تفسير آيات الأحكام

المؤلف:

الشيخ محمّد علي السايس


المحقق: ناجي إبراهيم سويدان
الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: المكتبة العصريّة
الطبعة: ١
ISBN: 9953-435-84-7
الصفحات: ٨٣١

الإطعام ، فكان ذلك ظاهرا في أنّه لو وطئ قبل الإطعام أو في خلاله لم يأثم ، ولا يستأنف ، ونقل عن هذا بعض الناس عن أبي حنيفة ، ولكنّه توهم ، والذي عليه المعول عنده رحمه‌الله أنّه يأثم ، ولا يستأنف الإطعام ، وبهذا قال جمهور الفقهاء.

أما عدم استئناف الإطعام فوجهه ظاهر ، وأما حرمة الوطء فدليل الفقهاء عليها مختلف بحسب اختلافهم في قواعد الأصول ، فمن يرى حمل المطلق على المقيد في مثل هذه الحادثة يقول : استفيد حكم ما أطلقه الله مما قيّده ، إما بيانا ، وإما قياسا قد ألغي فيه الفارق بين الصورتين ، فإنّ المعروف عن الشرع في الأعم الأغلب ألا يفرّق بين المتماثلين ، وقد ذكر الله (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا) مرتين ، ونبّه بذلك على تكرّر حكمه في الكفارات الثلاث ، ولو ذكره في آخر الكلام مرة واحدة لأوهم اختصاصه بالإطعام ، ولو ذكره في أول مرة فقط لأوهم اختصاصه بالعتق ، وإعادته في كل مرة تطويل ، فكان أفصح الكلام وأبلغه وأوجزه ما جاء به النظم الجليل.

وأيضا فإنّه نبه بوجوب التكفير قبل المسيس في الصوم مع تطاول زمنه ؛ وشدة الحاجة إلى المسيس فيه ، على أن اشتراط تقدم الإطعام الذي لا يطول زمنه أولى.

على أنّ قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم في الخبر الحسن. وقد تقدّم «اعتزلها حتّى تكفّر عنك» (١) يشمل التكفير بالإطعام.

وأما الحنفية الذين لا يرون حمل المطلق على المقيد في مثل هذه الحادثة ، فلهم على حرمة الوطء قبل الإطعام دليلان.

الأول : أنّ إباحة الوطء قبل الإطعام قد تفضي إلى الممتنع ، والمفضي إلى الممتنع ممتنع ، بيان ذلك : أنّه لو قدر على العتق أو الصيام في خلال الإطعام أو قبله يلزمه التكفير بالمقدور عليه ، فلو أبيح للعاجز عنهما القربان قبل الإطعام ؛ ثم اتفق أنّه قدر على العتق فوجب التكفير به ، لزم أن يقع العتق بعد التماس ، وهو ممتنع.

واعترض على هذا الدليل بأنّ القدرة حال قيام العجز بالفقر والكبر والمرض الذي لا يرجى زواله أمر موهوم ، والأمور الموهومة لا تراعى في إثبات الأحكام ابتداء ، بل غايتها أن تراعى في ثبوت الاستحباب ورعا.

والدليل الثاني : ما تقدم من قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «اعتزلها حتى تكفّر» وقد يقال : إن هذا الحديث ليس نصا في الموضوع ، لأنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال ذلك للمظاهر قبل أن يتبين عجزه

__________________

(١) رواه الترمذي في الجامع الصحيح (٣ / ٥٠٣) ، كتاب الطلاق ، باب في المظاهر حديث رقم (١١٩٩) ، وأبو داود في السنن (٢ / ٢٤٢) ، كتاب الطلاق ، باب في الظهار حديث رقم (٢٢٢١) ، والنسائي (٥ ـ ٦ / ٤٧٩) ، كتاب الطلاق ، باب الظهار حديث رقم (٣٤٥٨) ، وابن ماجه في السنن (١ / ٦٦٦) ، ١٠ ـ كتاب الطلاق ٢٦ ـ باب المظاهر حديث رقم (٢٠٦٥).

٧٤١

عن الإعتاق والصوم ، فجاز أن يراد اعتزلها حتى تكفّر بالعتق ، أو حتّى تكفّر بالصوم.

بقي أن يقال : لم تذكر الآية حكم من عجز عن الخصال الثلاث ، أتسقط الكفارة عنه أم تستقر في ذمته ويحرم عليه المسيس حتى يكفر؟

والذي استظهره العلماء أنّها لا تسقط ، بل تستقر في ذمته ، حتى يتمكن ، قياسا على سائر الديون والحقوق والمؤاخذات ، كجزاء الصيد وغيره. ولأنّ أصحاب السنن رووا أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أعان أوس بن الصامت بعذق من تمر ، وأعانته زوجته بمثله فكفّر ، وأمر سلمة بن صخر أن يأخذ صدقة قومه فيكفّر بها عن نفسه ، ولو سقطت بالعجز لما أمرهما بإخراجها.

وقد أطلنا هنا بذكر الفروع ، لأننا نراها كلها متعلقة بتفسير الآية ، والله الموفق.

(ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ) الإشارة إلى ما سبق من البيان وتفصيل الأحكام ، وتعليمهم إياها. أي ذلك الذي بيّنا فيما مرّ واقع وحاصل لتؤمنوا بالله ورسوله ، وتعملوا بما شرع لكم ، وترفضوا ما كنتم عليه في جاهليتكم.

(وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ) أي الأحكام المذكورة حدود الله فالزموها ، وقفوا عندها لا تتعدوها (وَلِلْكافِرِينَ) الذين يتعدونها (عَذابٌ أَلِيمٌ) على كفرهم. وأطلق الكافر على متعدي الحدود تغليظا وزجرا ، نظير قوله تعالى : (وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ) [آل عمران : ٩٧].

قال الله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩) إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٠))

التناجي : التسار والمناجاة المسارّة. مأخوذ من النجوة ، وهي ما ارتفع من الأرض ، وسمّيت بذلك ، لأن المتسارين يكونان بخلوة في نجوة من الأرض ، بعيدا عن المتسمعين ، أو سمّيت بذلك لأنّ السرّ يصان ، فكأنه ارتفع عن الناس ، ومن هذا قال الشاعر :

وفتيان صدق لست مطلع بعضهم

على سرّ بعض غير أني جماعها

يظلّون شتّى في البلاد وسرّهم

إلى صخرة أعيا الرّجال انصداعها

وقيل : إنّ التناجي من المناجاة ، وهي الخلاص ، وكأنّ المتناجيين يتعاونان على أن يخلّص أحدهما الآخر.

والآية التي معنا خطاب المؤمنين ، وأريد من النهي هنا التعريض بأولئك الذين كانوا يدورون في المجالس يشيعون السوء ويتناقلونه ، حتى يؤثّر ذلك في أقارب

٧٤٢

الغائبين في الغزو من المؤمنين الخلص ، فكانوا يقولون : تم كيت وكيت ، فكانت تنخلع قلوب أقارب المؤمنين من سوء ما يشاع عن أهليهم ، وكان يكاد يؤثّر ذلك فيهم لولا أن الكذب حبله غير طويل ، فلم يلبث الغائبون أن يعودوا منصورين على خير ما يكون النصر ، ويفتضح أمر أولئك الذين لا تخلو منهم أمة ، أولئك دعاة التردد والهزيمة ، ضعفاء النفوس ، لا تقوى نفوسهم على مجالدة أعدائهم ، فيلجؤون إلى مقالة السوء يرددونها ، يرجون من وراء ذلك الفتّ في عضد خصومهم ، ولقد كان اليهود والمنافقون يلجأون إلى هذه الحال دائما ، فكانوا يتناجون دون المؤمنين.

