عمدة الحفّاظ في تفسير أشرف الألفاظ - ج ٢

الشيخ أحمد بن يوسف [ السمين الحلبي ]

عمدة الحفّاظ في تفسير أشرف الألفاظ - ج ٢

المؤلف:

الشيخ أحمد بن يوسف [ السمين الحلبي ]


المحقق: الدكتور محمّد التونجي
الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: عالم الكتب
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٠٤
الجزء ١ الجزء ٢

وإنما نفى الله في هذه المواضع الشافع لا الشفاعة ، ألا تراه سبحانه وتعالى يقول : (وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى)(١). وفي الحديث : «فأتاه بشاة شافع» (٢) أي معها ولدها ، لأنّ كلا منهما يشفع للآخر. وقال الفراء : هي التي في بطنها ولد يتبعها آخر (٣). وفي الحديث : «من حافظ على شفعة الضّحى» (٤) أي ركعتيه. قال القتيبيّ : الشّفع : الزوج ، ولم أسمع به مؤنثا إلا هنا (٥)

والشّفعة في الملك : أخذ أحد الشركاء نصيب الآخر ليضمّه إلى نصيبه. وفي الحديث : «الشّفعة على الرؤوس» (٦) أي تكون بين الشركاء على قدر رؤوسهم لا قدر سهامهم. وفيه أيضا. «إذا وقعت الحدود فلا شفعة» (٧). واستشفعت بفلان على فلان ، فتشفّع لي إليه. وشفّعه : أجاب شفاعته.

ش ف ق :

قوله تعالى : (فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ)(٨). الشّفق : اختلاط ضوء النهار بظلام الليل عند غروب الشمس. وهما شفقان : الأحمر والأبيض ، والأحمر قبل الأبيض ، وبضيائه يدخل وقت عشاء الآخرة. وفي الحديث : «صلّى حين غاب الشّفق» (٩). وقيل : الشّفق : الحمرة التي في الغروب عند غيبوبة الشمس ، وهي النداء ، قوله : (فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ)(١٠) وقوله : (مُشْفِقُونَ مِنْها)(١١). الإشفاق : الخوف. وقال بعضهم : الإشفاق : عناية مختلطة بخوف ،

__________________

(١) ٢٨ الأنبياء : ٢١.

(٢) النهاية : ٢ ٤٨٥.

(٣) وذكره ابن الأثير ولم يعزه.

(٤) النهاية : ٢ ٤٨٥.

(٥) وتمام كلام القتيبي : .. وأحسبه ذهب بتأنيثه إلى الفعلة الواحدة ، أو إلى الصلاة (النهاية ٢٠ ٤٨٥).

(٦) النهاية : ٢ ٥٩٠.

(٧) المفردات : ٢٦٣.

(٨) ١٦ الانشقاق : ٨٤.

(٩) الموطأ ، وقوت : ٦. ويروى : إذا غاب ..

(١٠) ٢٦ الطور : ٥٢.

(١١) ١٨ الشورى : ٤٢.

٣٢١

لأنّ المشفق يحبّ المشفق عليه ، ويخاف ما يلحقه. فإذا عدّي بمن فمعنى الخوف فيه أظهر ، وإذا عدّي بعلى فمعنى العناية فيه أظهر.

ش ف و :

قوله تعالى : (عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ)(١). الشّفا من الشيء : طرفه. ومنه : شفا البئر ، وشفا النهر ، أي طرفهما. ومنه قوله تعالى : (وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ)(٢). وتثنية شفوان ، فتكتب بالألف ولا تمال. والجمع شفاء (٣).

وأشفى على كذا ، أي أشرف عليه. ونقل الهرويّ : شفا على كذا ، ثلاثيا. ونقل عن القتيبيّ أنه لا يقال : أشفى ، إلا في الشرّ. وفي الحديث : «فأشفوا على المرج» (٤) أي أشرفوا عليه. وفي آخر : «وقد أشفى على الموت» (٥). ويقال : أشفى على كذا وأشأف عليه ، وأظنّه مقلوبا منه لقلّته وكثرة أشفى.

فصل الشين والقاف

ش ق ق :

قوله تعالى : (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما)(٦) أي خلاف بينهما. وأصل الشّقاق : العداوة والمخاصمة ، لأنّ كلّ واحد يكون شقّا أي ناحية غير شقّ الآخر. ومنه قوله تعالى : (فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ)(٧) أي خلاف. والمعنى : صاروا في جانب وشقّ آخر غير شقّ أمر الله ونهيه. وقيل : هو مأخوذ من شقّ العصا بينك وبينه ، وذلك أنهم كانوا إذا تقاطعوا شقّوا عصا

__________________

(١) ١٠٩ التوبة : ٩.

(٢) ١٠٣ آل عمران : ٣.

(٣) في الأصل : شفا. وفي المفردات (ص ٢٦٤) : أشفاه. والتصويب من اللسان.

(٤) النهاية : ٢ ٤٨٩.

(٥) النهاية : ٢ ٤٨٩.

(٦) ٣٥ النساء : ٤.

(٧) ٢ ص : ٣٨.

٣٢٢

نصفين ؛ فأخذ كلّ واحد شقّا. ويقولون : لا نلتئم حتى تلتئم هذه العصا. فسميت كلّ عداوة شقاقا باعتبار هذا الأصل.

قوله : (شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ)(١) أي صاروا في جانب وناحية غير ناحية الله ورسوله ، على معنى غير ناحية أمرهما ونهيهما. وأصل ذلك من الشّقّ ، وهو الخرق الواسع في الشيء. قوله : (وَانْشَقَّ الْقَمَرُ)(٢) المشهور أنه وجد ذلك معجزة له عليه الصلاة والسّلام بمشهد عظيم انشقّ نصفين وفضل بينهما جبل. وقيل : هو يأتي قرب يوم القيامة. وأتى بلفظ الماضي لتحقّقه كقوله : (أَتى أَمْرُ اللهِ)(٣). وقيل : معناه : اتّضح أمر محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم وقد ادّعى بعض الناس أنّ انشقاق القمر وقع بعد موته صلى‌الله‌عليه‌وسلم بمدة متطاولة ، وأنّ جمعا كثيرا شاهدوه ببلادهم ، نقله الحليميّ ، ولا أظنّه إلا وهما لما ثبت في الصحيح أنّ وقوع ذلك معجزة له عليه الصلاة والسّلام. فلو جاز وقوعه مرة أخرى لفات ذلك. قوله : (وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ)(٤) : هي القطعة من الأرض ؛ سميت بذلك للحاق المشقّة في الوصول إليها. والشّقّة من الخروق : القطعة المنشقّة نصفين ، ومنه : طار فلان من الغضب شقاقا. وطارت منه شقّة ، كقولك : تقطّع غضبا. قوله تعالى : (لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ)(٥). الشّقّ : المشقّة والانكسار الذي يلحق النفس والبدن ، وذلك كاستعارة الانكسار لها. ويقال : المال بينهم شقّ شعرة ، وشقّ الأبلمة (٦) ، أي مقسوما على السّواء. فالأبلمة : خوص المقل.

