تفسير آيات الأحكام

المؤلف:

الشيخ محمّد علي السايس


المحقق: ناجي إبراهيم سويدان
الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: المكتبة العصريّة
الطبعة: ١
ISBN: 9953-435-84-7
الصفحات: ٨٣١

درهم ، لأن المائتين هي النصاب الكامل ، فيكون غنيا مع تمام ملك الصدقة ، ومعلوم أنّ الله تعالى إنما أمر بدفع الزكوات إلى الفقراء لينتفعوا بها ويتملكوها ، فلو أعطى الفقير مئتي درهم فإنّه لا يتمكن من الانتفاع بها إلا وهو غني ، فكره أبو حنيفة من أجل ذلك دفع النصاب الكامل إلى إنسان واحد.

الصنف الثالث : العاملون عليها

وهم السعاة لجباية الصدقة ، ويدخل فيهم الحاشر ، والعريف ، والحاسب ، والكاتب ، والقسّام وحافظ المال ، ويعطى العامل عند الحنفية والمالكية ما يكفيه ويكفي أعوانه بالوسط مدة ذهابهم وإيابهم ما دام المال باقيا ، وإذا استغرقت كفايتهم الزكاة ، فالحنفية لا يزيدونهم على النصف.

وعند الشافعية يعطون من سهم العاملين ـ وهو الثمن ـ قدر أجرتهم ، فإن زادت أجرتهم على سهمهم تمم لهم ، قيل : من سائر السهمان ، وقيل : من بيت المال.

وهذا الذي ذهب إليه الشافعي هو قول عبد الله بن عمر وابن زيد ، وقال مجاهد والضحاك : يعطون الثمن من الصدقات ، وظاهر الآية معهما.

وفيما يعطاه العاملون شبه بالأجرة وشبه بالصدقة.

فبالاعتبار الأول حل إعطاء العامل الغني ، وسقط سهم العامل إذا أدى الزكاة رب المال إلى الإمام أو إلى الفقراء.

وبالاعتبار الثاني : لا تحل للعامل من آل البيت ، ولا لمولاهم ، ولا لغير المسلم. فعن ابن عباس أنه قال : بعث نوفل بن الحارث ابنيه إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : انطلقا إلى عمكما ، لعله يستعملكما على الصدقة ، فجاءا فحدثا النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم بحاجتهما ، فقال لهما : «لا يحل لكم أهل البيت من الصدقات شيء ، لأنها غسالة الأيدي ، إن لكم في خمس الخمس ما يغنيكم أو يكفيكم» (١).

وروي عن علي أنه قال للعباس : سل النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يستعملك على الصدقة ، فسأله فقال : «ما كنت لأستعملك على غسالة ذنوب الناس» (٢).

وأبى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يبعث أبا رافع ـ مولاه ـ عاملا على الصدقات وقال : «أما علمت أن مولى القوم منهم» (٣).

__________________

(١) رواه ابن سعد كما في كنز العمال للمتقي الهندي حديث رقم (٣٣٤٥١).

(٢) روي عن ابن عباس كما في كنز العمال للمتقي الهندي حديث رقم (١٦٥٣٠).

(٣) رواه الترمذي في الجامع الصحيح (٣ / ٤٦) في الزكاة ، باب ما جاء في كراهية الصدقة حديث رقم (٦٥٧) ، وأبو داود في السنن (٢ / ٤٤) ، كتاب الزكاة ، باب الصدقة حديث رقم (١٦٥٠) ، والنسائي في السنن (٥ ـ ٦ / ١١٢) ، كتاب الزكاة ، باب مولى القوم منهم حديث رقم (٢٦١١).

٤٦١

وأخذ بعض العلماء من قوله تعالى : (وَالْعامِلِينَ عَلَيْها) أنه يجب على الإمام أن يبعث السعاة لأخذ الصدقة. وتأكّد هذا الوجوب بعمل النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم والخلفاء من بعده.

ففي «الصحيحين» (١) من رواية أبي هريرة أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم استعمل ابن اللتبية على الصدقات.

وروى أبو داود والترمذي (٢) عن أبي رافع مولى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : ولّى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم رجلا من بني مخزوم على الصدقة فقال : اتبعني تصب منها. فقلت : حتى أسأل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فسألته فقال لي : «إن مولى القوم من أنفسهم».

والأحاديث في هذا الباب كثيرة.

ويدل على الوجوب أيضا أن في الناس من يملك المال ولا يعرف ما يجب عليه ، ومنهم من يبخل ، فوجب أن يبعث الإمام من يأخذ الزكاة.

