها وغيظ جارتها» (٤) أي ضامرة البطن سمينة ، إذ رأتها جارتها غاظها حسنها. وفي الأضاحي : «نهى عن المصفرة» (٥) والمصفرة أي المستأصلة الأذن لخلوّ صماخها من الأذن. وقيل : المهزولة ، لصفرها من السّمن وقيل لأبي جهل : «يا مصفّر استه» رماه بالأبنة (٦). وقيل : يا مضرّط نفسه ، مأخوذ من الصّفير ، وهو صوت الضراط.

ص ف ف :

قوله تعالى : (وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا)(٧) الصفّ : جعل الشيء على خطّ مستو كالناس والأشجار ، والمعنى صفا بعد صفّ ، فلا يراد به واحد أبدا. ولهذا كان قول من قال : إنّ «صفا» الثاني تأكيد لفظيّ ساقط كما بيّناه في غير هذا. قوله : (وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا)(٨) أي صفا واحدا ، ولا يتوارى منهم واحد خلف آخر ، كقوله : (يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ)(٩). قوله تعالى : (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا)(١٠) يحتمل أن يكون مصدرا ، وأن يكون بمعنى الصافّين. وكذا قوله تعالى : (ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا)(١١) أي (صافّين. ومعنى المصدرية أن يتناول الفعل قبله به كأنه قيل :

__________________

(١) وفي ح : صوتهم ، وهو وهم.

(٢) وفي الأصل : لأصفر.

(٣) النهاية : ٣ ٣٦ ، والحديث ناقص في الأصل ، ففيه : «صفرة في سل».

(٤) النهاية : ٣ ٣٦.

(٥) النهاية : ٣ ٣٦. وفي رواية «المصفورة».

(٦) النهاية : ٣ ٣٦.

(٧) ٢٢ الفجر : ٨٩.

(٨) ٤٨ الكهف : ١٨.

(٩) ١٦ غافر : ٤٠.

(١٠) ٤ الصف : ٦١.

(١١) ٦٤ طه : ٢٠.

٣٩٧

يصطفّون في القتال صفا. وقيل : «ثم ائتوا صفا» أي) (١) الموضع الذي تجتمعون فيه لعيدكم وصلاتكم. قال الأزهريّ : يقال : أتيت الصفّ ، أي أتيت الصلاة. قال : ويجوز أن يكون : ثم ائتوا مصطفين ، ليكون أنظم لكم وأشدّ لهيبتكم.

قلت : لو أراد موضع الصلاة لقال للصفّ لأنه مكان معين. قوله : (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا)(٢) قيل : الروح بعينه يقف وحده ، وتقف الملائكة كلّهم أمامه فيساويهم ويسامتهم لعظم خلقه. وقيل : الروح : جبريل ، نصّ عليه لشرفه. قوله تعالى : (وَالصَّافَّاتِ صَفًّا)(٣) قيل : هم الملائكة ، وهذا هو الظاهر لقوله تعالى حكاية عنهم : (وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ)(٤) وذلك لاصطفافهم في عبادة الله من ركوع وسجود وتسبيح وتقديس. وقيل : هم المقاتلة في سبيله صفّا. وقيل : هم المصلّون من المسلمين. وقيل : هي الطير لصفّ أجنحتها. قال تعالى : (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ)(٥) أي وقابضات.

قوله : (فَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوافَ)(٦) أي مصطفة ، يعني بدن الهدي والضحيّة لأنه أعظم في القربة ، وذلك أن تعقل وتصفّ فتنحر. كان ابن عمر يفعل ذلك ، ومن ثم قرئ صوافن أي قائمة على ثلاث ، وسيأتي. وقرئ صوافي أي خالصة لله لا كما كان المشركون يفعلون (٧). والجمع صفوف. وفي الحديث : «لتسونّ صفوفكم» يعني في الصلاة. والصفيف : اللحم المصفوف ؛ إما لتقديده وإما لشيّه. ومنه حديث ابن الزبير : «كان يتزوّد صفيف الوحش وهو محرم» (٨) ، أي قديدها. وقال امرؤ القيس (٩) : [من الطويل]

__________________

(١) ما بين قوسين ساقط من س.

(٢) ٣٨ النبأ : ٧٨.

(٣) ١ الصافات : ٣٧.

(٤) ١٦٥ الصافات : ٣٧.

(٥) ١٩ الملك : ٦٧.

(٦) ٣٦ الحج : ٢٢.

(٧) تعدّدت القراءات : قرأها عبد الله والحسن «صوافي». وروي عن بعضهم «صواف» مثل جوار «صوافيا» قراءة عمرو بن عبيد. وقرأها ابن مسعود «صوافن» (مختصر الشواذ : ٩٥ ـ معاني القرآن للفراء : ٢ ٢٢٦).

(٨) النهاية : ٣ ٣٧.