والأخ الشقيق : ما كان من الأبوين ، كأنه شقّ أخيه وقطعة منه. قال الشاعر (٧) : [من الخفيف]

يا بن أمّي ويا شقيّق نفسي

أنت خلّفتني لدهر شديد

__________________

(١) ١٣ الأنفال : ٨. شاقّوا : خالفوا وعصوا.

(٢) ١ القمر : ٥٤.

(٣) ١ النحل : ١٦.

(٤) ٤٢ التوبة : ٩.

(٥) ٧ النحل : ١٦.

(٦) وفي اللسان : بفتح الهمزة وضمها.

(٧) البيت لأبي زبيد الطائي. وفي اللسان : خلّيتني لأمر شديد. وفي الكتاب : ٢ ٢١٣ : خليتني لدهر ـ

٣٢٣

وفلان شقّ نفسي وشقيقها ، أي بعضها مبالغة. قوله : (وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ)(١) أي أحمّلك مشقّة. ومثله قوله عليه الصلاة والسّلام : «لولا أن أشقّ على أمّتي» (٢) يقال : شققت عليه شقّا ـ بالفتح ـ. وشقيقة الرمل : ما يشقّق منه. وشقائق النّعمان : نبت معروف. والنّعمان : الدم. والشّقشقة : لهاة البعير لما فيها من الشّقّ. وقال الليث : الشّقشقة : لهاة الجمل العربيّ ، ولا يكون ذلك إلا للعربيّ ، يعظّمها الله ويطيلها حتى تخرج ذات .. (٣) ويقال : هي جلدة في حلقة ينفخ فيها فتنتفخ. ولا تكون إلا للعربيّ. ويروى لعليّ رضي الله عنه (٤) : [من المتقارب]

لسان كشقشقة الأرحبي

ي ، أو كالحسام البتار الذّكر

ويروى «كاليماني». وتقول العرب للخطيب الجهير الصوت البليغ : هو أهرت الشّقشقة. وهريت الشّدق. وأنشد لأبي مقبل يذكر قوما بالخطابة (٥) : [من البسيط]

عاد الأذلة في دار وكان بها

هرت الشّقاشق ظلّامون للجزر

وفي حديث علي كرم الله وجهه : «إنّ كثيرا من الخطب من شقاشق الشيطان» (٦) ويقال : هذه شقوق ، وبحافر الدابة شقاق (٧) ، وفرس أشقّ : مائل إلى أحد شقّيه. والشّقّة : نصف الثوب ، ثم أطلق على الثوب كلّه : شقّه عرضا.

__________________

ـ شديد. وفي شرح المفصل : ٢ ١٢ : خلقتني ... والبيت من قصيدة له يرثي بها أخاه كما في حماسة ابن الشجري : ٢ ٧٤.

(١) ٢٧ القصص : ٢٨.

(٢) النهاية : ٢ ٤٩١.

(٣) بياض في الأصل ، ولم أجد كلام الليث عند ابن منظور ولا عند ابن الأثير ولا عند الراغب ، وإن وجدت بعض التعريف في الكتابين الأولين.

(٤) البيت من ديوانه : ٦٨ ، وفيه : لسانا .. كاليماني الذكر. وعلى الديوان جاءت رواية ابن منظور وابن الأثير. أما رواية «البتار» فأيدها الهروي وحده.

(٥) العجز مذكور في اللسان ـ مادة شقق.

(٦) النهاية : ٢ ٤٨٩. وفي الأصل : شقائق.

(٧) وفي الأصل : شقا.

٣٢٤

ش ق و :

قوله تعالى : (قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا)(١) ؛ الشّقوة ، والشّقاوة ، والشّقاء : سوء الحظ ، وهو ضدّ السّعادة. يقال منه : شقي يشقى. فالشّقوة كالردّة ، والشّقاوة كالسعادة وزنا لا معنى ، كما أن السعادة في الأصل نوعان : أخرويّة ودنيوية. ثم الدّنيوية ثلاثة أضرب : سعادة نفسيّة ، وبدنية ، وخارجيّة ، كذلك الشّقاوة ثلاثة أضرب. وإلى الشّقاوة الدّنيوية أشار تعالى بقوله : (فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى)(٢). وإلى الشّقاوة الأخروية أشار تعالى بقوله : (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى)(٣). وقيل : قد يعبّر بالشّقاوة عن التعب فيقال : شقيت في كذا. فالتعب أعمّ من الشقاوة ؛ إذ كلّ تعب شقاوة ، وليس كلّ شقاوة تعبا. فقوله تعالى : (فَتَشْقى) يجوز أن يراد التّعب كما هو المعروف من كدّ الدنيا في طلب معاشها.

قوله تعالى : (وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا)(٤) أي لم تشقني بالردّ من غير إجابة. ويقال لكلّ من أدرك أمرا سعى فيه : قد سعد به. ولكلّ من فاته : قد شقي به. فعلى ذلك جاءت الآية.

فصل الشين والكاف

ش ك ر :

قوله تعالى : (وَاشْكُرُوا لِي)(٥) قد تقدّم في باب الحاء الكلام على نوع من الشّكر ، والفرق بينه وبين الحمد عند الجمهور. وقال بعضهم : الشكر : تصور النّعمة وإظهارها. ويضادّه الكفر ، وهو نسيان النّعمة وسترها. ومن الأول قالوا : دابّة شكور : مظهر بسمنه

__________________

(١) ١٠٦ المؤمنون : ٢٣.

(٢) ١١٧ طه : ٢٠.

(٣) ١٢٣ طه : ٢٠.

(٤) ٤ مريم : ١٩.

(٥) ١٥٢ البقرة : ٢.

٣٢٥

إسداء صاحبه إليه. وقيل : الشكر مقلوب من الكشر : وهو الكشف. ومنه : كشّر عن أنيابه. وكاشره بالعداوة. وقيل : أصله : عين شكرى ، أي ممتلئة. فالشّكر على هذا هو الامتلاء من ذكر المنعم عليه.