ولا يبعث إلا حرا عدلا فقيها يستطيع أن يجتهد فيما يعرض من مسائل الزكاة وأحكامها.

ويدل قوله تعالى : (وَالْعامِلِينَ عَلَيْها) على أنّ أخذ الصدقات إلى الإمام وأنه لا يجزئ ربّ المال أن يعطيها المستحقين ، لأنه لو جاز لأرباب الأموال أداؤها إلى المستحقين لما احتيج إلى عامل لجبايتها ، فيضر بالفقراء والمساكين ، فدل ذلك على أن أخذها إلى الإمام ، وتأكد هذا بقوله تعالى : (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً) لكن ربما يعارضه قوله تعالى : (وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥)) [المعارج : ٢٤ ، ٢٥] فإنه إذا كان ذلك الحق حقا للسائل والمحروم وجب أنه يجوز دفعه إليهما ابتداء.

من أجل ذلك ترى للعلماء تفصيلا في أموال الزكاة : فإن كان مال الزكاة باطنا فقد أجمعوا على أن للمالك أن يفرقها بنفسه ، كما أنّ له أن يدفعها إلى الإمام ، وإن كان مال الزكاة ظاهرا كالماشية والزروع والثمار فجمهور الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار على أنّه يجب دفعها إلى الإمام ، فإن فرقها المالك بنفسه لم يحتسب له بما أدى ، وهذا هو مذهب الحنفية والمالكية ، وقول من قولي الشافعي عملا بظاهر قوله تعالى : (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً) ولأن الزكاة مال للإمام فيه حق المطالبة ، فوجب الدفع إليه كالخراج والجزية ، وقال الشافعي في الجديد : يجوز أن يفرقها بنفسه ، لأنها زكاة ، فجاز أن يفرقها بنفسه كزكاة الباطن.

__________________

(١) رواه مسلم في الصحيح (٢ / ٦٧٦) ، ١٢ ـ كتاب الزكاة ، ٣ ـ باب في تقديم الزكاة حديث رقم (١ / ٩٨٣) ، والبخاري في الصحيح (٢ / ١٥٦) ، ٢٤ ـ كتاب الزكاة ، ٤٩ ـ باب قوله تعالى : (وفي الرقاب) حديث رقم (١٤٦٨).

(٢) سبق تخريجه.

٤٦٢

الصنف الرابع : المؤلفة قلوبهم

قال العلماء : المؤلفة قلوبهم ضربان : مسلمون وكفار ، فأما الكفار فقد كانوا يتألفون لاستمالة قلوبهم إلى الدخول في الإسلام ، ولكف أذيتهم عن المسلمين ، وقد ثبت أنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم أعطى قوما من الكفار يتألف قلوبهم ليسلموا. ففي «صحيح مسلم» (١) أنه أعطى صفوان بن أمية من غنائم حنين ، وصفوان يومئذ كافر.

وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لما قسّم من غنائم حنين للمتألفين من قريش وفي سائر العرب وجد هذا الحيّ من الأنصار في أنفسهم ، وأنّه قال لهم : «أوجدتم في أنفسكم يا معشر الأنصار في لعاعة من الدنيا تألفت بها قواما ليسلموا ، ووكلتكم إلى ما قسم الله لكم من الإسلام» (٢).

واختلف العلماء في إعطاء الكفار من سهم المؤلفة قلوبهم من الزكاة ، فروي عن الحسن وأبي ثور وأحمد أنهم يعطون ، وهو قول عند المالكية.

وذهب الحنفية والشافعية وأكثر العلماء : إلى أن إعطاءهم إنما كان في عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم في أول الإسلام في حال قلة عدد المسلمين ، وكثرة عدوهم ، وقد أعزّ الله الإسلام وأهله ، واستغنى بهم عن تألف الكفار ، ولذلك فإنّ الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لم يعطوهم ، وقال عمر رضي الله عنه : إنا لا نعطي على الإسلام شيئا ، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.

وأجابوا عن الحديث بأن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم أعطاهم من خمس الخمس وكان ملكا له خالصا يفعل فيه ما يشاء ، أما الزكاة فلا حق فيها للكفار.

وأما المسلمون من المؤلفة قلوبهم فهم أصناف : صنف لهم شرف في قومهم يطلب بتألفهم إسلام نظائرهم. وصنف أسلموا ونيتهم في الإسلام ضعيفة ، فيتألفون لتقوى نيتهم ويثبتوا. ففي «صحيح مسلم» (٣) أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أعطى أبا سفيان بن حرب وصفوان بن أمية والأقرع بن حابس وعيينة بن حصن لكل واحد منهم مئة من الإبل ، وأعطى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم الزبرقان بن بدر وعدي بن حاتم أيضا لشرفهما في قومهما.

