عمدة الحفّاظ في تفسير أشرف الألفاظ - ج ٢

الشيخ أحمد بن يوسف [ السمين الحلبي ]

عمدة الحفّاظ في تفسير أشرف الألفاظ - ج ٢

المؤلف:

الشيخ أحمد بن يوسف [ السمين الحلبي ]


المحقق: الدكتور محمّد التونجي
الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: عالم الكتب
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٠٤
الجزء ١ الجزء ٢

اليسير من حلقها ، ويتركونها حتى تموت. والشّرط : أول طائفة من الجيش يشهدون الوقعة. ومنه حديث عبد الله : «وتشرط شرطة للموت لا يرجعون إلا غالبين» (١).

ش ر ع :

قوله تعالى : (ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها)(٢) أي دين وملّة ؛ قاله الفراء وأصل الشرع : نهج الطريق الواضح نحو : شرعت له طريقا. والشّرع مصدر شرع ، ثم استعير للطريق النّهج فقيل : شرع وشريعة وشرعة وسنّة. قوله تعالى : (لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً)(٣) إشارة إلى أمرين : أحدهما ما سخّر الله تعالى عليه كلّ إنسان من طريق يتحرّاه ممّا يعود على مصالح عباده وعمارة بلاده ، المشار إليها بقوله : (وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا)(٤). الثاني ما قيّض له من الدّين وأمره ليتحرّاه اختيارا ممّا تختلف فيه الشرائع ويعترضه النّسخ ودلّ عليه قوله تعالى : (ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها). وقال ابن عباس ـ رضي الله عنهما (٥) ـ : «الشريعة ما ورد به القرآن ، والمنهاج ما وردت به السّنّة».

قوله تعالى : (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً) الآية (٦) إشارة إلى الأصول التي تتساوى فيها الملل ولا يصحّ فيها النسخ كمعرفة الباري ونحوها مما دلّ عليه قوله : (وَمَنْيَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)(٧) وقال بعضهم : سميت الشريعة [شريعة](٨) تشبيها بشريعة الماء لأنّ من نزع فيها على الحقيقة المصدوقة روي وتطهّر. قال : وأعني بالرأي ما قال بعض الحكماء : كنت أشرب فلا أروى فلما عرفت الله رويت بلا

__________________

(١) النهاية : ٢ ٤٦٠.

(٢) ١٨ الجاثية : ٤٥.

(٣) ٤٨ المائدة : ٥.

(٤) ٣٢ الزخرف : ٤٣.

(٥) الدعاء ساقط من ح.

(٦) ١٣ الشورى : ٤٢.

(٧) ١٣٦ النساء : ٤.

(٨) إضافة يقتضيها السياق.

٣٠١

شرب. وبالتطهّر ما قال تعالى : (إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)(١).

وشارعة الطريق : ما استقام منها ، والجمع شوارع. ومنه : أشرعت الريح قلعه. وشرعته فهو مشرع ومشروع. وشرعت السفينة : جعلت لها شراعا ، أي قلعا ، لأنه يتقدّمها ويمرّ بها في طريقها. والشّروع في الشيء : الأخذ فيه والدخول. ومنه قول النحاة : أفعال الشروع نحو : طفق ، وجعل. ومنه : هم في هذا شرع واحد ، أي سواء ، كأنهم شرعوا فيه دفعة. وقولهم : شرعك من رجل زيد ، كقولك : حسبك ، أي هو الذي يشرع في أمرك.

والشّرع بالكسر : خصّ بما يشرع من الأوتار على العود. وقيل : سميت الملة شريعة وشرعة لظهورها. ومنه : (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ)(٢) أي أظهر. وقال ابن عرفة : الشّرعة والشّريعة : ما ظهر واستقام من المذاهب. وقوله : (إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً)(٣) وهو جمع شارع ، أي بادية خراطيمها لكلّ أحد ، وذلك أنّ الله تعالى ابتلى اليهود بتحريم الصيد يوم السبت وبإلهام السمكة بذلك ، فكانت تظهر إلى أن يكاد الإنسان يقبضها ، فإذا كان يوم الأحد فما بعده ذهبت. حتى أعدّوا حياضا شارعة إلى البحر بجداول. وكانت الحيتان تدخل الجداول يوم السبت ، فيصيدونها يوم السبت ، فذلك اعتداؤهم في السبت ، فمن ثم مسخوا قردة وخنازير. وقال الليث : حيتان شرّع ، رافعة رؤوسها ، كأنه أخذه من شراع السفينة. وفي حديث علي رضي الله عنه «أن قوما سافر معهم رجل ففقد ، فاتّهمهم أهله بقتله فأتوا شريحا. فطلب أهل القتيل بالبيّنة فعجزوا ، فطلب أهل القتيل بالبيّنة فعجزوا ، فطلب أيمان المتّهمين فبلغت عليا رضي الله عنه فأنشد» (٤) : [من الرجز]

أوردها سعد وسعد مشتمل

يا سعد لا ترد [إلى] دار الإبل

__________________

(١) ٣٣ الأحزاب : ٣٣.

(٢) ١٣ الشورى : ٤٢.

(٣) ١٦٣ الأعراف : ٧.

(٤) الصدر مثل مذكور في المستقصى : ١ ٤٣٠. والعجز يستقيم بما أضفناه. والمشهور :

ما هكذا تورد يا سعد الإبل

٣٠٢

ثم قال : «إنّ أهون [السقي](١) التّشريع» ففرق أولئك النّفر فاعترفوا بقتله فقتلهم به. يريد رضي الله عنه أنّ شريحا أخذ بالأهون ولم يستبرئ. كما أنّ التّشريع ، وهو إيراد الإبل الشريعة ، أمر هين لا يحتاج أصحاب الإبل إلى نزع دلاء ولا حوض. فجعل ذلك مثلا. وما أحسن هذا وأبلغه!