ثم الشكر على ثلاثة أضرب : شكر بالقلب ؛ وهو تصور النّعمة من مسديها والاعتراف بها. وشكر باللسان ؛ وهو الثناء على المنعم والبداءة عليه. وشكر بالجوارح ؛ وهو مكافأة المنعم بقدر استحقاقه. وهذا النوع يستحيل من قيام العباد لله ، ومنه الصلاة شكر لله. قال تعالى (اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً)(١) فشكرا على هذا تمييز. والتقدير على هذا : اعملوا ما تعملونه شكرا لله تعالى. وقيل : شكرا : مفعول لقوله : (اعْمَلُوا). وقيل : مفعول له ، وإنما قال : اعملوا ، ولم يقل : اشكروا ، تنبيها على التزام الأنواع الثلاثة من الشكر بالقلب ، واللسان ، والجوارح ، ومن ثمّ قال بعضهم : الشكر تصور النعمة بالجنان ، وذكرها باللسان ، والعمل لها بالأركان. وإلى الأنواع الثلاثة أشار الشاعر بقوله : [من الطويل]

أفادتكم النعماء منيّ ثلاثة :

يدي ولساني والضّمير المحجّبا

قوله تعالى : (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ)(٢) فيه تنبيه على أنّ توفية شكر الله تعالى صعب أو ممتنع. ولذلك لم يثن بالشكر على أوليائه إلا على اثنين : الأول خليله إبراهيم في قوله : (شاكِراً لِأَنْعُمِهِ)(٣). الثاني نوح في قوله : (إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً)(٤). وقيل : إنما قال تعالى : (الشَّكُورُ) بصيغة المبالغة دون «شاكر» ، لأن الشاكرين غير قليلين. وأما المبالغون في الشّكر فقليلون. ويحكى أنّ عمر رضي الله عنه سمع رجلا يقول في دعائه «اللهمّ اجعلني من عبادك القليل. فقال : يا أخي ما هذا الدّعاء؟ قال : يا أمير المؤمنين سمعت الله تعالى يقول : (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ) فأنا أطلب أن أكون من أولئك القليل. فقال : كلّ الناس أعلم من عمر».

__________________

(١) ١٣ سبأ : ٣٤.

(٢) ١٣ سبأ : ٣٤.

(٣) ١٣ سبأ : ٣٤.

(٤) ١٢١ النحل : ١٦.

٣٢٦

قوله تعالى : (وَاللهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ)(١) قيل : إذا وصف الله تعالى بكونه (شَكُورٌ حَلِيمٌ) فمعناه إنعامه على عبيده ، وجزاؤه بما أقاموه من العبادة. وقال ابن عرفة : يغفر السيئات ويشكر الحسنات ، يعني بذلك مضاعفتها. ولذلك قال غيره : يعني بالشّكور في صفاته أنّه يذكر عنده القليل من أعمال العباد ، فيضاعف لهم جزاءه. قوله : (لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً)(٢) قيل : هو جمع شكر. وقيل : مصدر ، وكذلك الكفور ؛ قاله الأخفش. وشكر : يتعدّى بنفسه تارة وباللام أخرى في أخوات له ذكرتها في غير هذا. واختلف النحويون ؛ هل أحدهما أصل للآخر أو هما أصلان؟ تحقيقه في غير هذا. إلا أنّ الفراء جعل التعدّي باللام أفصح.

قلت : ولذلك لم يرد في التنزيل إلّا به. وفي حديث يأجوج ومأجوج : «وإن دوابّ الأرض تسمن وتشكر شكرا من لحومهم» (٣) أي تمتلئ. يقال : شكرت الشاة شكرا : امتلأت لبنا وسمنا ، فهي شكرى بزنة سكرى (٤) وناقة شكرة (٥) : ممتلئة الضّرع. وفي المثل : «أشكر من بروق» (٦) هو نبت يخضرّ بأدنى مطر. والشّكير (٧) : فراخ تحصل في أصل الشجرة ، وفي المثل : «في عضة ما ينبتنّ شكيرها» (٨) ومنه حديث عمر : «وشكير كثير. قيل : يا أمير المؤمنين ، وما الشكير؟ قال : ألم تر إلى الزرع إذا زكا ونبت في أصوله؟ فذلك الشكير» (٩). وقال الأزهريّ : إذا أراد بالشكير ذرية صغارا شبّههم بالزرع ، وهو تشبيه بديع.

__________________

(١) ١٧ التغابن : ٦٤.

(٢) ٩ الإنسان : ٧٦.

(٣) النهاية : ٢ ٤٩٤ ، أي تمتلئ شحما ولحما.

(٤) يؤكد ابن الأثير أنها بفتح العين «شكرا» فلا تكون على هذا بزنة سكرى ؛ فيقول : «بالتحريك» إذا سمنت وامتلأ ضرعها لبنا». ويؤيده ابن منظور ـ شكر.

(٥) وفي الأصل : شكرى. والتصويب من المفردات : ٢٦٩ ، واللسان.

(٦) ويروى : «أشكر من بروقة» (المستقصي : ١ ١٩٦). ويقول الزمخشري : هي شجيرة تخضرّ إذا غامت السماء وتهلك إذا جيدت. ويؤيد ابن منظور (مادة ـ برق) ما جاء في الأصل.

(٧) يعني فراخ الأغصان.

(٨) مجمع الأمثال : ٢ ٧٤.

(٩) الحديث لعمر بن عبد العزيز ، وتفصيله في اللسان ـ مادة شكر.

٣٢٧

وقد شكرت الشجرة : كبر غصنها. والشّكر : يكنّى به عن فرج المرأة ؛ ومنه قول يحيى بن يعمر لرجل طالبته امرأته بمهرها : «إن سألتك ثمن شكرها وشبرك أنشأت تطلّها وتضهلها» (١). قال المبرّد : أراد بشكرها فرجها. وأنشد لأبي شهاب الهذليّ (٢) : [من الطويل]

صناع بإشفاها ، حصان بشكرها

جواد بقوت البطن والعرض وافر

ش ك س :

قوله تعالى : (شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ)(٣) أي مختلفون (٤) متشاجرون. وأصله من : شكس خلقه : إذا ساء وضاق. وخلق شكس ، أي ضيق. فالمعنى أنّهم مختلفون يختصمون أبدا ، ولا يتّفقون لشكاسة أخلاقهم. ويقال فيه التّشاحن أيضا.