وصنف ثالث : وهم قوم يليهم جماعة من الكفار إن أعطوا قاتلوهم.

وصنف رابع : وهم قوم يليهم قوم من أهل الزكاة إن أعطوا جبوها منهم. وقد ثبت أن أبا بكر أعطى عدي بن حاتم حين قدم عليه بزكاته وزكاة قومه عام الردة.

__________________

(١) رواه مسلم في الصحيح (٢ / ٧٣٣) ، ١٢ ـ كتاب الزكاة حديث رقم (١٠٦٠).

(٢) رواه مسلم في الصحيح (٢ / ٧٣٣) ، ١٢ ـ كتاب الزكاة ، ٤٦ ـ باب المؤلفة قلوبهم حديث رقم (١٣٧ / ١٠٦١).

(٣) سبق تخريجه.

٤٦٣

وقد اختلف العلماء في المؤلفة قلوبهم من المسلمين ، فذهب الحنفية (١) إلى أنّ سهم المؤلفة قلوبهم قد سقط بعد وفاته صلى‌الله‌عليه‌وسلم سواء أكانوا من الكفار أم من المسلمين ، لأن المعنى الذي لأجله كانوا يعطون قد زال بإعزاز الإسلام واستغنائه عن تأليف القلوب واستمالتها إلى الدخول فيه ، وذهب إلى هذا كثير من أئمة السلف ، واختاره الروياني وجمع من متأخري أصحاب الشافعي ، وعلى هذا يكون عدد الأصناف سبعة لا ثمانية.

والمنقول عن نص الشافعي وأصحابه المتقدمين أن حكم المؤلفة قلوبهم من المسلمين لا يزال معمولا به ، وهو قول الزهري وأحمد ، وإحدى الروايتين عن مالك.

والآية في ظاهرها يشهد لهم.

واختلف القائلون بسقوط سهم المؤلفة في توجيه رأيهم ، مع أن الآية في ظاهرها جعلت للمؤلفة قلوبهم نصيبا من الزكاة ، فقال صاحب «الهداية» (٢) من الحنفية : إن هذا الصنف من الأصناف الثمانية قد سقط ، وانعقد إجماع الصحابة على ذلك في خلافة الصديق رضي الله عنه ، وحينئذ يكون هذا الإجماع أو مستنده ناسخا للآية في صنف المؤلفة.

وقال آخرون في وجه سقوطه : إنه من قبيل انتهاء الحكم بانتهاء علته ، كانتهاء جواز الصوم بانتهاء وقته وهو النهار.

الصنف الخامس : ما أشار إليه بقوله : (وَفِي الرِّقابِ)

في قوله تعالى : (وَفِي الرِّقابِ) محذوف ، والتقدير : وفي فك الرقاب. واختلف أهل العلم في تفسير (الرِّقابِ) فقال عليّ كرم الله وجهه وسعيد بن جبير والزهري والليث بن سعد والشافعي وأكثر العلماء : يصرف سهم الرقاب إلى المكاتبين.

وقال مالك وأحمد : يشترى بسهمهم عبيد ويعتقون ، ويكون ولاؤهم لبيت المال.

وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا يعتق من الزكاة رقبة كاملة ، ولكن يعطى منها في رقبة ، ويعان بها مكاتب.

وقال بعض العلماء : يفدى من هذا السهم الأسارى.

وحجة الشافعي وموافقيه أن قوله تعالى : (وَفِي الرِّقابِ) كقوله : (وَفِي سَبِيلِ اللهِ) وهناك يجب الدفع إلى المجاهدين ، فكذا هنا يجب الدفع إلى الرقاب ، ولا يمكن الدفع إلى الشخص الذي يراد فك رقبته إلا إذا كان مكاتبا ، ولو اشترى بالسهم عبيدا لم يكن الدفع إليهم ، وإنما هو دفع إلى سادتهم ، وانتفاعهم بالعتق ليس تمليكا ، لأنّ العتق إسقاط.

__________________

(١) انظر الهداية شرح بداية المبتدي للمرغيناني (١ ـ ٢ / ١٢٠).

(٢) الهداية شرح بداية المبتدي للمرغيناني (١ ـ ٢ / ١٢٠).

٤٦٤

وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : قوله (وَفِي الرِّقابِ) يريد المكاتبين. وتأكد هذا بقوله تعالى : (وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللهِ الَّذِي آتاكُمْ) [النور : ٣٣].