وكلّما مروا بهم يتغامزون ، فلما كثر ذلك ، شكا منهم المؤمنون إلى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فنهاهم عن ذلك ، ولكن الضعيف دائما يجد في هذا التناجي سلوة يستر بها ضعفه ، فلم ينتهوا ، فأنزل الله فيهم. (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ).

وكانت هذه الحال حالا ذميمة مؤذية ، فنهى المؤمنين أن يفعلوا هذا ، فيكون فيهم هذا الصنف من الناس ، فهم لم يكن منهم هذا التناجي المذموم حتى ينهوا عنه ، إنما نهوا عنه تعريضا بأولئك الذين لا يعيشون إلّا في الظلام ، ويصطادون في الماء العكر ، أرأيت الآية التي سقنا لك فيهم ، وهذا الآية كيف نهي المؤمنون فيها أن يتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وهذا هو الذي كان منهم ، ثم هو تحذير للمؤمنين أن يفعلوا فعلهم ، فيستحقوا ما استحق أولئك من العاقبة.

وقيل : بل الخطاب للمنافقين ، وسمّاهم مؤمنين باعتبار ثوبهم الذي يظهرون فيه ، والظاهر الأول ، فإنّ الآية نهت المؤمنين أن يتناجوا بالإثم والعدوان ، أي بما هو إثم في ذاته ، ثم هو عدوان على منصب الرسالة ، إذ يجعل الناس ينفضّون من حول الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ثم أمرتهم إذا كان لا بدّ لهم من التناجي أن يتناجوا بما هو برّ وخير ، وبما هو وقاية لهم ، وحفظ من عذاب الله ، ثم أمرتهم بأن يتقوا الله الذي إليه يحشرون ، فيحاسبهم على ما كان منهم بعد أن يطلعهم عليه ، لا تخفى عليه منه خافية ، ثم قال الله في تعليل ما تقدّم (إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا).

وأسندت النجوى إلى الشيطان باعتبار أنّه الذي يوسوس بها ؛ ويزينها للناس ؛ فيرتكبونها ، وغايته منه إدخاله الحزن على الذين آمنوا ، ولكنّهم ما داموا مؤمنين فلن يضرّهم منه شيء (وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ) واسم ليس إمّا الشيطان ، وإمّا التناجي ، وما دام الأمر كلّه لله ، فإن قدّر الله مكروها فهو لا بدّ كائن ، وإن أراد خيرا فلا رادّ لفضله ، يصيب به من يشاء.

(وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) ولا يبالوا ما يكون من نجوى الشيطان ، لأن الذي

٧٤٣

يتناجى به المنافقون إن وقع فهو بقضاء الله ومشيئته ، وما شاء لا بدّ أن يكون.

والقصد من هذا إزالة ما عساه يدخل في نفوس المؤمنين بتأثير هذه المناجاة.

ثم إنّ التناجي بين المؤمنين قد يكون منهيا عنه ، روى البخاريّ ومسلم (١) وغيرهما عن ابن مسعود رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «إذا كنتم ثلاثة فلا يتناج اثنان دون الآخر ، حتى تختلطوا بالناس ، من أجل أنّ ذلك يحزنه».

قال الله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١))

كان المؤمنون يتنافسون في القرب من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ويتسابقون إلى ذلك ، لا يكاد أحد يؤثر غيره بمجلسه من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، واتفق أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم جلس يوم الجمعة في الصّفة ، وفي المكان ضيق ، وكان عليه الصلاة والسلام يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار ، فجاء ناس من أهل بدر ، منهم ثابت بن قيس بن شماس ، وقد سبقوا إلى المجالس ، فقاموا حيال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقالوا : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، فردّ النبي عليهم. ثم سلّموا على القوم ، فردوا عليهم ، فقاموا على أرجلهم ، ينتظرون أن يوسع لهم ، فشقّ ذلك على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقال لبعض من حوله : قم يا فلان ويا فلان ، فأقام نفرا مقدار من قدم ، فشقّ ذلك عليهم ، وعرفت كراهيته في وجوههم.

واتخذ المنافقون من ذلك طريقا عسى أن يصلوا منه إلى قلوب المؤمنين ، فقالوا : ما عدل رسول الله بإقامة من أخذ مجلسه وأحبّ قربه لمن تأخر عن الحضور ، فأنزل الله قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا) الآية. أخرجه ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان.

والتفسّح في المجلس : التوسع فيه ، أي إذا قال لكم قائل كائنا من كان : توسعوا ، فليفسح بعضكم عن بعض ، ليأخذ القادم مكانه في المجلس ، فإنّ ذلك سبب المودة والمحبة بينكم ، ومدعاة للألفة وصفاء النفوس.

ولئن كانت الآية نزلت في خصوص التوسع في مجلس رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فإنّها لمرسلة عامة في كل المجالس التي يكون فيها خير للناس ، مجالس العلم ، ومدارسة القرآن ، ومجالس القتال إذا اصطفوا للحرب ، ومجالس الرأي والشورى ، ومجالس الناس في مجتمعاتهم للأغراض الدينية.

__________________

(١) رواه البخاري في الصحيح (٧ / ١٨٣) ، ٧٩ ـ كتاب الاستئذان ، ٤٦ ـ باب إذا كانوا أكثر من ثلاثة حديث رقم (٢٦٩٠) ، ومسلم في الصحيح (٤ / ١٧١٨) ، ٣٩ ـ كتاب السلام ، ١٥ ـ باب تحريم المناجاة حديث رقم (٣٧ / ٢١٨٤).

٧٤٤

(يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ) في رحمته ، أو في منازلكم في الجنة ، أو في قبوركم ، أو في دوركم ، أو في رزقكم ، وفي كل ما تحبّون التوسعة فيه.

(وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا) النشز : الارتفاع في مكان ، والمراد هنا النهوض من المجلس ، أي : وإذا قيل لكم انهضوا للتوسعة على المقبلين فانهضوا ، ولا تباطؤوا.

وقال الحسن وقتادة والضحاك : إنّ المعنى : وإذا دعيتم إلى قتال أو صلاة أو طاعة فأجيبوا.

وقيل : إذا دعيتم للقيام عن مجلس الرسول فقوموا ، لأن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان أحيانا يؤثر الانفراد في أمر الإسلام أو لبعض شأنه ، ولا مانع من تعميم الحكم في كل مجلس ، فإذا دعت الحاجة إلى أن ينفرد صاحب المجلس في أمر ، أو إلى أن يخلو ببعض الجالسين ، فله أن يطلب في رفق إلى الجالسين أن يقوموا ، إذا لم يترتب على ذلك مفسدة أعظم ضررا من فوات المصلحة التي دعت إلى الانفراد.

وهذا مما لا نزاع لأحد في جوازه.

نعم لا يجوز للقادم أن يقيم أحدا ليجلس هو في مجلسه ، فقد روى مالك والبخاريّ ومسلم (١) وغيرهم عن ابن عمر رضي الله عنهما أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه ، ولكن تفسّحوا أو توسّعوا».

وقد جرى الحكم أنّ من سبق إلى مباح فهو أولى به ، والمجالس من هذا المباح ، وعلى القادم أن يجلس حيث انتهى به المجلس ، إلا أنّ مكارم الأخلاق تقضي على الجالسين بتقديم أولي الفضل وأهل الحجى والحلوم ، بذلك جرى عرف الناس وعوائدهم في القديم والحديث.

ولقد كان هذا هو الشأن بين الصحابة في مجلس الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فكانوا يقدّمون بالهجرة وبالعلم وبالسن.