(٩) من معلقة امرئ القيس ، الديوان : ٣٨.

٣٩٨

فظلّ طهاة اللحم ما بين منضج

صفيف شواء أو قديد معجّل

يقال : صففت اللحم أصفّه صفّا ، أي جعلته صفّا واحدا (١). والصّفّة : ما يرتفع في جانب البيت ، ومنه : أهل الصّفّة لناحية كانت في المسجد يأوي إليها المساكين. وصفّة السّرج تشبيها بها في الهيئة. والصّفوف : الناقة التي تصفّ رجليها عند الحلب. وقيل : ١٩٨ التي تكون بين محلبين. قوله : (قاعاً صَفْصَفاً)(٢) هو المستوي من الأرض ؛ قيل : كأنه على صفّ واحد. وقيل : هو الخالي المستوي من الأرض.

ص ف ن :

قوله تعالى : (إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ)(٣) أي الخيل القائمات. يقال : صفن الفرس ، أي قام. وأهل اللغة يقولون : أن يثني الفرس إحدى يديه أو رجليه فيقف على ثلاث ، وهو أجود الخيل ، وأنشد (٤) : [من الكامل]

ألف الصّفون فلا يزال كأنّه

ممّا يقوم على الثلاث كسيرا

وقيل : هو قيامها مطلقا ، ومنه الحديث : «قمنا خلفه صفونا» (٥) أي صافّين أقدامنا. وفي حديث آخر : «من سرّه أن يقف الناس له صفونا» (٦) أي مصطفّين قياما. وقرئ «صوافن» وقد تقّدم تفسيره. والصافن أيضا : عرق في الصّلب يجمع نياط القلب. وأصل الصّفن الجمع بين شيئين ضامّا بعضهما إلى بعض ، ومنه ما تقدّم من صفون الفرس لجمعه قوائمه. ومنه الصّفن ـ بضم الصاد وفتحها ـ لخريطة تكون مع الراكب فيها زاده وأداته. ومنه حديث عمر : «حتى يأتي الراعي حقّه في صفنه» (٧). وصفن ثيابه : جمعها. والصّفنة : السّفرة المجموعة بخيط.

__________________

(١) ليجف وليقدّد.

(٢) ١٠٦ طه : ٢٠.

(٣) ٣١ ص : ٣٨.

(٤) أنشده ابن الأعرابي في صفة فرس. اللسان ـ مادة صفن.

(٥) النهاية : ٣ ٣٩.

(٦) النهاية : ٣ ٣٩.

(٧) النهاية : ٣ ٣٩.

٣٩٩

ص ف و :

قوله تعالى : (وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى)(١) أي خالص مما يشوبه. والصّفو : الخلوص ، ومنه الاصطفاء افتعال من الصّفو ، وهو تناول صفو الشيء كالاختيار : تناول خيره ، والاجتباء : تناول جبايته. وصفيّ الغنم : ما يصطفيه الإمام لنفسه فيخلص له. قال الشاعر (٢) : [من الوافر]

لك المرباع منها والصّفايا

قوله : (إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ)(٣) هما موضعان معروفان بمكة ، شرّفها الله تعالى. وأصل الصّفا الحجر الأملس ؛ سمي بذلك لخلوصه مما يشوبه. ومثله الصّفوان في قوله تعالى : (كَمَثَلِ صَفْوانٍ)(٤) الواحدة صفوانة. واليوم الصفوان : الصافي الشمس الشديد البرد. وأصفى الحافر : بلغ الصّفا (٥) ، كقولهم : أكدى أي بلغ كدية. قوله تعالى : (اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ)(٦). قيل اصطفاؤه تعالى لبعض عباده قد يكون بإيجاده صافيا من الشّوب الموجود في غيره ، وقد يكون باختياره وحكمه وإن لم يتعرّ (٧) ذلك من الأوّل. ويقال للناقة أو الشاة الغزيرة اللبن وللنخلة الكثيرة الحمل صفيّة. وبنو فلان مصفون ، أي لهم صفايا من ذلك.

قوله : (أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ)(٨) هذا إنكار عليهم قالوا : الملائكة بنات الله ؛ يقول : اختار أخسّ النوعين عندكم وخصّكم بأشرفها.

__________________

(١) ١٥ محمد : ٤٧.

(٢) أنشده عبد الله بن عنمة يخاطب بسطام بن قيس. وعجزه كما في اللسان ـ مادة صفا :

وحكمك والنّشيطة والفضول

(٣) ١٥٨ البقرة : ٢.

(٤) ٢٦٤ البقرة : ٢.

(٥) أي الحجر.

(٦) ٧٥ الحج : ٢٢.

(٧) وفي الأصل : يتغير ، ولعله كما ذكرنا.

(٨) ١٥٣ الصافات : ٣٧.

٤٠٠