وحجة المالكية أن الرقاب جمع رقبة ، وكل موضع ذكرت فيه الرقبة فالمراد عتقها ، والعتق والتحرير لا يكون إلا في القن ، كما في الكفارات فلا بد من عتق رقبة كاملة ملكا ويدا ، وحجة الحنفية أن قوله تعالى : (وَفِي الرِّقابِ) يقتضي أن يكون للمزكي مدخل في عتق الرقبة ، وذلك ينافي كونه تاما فيه.

ومن قال بفك الأسارى من سهم الرقاب يرى أن المراد تخليص المسلم من حال النقص وفداء مسلم وتخليصه من أيدي الكفار أولى من عتق مسلم تملكه يد مسلمة.

ولا نعلم خلافا في أنه لا يجوز إعطاء المكاتب الكافر ، ولا عتق قن كافر. والقائلون بإعطاء المكاتب شرطوا فيه الحاجة ، فإن حل عليه نجم ولم يكن معه ما يؤديه أعطي مقدار النجم أو ما يكمله ، وإن كان معه ما يفي بالنجم لم يعط شيئا.

قال الشافعي وأصحابه : يجوز صرف الزكاة إلى المكاتب بغير إذن سيده ، ويجوز الصرف إلى السيد بإذن المكاتب ، ولا يجوز الصرف إلى السيد بغير إذن المكاتب ، والأولى صرفها للسيد بإذن المكاتب ، لأن الله تعالى أضاف الصدقات للأصناف الأربعة الذين تقدّم ذكرهم باللام ، ولما ذكر الرقاب أبدل حرف اللام بحرف في فقال : (وَفِي الرِّقابِ) فلا بد لهذا العدول من فائدة وهي أنّ الأصناف الأربعة الأول يدفع إليهم نصيبهم من الصدقات على أنه ملك لهم ، يتصرفون فيه كما شاؤوا. وأما المكاتبون فيوضع نصيبهم في تخليص رقبتهم من الرق ، فكان الدفع إلى السادات محققا للصرف في الجهة التي من أجلها استحق المكاتبون سهم الزكاة ، وكذلك القول في الغارمين يصرف المال إلى قضاء ديونهم ، وفي الغزاة يصرف المال إلى إعداد ما يحتاجون إليه ، وابن السبيل يعطي ما يعينه في بلوغ مقصده.

الصنف السادس : الغارمون

أصل الغرم في اللغة اللزوم ، ومنه قوله تعالى : (إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً) [الفرقان : ٦٥] والغريم يطلق على صاحب الدين ، وعلى المدين لملازمة كل منهما صاحبه.

وأما الغارم فهو الذي عليه الدين ، لأنه التزمه وتكفل بأدائه. ولم يختلف العلماء أن الغارمين هم المدينون ، وأما قول مجاهد : الغارم من ذهب السيل بماله أو أصابه حريق فأذهب ماله فمحمول على أنه أراد من ذهب ماله وعليه دين. وأما من ذهب ماله وليس عليه دين فإنّه لا يسمى غريما ، وإنما يسمى فقيرا أو مسكينا.

وظاهر الآية أن المدين يعطى مطلقا سواء أوجد وفاء لدينه أم لا ، وسواء استدان لنفسه أم لغيره ، وسواء أكان دينه في معصية أم لا.

٤٦٥

ولكن الحنفية يخصصون الغريم بمن لا يملك نصابا فاضلا عن دينه (١) ، وحجتهم في ذلك

قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «وأردها في فقرائكم» فإنّ هذا يدل على أنّ الصدقة لا تعطى إلا للفقراء.

وقال الشافعية : إن استدان لنفسه لم يعط إلا مع الفقر ، وإن استدان لإصلاح ذات البين أعطي من سهم الغارمين ، ولو كان غنيا ، لما روى أبو داود (٢) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنّه قال : «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة : لغاز في سبيل الله ، أو لعامل عليها ، أو لغارم ، أو لرجل اشتراها بماله ، أو لرجل له جار مسكين ، فتصدّق على المسكين ، فأهدى المسكين إليه».

وقال قوم : إذا كان الغريم قد استدان في معصية فإنه لا يدخل في عموم الآية ، لأن المقصود من صرف المال المذكور في الآية الإعانة ، والمعصية لا تستوجب الإعانة ، ومثل هذا لا يؤمن إذا أدّي عنه دينه أن يستدين غيره ، فيصرفه في الفساد.

الصنف السابع : ما أشار الله إليه بقوله : (وَفِي سَبِيلِ اللهِ).