ش ك ك :

قوله تعالى : (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍ)(٥) الشّكّ في الأصل : اعتدال النّقيضين وتساويهما في النّفس ، وذلك إمّا لوجود أمارتين متساويتين ، أو لعدم الأمارة فيهما. فقد يكون الشكّ في الشيء هل هو موجود أو غير موجود؟ وربما كان في جنسه. من أيّ جنس هو. وربّما كان في صفة من صفاته. وربما كان في الغرض الذي من أصله وجد. قيل : والشّكّ : ضرب من الجهل ، وهو أخصّ منه ؛ لأنّ الجهل قد يكون عدم العلم بالنّقيضين رأسا ؛ فكلّ شكّ جهل من غير عكس. وأصل ذلك كلّه من : شككت الشيء أي خرقته. ومنه قول عنترة (٦) : [من الكامل]

__________________

(١) النهاية : ٢ ٤٩٤ ، وليس فيه الكلمة الأخيرة «تضهلها» بينما ذكرها ابن منظور وفيهما : «أأن ..».

(٢) ذكره ابن منظور ، ولم يعزه ، بل قال : أنشده ابن السكيت.

(٣) ٢٩ الزمر : ٣٩.

(٤) ساقطة من س.

(٥) ٩٤ يونس : ١٠.

(٦) من معلقته ، الديوان : ١٥٠.

٣٢٨

فشككت بالرمح الطويل (١) ثيابه

ليس الكريم على القنا بمحرّم

فكأنّ الشكّ الخرق في الشيء ، وكأنّه بحيث لا يجد الرأي فيه مستقرا يثبت فيه ويعتمد عليه ، ولذلك يعدّى بفي ، وإن كان أصله المتعدّي بنفسه ، لكنه لمّا تضمّن معنى الخرق والغيبوبة في الشيء تعدّى تعديتهما. وقيل : هو مستعار من الشكّ وهو لصوق العضد بالجنب ، وذلك أن يتلاصق النقيضان ، فلا يجد الرأي والفهم حينئذ لهما مدخلا ، لعدم تخلّل ما بينهما. قيل : ويشهد لذلك قولهم : التبس الأمر واختلط وأشكل.

والشّكّة : السّلاح ، لأنه يشكّ به ، أي يفصل. ثم قوله تعالى : (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍ)(٢) الخطاب له في الصورة والمراد أمته. وإنما خوطب دونهم لأن العرب إنما تخاطب رئيس القوم. ومثله قوله : (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ)(٣) بدليل قوله : (إِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً)(٤) ولم يقل : بما تعمل. وفي الحديث : «أنا أولى بالشكّ من إبراهيم» (٥) تأويله ـ على ما قال الهرويّ وغيره ـ أنه قال ذلك تواضعا منه عليه الصلاة والسّلام. يعني : أنا لا أشكّ فكيف بإبراهيم؟ فهو نفي للشكّ عن إبراهيم بهذا الدليل. وإنما قال ذلك لأنه لما نزل قوله تعالى : (وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى) الآية (٦) قال قوم ممنّ سمعوها : شكّ إبراهيم فقال عليه الصلاة والسّلام ذلك.

ش ك ل :

قوله تعالى : (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ)(٧) أي ناحيته ووجهته وطريقته ومنه : طريق ذو شواكل : إذا كان تتشعّب منه طرق كثيرة. وقيل : على سجيته التي قيّدته ؛ فهو من : شكلت الدابّة ، أي قيدتها بالشّكال. ومنه استعير : شكلت الكتاب ، أي قيّدته بالضّبط. ودابّة بها

__________________

(١) المشهور ، وكما في الديوان : الأصم.

(٢) ٩٤ يونس : ١٠.

(٣) ١ الأحزاب : ٣٣.

(٤) ٢ الأحزاب : ٣٣.

(٥) النهاية : ٢ ٤٩٥.

(٦) ٢٦٠ البقرة : ٢.

(٧) ٨٤ الإسراء : ١٧.

٣٢٩

شكال : إذا كان تحجيله (١) بإحدى يديه وإحدى رجليه كهيئة الشّكال ، وذلك أنّ سلطان السّجيّة قاهر للإنسان (٢) وهو في المعنى كقوله عليه الصلاة والسّلام : «كلّ ميسّر لما خلق له من شقيّ أو سعيد» (٣).

والأشكلة : الحاجة التي تقيّد الإنسان. والإشكال في الأمر : التباسه ، وهو استعارة من ذلك ، كالاشتباه من الشّبه. يقال : أشكل الأمر وشكل ، أي اشتبه ، لدخول شكل غيره عليك ، واشتباهه عليك للماثلة. قوله : (وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ)(٤) أي مثل له في الهيئة وتعاطي الفعل ؛ وذلك أنّ المشاكلة في الهيئة والصورة والقدّ في الجنسية والشّبه والمثل في الكيفية ، ويقال في الكمية. والشّكل ـ بالكسر ـ قيل : هو الدّلّ ، وهو في الحقيقة الأنس بين المتماثلين في الطريقة. ومن هذا قيل : الناس أشكال وألاف. وأصل المشاكلة من الشّكل ، أي تقييد الدابّة ـ كما تقدّم تحقيقه. وقال قتادة : «على شاكلته» أي على جانبه وعلى ما ينوي. وقال ابن عرفة : على شاكلته : على خليقته ومذهبه. ويقال : ليس هذا من شكلي ، أي من مذهبي. وكلّها أقوال متقاربة. وفي صفته عليه الصلاة والسّلام : «أشكل العينين» (٥). قال الهرويّ : سمعت أبا بكر أحمد بن إبراهيم بن مالك الداريّ ـ وكتبه لي بخطّه ـ قال : «سألت ثعلبا عن الحديث فقال : كذا كانت عيناه (٦) ، كان في عينيه سحرة» (٧) يقال : في عينيه سحرة : إذا كان فيه بياض وحمرة. وقال غيره : يقال : أشكل : إذا خالطه الدم. وقال أبو عبيد : الشّهلة : الحمرة في سواد العين ، والشّكلة : الحمرة في بياضها ، وهو محمود ، وأنشد قول الشاعر (٨) : [من الطويل]

__________________

(١) يجوز في الدابة التذكير والتأنيث.

(٢) وفي س : الأنساب.

(٣) المفردات : ٢٦٦.

(٤) ٥٨ ص : ٣٨.

(٥) النهاية : ٢ ٤٩٥.

(٦) وفي الأصل : عينيه.

