تفسير آيات الأحكام

المؤلف:

الشيخ محمّد علي السايس


المحقق: ناجي إبراهيم سويدان
الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: المكتبة العصريّة
الطبعة: ١
ISBN: 9953-435-84-7
الصفحات: ٨٣١

من اعتبره بيأس النساء في بلدها الذي هي فيه ، فإنّ المكان إذا كان طيب الهواء والماء كبعض الصحارى يبطئ فيها سنّ اليأس ، وقيل : يأس كل النساء إلخ.

قال أصحاب التحديد : إن اليأس يعتمد غلبة الظن ، ومهما انقطع دم المرأة فإنّها لا تزال ترجو عوده ، ولا يتأكد الظن بعدم عوده إلا إذا بلغت من السن مبلغا لا يحيض مثلها فيه ، وأمر العدد مبني على الاحتياط وطلب اليقين ما أمكن.

والقائلون بعدم التحديد يقولون : اليأس ضدّ الرجاء ، فإذا كانت المرأة قد يئست من الحيض ولم ترجه فهي آيسة ، ولو خالفت في ذلك عادة النساء جميعا ، ولو كان لها أربعون سنة أو أقل ، كما أنّها ما دامت تحيض وترى الدم وترجوه فهي ليست آيسة ، ولو كان لها سبعون سنة أو أكثر ، ولو خالفت في ذلك عادة النساء جميعا. وكما أنه يرجع في الاعتداد بالأقراء إلى عادة المعتدة نفسها ، لا إلى عادة غيرها ، كذلك يرجع في الإياس إلى كل امرأة من نفسها ، وكما أنّهم لم يجعلوا للصغر الموجب للاعتداد بالأشهر حدّا ، كذلك ينبغي ألا يكون للكبر الموجب للاعتداد بها حدا.

وينبني على الخلاف في التحديد وعدمه خلافهم في المرأة التي طلّقت ، وكانت من ذوات الأقراء ، ثم ارتفع حيضها ، بماذا تعتد؟

فأصحاب التحديد يقولون : تنتظر حتى ترى الدم أو تبلغ حدّ اليأس ، فتعتد بثلاثة أشهر ، ولو كانت مدة التربص أكثر من عشر سنين. وهذا هو مذهب الحنفية وقول الشافعي في الجديد.

والذين لا يرون لليأس حدّا يقولون : تتربّص غالب مدة الحمل ، ثم تعتد عدة الآيسة ، ثم تحلّ للأزواج مهما كانت سنها ، قالوا : وقد صحّ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في امرأة طلّقت ، فحاضت حيضة أو حيضتين ، ثم ارتفعت حيضتها ، لا تدري ما رفعها ، أنّها تتربص تسعة أشهر ، فإن استبان بها حمل وإلا اعتدت ثلاثة أشهر. وقد وافقه كثير من الفقهاء على هذا منهم مالك وأحمد والشافعي في القديم.

وكذلك اختلفوا في متعلّق الارتياب في قوله تعالى : (إِنِ ارْتَبْتُمْ) فقال جماعة : إن ارتبتم في حكمهنّ فلم تدروا ما عدتهن؟ فعدتهن ثلاثة أشهر ، وعلى ذلك يكون الشرط بيانا للواقعة التي نزل فيها الحكم من غير قصد للتقييد ، فلا مفهوم له عند القائلين بالمفهوم.

قال آخرون : إن ارتبتم في دم البالغات مبلغ اليأس أهو دم حيض أم استحاضة ، وإذا كانت هذه عدة المرتاب في دمها ، فغير المرتاب في دمها أولى بذلك.

وقال الزجاج : المعنى : إن ارتبتم في حيضهن ، وقد انقطع عنهن الدم ، وكن ممن يحيض مثلهن. إلى أقوال أخر.

٧٨١

قال ابن جرير الطبري (١) رحمه‌الله : وأولى الأقوال في ذلك بالصحة قول من قال : عنى بذلك إن ارتبتم فلم تدروا ما الحكم فيهنّ. وذلك أنّ معنى ذلك لو كان كما قاله من قال : إن ارتبتم بدمائهن ؛ فلم تدروا أدم حيض أم استحاضة ، لقيل : إن ارتبتنّ ، لأنهنّ إذا أشكل الدم عليهن فهن المرتابات بدماء أنفسهن لا غيرهن. وفي قوله : (إِنِ ارْتَبْتُمْ) وخطابه للرجال بذلك دون النساء الدليل الواضح على صحة ما قلنا من أنّ معناه : إن ارتبتم أيها الرجال بالحكم فيهنّ.

وأخرى : وهي أنّه جل ثناؤه قال : (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ) واليائسة من المحيض هي التي لا ترجو محيضا للكبر ، ومحال أن يقال : واللائي يئسن ، ثم يقال : ارتبتم بيأسهن ، لأن اليأس هو انقطاع الرجاء ، والمرتاب بيأسها مرجو لها ، وغير جائز ارتفاع الرجاء ووجوده في وقت واحد اه.

وهذا الذي اختاره ابن جرير وافقه عليه جمهور المفسرين ، وليس عليه اعتراض سوى أن يقال : إذا كان معنى (إِنِ ارْتَبْتُمْ) إن جهلتم عدتهن فسألتم عنها ، فأي فائدة في ذكر هذا الشرط بعد أن كان معلوما في كل الأحكام الشرعية أنّ الله أنزلها لتعليم من لا يعلم؟

وأجابوا عن ذلك بأنّ المقصود : إن سألتم عن حكمهنّ ، وشككتم فيه ، فقد بيناه لكم أيها السائلون ، ففيه تنويه بشأن السائلين ، وبيان لنعمته تعالى عليهم حين أجاب طلبهم ، وأزال ما عندهم من الشك والريب ، بخلاف المعرض عن طلب العلم الذي لم يخطر بباله ، استوفيت عدد النساء أم لم تستوف؟

(وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ) مبتدأ خبر محذوف ، أي واللائي لم يحضن كذلك ، أي عدتهن ثلاثة أشهر ، يريد أنّ المعتدة التي لم يسبق لها حيض تعتد بثلاثة أشهر ، سواء أكان عدم حيضها لصغر ، أم لعلة ، أم لمنعه بدواء.

ولا نعلم خلافا في أنّ التي لم تر الحيض أصلا تعتد بثلاثة أشهر ، مهما بلغت من السنّ ، إلا رواية عن أحمد رحمه‌الله فيمن بلغت ولم تحض أنّها تتربص تسعة أشهر غالب مدة الحمل ، فإن استبان حملها وإلا اعتدت ثلاثة أشهر ، فيكون مثلها كمثل التي ارتفع حيضها ، لا تدري ما رفعه. والرواية الثانية عن أحمد الموافقة لرأي الجمهور أنها تعتد ثلاثة أشهر ، ولم يجعلوا للصغر الموجب للاعتداد بالأشهر حدّا.

أخذ العلماء من قوله تعالى : (وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ) أن للإنسان أن يزوّج ولده الصغار ، لأنّ الله تعالى جعل على من لم تحض من النساء لصغر أو غيره عدة ، ولا يكون على الصغيرة عدة إلّا أن يكون لها نكاح.

__________________

(١) في تفسيره جامع البيان تفسير القرآن المشهور بتفسير الطبري (٢٨ / ٩١).

٧٨٢

وظاهر العموم في قوله تعالى : (وَاللَّائِي يَئِسْنَ) وقوله تعالى : (وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ) أنّ الحرة والأمة في ذلك سواء ، فكما تعتد الحرة الآيسة أو الصغيرة بثلاثة أشهر ، كذلك تعتد الأمة الآيسة أو الصغيرة ثلاثة أشهر ، وبهذا قال أهل الظاهر وابن سيرين ومكحول ومالك ، وهو أحد الأقوال في مذهب الشافعي ، ورواية عن أحمد رحمهم‌الله.