قال أبو حنيفة ومالك والشافعي رحمهم‌الله : يصرف سهم سبيل الله المذكور في الآية الكريمة إلى الغزاة الذين لا حقّ لهم في الديوان ، وهم الغزاة إذا نشطوا غزوا.

وقال أحمد رحمه‌الله في أصح الروايتين عنه : يجوز صرفه إلى مريد الحج. وروي مثله عن ابن عمر.

وحجة الأئمة الثلاثة المفهوم في الاستعمال المتبادر إلى الأفهام أن سبيل الله تعالى هو الغزو ، وأكثر ما جاء في القرآن الكريم كذلك ، وأن حديث أبي سعيد السابق في صنف الغارمين يدل على ذلك ، فإنه ذكر ممن تحل له الصدقة الغازي ، وليس في الأصناف الثمانية من يعطى باسم الغزاة إلا الذين نعطيهم من سهم سبيل الله تعالى.

واستدل لما روى عن أحمد بحديث أبي داود (٣) عن ابن عباس أن رجلا قال لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : إن امرأتي تقرأ عليك السلام ورحمة الله ، وإنها سألتني الحج معك. قالت : أحجّني مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

فقلت : ما عندي ما أحجك عليه.

قالت : أحجني على جملك فلان.

فقلت : ذلك حبيسي في سبيل الله.

فقال : «أما إنّك لو أحججتها عليه كان في سبيل الله».

__________________

(١) انظر الهداية شرح بداية المبتدي للمرغيناني (١ ـ ٢ / ١٢١).

(٢) رواه أبو داود في السنن (٢ / ٣٨) ، كتاب الزكاة ، باب من يجوز له أخذ الصدقة حديث رقم (١٦٣٥).

(٣) رواه أبو داود في السنن (٢ / ١٥٨) ، كتاب المناسك ، باب العمرة حديث رقم (١٩٩٠).

٤٦٦

وأجاب الجمهور بأن الحج يسمى سبيل الله ولكن الآية محمولة على الغزو لما ذكرناه.

وفسر بعض الحنفية سبيل الله بطلب العلم ، وفسره في «البدائع» (١) بجميع القرب فيدخل فيه جميع وجوه الخير مثل تكفين الموتى ، وبناء القناطر ، والحصون ، وعمارة المساجد ، لأن قوله تعالى : (وَفِي سَبِيلِ اللهِ) عام في الكل. وأيّا ما كان الأمر فقد اشترط الحنفية للصرف في سبيل الله الفقر.

وقال الشافعية يعطي الغازي مع الفقر والغنى ، للخبر الذي ذكرناه في الغارم ، ويعطى ما يستعين به على الغزو من نفقة الطريق وما يشتري به السلاح والفرس ، فإن أخذ ولم يغز استرجع منه.

الصنف الثامن : ابن السبيل

ابن السبيل الذي يعطى من الصدقة : هو الذي يريد السفر في غير معصية فيعجز عن بلوغ مقصده إلا بمعونة. قال العلماء : وإنما يعطى ابن السبيل بشرط حاجته في سفره ، ولا يضر غناه في غير سفره ، فيعطى ما يبلغ به مقصده. فإن كان سفره في طاعة كحج وغزو وزيارة مندوبة أعطي بلا خلاف.

وإن كان سفره في معصية لم يعط بلا خلاف ، لأنّ ذلك إعانة على المعصية.

وإن كان سفره في مباح كرياضة فللشافعية فيه وجهان :

أحدهما : لا يعطى ، لأنه غير محتاج إلى هذا السفر.

الثاني : يعطى ، لأنّ ما جعل رفقا بالمسافر في طاعة جعل رفقا بالمسافر في مباح كالقصر والفطر.

مسألة : هذه مسألة تشترك فيها الأصناف السابقة كلها : قال الرافعي (٢) نقلا عن أصحاب الشافعي : من سأل الزكاة وعلم الإمام أنه ليس مستحقا لم يجز له صرف الزكاة إليه ، وإن علم استحقاقه جاز الصرف إليه بلا خلاف ، ولم يخرّجوه على الخلاف في قضاء القاضي بعلمه ، مع أن التهمة هاهنا مجالا أيضا للفرق بأن الزكاة مبنية على الرّفق والمساهلة ، وليس فيها إضرار بمعين ، بخلاف قضاء القاضي.

وإن لم يعرف حاله فالصفات قسمان : خفية وجلية.

فالخفي : الفقر والمسكنة. فلا يطالب مدعيه ببينة لعسرها ، فلو عرف له مال وادعى هلاكه لم يقبل إلا ببينة.

__________________

(١) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاساني بيروت ، دار الكتب العلمية (٢ / ٤٥ ـ ٤٦).