روى أبو بكر بن العربي (٢) بسنده عن أنس بن مالك رضي الله عنه : بينا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم في المسجد وقد طاف به أصحابه ؛ إذ أقبل علي بن أبي طالب ، فوقف وسلّم ، ثم نظر مجلسا يشبهه ، فنظر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم في وجوه أصحابه أيهم يوسّع له ، وكان أبو بكر جالسا على يمين النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فتزحزح له عن محله ، وقال : هاهنا يا أبا الحسن ، فجلس بين النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم وبين أبي بكر ، فقال : «يا أبا بكر! إنما يعرف الفضل لأهل الفضل ذوو الفضل».

__________________

(١) رواه مسلم في الصحيح (٣ / ١٧١٤) ، ٣٩ ـ كتاب السلام ، ١١ ـ باب تحريم إقامة الإنسان ، والبخاري في الصحيح (٧ / ١٧٧) ، ٧٩ ـ كتاب الاستئذان ، ٣١ ـ باب لا يقيم الرجل الرجل حديث رقم (٦٢٦٩).

(٢) انظر أحكام القرآن لابن العربي (٤ / ١٧٤٧).

٧٤٥

وثبت في «الصحيح (١) أنّ عمر بن الخطاب كان يقدّم عبد الله بن عباس على الصحابة ، فكلّموه في ذلك ، فدعاهم ودعاه ، وسألهم عن تفسير (إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ (١)) [النصر : ١] فسكتوا. فقال ابن عباس : هو أجل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم. فقال عمر : ما أعلم منها إلا ما تعلم ، ثم قال : بهذا قدمت الفتى.

وكان التقدم في مجلس الجمعة بالبكور ، إلا ما يلي الإمام ، فإنّه لذوي الأحلام والنّهى.

وكان التقدم في مجلس القتال إذا اصطفوا للحرب لذوي النجدة والمراس من الناس ، والتقدم في مجلس الرأي والشورى لمن له بصر بالشورى ، وخبرة بالأمور.

(يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ). اختلف المفسرون في المراد بالموصول هنا (الَّذِينَ آمَنُوا) و (وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) فقال جماعة : المراد من (الذين آمنوا) كلّ المؤمنين ، سواء من أوتوا العلم منهم ، ومن لم يؤتوه. والمراد من (الذين أوتوا العلم) العلماء من المؤمنين خاصة ، وعلى ذلك يكون العطف من عطف الخاص على العام ، تعظيما للعلماء بحسبانهم ، كأنهم جنس آخر.

وقال قوم : المراد بالذين آمنوا : المؤمنون الذين لم يؤتوا العلم ، بدليل مقابلته بالذين أوتوا العلم ، وهذا مروي عن ابن مسعود ، وابن عباس رضي الله عنهم ، وعليه يكون العطف عطف متغايرين بالذات ، ويكون الموصول الثاني معمولا لفعل محذوف دلّ عليه المذكور ، ويكون معمول الفعل المذكور محذوفا ، دلّ عليه المعمول المذكور ، ويكون الكلام من عطف الجمل ، والتقدير : يرفع الله الذين آمنوا ولم يؤتوا العلم درجات تليق بهم ، ويرفع الذين أوتوا العلم درجات.

وقال آخرون : المراد بالموصولين واحد ، والعطف لتنزيل التغاير في الصفات منزلة التغاير في الذوات. والمعنى : يرفع الله الذين آمنوا العالمين درجات.

وعلى هذه الأوجه يكون رفع الدرجات جزاء لامتثالهم لأمر النهوض من المجالس ، وفي هذا الجزاء مناسبة للعمل المأمور به ، وهو ترك ما كانوا يتنافسون فيه من الجلوس في أرفع المجالس وأقربها من النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فلما كان الممتثل لذلك يخفض نفسه تواضعا لله ، وامتثالا لأمره جوزي على تواضعه برفع الدرجات و «من تواضع لله رفعه» وذهب آخرون إلى أنّ جملة (يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ) كالتعليل للأمر السابق ، أي إذا قيل لكم انهضوا للتوسعة على القادمين فانهضوا ، لأنّ

__________________

(١) رواه البخاري في الصحيح (٦ / ١١٣) ، ٦٥ ـ كتاب التفسير ، ٤٠ ـ باب قوله تعالى : (فسبح بحمد ربك) حديث رقم (٤٩٧٠).

٧٤٦

منهم مؤمنين علماء رفعهم الله درجات على غيرهم ، فأوسعوا لهم في المجالس وأكرموهم كما أكرمهم الله.

ثم الآية بعد هذا دليل على فضل العلماء ، ولا يقلّ ما روي من الآثار والأخبار في ذلك عن دلالة الآية في الظهور والوضوح ، فقد أخرج الترمذي وأبو داود (١) وغيرهما عن أبي الدرداء مرفوعا «فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب».

وأخرج الدارمي (٢) عن عمر بن كثير عن الحسن قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «من جاءه الموت وهو يطلب العلم ليحيي به الإسلام ، فبينه وبين النبيين درجة» وعنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «بين العالم والعابد مئة درجة ، بين كل درجتين ؛ حضر الجواد المضمر سبعون سنة» (٣).

وعنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «يشفع يوم القيامة ثلاثة : الأنبياء ، ثم العلماء ، ثم الشهداء» (٤).

وحسب العلماء أن يلوا الأنبياء ، ويتقدّموا الشهداء.

والمراد بالعلم الذي أوتوه هو العلم النافع في الدنيا والدين ، ولن يكون العلم نافعا يرفع صاحبه حتى يكون هو من العاملين ، وإلا كان من الذين يقولون ما لا يفعلون ، (كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ (٣)).

قال الله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٣))

قد علمتم فيما سبق أن الصحابة كانوا يتنافسون في القرب من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم في مجلسه ، ويتسابقون عليه ، وأنه صعب على بعضهم أن يقوم للمتأخر ، وقد كان بعضهم يناجي الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم في بعض شأنه ، وكانوا يكثرون من هذه المناجاة ، فكان ذلك يشقّ على الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقد يستثقله الحاضرون ، فأراد الله أن يحدّ من هذه المناجاة ، وهي لا يمكن منعها ، فقد يكون لبعض الناس شأن لا يحبّ الكلام فيه إلا مناجاة ، وشؤون الناس لا يمكن ضبطها ، ولا معرفة مقدار الأهمية فيها ، إلا بعد

__________________

(١) رواه الترمذي في الجامع الصحيح (٥ / ٤٧) ، كتاب العلم ، باب ما جاء في فضل الفقه حديث رقم (٢٦٨٢) ، وأبو داود في السنن (٣ / ٣١٣) ، كتاب العلم ، باب الحث على طلب العلم حديث رقم (٣٦٤١).

(٢) رواه الدارمي في السنن (١ / ١٠٠) ، باب فضل العلم والعالم.

(٣) المرجع نفسه.

(٤) رواه ابن ماجه في السنن (٢ / ١٤٤٣) ، ٣٧ ـ كتاب الزهد ٣٧ ـ باب ذكر الشفاعة حديث رقم (٤٣١٣).

٧٤٧

حصول المناجاة بالفعل ، فأمر الله المؤمنين أن يقدّموا صدقات عند مناجاة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، بهذا ترى أنّ الآية متصلة بما قبلها تمام الاتصال ، فكلّ منهما متعلّق بما يكون في مجلس الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم وما يفعله الجالسون في المجلس الشريف.

أمر الله المؤمنين بذلك حدّا للمناجاة التي تكون لغير حاجة ومنعا منها ، ونفعا للفقراء الذين يكونون في مجلس الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم وقد تدعو المناجاة إلى أن يقوموا من مجلسهم لهذا الذي يريد أن يناجي الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فإذا كان هذا القيام سيعود بالفائدة على الفقراء اطمأنت قلوب القائمين ، فقراء كانوا أو أغنياء ، فإنّ الأغنياء يطيب خاطرهم لنفع الفقراء.