(٧) وفي التهذيب : وفي حديث علي في صفة النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «في عينيه شكلة». والشكلة : كهيئة الحمرة تكون في بياض العين.

(٨) من شواهد الفراء في معاني القرآن : ١ ٣٨٣ ؛ وفيه : غير شهلة .. عتاق الطير شهلا. وفي اللسان ـ مادة شكل : عتاق الطير.

٣٣٠

ولا عيب فيها غير شكلة عينها

كذاك عتاق الخيل شكل عيونها

وفي مقتل عمر : «فخرج لهم النبيذ مشكلا» (١) أي مختلطا من جراحه .. ومن ثمّ استعير : أشكل الأمر ، أي اختلط. وفي الحديث : «أنّه كره الشّكال في الخيل» (٢) قيل : هو أن يكون تحجيله بإحدى يديه وإحدى رجليه ـ كما تقدّم ـ وقال أبو عبيد : هو أن يكون ثلاث قوائمه محجلة وواحدة مطلقة ؛ أخذ من الشّكال الذي يشكل به الخيل ؛ شبّهه به. قال : لأنّ الشّكال إنّما يكون في ثلاث قوائم. كذا قاله ، وفيه نظر ؛ إذ الشّكال إنما هو في اثنتين كما قاله الراغب وغيره (٣).

ش ك و :

قوله تعالى : (وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ)(٤) يقال : شكيت واشتكيت بمعنى. والشّكو والشّكاية والشّكاة والشّكوى كلّها بمعنى إظهار البثّ والحزن. ومنه قوله تعالى : (إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي)(٥) أي لا أظهره إلا له. ويقال : أشكاه ، أي جعل له شكوى ، نحو : أمرضه. وأشكاه : إذا أزال شكايته ؛ فهو من الأضداد. وفي الحديث : «شكونا إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم حرّ الرّمضاء في أكفّنا وجباهنا فلم يشكنا» (٦) أي فلم يأمرنا بأن نتّقي ذلك بأطراف ثيابنا. وقال الهرويّ : يريد أنهم شكوا إليه حرّ الشمس وما يصيب أقدامهم ، فسألوه تأخيرها إلى وقت الإبراد قليلا. «فلم يشكهم» أي فلم يجبهم ، انتهى. وفيه نظر لأنّ الإبراد ثابت بالسّنّة المشهورة ، فلم يبق إلا ما قدّمته وفي الحديث : «ويكثرن الشّكاة» (٧) أي الشكوى. وأنشد ابن الزبير (٨) : [من الطويل]

__________________

(١) النهاية : ٢ ٤٩٦.

(٢) النهاية : ٢ ٤٩٦.

(٣) المفردات : ٢ ٢٦٩ ، وفي النهاية كذلك ويضيف : «من خلاف».

(٤) ١ المجادلة : ٥٨.

(٥) ٣٦ يوسف : ١٢.

(٦) النهاية : ٢ ٤٩٧.

(٧) صحيح مسلم ، العيدين : ٤.

(٨) قاله ابن الزبير لما قيل له : يا بن ذات النطاقين. وصدره :

وعيّرها الواشون أني أحبّها

والبيت لأبي ذؤيب في رثاء نشيبه (ديوان الهذليين ـ القسم الأول : ص ٢١).

٣٣١

وتلك شكاة ظاهر عنك عارها

قال القتيبيّ : الشّكاة : الذمّ والعيب. وقال طرفة بن العبد (١) : [من الطويل]

بلا حدث أحدثته وكمحدث

هجائي وقذفي بالشّكاة ومطردي

وأنشد الأصمعيّ (٢) :

لم يقذ عينه حثاث المحثث

يشكو بعيّ ، وهو البليغ الحدث

أي يعاب.

قيل : وأصل الشّكو من فتح الشّكوة ؛ وهو سقاء صغير يجعل فيه الماء. فالمعنى : أظهر ما في شكوته. وهذا كقولهم : بثثت له ما في وطابي (٣) ، ونفضت له ما في جرابي ، أي لم أكتمه من أمري شيئا. قوله تعالى : (كَمِشْكاةٍ)(٤) أدخلها الراغب (٥) في هذه المادة بناء منه على زيادة ميمها. والظاهر أنه اسم أعجميّ ، عرّبته العرب ؛ يقال إنها بالهندية : الكوة غير النافذة. وإذا وضع فيها المصباح كان أضوأ لاجتماع ضوئه فيها ، لكونها غير نافذة. ولم يكتف بذلك حتى جعله في زجاجة موصوفة بما ذكر. وهو مثل قلب المؤمن.

فصل الشين والميم

ش م ت :

قوله تعالى : (فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ)(٦). الشّماتة : إظهار الفرح ببلية تصيب من يعاديك وتعاديه. قال الشاعر : [من الكامل]

__________________

(١) البيت من ديوانه : ٤٨. المطرد : الإطراد ، وأطردته : صيّرته طريدا.

(٢) العجز مكسور.

(٣) الوطاب : سقاء اللبن.

(٤) ٣٥ النور : ٢٤.

(٥) المفردات : ٢٦٩.

(٦) ١٥٠ الأعراف : ٧.

٣٣٢

أشمتّ بي الأعداء حين هجرتني

والموت دون شماتة الأعداء

وقيل في قوله تعالى (رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ)(١) هو شماتة الأعداء. ولذلك كان من دعائه صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «ولا تطع فيّ عدوّا شامتا» (٢) أي لا تفعل فيّ ما يحبّ. يقال : شمت به يشمت فهو شامت. والتّشميت : الدّعاء للعاطس ، كأنه دعاء له بإزالة الشماتة ، فهو كالتّمريض والتّقذية في إزالة المرض والقذى. قيل : وأصله من الشّوامت ، وهي القوائم. قال النابغة الذبيانيّ (٣) : [من البسيط]

طوع الشوامت

والمعنى أنّ قوائم الفرس تنقلب فشلا وكسلا وعدوا ووقوفا (٤). فالشماتة كذلك لأنها تقلب قلب الحاسد في حالتيه : فرحه وحزنه. ونقل في تشميت العاطس الإعجام والإهمال ؛ فبالشين على ما قدمته من الدعاء بإزالة ما يصيبه من الشماتة. وقيل : دعاء له بتثبيت شوامته ، وهي قوائمه لما يحصل له من الانزعاج. وبالمهملة معناه الدعاء له بعوده إلى سمته ، أي إلى حالته الأولى ، وقصده الأول. قال أبو عبيد : شمّتّ العاطس وسمّتّه : دعوت له ، بالسين والشين. والشين يعني المعجمة أعلى اللغتينّ (٥) ، وعكس ذلك أبو بكر فقال : شمّتّ فلانا ، وسمّتّ عليه : إذا دعوت له بالخير. وكلّ داع بخير مسمّت ومشّمّت. قال ثعلب : الأصل فيهما السّين من السّمت ، وهو القصد والهدي. وفي حديث فاطمة وعليّ : «أنه عليه الصلاة والسّلام دعا لهما وشمّت عليهما» (٦).