(٢) عبد الكريم بن محمد القزويني ، شيخ الشافعية في زمانه ، كان له مجلس في قزوين ، وتوفي منها سنة (٦٢٣ ه‍) ، ينتهي نسبه إلى رافع بن خديج الصحابي ، انظر الأعلام للزركلي (٤ / ٥٥).

٤٦٧

وأما الجلي فضربان :

أحدهما : يتعلق الاستحقاق فيه بمعنى في المستقبل ، وذلك في الغازي وابن السبيل ، فيعطيان بقولهما بلا بينة ولا يمين ، ثم إن لم يحققا ما ادعيا ، ولم يخرجا استردّ منهما ما أخذا. وإلى متى يحتمل تأخير الخروج؟ قال السرخسي : ثلاثة أيام ، قال الرافعي : ويشبه أن يكون هذا على التقريب ، وأن يعتبر ترصده للخروج ، وكون التأخير لانتظار أو للتأهب بأهب السفر ونحوها.

الضرب الثاني : يتعلق الاستحقاق فيه بمعنى في الحال ، وهذا الضرب يشترك فيه بقية الأصناف ، فالعامل إذا ادعى العمل طولب بالبينة ، وكذلك المكاتب ، والغارم ، وأما المؤلف قلبه فإن قال : نيتي ضعيفة في الإسلام قبل قوله ، لأن كلامه يصدقه ، وإن قال : أنا شريف مطاع في قومي طولب بالبينة.

قال الرافعي : واشتهار الحال بين الناس قائم مقام البينة في كل من يطالب بها من الأصناف ، لحصول العلم أو الظن بالاستفاضة اه من «مجموع» النووي (١) بتصرف.

وقوله تعالى : (فَرِيضَةً مِنَ اللهِ) بعد قوله : (إِنَّمَا الصَّدَقاتُ) إلخ جار مجرى قوله فرض الله الصدقات لهؤلاء فريضة ، فهو زجر عن مخالفة هذا الظاهر ، وتحريم لإخراج الزكاة عن هذه الأصناف (وَاللهُ عَلِيمٌ) بأحوال الناس ومراتب استحقاقهم (حَكِيمٌ) لا يشرع إلا ما فيه الخير والصلاح للعباد.

قال الله تعالى : (وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ (٨٤))

ذكر في تفسير قوله تعالى : (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ) [التوبة : ٨٠] ما رواه البخاري (٢) وغيره عن ابن عمر حين أراد النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يصلي على عبد الله بن أبي. ونسوق الحديث بتمامه هنا لأنّ فيه ذكر السبب في نزول هذه الآية :

قال ابن عمر رضي الله عنهما : لما توفي عبد الله بن أبي بن سلول جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فسأله أن يعطيه قميصه يكفّن فيه أباه ، فأعطاه ، ثم سأله أن يصلّي عليه ، فقام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ليصلي عليه ، فقام عمر ، فأخذ بثوب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقال : يا رسول الله أتصلّي عليه ، وقد نهاك ربك أن تصلّي

__________________

(١) يحيى بن شرف الحوراني النووي ، أبو زكريا ، محيي الدين ، علامة بالفقه والحديث تعلم في دمشق ، وأقام بها زمنا طويلا له مصنفات عدّة توفي سنة (٦٧٦ ه‍) انظر الأعلام للزركلي (٨ / ١٤٩).

(٢) رواه البخاري الصحيح (٥ / ٢٤٦) ، ٦٥ ـ كتاب التفسير ، باب (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ) حديث رقم (٤٦٧٠).

٤٦٨

عليه! فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إنما خيّرني الله فقال : (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً) وسأزيده على السبعين ، قال : إنه منافق. قال : فصلّى عليه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فأنزل الله تعالى : (وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ) الآية».

وفي رواية له (١) عن ابن عباس عن عمر أنه قال : فلما أكثرت عليه صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «أخّر عني يا عمر ، لو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها» الحديث.

والظاهر أنّ عمر فهم النهي الذي أشار إليه بقوله : تصلي عليه وقد نهاك ربك من قوله تعالى : (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ) الآية ، وليس كما قال بعضهم أنه فهم النهي من قوله تعالى : (ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ) [التوبة : ١١٣] إلخ ، إذ لو كان عمر يشير إلى هذه الآية لما طابق الجواب السؤال.

وأخرج أبو يعلى وغيره عن أنس أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أراد أن يصلّي على عبد الله بن أبي ، فأخذ جبريل عليه‌السلام بثوبه فقال : (وَلا تُصَلِّ ...) الآية. فرواية أبي يعلى تدل على أنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم لم يصل على عبد الله بن أبي.