والتعبير بقوله تعالى : (بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً) يراد منه أن تكون الصدقة حاضرة عند النجوى ، على طريق تمثيل النجوى بمن له يدان ، أو هو استعارة مكنية تقوم على تشبيه النجوى بالإنسان ، وإثبات اليدين تخييل.

ويقول المفسرون : إن هذا الأمر اشتمل على فوائد كثيرة :

منها : تعظيم أمر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وإكبار شأن مناجاته ، كأنها شيء لا ينال بسهولة.

ومنها : التخفيف عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالتقليل من المناجاة.

ومنها : تهوين الأمر على الفقراء الذين قد يغلبهم الأغنياء على مجلس الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فإنهم إذا علموا أنّ قرب الأغنياء من الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ومناجاتهم له تسبقها الصدقة لم يضجروا.

ومنها : عدم شغل الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم بما لا يكون مهما من الأمور ، فيتفرغ للرسالة فإنّ الناس وقد جبلوا على الشحّ بالمال يقتصدون في المناجاة التي تسبقها الصدقة.

ومنها : تمييز محبّ الدنيا من محبّ الآخرة ، فإنّ المال محكّ الدواعي.

هذا وقد اختلف العلماء في مقتضى هذا الأمر ، أهو الوجوب أم هو الندب.

فقال بعضهم بالوجوب ، مستدلا بأنّ الآية فيها أمر بتقديم الصدقة عند النجوى ، والأمر للوجوب ، ثم قال الله في آخر الآية : (فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ومثل هذا لا يقال إلا في الواجبات التي لا تترك.

وقال بعضهم : إن الأمر هنا للندب والاستحباب ، وذلك أنّ الله قال في الآية : (ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ) ومثل هذا قرينة تصرف الأمر عن ظاهره ، وهو إنما يستعمل في التطوع دون الفرض.

وأيضا قال الله تعالى في الآية التي بعد هذه مباشرة : (أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ) وهذا يزيل ما في الأمر الأوّل من احتمال الوجوب ، انظر إلى قوله : (فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ).

٧٤٨

وقد أجاب القائلون بالوجوب : بأنه كما يوصف التطوع بأنّه خير وأطهر ، كذلك يوصف الفرض ، بل هو أولى.

وأما آية (أَأَشْفَقْتُمْ) فهي ناسخة للوجوب الذي ثبت بالأمر ، ولا يلزم من اتصال الآيتين في التلاوة اتصالهما في النزول.

وهؤلاء القائلون بالوجوب وبالنسخ اختلفوا في مقدار تأخر الناسخ عن المنسوخ ، فقال بعضهم : ما بقي المنسوخ إلّا ساعة من نهار ، وينسب ما روي عن تأخّر كبار الصحابة عن تقديم الصدقة إلى ضيق الوقت ، وروي أنه بقي الأمر عشرة أيام ثم نسخ.

وقد روى عن علي بن أبي طالب أنه أول من عمل بهذا الأمر ، وآخر من عمل به ، وأنه كان عنده دينار فصرفه إلى عشرة دراهم ، فكلما ناجى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم قدّم درهما.

ويرى أبو مسلم الأصفهاني عدم وقوع النسخ ، ويقول في هذه الآية : إنّه كان يوجد بين المؤمنين جماعة من المنافقين ، كانوا يمتنعون من بذل الصدقات ، وإنّ فريقا منهم عدل عن نفاقه ، وصار مؤمنا ظاهرا وباطنا إيمانا حقيقيا. فأراد الله تعالى أن يميزهم عن المنافقين الذين لا يزالون على نفاقهم ، فأمر بتقديم الصدقة ، ليتميز هؤلاء من هؤلاء ، وإذا كان هذا التكليف لهذه المصلحة المقدرة لذلك الوقت ، لا جرم يقدر التكليف بذلك الوقت.

قال الفخر الرازي : وحاصل قول أبي مسلم أنّ ذلك التكليف كان مقدرا بغاية مخصوصة ، فوجب انتهاؤه عند الانتهاء إلى الغاية المخصوصة ، فلا يكون هذا نسخا.

ثم قال : وهذا كلام حسن لا بأس به ، والمشهور عند الجمهور أنه منسوخ بقوله تعالى : (أَأَشْفَقْتُمْ) ومنهم من قال : إنه منسوخ بوجوب الزكاة.

ونحن نرى مع الفخر الرازي أنّ كلام أبي مسلم كلام حسن ، لكنّا نبحث عن أولئك الذين حسن إيمانهم ، الذين أريد تمييزهم من المنافقين ، فلا نجد أنّ أحدا تصدّق.

بل لقد روي أنّه لم يعمل بهذه الآية إلا الإمام علي بن أبي طالب ، ولقد عجب الناس كيف لم يعمل كبار الصحابة بهذا التكليف ، وصاروا يعتذرون عنه بأنه لم يبق إلا ساعة من نهار ، ومنهم من قال : إنّه استمر عشرة أيام ، ومنهم من قال : نسخ قبل أن يعمل به أحد.

ويعجبنا قول الفخر في الدفاع عن عدم عمل الصحابة : أنه على تقدير أن أفاضل الصحابة وجدوا الوقت ولم يفعلوا فهذا لا يجر إليهم طعنا ، وذلك أن الإقدام على هذا العمل مما يضيق به قلب الفقير ، ويوحش قلب الغني ، لأنه إن لم يفعل جرّ ذلك إلى الطعن فيه ، فهذا العمل لما كان سببا لحزن الفقير ، ووحشة الغني ، لم يكن في تركه كبير مضرة ، بل لقد بينا أنهم إنما كلّفوا بهذه الصدقة ليتركوا هذه المناجاة. ولما كان الأولى بهذه المناجاة أن تكون متروكة ، لم يكن تركها سببا للطعن.

٧٤٩

والذي أعجبنا من كلام الفخر هو الجزء الأخير منه ، وأما ما قبله فهو قابل للمناقشة ، وما نرى في عدم فعل الصحابة طعنا ولا شينا ، بل إنّهم فهموا أنّ شرعية هذا الحكم قصد منها الحد من المناجاة الكثيرة ، فيضيع وقت الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقد سبق أن قلنا : إن المناجاة لا يمكن منعها ، فمنها الضروري ، ومنها ما يكون فيه مصلحة عامة للمسلمين.

وأما الصدقة فلم تطلب لأنّها صدقة ، فالصدقات مطلوبة ، ومرغب فيها من غير توقف على المناجاة ، ولو أنّ الصحابة فهموا أن المقصود التوسل بالمناجاة لتكون بابا من أبواب الصدقة ما تأخروا ، فمنهم من نزل عن جميع ماله ، ومنهم من كان يريد أن يتصدّق بالثلثين ، لأنه لا يرثه إلا ابنة واحدة. وما دام المقصود القصد من المناجاة التي تشغل الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم فليحرصوا على القصد ، على أنّهم وجدوا في قوله تعالى : (فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) فسحة. فمن ذا الذي كانت دراهمه ودنانيره حاضرة معه في مجلس الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم حتى يتصدق بها ، أو يقال : إنه لم يمتثل الأمر؟

ونظنّ أنّا بما قدمنا نجدك في غنى عن تفسير الآية الأولى ، وأما قوله : (أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٣)) فمعناه أخفتم تقديم الصدقات لما فيها من إنفاق المال ، فإذ لم تفعلوا ما أمرتم به ، وتاب عليكم ، ورخّص لكم في الترك ، فأقيموا الصلاة ، وآتوا الزكاة ، ولا تفرّطوا فيها وفي سائر الطاعات.