وقال جمهور العلماء : عدة الأشهر فرع وبدل عن عدّة الأقراء ، وقد جرى عمل المسلمين من الصحابة والتابعين على أنّ عدة الأمة ذات الأقراء قرآن ، ولا يعرف في الصحابة مخالف في ذلك. وبه قال الأئمة الأربعة ، وخلائق من فقهاء الأمصار لا يحصون عدا ، ذهبوا إلى أنّها على النصف من عدة الحرة. ولو لا أنّ القرء لا يمكن تنصيفه لكانت عدتها قرءا ونصفا.

ثم من هؤلاء الفقهاء من قال : عدة الأمة الآيسة والصغيرة شهران ، لأن عدتها بالأقراء قرآن ، فجعل كلّ شهر مكان قرء ، وهو أحد أقوال الشافعي ، وأشهر الروايات عن أحمد.

ومنهم من قال : عدتها شهر ونصف ، لأن التصنيف في الأشهر ممكن ، فتنصفت بخلاف القروء ، ونظير هذا أنّ المحرم إذا وجب عليه في جزاء الصيد نصف مدّ أخرجه ، فإن أراد الصيام مكانه لم يجز إلا صوم يوم كامل ، وهذا هو مذهب أبي حنيفة ، والقول الثالث للشافعي ، ورواية ثالثة عن أحمد رحمهم‌الله.

ثم إنّه لا تعارض بين قوله تعالى : (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ) وقوله تعالى في سورة البقرة : (وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ) [البقرة : ٢٢٨]. فإنّ آية البقرة خاصّة بذوات الأقراء ، والآيسة والتي لم تحض ليستا من ذوات الأقراء ، وهو ظاهر. إنما التعارض بين الآية التي معنا وقوله تعالى فى سورة البقرة : (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً) [البقرة : ٢٣٤] فإنّ آية البقرة عامة تشمل ذوات الأقراء واللائي يئسن واللائي لم يحضن ، فتقضي بعمومها أنّ عدة الوفاة للآيسة والصغيرة أربعة أشهر وعشرا ، والآية التي معنا عامة في السبب الذي من أجله كانت العدة ، سواء أكان فرقة حي أم فرقة ميت ، فاقتضت بعمومها أنّ عدة الوفاة للآيسة والصغيرة ثلاثة أشهر ، فكان بين النصين تعارض في ظاهرهما.

لكنّ العلماء يكادون يجمعون على أنّ الآية التي معنا واردة في خصوص عدة الطلاق ، لأنّ سياق الآية ظاهر في ذلك ، وحينئذ يكون اعتداد الآيسة والصغيرة ثلاثة أشهر خاصا بالمعتدات المطلقات ، فلا يكون بين الآيتين تعارض.

(وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَ) أجل الشيء مدته كلها ، وأجله أيضا آخر

٧٨٣

مدته ، والمراد بالأجل هنا آخر المدة التي تتربصها المرأة ، أي آخر عدتهن أن يضعن حملهن ، وظاهر هذا أنّ المعتدة الحامل تنتهي عدتها بوضع الحمل ، سواء أكانت معتدة عن طلاق أم عن وفاة ، فتكون الآية معارضة لآية البقرة ، وهي قوله تعالى : (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً) لأن بين الآيتين عموما وخصوصا من وجه. وذلك أنّ آية البقرة أعم من التي معنا في المعتدات ، إذ تشمل الحامل وغير الحامل ، وأخص من التي معنا في سبب العدة وهو الوفاة وعلى العكس من ذلك الآية التي معنا ، فكان التعارض واقعا بينهما في القدر الذي اجتمعتا عليه واشتركتا فيه ، وهو عدة المتوفى عنها الحامل ، فآية البقرة تجعل عدتها أربعة أشهر وعشرا ، والآية التي معنا تجعل عدتها مدة حملها ، فمتى وضعت فقد انقضت عدتها.

ومن أجل هذا التعارض اختلف السلف في عدة المتوفى عنها إذا كانت حاملا ، فقال علي وابن عباس وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم : تعتد بأبعد الأجلين من وضع الحمل أو أربعة أشهر وعشرا ، وهذا أحد القولين في مذهب مالك رحمه‌الله ، واختاره سحنون.

وقال جمهور الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة : إنّ عدتها تنتهي بوضع الحمل ، ولو كان الزوج على مغسله فوضعت حلّت.

فمن ذهب إلى أبعد الأجلين احتجّ بأنّ النصين متعارضان على ما سمعت ، ولا يمكن تخصيص العموم في أحدهما بالخصوص في الآخر ، لأنّ ذلك إلغاء ، ولا يصار إلى الإلغاء إلا إذا تعذّر الجمع ، والجمع هنا ممكن ، فكان هو المتعين ، وبالاعتداد بأبعد الأجلين يحصل الجمع بين النصين ، لأنّ مدة الحمل إن زادت فقد تربصت أربعة أشهر وعشرا مع الزيادة ، وإن قصرت وتربصت المدة فقد وضعت وتربصت ، فيحصل العمل بمقتضى الآيتين.

وأنت تعلم أنّ هذا إنما هو جمع بين المدتين ، ولا يعدّ جمعا بين النصين. وإعمالا لعموم كل منهما في مقتضاه ، وذلك أنها إذا وضعت الحمل قبل أربعة أشهر وعشر ثم حكمنا عليها بأنها لا تزال في العدة ، كان ذلك إهدارا لمقتضى الحصر والتوقيت في قوله تعالى : (وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَ) فإنّه ظاهر في أنه لا عدة عليها بعد وضع الحمل ، وأنها حلال للأزواج متى وضعت حملها.

وأصحاب هذا الرأي يحرمونها على الأزواج ، ويلزمونها القرار في مسكن العدة إلى أن تنتهي أربعة الأشهر والعشر. فكيف يقال بعد ذلك إنّهم عملوا بمقتضى الآية التي معنا؟

وكذلك يقال فيمن مضى عليها أربعة أشهر وعشر ولم تضع حملها إذا ألزمناها

٧٨٤

الاعتداد إلى وضع الحمل ، كان ذلك إهدارا لمقتضى الحصر والتوقيت في قوله تعالى : (يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً) وهو ظاهر. فلم يكن في هذا المذهب جمع بين النصين ، بل فيه إهدار لأحد النصين لا محالة.

أما الجمهور الذين قالوا : إنّ عدتها تنتهي بوضع الحمل فقط ، فدليلهم على ذلك : أنّ السنة الصريحة دلت على اعتبار الحمل فقط. كما في «الصحيحين» (١) أنّ سبيعة بنت الحرث الأسلمية كانت تحت سعد بن خولة ، فتوفي عنها وهي حامل ، فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته ، فلما تعلّت من نفاسها تجمّلت للخطاب ، فدخل عليها أبو السنابل ، فقال لها : ما لي أراك متجملة؟ لعلك ترجين النكاح إنّك والله ما أنت بناكح حتى تمرّ عليك أربعة أشهر وعشر. قالت سبيعة : فلما قال لي ذلك جمعت عليّ ثيابي حين أمسيت فأتيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فسألته عن ذلك فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي ، وأمرني بالتزوّج إن بدا لي.

وصحّ أيضا أنّ أبا سلمة بن عبد الرحمن وابن عباس اجتمعا عند أبي هريرة وهما يذكران المرأة تنفس بعد وفاة زوجها بليال فقال ابن عباس : عدّتها آخر الأجلين. وقال أبو سلمة : قد حلت ، فجعلا يتنازعان ذلك فقال أبو هريرة : أنا مع ابن أخي ـ يعني أبا سلمة ـ ، فبعثوا كريبا ـ مولى ابن عباس ـ إلى أم سلمة رضي الله عنها يسألها عن ذلك ، فجاءهم ، فأخبرهم أنّ أمّ سلمة قالت : إنّ سبيعة الأسلمية نفست بعد وفاة زوجها بليال ، وإنّها ذكرت ذلك لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فأمرها أن تتزوّج (٢).

وروى الضياء في «المختارة» وابن مردويه وغيرهما عن أبي بن كعب قال : قلت للنبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن أهي المطلقة ثلاثا والمتوفى عنها؟ قال : «هي المطلقة ثلاثا والمتوفى عنها».