ولكنّ أكثر الروايات تدل على أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم صلّى عليه فكان في ذلك تعارض.

فبعض العلماء يقول : رواية أبي يعلى لا تعارض رواية البخاري ، فالمعوّل عليه رواية البخاري ، وبعضهم جمع بين الروايتين حسبما أمكن فقال : المراد في الصلاة في رواية عمر وابنه الصلاة اللغوية بمعنى الدعاء ، أو أنّ المراد بقوله : (فصلّى عليه) أنه دعا الناس للصلاة عليه ، وتوجّه بهم إلى مكان الميت ، فلما همّ بالصلاة عليه صلاة الجنازة أخذ جبريل بثوبه إلخ.

والمراد من الصلاة المنهي عنها صلاة الجنازة المعروفة ، وفيه دعاء للميت واستغفار واستشفاع.

و (ماتَ) ماض بالنسبة إلى سبب النزول وزمان النهي ، ولا ينافي عمومه وشموله لمن سيموت.

و (أَبَداً) ظرف متعلق بالنهي.

ومعنى (وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ) النهي عن الوقوف على قبره حين دفنه ، أو لزيارته.

ومعنى القبر على هذا مدفن الميت. وجوّز بعضهم أن يراد بالقبر : الدفن ويكون المعنى : لا تتول دفنه.

(إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ) تعليل للنهي عن الصلاة والقيام على القبر فإنّ الصلاة

__________________

(١) رواه البخاري الصحيح (٥ / ٢٤٦) ، ٦٥ ـ كتاب التفسير ، ١٢ ـ باب ، حديث رقم (٤٦٧١).

٤٦٩

على الميت والقيام على قبره احتفال بالميت ، وإكرام له واحترام ، وليس الكافر من أهل الاحترام والتعظيم.

(وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ) معناه أنّهم مع كفرهم متمردون في دينهم خارجون عن الحد فيه.

والظاهر أنّ هذه الآية لا تدل على وجوب الصلاة على موتى المسلمين ، بل غاية ما تفيده أنّ الصلاة على الميت مشروعة ، والوجوب مستفاد من الأحاديث الصحيحة ، كقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «صلوا على صاحبكم» (١) وقد نقل العلماء الإجماع على ذلك إلا ما حكي عن بعض المالكية أنّه جعلها سنة.

وقد دلت الآية على معان :

منها حظر الصلاة على موتى الكفار ، وحظر الوقوف على قبورهم حين دفنهم ، وكذلك تولي دفنهم ، وألحق بعض العلماء بذلك تشييع جنائزهم.

ومنها مشروعية الوقوف على قبر المسلم إلى أن يدفن ، وأن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يفعله (٢). وقد قام على قبر حتى دفن الميت ، وكان ابن الزبير إذا مات له ميت لم يزل قائما على قبره حتى يدفن. وفي «صحيح مسلم» (٣) أنّ عمرو بن العاص رضي الله عنه قال عند موته : إذا دفنتموني فسنوا علي التراب سنا ، ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر الجزور ، ويقسّم لحمها حتى أستأنس بكم ، وانظر ماذا أراجع به رسل ربي.

قال الجصاص : من الناس من جعل قوله تعالى : (وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ) قيام الصلاة. قال : وهذا خطأ من التأويل ، لأنه تعالى قال : (وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ) فنهى عن القيام على القبر كنهيه عن الصلاة على الميت ، فغير جائز أن يكون المعطوف هو المعطوف عليه بعينه اه.

قال الله تعالى : (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣))

(وَتُزَكِّيهِمْ) : تنمي حسناتهم وأموالهم.

(وَصَلِّ عَلَيْهِمْ) : ادع لهم ، واستغفر لهم.

(سَكَنٌ) من معاني السكن والسكون ، وما تسكن النفس إليه وتطمئن من الأهل والمال والوطن. وكلّ من هذين المعنيين يصحّ أن يكون مرادا.

__________________

(١) رواه مسلم في الصحيح (٣ / ١٢٣٧) ، ٢٣ ـ كتاب الفرائض حديث رقم (١٤ / ١٦١٩).

(٢) رواه أبو داود في السنن (٣ / ١٦٦) ، ٢٣ ـ كتاب الجنائز ، باب الاستغفار حديث رقم (٣٢٢١).

(٣) رواه مسلم الصحيح كتاب الإيمان حديث رقم (١٢١).