وليس يشتمّ من هذه الآية أنه وقع منهم تقصير ، فإنّ التقصير إنما يكون إذا ثبت أنه كانت مناجاة لم تصحبها الصدقة ، والآية قالت : (فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا) أي ما أمرتم به من التصدق ، وقد يكون عدم الفعل لأنهم لم يناجوا ، فلا يكون عدم الفعل تقصيرا.

وأما التعبير بالإشفاق من جانبهم فلا يدل على تقصيرهم ، فقد يكون الله علم أنّ كثيرا منهم استكثر التصدق عند كل مناجاة في المستقبل لو دام الوجوب ، فقال الله لهم : (أَأَشْفَقْتُمْ).

وكذلك ليس في قوله : (وَتابَ اللهُ) ما يدل على أنهم قصّروا ، فإنّه يحمل على أنّ المعنى أنه تاب عليهم برفع التكليف عنهم تخفيفا ، ومثل هذا يجوز أن يعبّر عنه بالتوبة ، ولذلك عقب عليه بما يكون شكرا على هذا التخفيف فقال : (فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ) يعني أنّه إذا تاب عليكم ، وكفاكم هذا التكليف ، فاشكروه بإقامة الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، ومداومة الطاعة ، لأنه المحيط بأعمالكم ونياتكم.

٧٥٠

من سورة الحشر

قال الله تعالى : (وَما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) ما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٧))

أفاء : قال المبرّد : يقال : فاء إذا رجع ، ومنه قوله تعالى في الإيلاء : (فَإِنْ فاؤُ) [البقرة : ٢٢٦] ، وأفاءه الله ردّه ، وقال الأزهري (١) : الفيء ما ردّه الله على أهل دينه من أموال من خالف أهل دينه بلا قتال : إمّا بأن يجلوا عن أوطانهم ويخلوها للمسلمين ، أو يصالحوا على جزية يؤدونها من رؤوس أموالهم ، أو مال غير الجزية يفتدون به من سفك دمائهم ، كما فعله بنو النضير حين صالحوا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، على أنّ لكل ثلاثة منهم حمل بعير مما شاؤوا ، سوى السلام ، ويتركون الباقي ، فهذا المال الذي تركوه هو الفيء ، وهو ما أفاء الله على المسلمين ، أي رده من الكفار إلى المسلمين.

ولابن العربي في تسمية أيلولة هذه الأموال فيئا معنى لطيف لا بأس أن نطلعك عليه ، قال رحمه‌الله : (ما أَفاءَ) يريد ما ردّ ، وحقيقة ذلك ، أنّ الأموال في الأرض للمؤمنين حقا ، ولعله يشير بذلك إلى معنى قوله تعالى : (أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ) [الأنبياء : ١٠٥] فيستولي عليها الكفار مع ذنوبهم عدلا ، فإذا رحم الله المؤمنين ؛ ردّها عليهم من أيدي الكفار ؛ رجعت في طريقها ذلك ، فكان ذلك فيئا.

والضمير في (منهم) للذين كفروا من أهل الكتاب المذكورين في أول السورة : (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ) وهم يهود بني النضير (فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ) يقال : وجف الفرس والبعير : يجف وجفا ووجيفا ، أسرع في السير ، وأوجفه صاحبه : حمله على السير السريع ، والضمير في (عليه) يرجع إلى ما في قوله : (ما أَفاءَ اللهُ) والركاب : ما يركب ، وهو اسم جمع ، وقد خصّ في لسان العرب

__________________

(١) محمد بن أحمد ، إمام في اللغة ، توفي (٣٧٠ ه‍) ، من مصنفاته تهذيب اللغة ، انظر الأعلام للزركلي (٥ / ٣١١).

٧٥١

بما كان من الإبل خاصة ، لا يكادون يطلقون اسم الراكب إلّا على راكب البعير ، وإن كانت التسمية للاشتقاق من الركوب ، ويوجد هذا المعنى في غير راكب البعير ، لكنّ العرب كثيرا ما يقصرون اللفظ على بعض ما يوجد فيه مبدأ الاشتقاق.

(وَلكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ) المعنى : أنّ هذه الأموال ؛ وإن كانت فيئا ؛ فإنّ الله جعلها لرسوله خاصّة ، لأن رجوعها له لم يكن من طريق قتالكم لهم ، بل كان عن طريق إلقاء الرعب في قلوبهم ، ولم يتكلف الناس فيه سفرا ، ولا تجشّموا رحلة ، ولا أنفقوا مالا ، وما كان من عمل الناس في حصارهم فهو عمل يسير لا يعتد به في جانب إلقاء الرعب فيهم ، ومن أجل ذلك كان الفيء للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

ولعلك من هذا استشعرت أنّ في الآية محذوفا دلّ عليه الكلام ، وهو خبر (ما) في قوله : (وَما أَفاءَ اللهُ) تقديره فلا شيء لكم فيه ، دلّ عليه قوله : (فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ) ، (وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) يظهركم على أعدائكم من غير حاجة إلى حرب هذا هو تفسير هذه الآية.

وقد جاء الكلام فيما يؤخذ من الأعداء في ثلاثة مواضع من القرآن :

الأول : في قوله تعالى في سورة الأنفال : (وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ) [الأنفال : ٤١].

والموضع الثاني : هو الآية الأولى التي معنا : (وَما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ) الآية.

والموضع الثالث : هو الآية التي بعدها : (ما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ).

وقد نقلنا لك من الآيات ما يفهم منه أنّ الآيات تبدو متخالفة الحكم ، فآية الأنفال تقول : (وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ) فأسندت الغنم لهم ، ثم قالت : (فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ) إلخ فدلّ ذلك على أنّ الغنيمة توزّع أخماسا ، على حسب ما فهمته في الفقه ، وما عرفته في تفسير الآية في الأنفال.

والآية التي معنا تقول : (وَما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ) ومعنى هذا على ما علمت : أن ما ردّه الله على رسوله من أموال الكفار لا شيء لكم فيه ، لأنّكم لم توجفوا عليه ، وإنما هو للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم خاصة ، يصرفه كيف شاء.

والآية الثالثة خالفت هذه الآية ، فلم تقل منهم ، بل قالت : (مِنْ أَهْلِ الْقُرى) ووزّعت الفيء كتوزيع الغنيمة ، مع فرق واحد هو أنّ آية الأنفال وزعت فيها الغنيمة وقيل فيها : (فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ) وآية الحشر جعلت الفيء بين الذين ذكروا في الأنفال ، ولم يشر فيها إلى الخمس.

٧٥٢

ولقد كان ما بدا من خلاف بين الآيات مثار الخلاف بين العلماء في مدلول الآيات ، فمنهم من يرجع آية الحشر الثانية إلى آية الأنفال ، ويجعل آية الحشر الأولى منسوخة ، ومنهم من يقول : الآيات الثلاث لثلاثة معان متباينة :

فآية الأنفال في الأموال تؤخذ عنوة.

وآية الحشر الأولى [٦] فيما يتركه الكفار فرارا ؛ ويأخذه المسلمون بعدهم من غير قتال.

وآية الحشر الثانية [٧] فيما يؤخذ صلحا من جزية وخراج ، وما شابه ذلك.