ش ر ق :

قوله تعالى : (بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ)(٢). الإشراق : مصدر أشرقت الشمس أي أضاءت. يقال : شرقت الشمس شروقا : طلعت. وأشرقت : أضاءت. وشرقت ـ بالكسر ـ : أخذت ودنت للغروب. وقيل : شرق وأشرق بمعنى واحد. والمراد وقت الإشراق. وفي تفسير ابن عباس أنّ المراد به صلاة الضّحى ، وكانت الجاهلية في موقفهم يقولون : «أشرق ثبير كيما نغير» (٣) أي ادخل في الشروق حتى ننفر وندفع (٤). وقولهم : «لا أفعل ذلك ما ذرّ شارق» (٥) أي ما طلع نجم من جهة الشرق.

قوله تعالى : (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ)(٦) وفي موضع آخر بلفظ التثنية (٧) ، وفي أخر بلفظ الجمع (٨) ، وذلك بحسب اختلاف الإرادات. قال بعضهم : حيث أتيا بلفظ الإفراد ، يعني المشرق والمغرب ، فالمراد بذلك ناحيتا الشرق والغرب. وحيث أتيا بلفظ التثنية فالمراد مطلعا الصيف والشتاء ومغربهما. وحيث وردا بلفظ الجمع فالمراد مطلع كلّ يوم ومغربه ؛ فيقال : إن للشمس ثلاث مئة وستين كرّة في الفلك تطلع كلّ يوم من واحدة ، وكذا في جهة الغروب.

والمشرق والمغرب : اسما مكان الشروق والغروب ، فكان قياسهما ضمّ العين ، إلا أنّ

__________________

(١) فراغ في الأصل ، والإضافة من النهاية : ٢ ٤٦٠.

(٢) ٢٨ ص : ٣٨.

(٣) النهاية : ٢ ٤٦٤. ثبير : جبل بمنى. أي ادخل أيها الجبل في الشروق.

(٤) أي : ندفع للنحر.

(٥) المستقصى : ٢ ٢٤٨.

(٦) ٢٨ الشعراء : ٢٦.

(٧) ١٧ الرحمن : ٥٥.

(٨) ٤٠ المعارج : ٧٠.

٣٠٣

السماع بخلافه ، ولها أخوات ذكرناها في غير هذا. قوله : (مَكاناً شَرْقِيًّا)(١) أي من ناحية المشرق. والمشرقة : المكان الذي يظهر للشرق. وشرّقت اللحم : ألقيته في المشرقة ، ومنه أيام التشريق (٢). والمشرّق : مصلّى العيد للقيام في الصلاة فيه وقت شروق الشمس. وأحمر شرق (٣) : شديد الحمرة. ولحم شرق : لا شحم فيه. وثوب شرق بالصّبغ.

قوله تعالى : (لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ)(٤) أي لا تطلع عليها الشمس وقت شروقها أو وقت غروبها فقط ، ولكنها شرقية غربية تصيبها الشمس بالغداة والعشيّ. وهو أنضر لها وأجود لزيتونها. قلت : وفي هذا دليل لقول الفقهاء في ذلك : والله لا كلمت زيدا ولا عمرا ، إنه يمينان. ولو قال : وعمرا ، دون «لا» كانت يمينا واحدة. وفيه بحث من حيث قول النحاة : إنّ «لا» الثانية للتأكيد. وقد حققناه في غير هذا.

قوله : (فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ)(٥) أي داخلين في وقت الشروق. وهو حال يحتمل أن تكون من الفاعل أو المفعول أو منهما ، وهو متلازم. وإن قلنا : إنها حال من أحدهما لأن من أدرك وقت كيف أتت وهو «مشرقين» (٦). وفي الحديث : «نهى أن يضحّى بالشّرقاء» (٧) وهي المشقوقة الأذن. شرق أذنه يشرقها : شقّها. والشّرق : مصدر شرق بريقه ؛ ومنه قول عديّ بن زيد (٨) : [من الرمل]

لو بغير الماء حلقي شرق

كنت كالغصّان بالماء اعتصاري

والشّرق أيضا : الضّوء ، وهو أيضا الشمس. وهو أيضا الشّقّ. وعن المبرد : ما يرى من الضوء في شقّ الباب.

__________________

(١) ١٦ مريم : ١٩.

(٢) وهي ثلاثة أيام تلي عيد النحر ، سميت بذلك من تشريق اللحم ، وهو تقديده وبسطه في الشمس ليجفّ.

(٣) وفي المفردات : أحمر شارق (ص ٢٥٩).

(٤) ٣٥ النور : ٢٤.

(٥) ٦٠ الشعراء : ٢٦.

(٦) في الكلام نقص أو اضطراب.

(٧) النهاية : ٢ ٤٦٦.

(٨) اللسان : مادة شرق.

٣٠٤

ش ر ك :

قوله تعالى : (جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ)(١) قرئ شركاء وشركا (٢). فالشّرك يقال بمعنى الشّريك ، وبمعنى النصيب. وفي التفسير أن إبليس عيّرهما حين سمّياه عبد الحارث وكان عبد الله في قصة ذكروها لا تصحّ عن مثل أبوينا ، وإن صحّت فمن ذرّيّتهما ، لا منهما. وجمعه أشراك ، وأنشد للبيد (٣) : [من الوافر]

تطير عدائد الأشراك شفعا

ووترا ، والزّعامة للغلام

ومن قرأ : (شُرَكاءَ) أراد به جمع شريك. وأصله الشّركة. والمشاركة : خلط الملكين. وقيل : هو أن يوجد شيء لاثنين فصاعدا ؛ عينا كان ذلك الشيء أو معنى ، كمشاركة الإنسان [والفرس](٤) في الحيوانية ، ومشاركة فرس وفرس في الكمتة والدّهمة. يقال : شركته وشاركته وتشاركته وتشاركوا واشتركوا. وأشركته في كذا ؛ قال تعالى : (وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي)(٥). وفي الحديث : «اللهمّ أشركنا في دعاء الصالحين» (٦).

ثم الشّرك ضربان : ضرب يجعل لله فيه شريك. وهذا ـ والعياذ بالله منه ـ وصفه تعالى بأنه ظلم عظيم. والثاني الشّرك الصغير ، وهو مراعاة غير الله في بعض الأمور ، وذلك كالرّياء والنّفاق المشار إليهما بقوله : (جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما) في أحد الأقوال. وقوله تعالى : (وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ)(٧). وقال آخرون : معنى «مشركون» أي واقعون (٨) في شرك الدنيا ، أي حبائلها. ومن ثم قال عليه الصلاة والسّلام : «الشّرك في هذه الأمّة أخفى من دبيب النّمل على الصّفا» (٩). ولفظ الشّرك من الألفاظ المشتركة. قوله :

__________________

(١) ١٩٠ الأعراف : ٧.