__________________

(١) ٢٨٦ البقرة : ٢.

(٢) النهاية : ٢ ٤٩٩.

(٣) وتمام البيت كما في الديوان : ٨ :

فارتاع من صوت كلّاب فبات له

طوع الشوامت من خوف ومن صرد

الشوامت : القوائم. واحدتها شامتة. الصرد : الريح الباردة.

(٤) ويقول الراغب في هذا الشاهد : «أراد بالشوامت القوائم وفي ذلك نظر إذ لا حجة له في هذا البيت» (المفردات : ٢٦٧).

(٥) يعني بأعلى اللغتين : أفشى في كلامهم وأشهر.

(٦) هو من حديث زواج فاطمة رضي الله عنها (التهذيب : ٢ ٥٠٠).

٣٣٣

ش م خ :

قوله تعالى : (رَواسِيَ شامِخاتٍ)(١) أي عوال مرتفعات. وفلان شمخ بأنفه ، أي رفعه ، يكنّى بذلك عن التكبّر نحو ثنى عطفه ، وصعّر خدّه ، ولوى جيده. كلّ ذلك من أفعال المتكبّرين. وأنشدني بعضهم في متكبّر : [من السريع]

مرّ بنا مرتفعا أنفه

من شدّة العجب وإفراطه

أستغفر الله ظلمت الفتى

أظنّه من نتن آباطه

ش م ز :

قوله تعالى : (اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ)(٢) الاشمئزاز : النفور. يقال : اشمأزّ فلان يشمئزّ اشمئزازا فهو مشمئزّ ، أي أنف واستنكف من ذلك الشيء. وروى أبو عبيدة عن أبي زيد : اشمأزّت : ذعرت. وظاهر كلام ابن الأعرابيّ وثعلب أن الهمزة فيه مزيدة ؛ فإنّه نقل عنه أنّ الشّمز نفور الشيء من الشيء يكرهه.

ش م س :

قوله تعالى : (وَالشَّمْسُ تَجْرِي)(٣) الشمس هو هذا الكوكب النّهاريّ المضيء. ومن قال إنه يذكر ويؤنث بدليل قوله : (هذا رَبِّي)(٤) فقد وهم لأنّ التذكير إنما جاز مراعاة لقوله (كَوْكَباً)(٥) لا لتأنيث لفظه. والشمس تطلق على القرص نفسه وعلى الضوء المنتشر عنه مجازا. وشمس يومنا ، وأشمس : صار ذا شمس. وشمست الدابّة تشمس شماسا وشموسا ، إذا جمحت ولم تستقرّ ، تشبيها بالشمس في عدم استقرارها. وتجمع الشمس على شموس ، وذلك باعتبار الأيام. كأنهم جعلوا لكلّ يوم شمسا مجازا ، وإلا فالشمس شخص واحد فأنّى له الجمع؟ وفي ذلك قمر وأقمار. وفي الحديث (٦) : «إنّ الشمس والقمر آيتان من

__________________

(١) ٢٧ المرسلات : ٧٧.

(٢) ٤٥ الزمر : ٣٩.

(٣) ٣٨ يس : ٣٦.

(٤) ٧٨ الأنعام : ٦.

(٥) ٧٦ الأنعام : ٦.

(٦) أخرجه البخاري ومسلم.

٣٣٤

آيات الله لا يكسفان لموت أحد» وفي ذلك لمّا مات ولده إبراهيم عليه الصلاة والسّلام كسفت الشمس ، فقالوا : كسفت لموته. فقال عليه الصلاة والسّلام ذلك.

ش م ل :

قوله تعالى : (عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ)(١). الشّمال : هي اليد اليسرى المقابلة لليمين. والعرب تتشاءم بجهتها ويسمونها الشّؤمى ، ولذلك قال تعالى : (وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ)(٢) عكس أهل السعادة الذين قال فيهم : (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ)(٣). ولذلك عبّر بها عن القوة والتمكّن. ومنه قوله تعالى : (إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ)(٤) أي عن القوة والقهر. قول تعالى : (يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ)(٥) الشّمائل جمع شمال ، وإنما أفرد اليمين وجمع الشّمال لأنّ هبوب الريح من جهتها أكثر ، فتمايل الظلّ منه. والمراد به السجود أكثر.

ومن ملح كلام أمير المؤمنين علي رضي الله عنه : «إنّ أبا هذا ـ يعني الأشعث بن قيس ـ كان ينسج الشّمال باليمين» (٦). قلت : الشّمال جمع شملة نحو جفنة وجفان. وفي الحديث : «نهى عن اشتمال الصّمّاء» (٧) فسّره الأصمعيّ بأن يشتمل ثوبا حتى يجلّل به جسده ، لا يرفع منه جانبا فيكون فيه فرجة تخرج منها (٨) يد. وقال أبو عبيد : وأما الفقهاء فيفسّرونها بأن يشتمل ثوبا واحدا ليس عليه غيره ، ثم يرفعه من أحد جانبيه ، فيضعه على منكبه. قال الهرويّ : من فسّره بهذا كرهت به إلى كراهة التكشّف وإبداء العورة. ومن فسّره تفسير أهل اللغة فإنه كره أن يتزمّل به شاملا جسده ، مخافة أن يدفع منها إلى حالة تسدّ نفسه فيهلك. وأحسن من هذا ما قاله بعضهم إنها سميت اشتمال الصّماء ، لأنّ الرجل يلتفّ

__________________

(١) ١٧ ق : ٥٠.

(٢) ٢٥ الحاقة : ٦٩.

(٣) ١٩ الحاقة : ٦٩.

(٤) ٢٨ الصافات : ٣٧.

(٥) ٤٨ النحل : ١٦.

(٦) النهاية : ٢ ٥٠٢. ويقول ابن الأثير إن للحديث رواية أخرى هي «الشمال بيمينه».

(٧) النهاية : ٢ ٥٠١.

(٨) في الأصل : منه ، والتصويب من السياق ومن اللسان ـ مادة شمل.