والأحكام في الآيات مختلفة بحسب ذلك ، فما يكون غنيمة يقسّم بين الغانمين ، وما يؤخذ فرارا فهو للرسول ، يأكل منه ، ويصرفه بعد ذلك في مصالح المسلمين ، وما يؤخذ صلحا فهو لمن ذكر الله في آية الحشر الثانية ، وسنزيدك بعض الإيضاح فنقول :

إنّ من العلماء من جعل الغنيمة غير الفيء ، وقال : الغنيمة : ما أخذه المسلمون من أموال الكفار في الحرب ، والفيء : ما أخذ من غير حرب ، وجعل آية الأنفال في الغنيمة ، وقال : إن آية الحشر الأولى في الكفار من أهل الكتاب من بني النضير ، لم يتكلّف المسلمون عناء في مقاتلتهم ، ولم يكن للمسلمين يومئذ خيل ولا ركاب ، ولم يقطعوا إليها مسافات كثيرة ، إذ لم يكن بينها وبين المدينة سوى ميلين ، ولم يركب إلا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وكان راكبا جملا ، فلما كانت المقاتلة قليلة ، ولم يكن للمسلمين فيها خيل ولا ركاب ، جعل ما أخذ من الكفار كلّه للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، يعول منه أهله ، وينفق الباقي في مصالح المسلمين ، ثم جعل الآية الثانية من الحشر بيانا لما أفاء الله على المسلمين من أموال سائر الكفار ، ويجعل الآية الثانية كأنّها جواب سؤال نشأ من الآية الأولى كأنّه قيل : قد علمنا حكم الفيء من بني النضير ، فما حكم الفيء من غيرهم ، فقال : (ما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى) ولذلك ترى العطف.

وقد نقل الآلوسي الفرق بين الغنيمة والفيء عن بعض الشافعية ، وقال : إن الحنفية قالوا بالتفرقة أيضا ، ونقولها عن «المغرب» وغيره من كتب اللغة ، قالوا : الغنيمة : ما نيل من الكفار عنوة والحرب قائمة. وحكمها أن تخمّس ، وباقيها للغانمين خاصة. والفيء : ما نيل منهم بعد وضع الحرب أوزارها ، وصيرورة الدار دار الإسلام ، وحكمه أن يكون لكافة المسلمين ، ولا يخمّس بل يصرف جميعه في مصالح المسلمين.

ونقل هذا الحكم الإمام ابن حجر عمّن عدا الإمام الشافعي من الأئمة الأربعة : وقال : إن الشافعي خمّس الفيء قياسا على الغنيمة التي ثبت التخميس فيها بالنص. بجامع أنّ كلّا منهما مال الكفار ، استولى عليه المسلمون ، واختلاف سبب الاستيلاء بالقتال وغيره لا تأثير له.

وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه صنع بأرض العراق ما حكمت به الآية ،

٧٥٣

وكان بعض الصحابة قد طلب إليه قسمته بين المسلمين كالغنيمة ، فاحتجّ عليهم بالآية ، ووافقه علي وعثمان وطلحة والزبير ، بل إنّ المخالفين أيضا رجعوا إليه بعد ما حكّم الآية.

والذي يعنينا هنا هو اختلاف العلماء في الفيء يخمّس أو لا يخمّس؟ أما توزيع الخمس فليس لنا به تعلق ، لأنه ليس في الآية ، ولأنّه تقدّم خلاف العلماء فيه في سورة الأنفال [٢٨] فارجع إليه إن شئت ، ولنأخذ في تفسير الآية الثانية.

قال الله تعالى : (ما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ).

قد ذكر الله تعالى أنّ ما ردّه على رسوله من أهل القرى هو لمن ذكرهم في النظم الكريم ، وهم ستة ، وقد اختلف العلماء ـ الذين قالوا بالقسمة أخماسا ، أربعة أخماس للغانمين ، وخمس لمن ذكر الله تعالى في قسمة هذا الخمس بين الذين ذكروا ـ فقال جماعة : يقسّم خمسة أسهم للخمسة الذين ذكرهم الله ، وهم الرسول ، وذو القربى ، واليتامى ، والمساكين ، وابن السبيل وأما الله سبحانه وتعالى فإنّما كان ذكره معهم افتتاح كلام تيمّنا بذكره ، وإلا فهو مالك السموات والأرض.

وذهب بعضهم إلى أنّ الخمس ستة أسهم ، منها سهم الله يصرف إلى حاجة بيته ، وهو الكعبة ، إن كانت قريبة ، وإلا فإلى مسجد كلّ بلدة ثبت فيها الخمس ، ويقول الجمهور : إنّ جعل السهام ستة خلاف المعهود عن السلف في تفسير ذلك.

وأما سهم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقد كان له في حياته ، ينفق منه على نفسه وعياله ، ويصرف الباقي في مصالح المسلمين.

ثم اختلف العلماء في هذا السهم بعد وفاته صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فذهب الحنفية إلى سقوطه ، وقالوا في تعليل ذلك : إنّ الخلفاء الراشدين ذهبوا فيه هذا المذهب ، ولو كانوا يعلمون انتقاله للخلفاء ما أسقطوه ، ثم إنّه جعل للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وهو مشتق من الرسالة ، وذلك مؤذن بأنّ الرسالة علة في هذا الجعل. وقد انتهت الرسالة ، فينتهي ما نيط بها من الحكم.

ونقل عن الشافعي رضي الله عنه : أنّه يصرف للخليفة ، لأنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يستحقه لإمامته لا لرسالته ، ولكنّ الأكثر من الشافعية على أنّ السهم باق ، ولكنه يصرف في مصالح المسلمين العامة ، وهذا معنى قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «مالي مما أفاء الله عليكم إلّا الخمس ، والخمس مردود عليكم» (١).

وأما سهم ذي القربى فهو لذي قرباه صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وهم معروفون في الفقه ، وقد مرّ

__________________

(١) انظر ما رواه السيوطي في الدر المنثور في التفسير بالمأثور (٣ / ١٨٦).

٧٥٤

الخلاف فيهم في سورة الأنفال ، فلا نعيده ، وكذا بيان اليتامى ، والمساكين ، وابن السبيل ، فارجع إليه إن شئت.

هذا وممّن قال بأن الفيء كلّه للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم في حياته الإمام الغزالي رضي الله عنه ، وممن ذهب إلى أنّ الفيء يصرف مصرف الغنيمة الإمام الزمخشري (١) رضي الله عنه ، فقد جعل آية الحشر الثانية بيانا للآية الأولى ، مستدلا بترك العطف على ما مرّ. وذهب أيضا إلى أنّ المراد بأهل القرى ، هو المراد بالضمير في بني النضير في (مِنْهُمْ) وهم بنو النضير.

وذهب المحقق ابن عطية إلى أنّ الآية الأولى في بني النضير خاصة. وإلى أنّ الفيء فيها للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم خاصة ، وأما الآية الثانية فالمراد من أهل القرى فيها غير بني النضير ، وهم أهل الصفراء وينبع ووادي القرى وما هنالك من قرى العرب التي تسمّى قرى عرينة ، والحكم في أموال هؤلاء هو ما قال الله : إنها (فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى).

(كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ) الدولة بضم الدال وفتحها ما يدول ويدور للإنسان من الغنى والغلبة ، وفرّق بعضهم بين مضموم الدال ومفتوحها ، فقالوا : إنّها بضم الدال ما يدول للإنسان من المال ، وبفتحها ما يكون له من النصر.

وقال بعضهم : هي بالضم اسم لما يتداول ، وبالفتح مصدر بمعنى التداول ، وقال بعضهم : بل هما لفظان لمعنى واحد.

والجملة بعد هذا تعليل لتقسيم الفيء ، والضمير في يكون للفيء. والمعنى. أنا قسمنا الفيء هذا التقسيم كي لا يختص به الأغنياء ، أو كي لا يكون دولة وغلبة جاهلية بينكم ، كما كان الأغنياء منهم يستأثرون بالغنيمة ، وكانوا يعتزّون به.

(وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ).

ذهب بعض المفسرين إلى أنّ معنى (آتاكم) أعطاكم من الفيء ، وأنّ ما نهاكم أي عن أخذه ، فانتهوا عن أخذه ، وكأنّه يستعين على ذلك بالمقام.