(٢) والأخيرة قراءة نافع وأبي جعفر وأبي بكر عن عاصم (معاني القرآن للفراء : ١ ٤٠٠ ، وحاشيتها).

(٣) الديوان : ٢٠٢.

(٤) نقل المؤلف الكلام من الراغب وأسقط الكلمة (المفردات : ٢٥٩).

(٥) ٣٢ طه : ٢٠.

(٦) المفردات : ٢٥٩.

(٧) ١٠٦ يوسف : ١٢.

(٨) وفي الأصل : واقفين ، ولعلها كما ذكرنا.

(٩) النهاية : ٢ ٤٦٦ ، وفيه : أخفى في أمتي. ويؤيد الأصل اللسان والتاج والمفردات. ويقول ابن الأثير : يريد الرياء في العمل ، فكأنه أشرك في عمله غير الله.

٣٠٥

(وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً)(١) الظاهر أنه الشّرك المعروف ، وقيل : هو الرّياء.

قوله : (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ)(٢) قيل : هذا عامّ ، قد خصّ بغير الرهبان والنساء والذّراري. وقيل : لم يدخل أهل الكتابين. والظاهر دخولهم لقولهم : (عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ)(٣) ، (الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ)(٤) إلا أن يؤدّوا الجزية. واحتجّ من أخرجهم بقوله : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا)(٥) وبقوله : (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ)(٦) فإفرادهم يدلّ على عدم تناولهم. فالجواب أنه إنما أفردهم بالذكر لإرادة عبدة الأوثان. وأمّا الشّرك فاسم شامل للجميع عند الإطلاق. قال ابن عمر ـ وقد سئل عن نكاح اليهودية والنصرانية : فتلا قوله تعالى : (وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَ)(٧) قال : ولا أعلم شركا أشدّ من أن تقول : عيسى ربّها. قوله تعالى : (وَما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ)(٨) أي من نصيب وقيل : من شريك شركه في خلقها. قوله : (إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ)(٩) أي بشرككم أيّها التّبّاع ، كقوله : (وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ)(١٠).

قوله : (وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ)(١١) أي شاركهم فيما أحلّ الله لهم فحرّمه عليهم ، نحو السوائب والبحائر والوصائل والحوامى (١٢) ، وفي الأولاد بأن يزنوا. وهذا أمر

__________________

(١) ١١٠ الكهف : ١٨.

(٢) ٥ التوبة : ٩.

(٣) كان عزير من أحبار اليهود السبايا الذين كانوا في بابل فرجع إلى الشام يبكي على فقدان التوراة وخراب بيت المقدس. أرسل الله إليه ملكا فسقاه ماء فحفظ التوراة. وقيل : هو الذي أماته الله مئة عام (أنظر تفصيل خبره في معجم أعلام القرآن ـ مادة عزير). والآية : ٣٠ التوبة : ٩.

(٤) كان عزير من أحبار اليهود السبايا الذين كانوا في بابل فرجع إلى الشام يبكي على فقدان التوراة وخراب بيت المقدس. أرسل الله إليه ملكا فسقاه ماء فحفظ التوراة. وقيل : هو الذي أماته الله مئة عام (أنظر تفصيل خبره في معجم أعلام القرآن ـ مادة عزير). والآية : ٣٠ التوبة : ٩.

(٥) ١٧ الحج : ٢٢.

(٦) ١ البينة : ٩٨.

(٧) ٢٢١ البقرة : ٢.

(٨) ٢٢ سبأ : ٣٤.

(٩) ٢٢ إبراهيم : ١٤.

(١٠) ١٤ فاطر : ٣٥.

(١١) ٦٤ الإسراء : ١٧.

(١٢) هي البهائم التي تحوم حول الماء فلا تجده ، مفردها حام وهو بعض ما حرمته العرب في الجاهلية من الأباعر. وقد ذكرت في الآية ١٠٣ المائدة : ٥.

٣٠٦

تهديد وابتلاء وامتحان لنا. وقال ابن عرفة : مشاركته في الأموال : اكتسابها من حرام ، وفي الأولاد خبث المناكح. قوله : (أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ)(١) أعلمهم أنّ عذاب الآخرة خلاف عذاب الدنيا من حيث إنّ عذاب الدنيا إذا ابتلي به شخص فرأى غيره قد شاركه فيه خفّ عنه ذلك بعض شيء بالتأسّي ، كما قالت الخنساء (٢) : [من الوافر]

ولو لا كثرة الباكين حولي

على موتاهم لقتلت نفسي

وما يبكون مثل أخي ولكن

أعزّي النفس عنهم بالتأسّي

والشّرك : الاشتراك في الأرض. ومنه : «أنّ معاذا أجاز الشّرك في أهل اليمن» (٣). ومنه قول أمّ معبد : [من الطويل]

تشاركن هزلى مخّهنّ قليل

أي عمّهنّ الهزال.

ش ر و :

قوله تعالى : (وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ)(٤) قيل : معناه باعوه ؛ على أنّ الضمير المرفوع لإخوة يوسف. وقيل : هو على بابه بمعنى اشتروه ؛ على أنّ الضمير لأهل السيّارة. وقال بعضهم : الشراء والبيع متلازمان ؛ فالمشتري دافع الثمن وآخذ الثمن ، هذا إذا كانت المبايعة والمشاراة تقاض وسلعة. فأما إذا كانت (٥) بيع سلعة بسلعة ، صحّ أن يتصوّر كلّ واحد منهما في موضع الآخر ، إلا أنّ شريت بمعنى بعت أكثر ، وابتعت بمعنى اشتريت أكثر ؛ قال تعالى : (وَشَرَوْهُ) أي باعوه. قال ويجوز الشّراء والإشتراء في كلّ ما يحصل به شيء نحو : (أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى)(٦).

__________________

(١) ٣٩ الزخرف : ٤٣.

(٢) ديوان الخنساء : ٨١ ، وفيه : على إخوانهم. وما يبكين. أسلّي النفس.