٣٣٥

بالثوب فيطرحه على ناصية الشّمال ، والصّماء : التي لا منفذ لها. ومنه قارورة مصمّمة.

والشّملة والمشمل (١) : كساء يشتمل به. وقولهم : شمله كذا ، أي عمّه ؛ استعارة من الاشتمال بالكساء ونحوه ، لأنه يجمع من يحتوي عليه. ومنه استعير الشّمل. وقيل : جمع الله شملك. وفي دعائه عليه الصلاة والسّلام : «أسألك رحمة تجمع بها شملي» (٢) أي اجتماعي. كذا فسّره أهل العلم ؛ قالوا : الشّمل : الاجتماع وقيل للخليقة (٣) اشتمال ، لاشتماله على الإنسان اشتمال الشّمال على البدن.

والشّمال ـ بالفتح ـ : أحد الرياح ، لأنها تشمل بهبوبها. وترادفها الهمزة قبل ميمها تارة وبعدها أخرى. قال امرؤ القيس (٤) : [من الطويل]

فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها

لما نسجتها من جنوب وشمأل

وإنما قلنا بزيادتها لسقوطها في تصاريف الكلمة ؛ قالوا : شملته الشّمال. وماء مشمول ، أي أصابته الشّمال. قال كعب بن زهير (من قصيدة بانت سعاد) (٥) : [من البسيط]

شجّت بذي شبم من ماء محنيّة

صاف بأبطح أضحى وهو مشمول

وإنّما قيل لها شمال لأنها تهبّ من شمال الكعبة. وأشمل الرجل من الشّمال كأجنب من الجنوب. وكنّي بالمشمل عن السيف كما كنّي عنه بالرداء. ومنه : جاء مشتملا بسيفه ، كقولهم : مرتديا به ، ومتدرعا له. والشّمول : من أسماء الخمر ، لأنها تشتمل على العقل ، كاشتمال الشّملة. ومن ثمّ قيل : خمر لمخامرته العقل ، أو لتخمره إياه. والشّملّة : الناقة السريعة ، مأخوذة من الريح الشّمال ، تشبيها بها في السرعة. وقول الشاعر (٦) : [من الكامل]

__________________

(١) في الأصل : المشتمل.

(٢) النهاية : ٢ ٥٠١.

(٣) في س : للخلف ، وفي ح : للخف. والتصويب من المفردات : ٢٦٧.

(٤) هو البيت الثاني من معلقته. الديوان : ٢٩.

(٥) ما بين قوسين ساقط من ح. الديوان : ٧. شجت : عوليت بالماء ومزجت. الشبم : البرد.

(٦) البيت لجذيمة الأبرش كما في اللسان ـ مادة شمل (الكتاب : ٣ ٥١٨). وذكره ابن هشام في مغني اللبيب : ١٣٥ من غير عزو.

٣٣٦

ولتعرفنّ خلائقا مشمولة

ولتندمنّ ، ولات ساعة مندم

قيل : مشمولة طيبة ، كأنما هبّت عليها الشّمال. وتجمع على شمالات ، وهو شاذ. وأنشدوا : [من الطويل]

ربّما أوفيت في علم

ترفعن ثوبي شمالات

فصل الشين والنون

ش ن أ :

قوله تعالى : (إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ)(١). الشانئ : المبغض. والأبتر : هو الذي لا عقب له. وكان كفار قريش يقولون : إنّ محمدا لا عقب له ، فإذا مات انقطع ذكره. فردّ الله تلك المقالة الشّنعاء بأحسن كلام. ثم إنّه جعل الخلق كلّهم أولاده وأتباعه ومنسوبين (٢) إليه. وفي بعض القراءات : (وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ)(٣) وهو أب لهم (٤). ولا تنافي بين هذا وبين قوله تعالى : (ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ)(٥) لأنّ المراد هنا الأبوة الحقيقية المتصوّر بها الولادة. ويقال : شنأه يشنؤه شنأ وشنآنا ، وله مصادر كثيرة بيّنتها في «الدرّ» وغيره (٦). وقد قرئ : (شَنَآنُ قَوْمٍ)(٧) بفتح النون وسكونها ، وهما مصدران (٨). وقال بعضهم : من سكّن أراد بغيض قوم ، ومن ثقّل جعله مصدرا. قلت : إنما قال ذلك لأنّ (شَنَآنُ) بالسكون ليس عندهم مصدرا بل صفة. وقد قرأ بذلك عاصم وتجرّأ عليه بعض الناس ، فلا ينبغي له

__________________

(١) ٣ الكوثر : ١٠٨.

(٢) وفي الأصل : ومنسوبون.

(٣) ٦ الأحزاب : ٣٣.

(٤) في قراءة عبد الله أو أبيّ : «النبيّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم» (معاني القرآن للفراء : ٢ ٣٣٥).

(٥) ٤٠ الأحزاب : ٣٣.

(٦) وفي اللسان : شنأ ، وشنأ ، وشنأة ، ومشنأ ، ومشنأة ، ومشنؤة ، وشنآنا (اللسان ـ مادة شنأ).

(٧) ٢ المائدة : ٥.

(٨) يقول : الفراء : وقد ثقّل «الشنآن» بعضهم ـ ويعني فتح النون ـ ، وأكثر القراء على تخفيفه ـ وتخفيفه : تسكينه ـ. وقد روي تخفيفه وتثقيله من الأعمش (المفردات : ١ ٣٠٠).

٣٣٧

ذلك. قال ابن الأنباريّ قد أنكر هذا رجل من أهل البصرة يعرف بأبي حاتم السّجستانيّ (١) معه تعدّ شديد وإقدام على الطّعن في السّلف. فحكيت ذلك لأحمد بن يحيى فقال : هذا من ضيق عطنه وقلّة معرفته ، أما سمعت قول ذي الرمّة (٢) : [من الطويل].

فأقسم لا أدري أجولان عبرة

تجود بها العينان أحرى أم الصّبر؟

قال : قلت : وإن كان مصدرا ففيه الواو. فقال : فقد قالوا : وشكان ذا إهالة (٣). قلت : يعنون أنّ المصدر حقّه أن يجيء مفتوح العين كالصّوفان والنّزوان والجولان. والصفة مسكّنتها نحو غضبان وعطشان وسكران. فاستدلّ ثعلب بالبيت والشاهد. ومنه قوله : «أجولان» فسكّن عينه مع كونه مصدرا. فاعترض أبو بكر بأن فيه الواو ، يعني فقد يكون السكون لأجل حرف العلّة. فأجابه بأنه قد سكّن بعض الأسماء ، وإن لم يكن عينه واوا ، نحو : وشكان في المثالين المذكورين. وهذه الآية قد حققتها بدلائلها في «الدرّ المصون» و «العقد النّضيد» ، فعليك بالالتفات إليها فيهما.