وذهب بعضهم إلى أنّها في كلّ ما أمر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم به ونهى عنه ، وفي جملة ذلك الفيء استدلالا بما في الآية من ألفاظ العموم ، ولأنّه قال بعدها : (وَاتَّقُوا اللهَ) حيث يتناول كل ما يجب فيه التقوى.

والآية بعد هذا توجب امتثال أوامر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ونواهيه أيضا ، والله أعلم.

__________________

(١) انظر تفسير الكشاف للزمخشري (٤ / ٥٠٢).

٧٥٥

من سورة الممتحنة

قال الله تعالى : (لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّما يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩))

واختلف العلماء في المراد من (الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ) فذهب بعضهم إلى أنّهم مؤمنون ، قعدوا عن الهجرة ضعفا منهم عن القيام بها. وقيل : بل هم مؤمنون من مكة ، أقاموا بين الكفرة ، وتركوا الهجرة مع القدرة ، وزاد مجاهد على أن المهاجرين والأنصار كانوا يريدون برّ هؤلاء القاعدين عن الهجرة ، ولكنهم تحرّجوا من برهم ، لتركهم فرض الهجرة.

وعلى هذين القولين تكون الآية باقية الحكم ، وأنّه ليس ما يمنع المسلمين في دار الإسلام من بر إخوانهم المسلمين الذين بقوا في دار الحرب.

وقال بعضهم : إنّ المراد النساء والصبيان من الكفرة ، الذين لا يقاتلون ، وهو مروي عن عبد الله بن الزبير.

وقال الحسن : هم قوم من خزاعة وبني الحرث بن كعب ، وكنانة ، ومزينة :

كانوا صالحوا النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم على ألا يقاتلوه ، ولا يعينوا عليه ، وعليه فالآية خاصة بعدم النهي عن برّ من بينه وبين المسلمين عهد ، وهي باقية الحكم.

وقد أخرج البخاريّ وأحمد (١) ، وجماعة أنها في أم أسماء بنت أبي بكر ، وكانت قد قدمت على بنتها أسماء بهدية ، وهي مشركة ، وقيل : بل جاءت تطلب صلتها ، فأبت أسماء أن تقبل هديتها وأن تدخلها بيتها ، حتّى أرسلت إلى عائشة رضي الله عنها لتسأل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن هذا ، فسألته ، فأنزل الله قوله تعالى : (لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ) الآية.

قال الآلوسي : والأكثر على أنها في كفرة اتصفوا بما في حيز الصلة ، سواء في

__________________

(١) رواه البخاري في الصحيح (٣ / ١٩٢) ، ٥ ـ كتاب الهبة ، ٢٩ ـ باب الهدية حديث رقم (٢٦٢٠) ، وأحمد في المسند (٦ / ٣٤٤).

٧٥٦

ذلك النساء والصبيان والمعاهدون ، ومجيئها بعد آية (لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ) يقرّب هذا ، فقد بيّن الله تعالى أنّه لا ينهانا عن برّ أحد من الناس ، إلا من قاتلنا ، وظاهر على قتالنا ، وأخرجنا من ديارنا ، وظاهر على إخراجنا. وأما من عدا هؤلاء من الكفار فلم ينهنا عن برهم والإقساط إليهم ، إذ علّة النهي عن البرّ أنّهم آذونا ، فلا يكونون أهلا لبرنا ، فإذا انتفت العلة انتفى النهي.

ومعنى قوله : (لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ) أنّه لا ينهى المسلمين عن الإحسان إلى من اتصفوا من الكفرة بهذه الصفات المذكورة ، وهي عدم المقاتلة في الدين ، وعدم إخراج المسلمين من ديارهم ، ومعنى الإقساط الإفضاء بالقسط ، وهو العدل ، فمعنى تقسطوا إليهم تفضوا إليهم بالقسط والعدل ، فالإقساط مضمّن معنى الإفضاء ، ولذلك عدّي بإلى (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) العادلين.

وقد استدلّ بالآية بعض العلماء على جواز التصدّق على أهل الذمة دون أهل الحرب على وجوب النفقة للأب الذمي دون الحربي ، لأنّه يجب قتله والاستدلال على هذا الأخير استدلال عجيب ، إذ كلّ ما في الآية عدم النهي عن البرّ ، وهل عدم النهي عن البرّ يستلزم وجوب البر ، والشهاب الخفاجي قد نقل أنّ هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) [التوبة : ٥] وإن كان القول بالنسخ لا يكاد يظهر.

(إِنَّما يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ).

أي ليس النهي عن موالاة الأعداء نهيا عن البر بمن لم يقاتلكم ، ولم يخرجكم من دياركم ، إنما ينهاكم الله عن أعدائه وأعدائكم ، الذين قاتلوكم من أجل دينكم ، وألجئوكم إلى الخروج من دياركم ، وظاهروا على إخراجكم ، وأعانوا عليه ، هؤلاء هم الذين نهاكم الله وينهاكم أن تتولوهم ، وتلقوا إليهم بالمودة.

(وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) لأنفسهم بتعريضها للعذاب ، حيث فعلوا ما يوجبه ، وهو اتخاذ الأعداء أولياء ؛ وهم ظالمون ، لأنّهم وضعوا الولاية وضع العداوة ، وكأنه لا يستحق وصف الظلم إلّا هؤلاء.

قال الله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا ذلِكُمْ حُكْمُ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠))

غير المؤمنين فريقان :

أحدهما : كافر ، عدو لله وللمؤمنين ، لا يألو جهدا في أذاهم ، والإيقاع بهم ما

٧٥٧

استطاع إلى ذلك سبيلا ، وهؤلاء قد نهانا الله عن برّهم ، وتوليهم ، وموادتهم ، بل أمرنا أن نقعد لهم كل مرصد ، وأن نعدّ لقتالهم ما استطعنا من قوة ومن رباط الخيل.

والفريق الثاني : قوم كافرون ، ولكنهم لم يقاتلونا ، ولم يخرجونا من ديارنا ، ولم يظاهروا ، إما لعهد بيننا وبينهم ، وإما لأنهم قوم ضعاف لا يستطيعون حربا ، ولا قتالا ، ولا إخراجا ، ولا مظاهرة على إخراج ، وهؤلاء قد بيّن الله أنه لا ينهانا عن برّهم والإقساط إليهم.

وهناك فريق لا يعلم المؤمنون حالهم على الجزم ، وهم يظهرون الإيمان ، فهؤلاء بيّن الله حكمهم في الآيات التي معنا ، فقال : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَ) إلخ نزلت هذه الآية بعد صلح الحديبية ، وقد روي أنّه صلى‌الله‌عليه‌وسلم أمر عليا رضي الله عنه أن يكتب عقد الصلح ، فكتب : باسمك اللهم. هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو ، اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين ، يأمن فيها الناس ، ويكفّ بعضهم عن بعض ، على أنّ من أتى محمدا من قريش بغير إذن وليه ردّه عليه ، ومن جاء قريشا من محمّد لم يردوه عليه ، وأن بيننا عيبة مكفوفة ، وأنّه لا إسلال ولا إغلال ، وأنه من أحبّ أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه ، ومن أحبّ أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه.

وقد نفّذ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم العهد ، فجاءه أبو جندل بن سهيل فرده ، ولم يأته أحد من الرجال إلا رده في مدة العهد ، وإن كان مسلما.

ثم جاءت المؤمنات مهاجرات ، وكانت أمّ (١) كلثوم بنت عقبة بن معيط إحدى المؤمنات الجائيات ، فخرج أخواها عمّار والوليد ، حتى قدما على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فكلّماه في أمرها ليردها إلى قريش ، فنزلت الآية ، فلم يردها صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

وقيل : نزلت الآية في امرأة تسمّى سبيعة بنت الحارث الأسلمية ، جاءت مؤمنة مهاجرة ، وطلبوا ردّها. فنزلت (٢) الآية.