(٣) النهاية : ٢ ٤٦٧ ، أي أجاز الاشتراك في الأرض.

(٤) ٢٠ يوسف : ١٢.

(٥) وفي الأصل : كان ، والسياق يتطلب التأنيث.

(٦) ١٦ البقرة : ٢.

٣٠٧

قلت : هذا من الاستعارة التخييلية أو التمثيلية ، ورشّح ذلك بقوله : (فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ)(١) وبالغ فيها حيث أسند عدم الربح لنفس التجارة ، والمراد بابها. وقد حقّقنا هذا في غير هذا الموضع. قوله : (إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ)(٢) ، فذكر الثمن وهو قوله : (بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ) ، وقال الراغب (٣) : فذكر ما اشتري به وهو قوله : (يُقاتِلُونَ) وفيه نظر واضح ؛ إذ المشترى به على مجاز قوله : (بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ). وأمّا (يُقاتِلُونَ) فهو في الحقيقة المرادة بهذا الكلام المبيع ، وقال الهرويّ : إنّ شريت من الاضداد ؛ يعني أنه يكون بمعنى بعت وبمعنى اشتريت.

قوله : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ)(٤) أي يبيعها. وفي الحديث : «كان لا يشاري ولا يماري» (٥) قيل : لا يشاري : لا يلاجّ. وقال ابن عرفة : أصله لا يشارر من الشرّ ، فأبدل (٦). وفي حديث أمّ زرع : «وركب شريّا» (٧) أي فرسا يستشري في عدوه ، أي يلجّ. وشرى الرجل أي استشرى ، أي جدّ في الشرّ ولجّ فيه. وفي الشراء لغتان : المدّ والقصر ، والأكثر أن تدخل الياء على ما هو ثمن ، إن كان الثمن والمثمن غير نقد (٨). فإن (٩) كان أحدهما نقدا فهو الثمن مطلقا. والشّروى (١٠) : المثل ؛ ومنه قول عليّ رضي الله عنه : «ادفعوا شرواها من الغنم» (١١) أي مثلها. وكان شريح يضمّن القصّار شروى الثوب (١٢) ، أي مثله.

__________________

(١) ١٦ البقرة : ٢.

(٢) ١١١ التوبة : ٩.

(٣) المفردات : ٢٦٠.

(٤) ٢٠٧ البقرة : ٢.

(٥) من حديث السائب (النهاية : ٢ ٤٦٨).

(٦) لعل الصواب أن يقول : فقلب إحدى الراءين ياء. ويقول ابن الأثير : والأول أوجه.

(٧) النهاية : ٢ ٤٦٧.

(٨) وفي س : والثمن غير عرفان.

(٩) ساقطة من س.

(١٠) وفي الأصل : الشرو من.

(١١) النهاية : ٢ ٤٧٠.

(١٢) وتتمته عند ابن الأثير : إذا أهلكه ، وبه يتضح المعنى.

٣٠٨

فصل الشين والطاء

ش ط ا :

قوله تعالى : (أَخْرَجَ شَطْأَهُ)(١) قيل : فراخه ، وهو أن ينبت في أصل الزرع ما هو أصغر منه. يقال : شطء وشطأ نحو : شمع وشمع ، ونهر ونهر ، وشعر وشعر ، والجمع أشطاء. وقيل : شطء الزرع : أفراخه لما ينبت في شاطئيه أي جانبيه. وجانب كلّ شيء شاطئه. ومنه قوله تعالى : (مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ)(٢) أي من جانبه وناحيته. وشاطئ البحر : ساحله. وشاطأت فلانا : ماشيته على الشّطّ. ويقال : أشطأ (٣) الزرع ، أي أنبت الشّطء وصار ذا شطء ، نحو أحصد.

ش ط ر :

قوله تعالى : (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ)(٤) أي نحوه ووجهته. وشطر الشيء : وجهته ونصفه. وشاطرته شطارا : ناصفته. وشطر بصره أي نظر إليك وإلى آخر. وشطر : أخذ شطرا. ومنه : الشاطر : لمن يتلصّص ، لأنه يأخذ ناخية غير ناحية أهله. وجمعه شطر. وقيل : سمي شاطرا لأنه يتباعد. وقيل : هو المتباعد عن الحقّ ، وجمعه شطّار. وفلان حلب الدهر أشطره ، أي كثير التجربة. وأصله في الناقة ؛ أن تحلب خلفين (٥) وتترك خلفين. وناقة شطور : يبس خلفان من أخلافها. وشاة شطور : أحد خلفيها أكبر من الآخر.

__________________

(١) ٢٩ الفتح : ٤٨.

(٢) ٣٠ القصص : ٢٨.

(٣) ويجوز : شطأ الزرع كما في اللسان ـ شطأ.

(٤) ١٤٤ البقرة : ٢.

(٥) الخلف : الضرع.

٣٠٩

ش ط ط :

قوله تعالى : (شَطَطاً)(١) أي بعيدا من الصواب في القول. يقال : شطّت دارنا ، أي بعدت. وقيل : الشّطط : الإفراط في البعد ؛ فكلّ شطط بعد من غير عكس ، ثم عبّر بالشّطط عن الجور والعدول عن الصواب في القول والحكم. ومنه : (لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً)(٢)(وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللهِ شَطَطاً)(٣). ومنه : شطّ النهر لأنه يبعد عن الماء. قوله : (وَلا تُشْطِطْ)(٤) أي لا تبعد عن الحقّ ولا تجر. يقال : شطّ ، وأشطّ ، واشتطّ. وشطّ يكون لازما نحو : شطّت الدار ، تشطّ وتشطّ ، ومتعديا ومنه تميم الداريّ :

ابنك الشاطي.

والشطة : بعد المسافة.

ش ط ن :

قوله تعالى : (فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطانِ)(٥) الصحيح أنه مشتقّ من شطن يشطن : إذا بعد. ومنه قول النابغة (٦) : [من الخفيف]

أيّما شاطن عصاه عكاه

ثم يلقى في السّجن والأكبال

وقال آخر (٧) : [من الوافر]

نأت بسعاد عنك نوى شطون

فبانت والفؤاد بها رهين

__________________

(١) ١٤ الكهف : ١٨. وغيرها.