فجاءت السنة مبيّنة أنّ قوله تعالى : (وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَ) عام في المطلقة والمتوفى عنها ، وأنّ عموم الآية مراد ، وإن كان السياق يقتضي أنها خاصة بالمطلقات ، فصارت الآية بعد بيان السنة ناصّة على أنّ عدة الحامل المتوفى عنها تنتهي بوضع الحمل فقط ، والآية التي معنا نزلت بعد آية البقرة ، كما أخرج أبو داود

__________________

(١) رواه مسلم في الصحيح (٢ / ١١٢١) ، ١١ ـ كتاب الطلاق ، ٦ ـ باب المطلقة ، حديث رقم (٥٣ / ١٤٨٢) ، والبخاري في الصحيح (٦ / ٢٢٣) ، ٦٨ ـ كتاب الطلاق ، ٣٩ ـ باب (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ) حديث رقم (٥٣١٨).

(٢) رواه مسلم في الصحيح (٢ / ١١٢٢) ، ١٨ ـ كتاب الطلاق ، ٨ ـ باب انقضاء عدة المتوفى عنها زوجها ، حديث رقم (٥٧ / ١٤٨٥) ، والبخاري في الصحيح (٦ / ٧٩) ، ٦٥ ـ كتاب التفسير ٢٥ ـ باب (وَأُولاتُ الْأَحْمالِ) حديث رقم (٤٩٠٩).

٧٨٥

والنسائي وابن ماجه عن ابن مسعود (١) رضي الله عنه أنه قال : من شاء باهلته أنّ الآية التي في سورة النساء الصغرى (وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَ) إلخ نزلت بعد سورة البقرة بكذا وكذا شهرا.

وفي البخاري (٢) عنه أيضا أشهد لنزلت سورة النساء القصرى بعد الطولى فتكون الآية التي معنا ناسخة لآية البقرة فيما اجتمعتا عليه ، واشتركتا فيه ، فصار المراد من الأزواج في قوله تعالى : (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً) الآية غير الحوامل من المتوفى عنهن.

ومن الناس من قال : الآية التي معنا خاصة بالمطلقات كما هو ظاهر السياق. وآية البقرة خاصّة بالمتوفى عنهن ، فلا تعارض بينهما ، غير أنّ السنة الصحيحة وردت بإخراج الحوامل من عموم الأزواج في قوله تعالى : (وَيَذَرُونَ أَزْواجاً) فجعلت المراد منهن غير الحوامل ، فكانت آية البقرة مخصوصة بالسنة ، وكان حكم الحوامل المتوفى عنهنّ معلوما من السنة لا من الكتاب.

ومنهم من قال : الآية التي معنا أخصّ مطلقا مما في سورة البقرة ، وبيان ذلك أنّ الله ذكر في سورة البقرة حكم المطلقات من النساء ، وحكم المتوفى عنهنّ في آيتين على التفريق ، ثم وردت هذه الآية التي معنا بعدهما مخصّصة في البابين معا ، ولا شك أنّ المستفاد من آيتي البقرة هو أنّ عدة المعتدات الحوامل وغير الحوامل إما ثلاثة قروء ، وإما أربعة أشهر وعشر ، وأن المستفاد من الآية التي معنا أنّ عدة المعتدات الحوامل تنتهي بوضع الحمل ، فكانت الآية معنا أخص مطلقا من آيتي البقرة ، وقد نزلت بعدهما ، فكانت مخصّصة لهما. والله أعلم.

واقتضى قوله تعالى : (أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَ) أنّ العدة تنقضي بوضع الحمل ، وأنّ المرأة إذا وضعت حملها فقد حلّت للأزواج ، ولا يتوقف حلّها على طهرها من النفاس خلافا للشعبي والحسن وإبراهيم النخعي وحماد ، فإنّهم قالوا : لا يصحّ زواجها حتى تطهر من نفاسها ، واحتجوا بقوله في حديث سبيعة : «فلما تعلّت من نفاسها» أي طهرت منه ، ولا حجة لهم فيه ، لأنّ ذلك إخبار عنه وقت سؤالها ، ولذلك قال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إنها حلت حين وضعت» ولم يعلّل بالطهر من النفاس.

وكذلك اقتضى قوله تعالى : (أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَ) أنها إذا كانت حاملا بتوأمين لم

__________________

(١) رواه أبو داود في السنن (٢ / ٢٧٦) ، كتاب الطلاق ، باب عدة الحامل حديث رقم (٢٣٠٧) ، وابن ماجه في السنن (١ / ٦٥٤) ، ١٠ ـ كتاب الطلاق ، ٧ ـ باب الحامل حديث رقم (٢٠٣٠) ، والنسائي في السنن (٥ ـ ٦ / ٥٠٨) ، كتاب الطلاق ، باب عدة الحامل حديث رقم (١٣٥٢٢).

(٢) رواه البخاري في الصحيح (٦ / ٧٩) ، ٦٥ ـ كتاب التفسير ، ٢ ـ باب (وَأُولاتُ الْأَحْمالِ) حديث رقم (٤٩١٠).

٧٨٦

تنقض عدتها حتى تضعهما جميعا ، واقتضى أيضا أن العدة تنقضي بوضع الحمل ، سواء أكان حيا أم ميتا ، تام الخلقة أم ناقصها ، نفخ فيه الروح أم لم ينفخ.

وظاهر العموم في قوله تعالى : (وَأُولاتُ الْأَحْمالِ) أنّ الحرة الأمة في الاعتداد بوضع الحمل سواء ، ولا نعلم خلافا في ذلك بين العلماء.

(وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً) أي ومن يخف الله فيأتمر بما أمر به ؛ وينته عما نهى عنه يسهّل عليه أمره كله.

(ذلِكَ أَمْرُ اللهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ) الإشارة إلى ما تقدّم من الأحكام كلّها يقول تعالى ذكره : هذا الذي بينت لكم من حكم الطلاق والرجعة والعدة أمر الله أنزله إليكم لتأتمروا له ، وتعملوا به (وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ) يمح ذنوبه من صحائف أعماله ، ولا يؤاخذه بها (إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ) [هود : ١١٤](وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً) ويضاعف له جزاء حسناته ، ويجزل له المثوبة على عمله.

قال الله تعالى : (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى (٦) أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ) أي أسكنوهنّ بعض مكان سكناكم (مِنْ وُجْدِكُمْ) بدل : أو عطف بيان لقوله تعالى : (مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ). والوجد : الوسع ، أي أسكنوهنّ من وسعكم ، ومما تطيقونه.

وظاهر قوله تعالى : (أَسْكِنُوهُنَ) يقتضي وجوب السكنى لكل مطلقة ، سواء أكانت رجعية أم بائنا ، وسواء أكانت حاملا أم غير حامل.

وظاهر قوله تعالى : (وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَ) يقتضي بمنطوقه وجوب النفقة للمطلقات الحوامل ، سواء أكنّ رجعيات أم بوائن ، وبمفهومه عند القائلين به أنه لا نفقة لغير الحامل ، سواء أكانت رجعية أم بائنا.

وقد أجمع العلماء على أنّ للرجعية السكنى والنفقة ، أما السكنى فلقوله تعالى : (أَسْكِنُوهُنَ) وقوله تعالى : (لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ) أما النفقة ؛ فلأنّ الرجعية كالزوجة في بقاء حبس الزوج وسلطته عليها ، فكان إجماعهم على وجوب النفقة لها ، ولو لم تكن حاملا مخصّصا لمفهوم قوله تعالى : (وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَ) لغير الرجعية عند القائلين بالمفهوم.

وكذلك على أن للبائن الحامل السكنى والنفقة ، لقوله تعالى : (أَسْكِنُوهُنَ) وقوله تعالى : (وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَ).

٧٨٧

أما البائن غير الحامل فقد اختلف العلماء في سكناها ونفقتها على ثلاثة أقوال :

أحدها : وجوب السكنى والنفقة.

والثاني : عدم وجوبهما.