وتقول العرب : مشنوء من يشنؤك ، أي مبغض من يبغضك. وأزد شنوءة من ذلك. وفي حديث عائشة رضي الله عنها : «عليكم بالمشنيئة النافعة التّلبينة» (٤). قال الهرويّ : يعني الحساء (٥). وقولها «التّلبين» تفسير لها ، وهي مفعولة من شنئت. قلت : كيف تكون مفعولة من شنئت؟ إذ لو كان كذلك لوجب أن يقال فيها مشنوءة مشروبة ، لأنّ أحرفها

__________________

(١) هو سهل بن محمد الجشمي السجستاني من كبار العلماء باللغة والشعر. من أهل البصرة كان المبرد يلازم القراءة عليه. وله مؤلفات عديدة. وتوفي سنة ٢٤٨ ه‍.

(٢) الديوان : ١ ٥٧٢. وروايته فيه :

فو الله ما أدري أجولان عبرة

تجود بها العينان أحجى أم الصبر

ورواية اللسان والتاج موافقة للنص.

(٣) مثل يضرب في سرعة وقوع الأمر ، ولمن يخبر بالشيء قبل أوانه. وهو في مجمع الأمثال (٢ ٣٦٧) : «وشكان ذا إذابة وحقنا». ونصب «إهالة» على الحال. والإهالة : ما أذبت من الشحم.

(٤) النهاية : ٢ ٥٠٣. وفي الأصل : التلبين ، والتصويب من النهاية.

(٥) وفي الأصل : الحنو ، ولعلها كما ذكرنا عن النهاية.

٣٣٨

صحيحة اللهمّ إلا أن يقال : الهمزة تجري مجرى حروف العلة كثيرا. وقال الرياشيّ : سألت الأصمعيّ عنها فقال : البغيضة (١).

فصل الشين والهاء

ش ه ب :

قوله تعالى : (فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ)(٢). الشهاب : هو الشّعلة المستوقدة الساطعة من النار أو العارض من الجوّ. ووصفه تارة بكونه ثاقبا ، أي للأرض ولمن يلحقه ، وتارة بكونه مبينا في قوله : (فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ)(٣) بمعنى أنه أمر ظاهر لا يختصّ به واحد دون آخر ، وتارة يكون قبسا في قوله : (أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ)(٤) فمن نوّن «شهاب» فلأنّه قبس ، أي أخذ من النار. ومن أضافه فلأنّ الشهاب أعمّ من القبس (٥). وقيل : هو من إضافة الشيء إلى نفسه نحو : مسجد الجامع ، وهو رأي كوفيّ. وأصحابنا يتناولونه بما هو مذكور في مواضعه المشار إليها.

والشّهبة : بياض مختلط بسواد ، تشبيها بالشهاب لاختلاط ضوئه بالدّخان وكتيبة شهباء : اعتبارا بسواد القوم وبياض الحديد.

ش ه د :

قوله تعالى : (عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ)(٦). الشهادة والشّهود : حضور مع مشاهدة. وذلك إما بالبصر ، وإما بالبصيرة. والأول تتعلّق به الأحكام الظاهرة ، وأمّا الثاني فالشرع بالنسبة إلى الأحكام الظاهرة لم يعتبره. وقد يقال للحضور مفردا ، إلا أنّ الشهود بالحضور

__________________

(١) اعتراضه مقتبس من ابن الأثير. فانظره.

(٢) ١٠ الصافات : ٣٧.

(٣) ١٨ الحجر : ١٥.

(٤) ٧ النمل : ٢٧.

(٥) نون عاصم (وحمزة والكسائي وخلف ويعقوب) والأعمش في الشهاب والقبس ، وأضافه أهل المدينة «بشهاب قبس» (معاني المفردات للفراء : ٢ ٢٨٦).

(٦) ٧٣ الأنعام : ٦ ، وغيرها.

٣٣٩

المجرد أولى والشهادة مع الشهادة (١). وقد يقال للمحضر : مشهد ، وللمرأة بحضرة زوجها : مشهد. وجمع المشهد مشاهد ، ومنه مشاهد الحجّ ، قال تعالى : (لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ)(٢) فمشاهده مواطنه الشريفة التي تحضرها الملائكة والأبرار من الناس. وقيل : هي مواضع المناسك.

قوله تعالى : (ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ)(٣) أي ما حضرنا. قوله : (وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ)(٤) أي لا يحضرونه بنفوسهم ولا بهمّهم وإرادتهم. والشهادة : قول صادر عن علم حصل بمشاهدة بصر أو بصيرة. ومنه قوله عليه الصلاة والسّلام : «إن رأيت الشمس طالعة على مثل هذا فاشهد» ثم اتسع في ذلك فجازت في مواضع بغلبة الظنّ ، بيانها في كتب الفقه.

قوله تعالى : (أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ)(٥) أي بمشاهدة البصيرة ، وقوله بعد ذلك : (سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ)(٦) تنبيه أنّ الشهادة تكون عن شهود. قوله : (لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ)(٧) أي تعلمون. قوله تعالى : (ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ)(٨) أي ما جعلتهم ممّن اطّلعوا ببصيرتهم على خلقها. قوله : (عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ) أي ما يغيب عن حواسّ الناس وبصائرهم وما يشاهدونه بها.

قوله تعالى : (وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ)(٩) قال عليّ كرم الله وجهه : «الشاهد : يوم الجمعة ، والمشهود يوم عرفة» (١٠) وقيل : المشهود : يوم الجمعة. وقيل : يوم عرفة. وقيل : يوم

__________________

(١) يعني : وهذه أولى أيضا.

(٢) ٢٨ الحج : ٢٢.

(٣) ٤٩ النمل : ٢٧.

(٤) ٧٢ الفرقان : ٧٥.

(٥) ١٩ الزخرف : ٤٣.

(٦) تتمة الآية.

(٧) ٧٠ آل عمران : ٣.

(٨) ٥١ الكهف : ١٨.

(٩) ٣ البروج : ٨٥.

(١٠) جاء ذلك شرحا للحديث : «سيد الأيام يوم الجمعة ، هو شاهد» (النهاية : ٢ ٥١٣).

٣٤٠