(٢) من الآية السابقة.

(٣) ٤ الجن : ٧١.

(٤) ٢٢ ص : ٣٨.

(٥) ٩٨ النحل : ١٦.

(٦) وهم الناسخ فعزا البيت إلى النابغة وهو لأمية بن أبي الصلت في وصف سليمان عليه‌السلام كما في اللسان ـ مادة شطن. وفي اللسان : والأغلال. وفي حاشية اللسان. قال الصاغاني : والرواية والأكبال ، والأغلال في بيت بعده بسبعة عشر بيتا.

(٧) البيت للنابغة الذبياني ، وهو في الديوان (ص ٢٥٦) مطلع لنونيّته.

٣١٠

وقالوا : تشيطن ، أي فعل فعل الشياطين ؛ فنونه أصلية وألفه مزيدة. هذا قول الحذّاق ، وقد أوضحنا ذلك في غير هذا ، وذلك لأنه بعد من رحمة الله تعالى لمخاصمة أمره وقيل : مشتقّ من شاط يشيط : إذا هاج واحترق. ولا شكّ أنّ المعنيين موجودان فيه ، أعني البعد من الرحمة والاحتراق والهياج. إلا أن الاشتقاق يدلّ للأول نحو تشيطن يتشيطن. وذكرنا أنه يترتّب على القولين صرفه وعدمه إذا سمي به وإن كان غالبهم يطلق ذلك.

والشيطان في الأصل مختصّ بالجنّ. وقال أبو عبيدة : هو اسم بين الجنّ والإنس والحيوانات. واستدلّ له بقوله تعالى : (وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ)(١) أي أصحابهم من الجنّ والإنس. وقوله : (وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ)(٢) قيل : هم الجنّ. وقيل : هم : مردة الفريقين. وقوله : (كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ)(٣) أراد في القبح الذي يتصوره في ذهنه كلّ سامع هذا اللفظ. والعرب تتصور الشيطان بأقبح صورة ، والملك بأحسنها ، وعليه : (إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ)(٤). وقيل هي حيّات لها رؤوس منكرة وأعراف بشعة. وقيل : هو نبت معروف عندهم خبيث قبيح المنظر ؛ وعليه ما قدّمته. وأطلق لفظ الشيطان على [كلّ] صورة ذميمة وخلق رديء ؛ وعليه قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «الحسد شيطان والغضب شيطان» (٥) وذلك لأنهما ينشأان منه. وقال جرير بن الخطفى (٦) : [من البسيط]

أيام يدعونني الشيطان من غزلي

وهنّ يهوينني إذ كنت شيطانا

سمّى نفسه شيطانا وذكر سبب ذلك ، وهو تغزّله في النساء.

__________________

(١) ١٤ البقرة : ٢.

(٢) ١٠٢ البقرة : ٢.

(٣) ٦٥ الصافات : ٣٧.

(٤) ٣١ يوسف : ١٢.

(٥) المفردات : ٢٦١.

(٦) الديوان : ٥٩٧. في هجاء الأخطل. وفيه : أزمان.

٣١١

فصل الشين والعين

ش ع ب :

قوله تعالى : (وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ)(١) الشعوب جمع شعب ـ بالفتح ـ وقال الفراء : الشعوب أكبر من القبائل (٢). وقال ... (٣) : ما تشعّب من قبائل العرب. وقد ذكرنا في باب القاف أنّ القبائل في العرب والشّعوب في العجم. ومنه قيل الشعوبية لقوم يتعصّبون للعجم ويفضّلونهم على العرب. قال الهرويّ : الشعوبيّ الذي يصغّر شأن العرب ، ولا يرى لهم فضلا على غيرهم. قيل لهم ذلك لأنهم يتأوّلون قوله : (شُعُوباً وَقَبائِلَ) أنّ الشعوب من العجم كالقبائل من العرب.

قلت : يعني أن الله تعالى قسم العالم الإنسيّ قسمين من غير تفضيل لأحدهما على الآخر. ثم إنه قدّم الشعوب لفظا ، وهو قرينة ترجيح. ويقال : إنّ أبا عبيدة معمر بن المثنّى كان من هؤلاء ، وأنا أحاشيه من ذلك. ويقال : إنه وضع كتابا في مثالب العرب. ويحكى أنّ الصاحب بن عباد ـ وكان أعجميا (٤) ـ يتعصب للعرب ، وأنه حضره رجل شعوبيّ وكان بديع الزمان حاضرا ، فتذاكروا عنده ، فأنشد الشعوبيّ : [من الوافر]

غنينا بالطّبول عن الطلول

وعن عيس عزافرة ذمول

فلست بتارك إيوان كسرى

لتوضح أو لحومل فالدّخول

وضبّ في الفلا ساع وذئب

بها يعوي وليث وسط غيل

بأيّة رتبة هم قد سموها

على ذي الأصل والشّرف الأصيل؟

إذا ذبحوا فذلك يوم عيد

وإن نحروا ففي عرس جليل

__________________

(١) ١٣ الحجرات : ٤٩.

(٢) معاني القرآن : ٣ ٧٢ ، وتمام كلامه : والقبائل أكبر من الأفخاذ.

(٣) لعله ابن عباس ، كما في اللسان ـ مادة شعب في شرحه للآية الكريمة المذكورة.

(٤) وفي الأصل : عجميا.

٣١٢

أما لو لم يكن للفرس إلا

نجار الصاحب العدل الجليل

لكان لهم بذلك خير فخر

وخيلهم بذلك خير خيل

فقال الصاحب بن عباد لبديع الزمان : قم فأجب عن صاحبك وأنيسك. فارتجل وقال (١) : [من الوافر]

أراك على شفا خطر مهول

لما أودعت رأسك من فضول

طلبت على مكارمنا دليلا

متى احتاج النّهار إلى دليل؟

متى قرع المنابر فارسيّ

متى عرف الأغرّ من الحجول؟

متى علقت وأنت بها زعيم

أكفّ الفرس أطراف الخيول

فخرت بملء ماض فيك فخرا

على قحطان والبيت الأصيل

فخرت بأنّ ماكولا وليسا

وذلك فخر ربّات الحجول

تفاخرهنّ في خدّ أسيل

وفرع في مفارقه أسيل

فقال الصاحب لذلك الشعوبيّ : كيف رأيت؟ فقال : لو سمعت بمثل هذا ما حذقت. فقال له الصاحب : جائزتك جوارك ، إن رأيتك في ملكي بعدها ضربت عنقك. فشكر الله لابن عباد هذا الصنيع ، فإنه للإحسان غير مضيع.