والثالث : وجوب السكنى دون النفقة.

فأما وجوب السكنى والنفقة فهو قول عمر بن الخطاب ، وابن مسعود ، وكثير من فقهاء الصحابة والتابعين. وهو مذهب أبي حنيفة والثوري وسائر فقهاء الكوفة :

احتجوا لوجوب السكنى بقوله تعالى : (أَسْكِنُوهُنَ) فهو أمر بالسكنى لكل مطلقة. ولوجوب النفقة بأنها جزاء الاحتباس ، وهو مشترك بين الحائل والحامل ، ولو كان الإنفاق جزاء للحمل لوجب في ماله إذا كان له مال ، ولم يقولوا به.

وقوله تعالى : (وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَ) ليس للشرط فيه مفهوم مخالفة ، بل فائدته أن الحامل قد يتوهم أنها لا نفقة لها لطول مدة الحمل ، فأثبت لها النفقة ، ليعلم غيرها بطريق الأولى فهو من مفهوم الموافقة. وقد قال عمر رضي الله عنه : لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا صلى‌الله‌عليه‌وسلم لقول امرأة لا ندري جهلت أم نسيت. يريد قول فاطمة بنت قيس حين طلّقها زوجها البتة : لم يجعل لي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم سكنى ولا نفقة.

وأما القول بأنها لا سكنى لها ولا نفقة فهو مروي عن ابن عباس وأصحابه ، وجابر بن عبد الله ، وفاطمة بنت قيس من فقيهات نساء الصحابة ، وكثير من التابعين ، وإليه ذهب إسحاق وداود وأحمد وسائر أهل الحديث ، وحجتهم في ذلك حديث فاطمة بنت قيس الذي اتفق على صحته المحدثون. أخرج مسلم (١) وغيره عن فاطمة بنت قيس أنّ أبا عمرو بن حفص طلّقها البتة وهو غائب ، فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته ، فقال : والله مالك علينا من شيء ، فجاءت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فذكرت ذلك له فقال : «ليس لك عليه نفقة» وفي رواية «لا نفقة لك ولا سكنى» ، وفي أخرى للنسائي (٢) «إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها الرجعة». وقالوا : وقوله تعالى : (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ) إنما هو في الرجعيات خاصة ، لأنّ الله تعالى ذكر للمطلقات في هذه السورة أحكاما متلازمة ، لا ينفك بعضها عن بعض :

أحدها : أن الأزواج لا يخرجوهن من بيوتهن.

والثاني : أنّهن لا يخرجن.

__________________

(١) رواه مسلم في الصحيح (٢ / ١١١٤) ، ١٨ ـ كتاب الطلاق ، ٦ ـ باب المطلقة حديث رقم (١٤٨٠).

(٢) رواه مسلم في الصحيح (٢ / ١١١٨) ، ١٨ ـ كتاب الطلاق ، ٦ ـ باب المطلقة ، حديث رقم (٤٤ / ١٤٨٠) ، والنسائي في السنن (٥ ـ ٦ / ٥١٨ ـ ٥١٩) ، كتاب الطلاق ، باب الرخصة في خروج المبتوتة ، حديث رقم (٣٥٤٧ ـ ٣٥٥١).

٧٨٨

والثالث : أنّ لأزواجهن إمساكهن بالمعروف قبل انقضاء الأجل ، أو فرقتهن بالمعروف.

والرابع : إشهاد ذوي عدل ، وهو إشهاد على ما اختار من الرجعة والفرقة ، وأشار سبحانه إلى حكمة ذلك ، وأنّه في الرجعيات خاصة بقوله (لا تَدْرِي لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً) والأمر الذي يرجى إحداثه هاهنا هو المراجعة ، كما قال السلف ، ثم ذكر سبحانه الأمر بإسكان هؤلاء المطلقات فقال : (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ) فكان الظاهر من سياق الكلام ونظمه أنّ الضمائر كلها متّحد مفسرها ، وأحكامها كلها متلازمة. وكان قول النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها رجعة» مفسّرا لكتاب الله ، ومبيّنا للمراد منه ، وأنّ الأمر بالإسكان إنما هو في خصوص الرجعيات.

قالوا : ولو سلمنا أنّ الآية عامة في الرجعيات والبوائن لكان الحديث مخالفا لعمومها ، وحينئذ يكون الحديث مخصصا لعموم الآية ، فحكمها حكم تخصيص العام من الكتاب بالخاص من السنة ، وهو كثير.

قالوا : وإذا بانت المرأة من زوجها صارت أجنبية ، ولم يبق إلّا مجرد اعتدادها منه ، وذلك لا يوجب لها نفقة كالموطوءة بشبهة أو زنى ، ولأنّ النفقة إنما تجب في مقابلة التمكين في الاستمتاع ، والبائن لا يمكن استمتاعه بها بعد بينونتها ، ولأنّ النفقة لو وجبت عليه لأجل عدتها لوجبت للمتوفى عنها من ماله ، ولا قائل به.

وأما القول بأنّ لها السكنى دون النفقة : فهو رأي فقهاء المدينة ، وإليه ذهب مالك والشافعي ، واحتجوا لوجوب السكنى بظاهر العموم في قوله تعالى : (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ) ولعدم وجوب النفقة بحديث فاطمة بنت قيس مع ظاهر قوله تعالى : (وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَ) فإنّ مفهومه أنهنّ إذا لم يكن حوامل لا ينفق عليهن ، قالوا : وحديث فاطمة صحيح لا ننكر صحته ، ولكنه قد خالف في السكنى ظاهر العموم في قوله تعالى : (أَسْكِنُوهُنَ) ويجب قبيل القول بالتخصيص أو النسخ الجمع بين الحديث والآية ما أمكن. وقد جاء في «الصحيحين» عن عائشة وغيرها أنّ فاطمة كانت امرأة لسنة ، وأنها استطالت على أحمائها ، فأمرها النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالانتقال من مسكن فراقها.

وفي «صحيح البخاري» عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : إنّ فاطمة كانت في مكان وحش ، فخيف على ناحيتها ، فلذلك أرخص النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم لها.

وفي «صحيح مسلم» (١) عن هشام عن أبيه عن فاطمة نفسها قالت : قلت : يا

__________________

(١) رواه مسلم في الصحيح (٢ / ١١٢١) ، ١٨ ـ كتاب الطلاق ، ٦ ـ باب المطلقة حديث رقم (٥٣ / ١٤٨١).

٧٨٩

رسول الله ، زوجي طلّقني ثلاثا ، وأخاف أن يقتحم علي ، قال : فأمرها فتحوّلت. فلما كان من الممكن حمل إسقاط السكنى في الحديث على أنّه كان لاستطالتها على أحمائها ، أو لخوفها أن يقتحم عليها ، أو لهما معا ، تعيّن تأويل الحديث على هذا المعنى ، للجمع بينه وبين الآية ، وصار المراد من الحديث أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أذن لها في الانتقال لعذر ، وهذا لا ينافي وجوب السكنى للمعتدة البائن.

قال الجصاص (١) في حديث فاطمة بنت قيس : وهذا حديث قد ظهر من السلف النكير على راويه ، ومن شرط قبول أخبار الآحاد تعرّيها من نكير السلف اه.

ولما كان هذا ردّا لحديث صححه المحدثون ، وأخذ به جمع من الفقهاء والأئمة العارفين بعلل الأحاديث وطرق الجرح والتعديل ، أحببنا أن نذكر خلاصة للمطاعن التي وردت على هذا الحديث مع بيان ما فيها.

روى مسلم في «صحيحه» (٢) عن الأسود بن يزيد أنّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال ـ وقد ذكر له قول فاطمة بنت قيس ـ : لا نترك كتاب الله وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت ، لها السكنى والنفقة ، قال الله تعالى : (لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ).