وقيل : نزلت في غيرها ، ولعل سبب النزول متعدّد ، وعلى أي حال فالآية في امرأة أو نساء جئن مهاجرات بعد صلح الحديبية.

وقد منعت الآية إرجاع هؤلاء النسوة إلى الكفار. فقيل : نزلت الآية بيانا لنص العقد ، وأنه ما تناول إلّا الرجال ، غير أنّ هذا يكون من تخصيص العام بالمتأخر ، لأنّ نصّ عقد الصلح كان عاما «من جاء إلى محمد من قريش دون إذن وليه ردّه عليه»

__________________

(١) انظر أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير (٧ / ٣٧٦) ترجمة (٧٥٨٥).

(٢) رواه البخاري في الصحيح (٥ / ٨٠) ، ٦٤ ـ كتاب المغازي ، ٣٦ ـ باب غزوة الحديبية حديث رقم (٤١٨٠).

٧٥٨

ومن العلماء من لا يجيز التخصيص بالمتأخر ، فلعلّ هذا القائل يلتزم الذهاب إلى قول الجبّائي ومن وافقه في جواز تخصيص العام بالمخصّص المتأخر ، وقد نسب إلى الزمخشري أنّ هذا ليس من باب التخصيص ، وإنما هو من بيان المجمل ، ذلك أنه يرى أنّ هذه الصيغ لا تفيد العموم من طريق الوضع ، بل هي من باب المطلق ، وتدلّ على العموم بالقرائن. وعلى هذا (فمن) التي في عقد الصلح كانت مجملة ، وجاءت الآية مبينة لها ، وليس هذا من تأخير البيان عن وقت الحاجة ، بل هو تأخيره لوقت الحاجة ، فإنّ الحاجة إليه إنما كانت عند مجيء المؤمنات مهاجرات ، وقد نزلت الآية عنده بيانا للإجمال الذي في العقد.

وقد ذهب جماعة إلى أنّ التعميم في عقد الصلح لم يكن من طريق الوحي ، بل كان اجتهادا منه صلى‌الله‌عليه‌وسلم أثيب عليه بأجر واحد ، وجاءت هذه الآية بعدم إقراره على هذا الاجتهاد ، ومسألة اجتهاده صلى‌الله‌عليه‌وسلم في الأحكام مسألة مختلف فيها ، ومن يجيزها يقول : ما دام أنه يجيء الوحي بعدم التقرير على الخطأ فلا ضير فيها ، وقد جاءت الآية بعدم التقرير على التعميم.

وذهب جماعة إلى أنّ العهد كان بوحي ، وجاءت الآية ناسخة ، ومن لا يجيز نسخ السنة بالكتاب يقول : نسخ العهد بالسنة ، وهي امتناعه صلى‌الله‌عليه‌وسلم من الرد ، وجاءت الآية مقرّرة لهذا الامتناع.

ومن العلماء من يرى أن العهد كان على غير الصيغة المتقدمة ، وأنه كان يشتمل على نصّ خاص بالنساء ، صورته أن لا تأتيك منا امرأة ليست على دينك إلا رددتها إلينا ، فإن دخلت في دينك ولها زوج ردّت على زوجها ما أنفق ، وللنبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم من العهد مثل ذلك ، وعلى هذا فالآية موافقة للعهد مقرّرة له.

وهذا هو الذي عليه المعوّل ، وأما الأقوال قبله فإنّها تنافي روح التشريع الإسلامي من جهة أنّ الوفاء بالعهد واجب ، ولا ينبغي لأحد الطرفين أن يستبدّ بتخصيص نصوصه أو إلغائها دون موافقة الطرف الثاني.

وأنت تعلم أنّ عهد الحديبية ما نسخ إلا بعد أن نقضته قريش ، ونكثوا أيمانهم ، يوضّح ذلك ما جاء في سورة التوبة : (وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (١٢) أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣)) [التوبة : ١٢ ، ١٣]. وما دام العهد قد نسخ فنسخه نسخ لما اشتمل عليه من الحكم.

ولنرجع إلى تفسير الآية : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَ).

٧٥٩

المراد إذا جاءكم النساء اللائي يظهرن الإيمان ، وإنما كان هذا هو المراد لأنّ الله تعالى يقول : (فَامْتَحِنُوهُنَ) ثم قال : (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ) فدل ذلك على أنّ الغرض من الامتحان علم إيمانهن ، وقوله تعالى : (مُهاجِراتٍ) منصوب على الحالية ، وجيء به بعد قوله تعالى : (إِذا جاءَكُمُ) لبيان العلة في عدم إرجاعهن ، إذ هنّ ما هجرن مكة وانتقلن منها إلا حبا في الله ، وفرارا بدينهن من أذى الكفار ، وهنّ الضعيفات اللاتي لا جلد لهنّ على الإيذاء ، فإذا قضى نصّ العهد أن يبقي الرجال ، فهم يتحمّلون الأذى ، أما هؤلاء اللاتي اضطررن إلى الهجرة ، فكيف يلزمهنّ البقاء ، وهنّ لا يستطعن حماية أنفسهنّ (فَامْتَحِنُوهُنَ) فاختبروهن بما ترونه موصلا إلى غلبة الظن بإيمانهنّ.

وقد روي عن ابن عباس في كيفية امتحانهن أنه قال : كانت المرأة إذا جاءت النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم حلّفها عمر رضي الله عنه بالله بأنها ما خرجت رغبة بأرض عن أرض ، وبالله ما خرجت من بغض زوج ، وبالله ما خرجت التماس دنيا ، وبالله ما خرجت إلا حبا لله ورسوله.

وعن ابن عباس أيضا أنّ امتحانهنّ أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أمر عمر بن الخطاب فقال : قل لهن إن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بايعكن على ألا تشركن بالله شيئا إلخ ما في الآية الآتية ، وسيأتي أنّ آية مبايعة النساء لها سبب غير هذا.

وقوله تعالى : (اللهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَ) جملة اعتراضية جيء بها لإفادة أنّ الامتحان الغرض منه الوصول إلى غلبة الظن ، وإلا فالحقيقة لا يعلمها على ما هي عليه إلا الله وحده سبحانه ، فإنه المطلع على ما في القلوب ، يعلم السرّ وأخفى (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ) أي فإن تبيّن بعد الامتحان إيمانهنّ ، وغلب على ظنكم هذا ، فلا ترجعوهنّ إلى أزواجهنّ الكفار ، وإنما أقحمنا لفظ الأزواج أخذا من قوله بعد : (لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَ) فإنّه استئناف قصد منه بيان علّة النهي عن إرجاعهن إلى الكفار ، وجملة (لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ) أفاد الفرقة ، وتحقيق زوال النكاح الأول على الثبوت والاستقرار ، والجملة الثانية : (وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَ) أفادت أنّ النكاح في المستقبل لا يستأنف للكفار ، (وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا) أي أعطوا أزواجهنّ مثل ما أنفقوا عليهن من المهر ، وقد قيل : إنّ ذلك واجب ، وقيل : إنّه مندوب ، وقد فعل ذلك في زمن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقد روي أنّ ربيعة الأسلمية لما جاءت تزوجها عمر ، وأعطى زوجها ما أنفق. وقيل : إنّ هذا الحكم غير باق ، لأنّ ذلك كان في المهاجرات ، وقد ذهبت الهجرة «ولا هجرة بعد الفتح» على أنك قد سمعت ما روي من أنّ العهد كان فيه نصّ جاءت الآية مقرّرة له ، وقد انتهى العهد بما فيه ، فلا بقاء لهذا الحكم الآن.

(وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَ) أي إنه لا تثريب عليكم في نكاحهن

٧٦٠