وقيل : الشّعب : القبيلة المتشعّبة من حيّ واحد. والشّعب ـ بالكسر ـ من الوادي : ما اجتمع منه طرف وتفرّق منه طرف. فإذا نظرت إليه من الجانب الذي يتفرّق أخذت في وهمك واحدا ، وإذا نظرت إليه من جانب الاجتماع أخذت في وهمك اثنين اجتمعا ، فلذلك قيل : شعبت الشّيء : جمعته ، وشعبته : فرّقته ؛ فهو من الأضداد عند بعضهم ، وليس كذلك لما ذكرنا من القدر المشترك.

وشعيب إذا لم يكن اسما للنبيّ المعروف صلى‌الله‌عليه‌وسلم فهو تصغير شعب أو شعب. وشعب الذي هو مصدر لشعبت الشيء. والشّعيب : المزادة الخلقة المتشعّبة. وقال شمر : الشّعبة

__________________

(١) غير مذكور في ديوانه.

٣١٣

من كلّ شيء : القطعة والطائفة. وفي الحديث : «إذا جلس بين شعبها الأربع» (١) قيل : هما اليدان والرّجلان. وقيل : رجليها وشفريها. وفي حديث مسروق : «أنّ رجلا من الشّعوب أسلم ، فكانت تؤخذ منه الجزية» (٢) قال أبو عبيد : الشّعوب هنا : العجم ، وفي غيره جمع الشّعب ، وهو أكبر من القبيلة. وقال بعضهم لابن عباس : ما هذه الفتيا التي شعبت الناس؟ ـ أي فرّقتهم ـ فأنشد قول الشاعر (٣) : [من الكامل]

وإذا رأيت المرء يشعب أمره

شعب العصا ويلجّ في العصيان

وأمّ المؤمنين عائشة ، لما وصفت أباها الصدّيق رضي الله تعالى عنهما : قالت (٤) : «ويرأب شعب الأمة» (٥) أي يلائم بين كلمتها إذا تفرّقت. والمشعب : الطريقة (٦) والمذهب : قال الشاعر (٧) : [من الطويل]

ومالي إلا آل أحمد شيعة

ومالي إلا مشعب الحقّ مشعب

ش ع ر :

قوله تعالى : (لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ)(٨) أي مناسك حجّه ، جمع شعيرة. والشعيرة ـ في الأصل ـ : العلامة ، فسميت مواضع الحجّ وأفعاله شعائر ، لأنها علامات. واشتقاق ذلك من الشّعور وهو العلم. قال ابن عرفة : شعائر الله آثاره وعلاماته. قال : والعرب تقول : بيننا شعار ، أي علامة تعرف بها البدنة أنها من الهدي. وقال الأزهريّ : الشعائر : المعالم التي ندب الله إليها وأمر بالقيام عليها. وقال الزجّاج : الشعائر : كلّ ما كان من موقف ومسعى وذبح. وقيل : هي نفس البدن المهداة ؛ سميت بذلك لأنها تشعر أيّ شعيرة ، أي بحديدة تشعر بها.

__________________

(١) النهاية : ٢ ٤٧٧.

(٢) النهاية : ٢ ٤٧٨.

(٣) أنشده أبو عبيد لعليّ بن غدير الغنويّ في الشّعب بمعنى التفريق كما في اللسان ـ شعب.

(٤) ساقطة من ح.

(٥) النهاية : ٢ ٤٧٧. وفيه : «يرأب شعبها».

(٦) وفي اللسان : الطريق.

(٧) البيت للكميت ـ اللسان مادة ـ شعب.

(٨) ٢ المائدة : ٥.

٣١٤

قوله : (عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ)(١) هو المسجد المعروف ، سمّي بذلك لأنّه من علامات الحجّ ، ومواضع الحجّ كلّها (٢) [مشعر]. إلا أنّ هذا الاسم غلب على هذا المكان بخصوصه. وأصل هذه المادّة من شعر الإنسان. وبيانه أن تقول : شعرت زيدا ، أي أصبت شعره. قالوا : ثم استعير : شعرت كذا ، أي علمت علما في الدقّة كإصابة الشّعر.

وسمي الشاعر شاعرا لفطنته ودقّة معرفته. فالشّعر في الأصل : اسم للعلم الدقيق في قولهم : ليت شعري. وصار في التّعارف اسما (٣) للموزون المقفّى من الكلام ، والشاعر للمختصّ بصناعته. وقوله تعالى ـ حكاية عن الكفّار ـ : (بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ)(٤) حمل كثير من المفسرين على أنّهم رموه بكونه آتيا بشعر منظوم ومقفّى حتى تأوّلوا ما جاء في القرآن من كلّ لفظ يشبه الموزون نحو : (وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ)(٥) وقال بعض المحصّلين : لم يقصدوا هذا القصد فيما رموه به ، وذلك أنّه ظاهر من هذا الكلام أنه ليس على أساليب الشّعر. ولا يخفى ذلك على الأغتام (٦) من العجم فضلا عن بلغاء العرب. وإنما رموه بالكذب ، فإنّ الشعر يعبّر به عن الكذب ، والشاعر الكاذب حتى سمّوا الأدلة الكاذبة الشعريّة. قال تعالى في وصف عامّة الشعراء : (وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ)(٧) الآية ولأنّ الشعر مقرّ الكذب. قالوا : أحسن الشعر أكذبه. وقال بعض الحكماء : لم ير متديّن صادق اللهجة مفلقا في شعره.

قلت : ولهذا إنّ شعراء مفلقين كانوا في جاهليّتهم لا يبارون ، فلما أسلموا ضعف شعرهم كحسان ولبيد وغيرهما. وقد وطّنه (٨) حسان من نفسه لذلك. والمشاعر : الحواسّ ؛ فقوله : (وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ)(٩) ونحوه ، أي لا تدركونه بالحواسّ. ولو قال في كثير من

__________________

(١) ١٩٨ البقرة : ٢.