وروى ابن حزم في «المحلى» والجصاص في «أحكام القرآن» (٣) عن حماد بن سلمة عن حماد بن أبي سليمان أنه أخبر إبراهيم النخعي بحديث الشعبي عن فاطمة ابنت قيس ، فقال له إبراهيم : إنّ عمر بن الخطاب أخبر بقولها فقال : لسنا بتاركي آية في كتاب الله وقول النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لقول امرأة لعلها أوهمت! سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : «لها السكنى والنفقة» (٤).

وفي النسائي (٥) أن الأسود بن يزيد سمع الشعبي يحدّث بحديث فاطمة بنت قيس ، فأخذ كفا من حصباء فحصبه وقال : ويلك لم تفتي بمثل هذا؟ قال عمر رضي الله عنه : إن جئت بشاهدين يشهدان أنهما سمعاه من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وإلا لم نترك كتاب ربنا لقول امرأة.

وروى مسلم في «صحيحه» (٦) أن مروان بن الحكم قال في حديث فاطمة : لم نسمع هذا إلا من امرأة سنأخذ بالعصمة التي وجدنا الناس عليها.

__________________

(١) انظر أحكام القرآن لأبي بكر الجصاص (٣ / ٤٦١).

(٢) رواه في الصحيح (٢ / ١١١٨) ، ١٨ ـ كتاب الطلاق ، ٦ ـ باب المطلق حديث رقم (٤٦ / ١٤٨٠).

(٣) انظر أحكام القرآن للجصاص (٣ / ٤٦٠).

(٤) رواه مسلم في الصحيح (٢ / ١١١٨) ، ١٨ ـ كتاب الطلاق ، ٦ ـ باب المطلقة ، حديث رقم (٤٤ / ١٤٨٠).

(٥) رواه النسائي في السنن (٥ ـ ٦ / ٥١٨) ، كتاب الطلاق حديث رقم (٣٥٤٧).

(٦) في الصحيح (٢ / ١١١٨) ، ١٨ ـ كتاب الطلاق ، ٦ ـ باب المطلقة حديث رقم (٤١ / ١٤٨٠).

٧٩٠

وحاصل هذه المطاعن يرجع إلى أربعة أمور :

الأول : أنّ راويته امرأة.

والثاني : أنّها لم تأت بشاهدين يتابعانها على حديثها.

والثالث : أن روايتها تضمنت مخالفة القرآن.

والرابع : أن روايتها خالفت السنة.

فأما أنها امرأة ، فإنّ ذلك لا ينبغي أن يعدّ مطعنا ، فإن أحدا من أصحاب الجرح والتعديل لم يقل بأنّ الأنوثة من الأمور التي تردّ بها الرواية ، ولم يختلفوا في أنّ السنن تؤخذ عن المرأة كما تؤخذ عن الرجل ، وكما أنّ في الرجال عدالة وضبطا كذلك في النساء عدالة وضبط ، وكم من سنة تلقتها الأئمة بالقبول عن امرأة ، وهذه مسانيد نساء الصحابة بأيدي الناس ، لا تشاء أن ترى فيها سنة تفرّدت بها امرأة منهنّ إلا رأيتها.

وأما أنّها لم تأت بشاهدين ، فذلك أيضا ليس بجرح ترد له الرواية ، ولم يشترط أحد في الرواية نصابا ، ولم يكن طلب عمر الشهادة على الرواية ؛ وكذلك تحليف عليّ كرّم الله وجهه ، إلا تثبتا منهما رضي الله عنهما ، حتّى لا يركب الناس الصعب والذلول في الرواية عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

وقد نقل مثل ذلك عن عمر رضي الله عنه في حديث أبي موسى الأشعري في الاستئذان حتّى شهد له أبو سعيد الخدري رضي الله عنه ، وفي حديث المغيرة بن شعبة في إملاص المرأة حتى شهد له محمد بن مسلمة (١) كلّ ذلك كان تثبتا منه رضي الله عنه ، وتحذيرا من الإكثار في الرواية عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، لأنّه كان يعتبر الشهادة شرطا في قبول الرواية ، وإلا فقد قبل عمر خبر الضحاك بن سنان الكلابي وحده ، وقبل لعائشة رضي الله عنها عدّة أخبار تفرّدت بها.

وأما أن روايتها تضمنت مخالفة القرآن ، فقد أجبنا عنه في تقرير مذهب أهل الحديث في سكنى البائن ونفقتها ، وحاصله أنّ الآية إما أن تكون خاصّة بالرجعيات كما هو ظاهر السياق ، وإما أن تكون عامة في الرجعيات والبوائن.

فإن كانت خاصة بالرجعيات فلا مخالفة بينها وبين حديث فاطمة ، وهو ظاهر ، وإليه ذهب الإمام أحمد ، رحمه‌الله ، روى عنه أصحابه أنّه أنكر هذا من قول عمر ، وجعل يتبسم ويقول : أين في كتاب الله إيجاب السكنى والنفقة للمطلّقة ثلاثا؟ وأنكرته قبله الفقيهة الفاضلة فاطمة بنت قيس راوية الحديث ، وقالت : بيني وبينكم كتاب الله ، قال الله تعالى : (لا تَدْرِي لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً) وأي أمر يحدث بعد الثلاث؟

__________________

(١) رواه البخاري في الصحيح (٨ / ١٩٠) ، ٩٧ ـ كتاب الاعتصام ، ١٣ ـ باب ما جاء في اجتهاد القضاء ، حديث رقم (٧٣١٧) ، ٧٣١٨).

٧٩١

وإن كانت الآية عامة في الرجعيات والبوائن ، فليس هذا أوّل موضع خصّص فيه الكتاب بالسنة ، فآية المواريث خصّصت بالسنة الدالة على أن الكافر والقاتل والرقيق لا يرثون ، وقوله تعالى : (وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ) [النساء : ٢٤] خصّص بقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لا تنكح المرأة على عمتها» الحديث.

وأما أنّ روايتها تضمنت مخالفة السنة فلا نجد سنة مخافة لحديث فاطمة ، إلا روايتين عن عمر رضي الله عنه :

إحداهما : قوله لا ندع كتاب ربّنا وسنة نبينا ، وهذا له حكم المرفوع.

والثانية : قوله سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : «لها السكنى والنفقة».

أما الرواية الأولى عن عمر فقد قال فيها الإمام أحمد رحمه‌الله : لا يصحّ ذلك عن عمر رضي الله عنه وقال أبو الحسن الدار قطني قوله : «وسنة نبينا» هذه زيادة غير محفوظة ، لم يذكرها جماعة من الثقات ، بل السنة بيد فاطمة بنت قيس قطعا ، ومن له إلمام بسنة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يشهد شهادة الله أنه لم يكن عند عمر رضي الله عنه سنة عن رسول الله أنّ للمطلقة ثلاثا السكنى والنفقة.

وأمّا الرواية الثانية : فلم يخرّجها فيما نعلم إلا ابن حزم والجصّاص عن حماد عن إبراهيم أنّ عمر إلخ ومعلوم أنّ إبراهيم لم يولد إلا بعد وفاة عمر بسنين ، فالخبر منقطع ، وقد أنكره علماء الحديث ، وصرّح ابن القيم بأنّه مكذوب على عمر ، وأنه لو كان هذا عند عمر عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم لخرست فاطمة وذووها ، ولما فات هذا الحديث أئمة الحديث والمصنفين في السنن والأحكام ، فإن كان مخبر أخبر به إبراهيم عن عمر رضي الله عنه ، وأحسنّا به الظن ، كان قد روى قول عمر بالمعنى ، وظنّ أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم هو الذي حكم بثبوت النفقة والسكنى للمبتوتة حين قال عمر : لا ندع كتاب ربنا لقول امرأة.

وقد تناظر في هذه المسألة ميمون بن مهران وسعيد بن المسيّب فذكر له ميمون خبر فاطمة بنت قيس فقال سعيد : تلك امرأة فتنت الناس.

فقال له ميمون : لئن كانت إنما أخذت بما أفتاها به رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ما فتنت الناس ، وإنّ لنا في رسول الله أسوة حسنة اه.