(٢) سمي بذلك لأنه معلم للعبادة وموضع (اللسان ـ مادة شعر) ، والإضافة للسياق.

(٣) وفي الأصل : اسم.

(٤) ٥ الأنبياء : ٢١.

(٥) ١٣ سبأ : ٣٤.

(٦) الأغتم والغتمي : من لا يفصح في كلامه ، جمعها أغتام.

(٧) ٢٢٤ الشعراء : ٢٦.

(٨) وفي س : فطنة.

(٩) ٥٠ الزمر : ٣٩.

٣١٥

المواضع التي قال فيها : (لا يَشْعُرُونَ ، لا يَعْقِلُونَ) لم يكن تجوّزا ؛ إذ كان كثير مما لا يكون محسوسا قد [لا] يكون معقولا.

والشّعار : الثوب يلي الجسد لمماسّته الشّعر والشّعار أيضا : ما يشعر به الإنسان نفسه في الحرب (١). وفي الحديث : «كان شعارهم : أمت أمت» (٢). وكان شعار فلان عمامة ١٧٩ سوداء. وأشعره الحبّ نحو ألبسه. والأشعر : الطويل الشعر وما استدار منه (٣). وداهية شعراء كقولك : داهية وبراء.

والشّعرى : نجم معروف ، وتخصيصه بالذكر في قوله : (وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى)(٤) لأنّ خزاعة كانت تعبدها (٥) ، وهما شعريان : الشّعرى العبور وهي المعبودة ، سميت بذلك لأنها عبرت المجرّة وليس في السماء نجم يقطعها عرضا غيره. والأخرى الغميصاء ، لأنها لا تتوقّد توقّد العبور (٦). وكان الذي سنّ عبادة الشعرى رجل يقال له أبو كبشة ، فخالف سائر قريش ، ولذلك نسبه الكفار إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم في قولهم : «لقد أمر أمر ابن أبي كبشة» (٧) شبّهوه به في مخالفته لهم ، وشتّان ما بينهما!

وفي الحديث : «أنه أعطى ابنته حقوه» (٨) وقال : «أشعرنها إياه ـ أي إزاره ـ واجعلنه شعارها» (٩). وفي وصف الأنصار : «الأنصار شعار والناس دثار» (١٠) أي بمنزلة الشّعار في القرب. وفيه أيضا : «لمّا أراد قتل أبيّ بن خلف تطاير الناس عنه تطاير الشّعر عن

__________________

(١) أي يعلّم نفسه.

(٢) وفي الأصل : أحد أحد. وعند أبي داود. في باب الجهاد. ٧١ : «فكان شعارنا ...».

(٣) وفي المفردات : ٢٦٢ : .. وما استدار بالحافر من الشعر.

(٤) ٤٩ النجم : ٥٣.

(٥) ويقال للشعرى «المرزم» يطلع بعد الجوزاء ، وطلوعه في شدة الحر (اللسان ـ مادة شعر).

(٦) ويقال إنهما أختا سهيل.

(٧) من حديث أبي سفيان وهرقل. ويعنون به النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم لخلافه إياهم إلى عبادة الله تعالى تشبيها بأبي كبشة الذي خالفهم وعبد الشعرى.

(٨) الحقو : الإزار.

(٩) النهاية : ٢ ٤٧٩ ، أعطى النساء اللواتي غسّلن ابنته حقوه.

(١٠) النهاية : ٢ ٤٨٠ ، أي أنتم الخاصة والبطانة. والدثار : الثوب الذي فوق الشعار.

٣١٦

البعير» (١). الشّعر جمع شعراء وهي ذبابة حمراء تؤذي البعير والحمار (٢). وقولهم : شعري بمعنى شعوري ، ولا بدّ بعده من استفهام ، كقول بلال رضي الله عنه (٣) : [من الطويل]

ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة

بواد وحولي إذخر وجليل

وهل أردن يوما مياه مجنّة

وهل يبدون لي شامة وطفيل؟

ولا خبر للبيت لفظا ، بل هو محذوف ، والاستفهام معلق للشعور وسادّ مسدّ الخبر ، فلذلك لا يذكر. وفي المسألة خلاف حقّقناه في موضعه. وقد يفصل الاستفهام من «شعري» بجملة معترضة ، كقول أبي طالب (٤) : [من الخفيف]

ليت شعري مسافر ابن أبي عم

رو وليت يقولها المحزون

وفي الحديث «أنه عليه الصلاة والسّلام أهدي إليه شعارير» (٥) هي صغار القثّاء ، الواحدة شعرور. وفي غير هذا بمعنى الشّعر ، وهي الذّباب كما تقدّم. وقيل : الشعارير : ذباب البعير ، والشّعر : ذباب الكلاب.

ش ع ف :

قرأ بعضهم : شعفها (٦) بالعين المهملة ، أي برّح بها حبّه. وقال الليث : مأخوذ من شعفة (٧) ، وهو معلّق النّياط. وقيل : شعف القلب رأسه عند معلّق النّياط. وشعفة الجبل : أعلاه. وفلان مشعوف بكذا ، أي أصيبت شعفة قلبه. وقيل : معناه غشي الحبّ قلبه من فوقه ومن تحته. وفي حديث عذاب القبر : «أجلس غير فزع ولا مشعوف» (٨)

__________________

(١) النهاية : ٢ ٤٨٠.

(٢) يقول الراغب : الشعراء : ذباب الكلب لملازمته شعره.

(٣) جمهرة اللغة : ١ ٦٤ ـ ٦٥.

(٤) ذكره : ابن منظور من غير عزو ـ مادة شعر.

(٥) النهاية : ٢ ٤٨١.

(٦) ٣٠ يوسف : ١٢.

(٧) قال الأزهري : ما علمت أحدا جعل للقلب شعفة غير الليث.

(٨) النهاية : ٢ ٤٨١. والمشعوف : الذاهب القلب.

٣١٧

الشّعف : الفزع حتى يذهب بالقلب. وفي الحديث : «أو رجل في شعفة في غنيمة له» (١) هي أعلى الجبل. وفي صفة يأجوج ومأجوج : «صهب الشّعاف» (٢) أي حمر أطراف الشّعور وشعفة كلّ شيء : أعلاه.