ولا نعلم أحدا من الفقهاء إلّا وقد احتجّ بحديث فاطمة بنت قيس هذا ، وأخذ به في بعض الأحكام. وقد ذكر النووي في «شرحه على صحيح مسلم» ستة عشر حكما استنبطها العلماء من هذا الحديث.

وإذا قد تبيّن أنّ هذه المطاعن مردودة ؛ ولم يقدح شيء منها في صحة الحديث ؛ لزم القائلين بوجوب السكنى والنفقة للمبتوتة أن يجمعوا بينه وبين الآية ما أمكنهم الجمع ، وإلا فالنسخ أو التخصيص.

٧٩٢

وقد سلك الجصاص (١) في تأويل الحديث طريقة أقرب إلى الصواب ، وأخفّ في الاستهجان من رد الحديث وإنكاره ، والطعن فيه بغير مطعن ، قال : وللحديث عندنا وجه صحيح يستقيم على مذهبنا فيما روته من نفي السكنى والنفقة ، وذلك أنّه قد روي أنها قد استطالت بلسانها على أحمائها ، فأمروها بالانتقال ، فلما كان سبب النقلة من جهتها ، كانت بمنزلة الناشزة ، فسقطت نفقتها وسكناها جميعا اه.

والخطاب في قوله تعالى : (أَسْكِنُوهُنَ) وقوله تعالى : (فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَ) للأزواج ، فاقتضى ذلك بظاهره أنّ السكنى والنفقة إنما تكونان للزوجات المطلقات ، لا المتوفى عنهن من الزوجات.

وقد روى الدار قطني (٢) بإسناد صحيح عنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه قال : «ليس للحامل المتوفّى عنها زوجها نفقة» فالمتوفّى عنها غير الحامل أولى ألا يكون لها نفقة.

ولا نعلم خلافا في ذلك إلا ما روي عن علي وابن مسعود رضي الله عنهما أنهما كانا يقولان بوجوب النفقة للمتوفّى عنها من التركة ، وظاهر الآية والسنة الصحيحة على خلاف ما يقولان.

(فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَ) أي فإن أرضعن لكم بعد انقضاء عدتهن بوضع حملهن فأدوا إليهنّ أجورهن على الإرضاع ، والتزموا ذلك لهن.

دلّ هذا على أنّ الأمّ إذا رضيت أن ترضع ولدها بأجر المثل ، فهي أحقّ به ، لوفور شفقتها ، فهي أولى بحضانته وإرضاعه من كل أحد ، وليس للأب أن يسترضع غيرها حينئذ.

ودلّ على أنّ الأجرة إنما تستحق بالفراغ من العمل ، لا بالعقد ، لأنّ الله أوجبها بعد الرضاع ، بقوله : (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَ).

ودلّ أيضا على أنّ نفقة الولد الصغير على أبيه ، لأنّه إذا لزمه أجرة الرضاع فكفايته ألزم ، ومن ثمّ أجمعوا على ذلك في طفل لا مال له ، وألحق به بالغ عاجز كذلك ، لخبر هند بنت عتبة «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» (٣).

(وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ) أي ليأمر بعضكم بعضا بجميل في الإرضاع والأجر وغيرهما.

__________________

(١) انظر أحكام القرآن للجصاص (٣ / ٤٦٢).

(٢) رواه الدار قطني في السنن (٤ / ٢١).

(٣) رواه مسلم في الصحيح (٣ / ١٣٣٨) ، ٣٠ ـ كتاب الأقضية ، ٤ ـ باب قضية هند حديث رقم (١٧١٤) ، والبخاري في الصحيح (٣ / ٢٤) ، ٣٤ ـ كتاب البيوع ، ٤٤ ـ باب من أجرى أمر الأمصار حديث رقم (٢٢١١).

٧٩٣

(وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ) أي ، وإن ضيّق بعضكم على بعض في الأجرة ، أو في الرضاع ، كأن تشتطّ الأمّ في الأجرة ، أو تأبى الرضاع ، أو يشاح الأب في أجرة المثل (فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى) الكلام على معنى : فليطلب له الأب مرضعة أخرى ، وبذلك يظهر الارتباط بين الشرط والجزاء. وإنما اختير ما في النظم الجليل ليكون فيه نوع من المعاتبة للأمّ ، كما تقول لمن تستقضيه حاجة فيأبى : سيقضيها غيرك ، أي ستقضي وأنت ملوم ، ففيه تنبيه على أنّ الأمّ لا ينبغي لها أن تعاسر في رضاع ولدها ، فإنّ المبذول من جهتها هو لبنها لولدها ، ولبنها غير متموّل ، ولا مضنون به في العرف والعادة ، وخصوصا من الأم للولد ، وليس كذلك المبذول من جهة الأب ، فإنّه المال المضنون به عادة ، فكانت الأمّ أجدر باللوم ، وأحقّ بالعتب.

ودلّ قوله تعالى : (وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى) على أنّها إذا طلبت أكثر من أجر المثل ، فللأب أن يسترضع غيرها ممن يرضى بأجرة المثل ، إذا قبل الصبيّ ثدي الأجنبية ، ولم يحصل له ضرر بلبنها ، وإلا أجبرت الأمّ على إرضاعه بأجرة المثل.

قال الله تعالى : (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللهُ لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً (٧))

قدّر الله الرزق : ضيّقه ، ولم يبسطه.

دلت الآية على أنّ نفقة الزوجات والأقارب متفاوتة بحسب اليسار والإعسار. ولم تقدّر الآية في النفقة شيئا معينا ، لا كيلا ولا وزنا ، ولا نوعا من الطعام ، بل أحالت ذلك على العادة ومتعارف الناس في نفقاتهم ، فدلّ ذلك على أنّ النفقة ليست مقدرة شرعا ، وإنما تتقدّر بالاجتهاد على مجرى العادة بحسب حال المنفق وكفاية المنفق عليه.

وأيد ذلك ما أثبت عنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم من أنه ردّ الأزواج في النفقة إلى المعروف ، وهو ما جرى عليه الناس في عرفهم.

ففي «صحيح مسلم» (١) أنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال في خطبة الوداع : «واتقوا الله في النساء ، فإنكم أخذتموهنّ بأمان الله ، واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله ، ولهنّ عليكم رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف».

وفي «الصحيحين» (٢) أنّ هند امرأة أبي سفيان قالت له : إنّ أبا سفيان رجل

__________________

(١) رواه مسلم في الصحيح (٢ / ٨٨٦) ، ١٥ ـ كتاب الحج ، ١٨ ـ باب في المتعة بالحج حديث رقم (١٤٦ / ١٢١٨).

(٢) سبق تخريجه.

٧٩٤

شحيح ليس يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم.

فقال : «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف».

ولقد جعل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم نفقة المرأة مثل نفقة الخادم ، وسوّى بينهما في عدم التقدير ، وردهما إلى المعروف ، فقال في الزوجات : «ولهنّ عليكم رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف» وقال في الخادم : «للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف» (١) ولا ريب أنّ نفقة الخادم غير مقدرة ، ولم يقل أحد بتقديرها ، فكذلك نفقة الزوجة.

ولم يحفظ عن أحد من الصحابة قط تقدير النفقة ، لا بمدّ ولا برطل ، بل المحفوظ عنهم ؛ والذي اتصل به العمل في كل عصر ومصر ؛ أنّهم كانوا ينفقون على أهليهم الخبز والإدام من غير تقدير ولا تمليك.

وصحّ عن ابن عباس في قوله تعالى : (مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ) [المائدة : ٨٩] الخبز والزيت. وعن عمر : الخبز والسمن ، والخبز والتمر ، ومن أفضل ما تطعمون الخبز واللحم ، ومثل هذا مرويّ عن عليّ وابن مسعود وابن عمر وأبي موسى الأشعري وأنس بن مالك من الصحابة رضوان الله عليهم ، وروي مثله عن كثير من التابعين.

وبعدم تقدير النفقة قال الجمهور من فقهاء الأمصار.