ش ع ل :

قوله تعالى : (وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً)(٣) أي أسرع فيه الشيب إسراع النار في الحطب ، وهو من أبلغ الاستعارات. ولم يكتف بالاستعارة حتى أسند الاشتعال إلى الرأس ، وأخرج الشيب تمييزا مبالغة في ذلك. والأصل : اشتعل شيب الرأس وقيل : جهة التشبيه من حيث اللون ، وليس بطائل. قيل : وأراد بالرأس رأسه ولحيته ، ولا دلالة على ذلك. ويقال : شعلت النار وأشعلتها. الشّعيلة : الفتيلة ؛ إذا كانت مشتعلة ، أي موقدة. وفي حديث : «فأصلح الشّعيلة» (٤) كأنّها فعيلة بمعنى مفعولة. ودخول التاء فيها شاذّ كالنّطيحة. واشتعل فلان غضبا ، تشبيها باشتعال النار. وأشعلت الخيل في الغارة ، أي هيّجتها ، على الاستعارة.

فصل الشين والغين

ش غ ف :

قوله تعالى : (قَدْ شَغَفَها حُبًّا)(٥) أي أصاب شغاف قلبها ، وهو وسطه ، عن أبي

__________________

(١) النهاية : ٢ ٤٨١.

(٢) النهاية : ٢ ٤٨٢.

(٣) ٤ مريم : ١٩.

(٤) النهاية : ٢ ٤٨٢.

(٥) ٣٠ يوسف : ١٢.

٣١٨

عليّ. وقيل : باطنه عن الحسن ، وهما متقاربان. وقيل : الشّغاف : جليدة رقيقة تسمى غشاء القلب. قال ذو الرمّة (١) : [من الطويل]

مكان الشّغاف تبتغيه الأصابع

وقال ابن عرفة : وهو حجاب القلب ؛ يريد ما ذكرته. وذلك مثل قولهم : رأسه ، أي أصاب رأسه ، وكبده أي أصاب كبده ويقال له الشّغف أيضا.

ش غ ل :

قوله تعالى : (فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ)(٢) أي في تشاغل عن أهليهم المعذّبين في النار ينسونهم فلا يذكرونهم. وقيل : في اشتغال باللذّات ، عكس حال أهل الدنيا ؛ فإنّ شغلهم في كدّ الدّنيا وتعبها ، ولا لذّة منها إلا بعد مشقّة السعي في تحصيلها.

والشغل والشغل ـ بالفتح والضّم ـ هو العارض الذي يذهل الإنسان وقد شغل فهو مشغول. ولا يقال : أشغل رباعيا. وشغل شاغل مثل : شعر شاعر في المبالغة. وقولهم في المثل : «أشغل من ذات النّحيين» (٣) شاذّ لبناء أفعل من المبنيّ للمفعول. وبعضهم يراه مقيسا. وفي حديث عليّ رضي الله عنه : «أنه خطب الناس على شغلة» (٤) هي البيدر. قال ابن الأعرابيّ (٥) : الشّغلة والبيدر والكدس واحد.

__________________

(١) هذا وهم من المؤلف ، فالبيت للنابغة الذبياني من اعتذارية (ص ٤٥) ، ولكن فيه : دخول الشغاف. وهي ليست في ديوان ذي الرمة ، وإن كان في ديوانه (٢ ١٢٨٥) قافية شبيهة.

(٢) ٥٥ يس : ٣٦.

(٣) المستقصى : ١ ١٩٦. النحي : الزقّ للسمن خاصة ، وهي امرأة من تيم الله بن ثعلبة كانت تبيع السمن في الجاهلية ، ولها قصة تنظر في اللسان ـ مادة نحا.

(٤) النهاية : ٢ ٤٨٣.

(٥) وكلام ابن الأعرابي في اللسان : والعرمة ... واحد.

٣١٩

فصل الشين والفاء

ش ف ع :

قوله تعالى : (وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ)(١). قيل : الشّفع : يوم النّحر من حيث إنّ له نظيرا يليه. والوتر : يوم عرفة ، من حيث إنه ليس له نظير يليه. وقيل : الشفع : كلّ جمع ، لأنهم خلقوا أزواجا. والوتر : هو الخالق. وقيل : هما الأعداد. وقيل : آدم هو الوتر ، وهو وزوجته الشفع. وقيل : الوتر آدم لا عن والد ، والشّفع ذريته. وأصل الشفع ضمّ شيء إلى مثله. ويقال للمشفوع شفع ، ومنه الشّفاعة ، لأن فيها انضماما واحدا إلى آخر ناصرا له. وأكثر ما يستعمل في انضمام من هو أعلى رتبة إلى من هو أدنى. ومنه : شفاعة يوم القيامة ؛ قال تعالى : (فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ)(٢) أي لا شفاعة فينتفع بها (٣) وقيل : توجد شفاعة غير نافعة ، لأنه لا تكون شفاعة معتبرة إلا بالشّرطين اللذين ذكرهما تبارك وتعالى في قوله : (يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً)(٤). قوله : (مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً)(٥) أي من يزد عملا إلى عمل. وقيل : من انضمّ إلى غيره وعاونه وصار شفعا له أو شفيعا في فعل الخير أو الشرّ. فيقتدي به فصار كأنّه شفع له ، كما قال عليه الصلاة والسّلام : «من سنّ سنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها» الحديث (٦).

قوله : (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ)(٧) أي يدبر الأمر وحده لا ثاني له في فصل الأمر ، إلا أن يأذن للمدبّرات من الملائكة فيفعلون ما يفعلونه بعد إذنه. قوله : (فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ)(٨). قال ابن عرفة : أي ليس لها شافع فتنفعها شفاعته.

__________________

(١) ٣ الفجر : ٨٩.

(٢) ٤٨ المدثر : ٧٤.

(٣) وفي الأصل : فلا انتفاع بها.

(٤) ١٠٩ طه : ٢٠.

(٥) ٨٥ النساء : ٤.

(٦) صحيح مسلم ، العلم : ١٥.

(٧) ٣ يونس : ١٠.

(٨) ٤٨ المدثر : ٧٤.

٣٢٠