وخالف الشافعي وأبو يعلى (٢) فقدّرا نفقة الأزواج ، إلا أنّ أبا يعلى قدّرها بالخبز ، فجعل الواجب رطلين من الخبز في كل يوم في حق الموسر والمعسر ، اعتبارا بالكفّارات ، فإنّها لا تختلف قلة وكثرة باختلاف اليسار والإعسار ، وإنما تختلف جودة ورداءة ، لأنّ الموسر والمعسر سواء في قدر المأكول ، وما تقوم به البنية ، وإنما يختلفان في جودته ، فكذلك النفقة الواجبة.

وأما الشافعي فإنّه قدرها بالحبّ ، فجعل على الفقير مدا ، وعلى الموسر مدّين ، وعلى المتوسط مدّا ونصفا ، قال أصحاب الشافعي : نفقة الزوجات متفاوتة ومقدرة بالمد ، ومعينة الجنس وهو الحبّ ، فهذه ثلاث دعاوى :

أما أصل التفاوت فدليله قوله تعالى : (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللهُ).

__________________

(١) رواه مسلم في الصحيح (٣ / ١٢٨٤) ، ٢٧ ـ كتاب الأيمان ، ١٠ ـ باب إطعام المملوك ، حديث رقم (٤١ / ١٦٦٢).

(٢) القاضي أبو الحسين بن الفراء البغدادي الحنبلي ، كان مفتيا مناظرا عارفا بالمذهب ودقائقه ، صلبا في السنة كثير الحط على الأشاعرة توفي سنة (٥٢٦ ه‍) انظر شذرات الذهب في أخبار من ذهب لابن العماد (٢ / ٧٩).

٧٩٥

وأما التقدير بالأمداد وتعيين الحب : فبالقياس على الكفارة ، بجامع أنّ كلّا مال وجب بالشرع ، ويستقر في الذمة ، وأكثر ما وجب في الكفارات لكل مسكين مدان ، مثل كفارة الحلق في النسك.

وأقل ما وجب له مد في كفارة اليمين ونحوه ، والمد يكتفي به الزهيد ، وينتفع به الرغيب ، فلزم الموسر من الأزواج الأكثر ، والمعسر منهم الأقل ، والمتوسط ما بينهما.

وأيضا فإنّ النفقة عليهنّ في مقابلة التمتع بهنّ ، وشرف القوامة عليهنّ ، فاقتضى ذلك تقديرها كما يقدر كل ذي مقابل ، وإنما لم تعتبر الكفاية كنفقة القريب لأنّها تجب للمريضة والشبعانة.

وليس في الآية الكريمة أكثر من الدلالة على أنها متفاوتة ، وما اقتضاه حديث هند من تقديرها بالكفاية يجاب عنه بأنّه لم يقدّرها بالكفاية فقط ، بل بها بحسب المعروف ، وما ذكر من توزيع الأمداد بحسب اليسار والإعسار هو المعروف المستقر في العقول ، ولو فتح للنساء باب الكفاية من غير تقدير لوقع التنازع لا إلى غاية ، فتعيّن ذلك التقدير اللائق بالعرف.

قالوا : وقد روي التقدير في الكفارات عن الصحابة ، فعن عمر في كفارة اليمين : لكل مسكين صاع من تمر أو شعير ، أو نصف صاع من بر. ومثله عن عائشة.

وعن علي : نصف صاع لكل مسكين.

وعن زيد بن ثابت : يجزئ لكل مسكين مدّ حنطة ، وروي مثله عن ابن عمر ، وابن عباس ، وابن المسيّب ، وابن جبير ، ومجاهد ، والقاسم ، وسالم ، وأبي سلمة.

وقال سليمان بن يسار : أدركت الناس وهم يطعمون في كفارة اليمين مدّا بالمد الأول.

قالوا : وثبت في «الصحيحين» (١) أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال لكعب بن عجرة في كفارة فدية الأذى : «أطعم ستة مساكين نصف صاع طعاما لكل مسكين» فدلّ ذلك على أنّ الإطعام في الكفارات مقدّر بالأمداد من الحبّ المقتات ، فجعلنا ذلك أصلا ، وعدّيناه إلى نفقة الزوجات لما تقدم.

ومعلوم أنّ الشافعية لم يقولوا بتقدير نفقة الزوجة إلا عند تنازع الزوجين ، أمّا إذا تراضيا على أن تأكل من بيته ، فأكلت قدر كفايتها ، كان ذلك إنفاقا عليها ، وليس لها

__________________

(١) رواه مسلم في الصحيح (٢ / ٨٥٩) ، ١٥ ـ كتاب الحج ، ١٠ ـ باب جواز حلق الرأس حديث رقم (٨٠ / ١٢٠١) ، والبخاري في الصحيح (٥ / ١٨٥) ، ٦٥ ـ كتاب التفسير ، ٣٢ ـ باب (فمن كان منكم مريضا) حديث رقم (٤٥١٧).

٧٩٦

أن تطالبه بنفقة عن المدة التي أكلتها عنده ، سواء أأكلت معه أم وحدها ، أم أضافها شخص إكراما له ، كل ذلك يعتبر إنفاقا عليها ، ويسقط نفقتها ، لإطباق الناس عليه في زمنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم وبعده ، ولم ينقل خلافه.

واختار جمع من أصحاب الشافعي أنّ نفقة الزوجات معتبرة بالكفاية لا بالأمداد ، لقوة الدليل على ذلك ، حتى قال الأذرعي (١) : لا أعرف لإمامنا رضي الله عنه سلفا في التقدير بالأمداد ، ولو لا الأدب لقلت : الصواب أنها بالمعروف تأسيا واتباعا اه.

والمأمور بالإنفاق في قوله تعالى : (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ) إلخ الآباء الذين سبق ذكرهم في قوله تعالى : (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَ) ومن ثمّ كانت الآية أصلا في وجوب النفقة للولد على الأب دون الأمّ.

ودلّ قوله تعالى : (لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها) على أنّه لا فسخ بالعجز عن الإنفاق على الزوجة ، لأنّه قد تضمّن أنه إذا لم يقدر على النفقة لم يكلفه الله الإنفاق في هذه الحال ، فلا يجوز إجباره على الطلاق من أجل النفقة ، لأنّ فيه إيجاب التفريق لشيء لم يجب عليه ، وكذلك قوله تعالى : (سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً) يدلّ على أنه لا يفرّق بينهما من أجل عجزه عن النفقة ، لأنّ العسر يرجى له اليسر ، كما قال الله تعالى : (وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ) [البقرة : ٢٨٠] وبهذا قال أهل الظاهر ، وهو مذهب أبي حنيفة وصاحبيه ، وأحد قولي الشافعي رواية عن أحمد رحمهم‌الله.

وعلى هذا لا يلزمها تمكينه من الاستمتاع ، لأنّه لم يسلم إليها عوضه ، كما لو أعسر المشتري بثمن المبيع لم يجب تسليمه إليه.

وعلى الزوج تخلية سبيلها ، لتكتسب ، وتحصل ما تنفقه على نفسها ، لأنّ في حبسها بغير نفقة إضرارا بها.

والقول بالفسخ مذهب مالك ، وأظهر قولي الشافعي ، ورواية عن أحمد رحمهم‌الله ، وحجتهم في ذلك خبر الدار قطني والبيهقي في الرجل لا يجد شيئا ينفق على امرأته يفرّق بينهما. قالوا : وقضى به عمر رضي الله عنه ، ولم يخالفه أحد من الصحابة ، وقال ابن المسيّب : إنّه من السنة.

قالوا : وقد شرع الفسخ بالعنة لإزالة الضرر ، والضرر الذي يلحقها بعدم النفقة أشدّ من ضررها بالعنة ، فكان الفسخ بالعجز عن النفقة أولى من الفسخ بالعنة.

وفي تخلية سبيلها للكسب تشويش على الحياة الزوجية ، وإخلال بالسكن الذي

__________________

(١) أحمد بن حمدان أبو العباس شهاب الدين ، فقيه شافعي ولد بأذرعات الشام وتفقه بالقاهرة استقر في حلب وتوفي فيها سنة (٧٨٣ ه‍) انظر الأعلام للزركلي (١ / ١١٩).

٧٩٧

هو ثمرة الزواج ، وما بقاء الزوجية بعد أن خلينا سبيلها ، ورفعنا يد الزوج عنها ، ولم نلزمها تمكينه من استمتاع بها؟

وقد تناظر في ذلك مالك وغيره فقال مالك : أدركت الناس يقولون : إذا لم ينفق الرجل على امرأته يفرّق بينهما.

فقيل له : قد كانت الصحابة رضي الله عنهم يعسرون ويحتاجون.

فقال مالك : ليس الناس اليوم كذلك ، إنما تزوجته رجاء اه.

ومعنى كلامه إنّ نساء الصحابة رضي الله عنهم كنّ يردن الدار الآخرة وما عند الله ، ولم يكن مرادهنّ الدنيا ، فلم يكن يبالين بعسر أزواجهن ، لأن أزواجهنّ كانوا كذلك ، وأما النساء اليوم ، فإنما يتزوجن رجاء دنيا الأزواج ونفقتهم وكسوتهم ، فالمرأة إنما تدخل اليوم على رجاء الدنيا ، فصار هذا المعروف كالمشروط في العقد ، وكان عرف الصحابة رضي الله عنهم كذلك كالمشروط في العقد ، والشرط العرفي في أصل مذهبه كاللفظي.

وفي المسألة مذهبان آخران :

أحدهما : أنه إذا أعسر بنفقتها حبس حتى يجد ما ينفقه ، وهذا مذهب حكاه الناس عن عبيد الله بن الحسن العنبري قاضي البصرة ، وهو مذهب غير معقول ، لأنّه إذا حبس فمن أين يجد النفقة؟ ولعلّ العنبري من القائلين بالتفريق للإعسار ، وأنه يريد أنّ الحاكم إذا أمره بالطلاق فامتنع حبسه حتى يطلّق ، أو يظهر له مال ، وإلا فالكلام على ظاهره بيّن البطلان.

والثاني : أنه لا فسخ ، وعليها نفقة نفسها إن كانت غنية ، وإن عجز الزوج عن نفقة نفسه أيضا كلّفت المرأة الإنفاق عليه ، وهو مذهب ابن حزم ، قال في «المحلى» : فإن عجز الزوج عن نفقة نفسه ؛ وامرأته غنية ؛ كلّفت النفقة عليه ، لا ترجع بشيء من ذلك إن أيسر. وهذا المذهب مع بطلانه ؛ ومخالفته قواعد الشرع وعمل الناس ؛ أقرب إلى العقل من مذهب العنبري والله الموفق.

ودلّت الآية أيضا على أنّه ينبغي للإنسان مراعاة حال نفسه في النفقة والصدقة ، وفي الحديث : «إنّ المؤمن أخذ عن الله أدبا حسنا ، إذا هو وسع عليه وسع ، وإذا هو قتر عليه قتر» (١).

__________________

(١) رواه السيوطي في الدر المنثور في التفسير بالمأثور (٦ / ٢٣٩).

٧٩٨

من سورة التحريم

قال الله تعالى : (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ وَاللهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢))

ذهب العلماء في سبب نزول الآيتين مذاهب مروية : فروى عكرمة عن ابن عباس أنّها نزلت في الواهبة التي جاءت النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقالت له : إنّي وهبت لك نفسي ، فلم يقبلها.

وقال الحسن وقتادة : بل نزلت في شأن مارية القبطية أمّ إبراهيم ، (١) حيث خلا بها النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم في منزل حفصة ، وكانت هذه خرجت إلى منزل أبيها في زيارة ، فلما عادت ، وعلمت ، عتبت على الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم فحرم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم مارية على نفسه إرضاء لحفصة ، وأمرها ألا تخبر أحدا من نسائه ، فأخبرت بذلك عائشة ، لمصافاة كانت بينهما ، فطلّق النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم حفصة ، واعتزل نساءه شهرا ، وكان جعل على نفسه أن يحرمهن شهرا ، فأنزل الله هذه الآية ، فراجع حفصة. واستحل مارية ، وعاد إلى نسائه.

وقد اختلف أصحاب هذا القول فيما بينهم : هل كان تحريم مارية بيمين؟

فقال قتادة والحسن والشعبي : حرمها بيمين.

وقال غيرهم : حرمها بغير يمين ، وهو عن ابن عباس.

وثالث الأقوال : ما ثبت في «الصحيح» (٢) عن عبيد بن عمير عن عائشة قالت : كان النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يشرب عسلا عند زينب بنت جحش ، ويمكث عندها ، فتواصيت أنا وحفصة على أيتنا دخل عليها فلتقل له أكلت مغافير ، إني أجد منك ريح مغافير ـ وهو نبت كريه الرائحة ـ قال : «لا ولكنّي شربت عسلا عند

__________________

(١) انظر تفسير ابن جرير الطبري ، المسمى جامع البيان في تفسير القرآن (٢٨ / ١٠٠).

(٢) رواه مسلم في الصحيح (٢ / ١١٠٠) ، ١٨ ـ كتاب الطلاق ، ٣ ـ وجوب الكفارة ، حديث رقم (٢٠ / ١٤٧٤) ، والبخاري في الصحيح (٦ / ٨١) ، ٦٥ ـ كتاب التفسير ، ١ ـ باب (يا أيها النبي ...) حديث رقم (٤٩١٢).

٧٩٩

زينب بنت جحش ، ولن أعود إليه ، وقد حلفت لا تخبري أحدا. يبتغي مرضاة أزواجه».

وقد روى مسلم ، وأشهب عن مالك أنّ النبي شرب العسل عند حفصة ، وروي أنّه كان عند أم سلمة ، والأكثر أنّه كان عند زينب بنت جحش ، ولعلّ الحادثة تكررت قبل النزول.

وبعد فيرى ابن العربي (١) أن ما قيل من أنّ الآية نزلت في الواهبة فهو ضعيف من حيث السند ، وضعيف من حيث المعنى :

فأما السند : فرواته غير عدول.

وأما المعنى : فما يصحّ أن يقال : إن رد النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم للهبة كان تحريما ، بل هو رفض لها ، وللموهوب له شرعا ألا يقبل الهبة.

وأما ما روي من أنه حرم مارية فهو أمثل في السند وإن قرب من حيث المعنى ، لكنّه لم يدوّن في صحيح ولا نقله عدل. قال ابن العربي : إنما الصحيح أنّه كان في العسل ، وأنّه شربه عند زينب ، وتظاهرت عليه عائشة وحفصة ، وجرى ما جرى ، فحلف ألّا يشرب ، وأسرّ ذلك ، ونزلت الآية في الجميع.

وبعد ، فقد اختلف العلماء في أنّ تحريم النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ما حرّم أكان بيمين ، أم لم يصحبه يمين ، وقد جرى بناء على ذلك خلاف بين العلماء في أنّ الرجل إذا حرّم شيئا ولم يحلف أيكون ذلك يمينا ، فيجب فيه ما يجب في اليمين ، أم لا يكون؟ وتشعبت أطراف الخلاف بينهم إلى حدّ كبير ، سنقفك على شيء منه بعد التفسير.

(لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ) أي لم تمنع نفسك من شيء أباح الله لك الانتفاع به (تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ) الابتغاء : الطلب ، والجملة حال من فاعل تحرّم. فيكون قيدا للعامل. وقد قال العلماء : إنّ العتاب موجّه إلى هذا القيد ، لأنّ الكلام إذا كان مقيّدا بقيد إثباتا أو نفيا ، فالنظر فيه إلى القيد ، ولا مانع من أن يكون العتاب موجها إلى المقيّد مع قيده.

ويرى البعض أنّ الجملة استئناف ، وذلك أنّ الاستفهام ليس على حقيقته ، بل هو معاتبة على أنّ التحريم لم يكن عن باعث صحيح ، وحينئذ

__________________

(١) انظر أحكام القرآن لابن العربي (٤ / ١٨٣٣).

٨٠٠