٤٧٠

سبب النزول :

روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن هؤلاء الذين اعترفوا بذنوبهم لمّا تاب الله عليهم جاؤوا بأموالهم فقالوا : يا رسول الله! هذه أموالنا التي كانت سببا في تخلفنا ، فتصدق بها عنا ، واستغفر لنا.

فقال عليه الصلاة والسلام : «ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا» فنزلت هذه الآية ، فأخذ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم من أموالهم الثلث.

قال الحسن : وكان ذلك كفارة الذنب الذي حصل منهم.

وقد راع كثير من المفسرين سبب النزول ، فجعل الضمير في قوله تعالى : (خُذْ) خاصا بهذه الحادثة ، وتكون الصدقة المأخوذة منهم صدقة تطوع معتبرة في كمال توبتهم ، وجارية في حقهم مجرى الكفارة ، وليس المراد بها الزكاة المفروضة ، لأنها كانت واجبة من قبل.

وعن الجبائي أن المراد بها الزكاة ، وأمر صلى‌الله‌عليه‌وسلم بأخذها هنا دفعا لتوهم إلحاقهم ببعض المنافقين ، فإنها لم تكن تقبل منهم ، كما يشير إليه قوله تعالى : (قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ) [التوبة : ٥٣].

ومن الناس من لم يجعل سبب النزول حكما على الآية حيث قال : إنّ الضمير في قوله تعالى : (مِنْ أَمْوالِهِمْ) راجع إلى أرباب الأموال من المؤمنين مطلقا ، ويدخل فيهم الذين اعترفوا بذنوبهم ، وقد عرف مرجع الضمير بدلالة الحال عليه ، كقوله تعالى : (إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)) [القدر : ١] وقوله جل شأنه : (ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ) [فاطر : ٤٥] وقوله عزّ اسمه : (حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ) [ص : ٣٢] وعلى هذا الرأي أكثر الفقهاء ، إذا استدلوا بهذه الآية. على إيجاب الزكاة. قال الجصاص : وهو الصحيح ، إذ لم يثبت أن هؤلاء القوم ـ يعني المعترفين ـ أوجب الله عليهم صدقة دون سائر الناس سوى زكاة الأموال ، وإذا لم يثبت بذلك خبر فالظاهر أنهم وسائر الناس سواء في الأحكام والعبادات ، وأنهم غير مخصوصين بها دون غيرهم من الناس ، وإذا كان مقتضى الآية وجوب هذه الصدقة على سائر الناس كانت الصدقة هي الزكاة المفروضة ، إذ ليس في أموال الناس حقّ واجب يقال له صدقة سوى الزكاة المفروضة.

وليس في قوله تعالى : (تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها) دلالة على أنها صدقة مكفرة للذنوب غير الزكاة المفروضة ، لأنّ الزكاة المفروضة أيضا تطهّر وتزكي مؤدّيها. وسائر الناس من المكلفين محتاجون إلى ما يطهّرهم ويزكيهم.

وقوله تعالى : (مِنْ أَمْوالِهِمْ) عام في أصناف الأموال ، فيقتضي ظاهره أن يؤخذ من كل صنف بعضه ، وحكى الجصاص عن شيخه أبي الحسن الكرخي أنه كان يقول :

٤٧١

متى أخذ من صنف واحد فقد قضى عهده الآية ، وكذلك يقتضي ظاهر اللفظ ، أنه لا يجزئ أخذ القيمة.

والمقدار المأخوذ مجمل هنا ، قد وكل الله بيانه إلى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وأكثر الآيات التي ذكر الله فيها إيجاب الزكاة ذكرت في مواضع من كتابه بلفظ مجمل مفتقر إلى البيان في المأخوذ والمأخوذ منه ، ومقادير النّصب ، ووقت الاستحقاق ، فكان البيان فيها موكولا إلى بيان السنة ، وبعض الآيات نصّ الله فيها على الصنف الذي تجب فيه الزكاة ، فيما نصّ الله تعالى عليه من أصناف الأموال التي تجب فيها الزكاة الذهب والفضة بقوله : (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ) [التوبة : ٣٤] ومما نص عليه زكاة الزرع والثمار في قوله جل شأنه : (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ) إلى قوله : (كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ) [الأنعام : ١٤١] وبينت السنة سائر الأموال التي تجب فيها الزكاة : مثل عروض التجارة والإبل والبقر والغنم السائمة على إختلاف الفقهاء في بعض ذلك.

وظاهر قوله تعالى : (وَصَلِّ عَلَيْهِمْ) أنّه يجب على الإمام أو نائبه إذا أخذ الزكاة أن يدعو للمتصدق ، وبهذا أخذ داود وأهل الظاهر. وأما سائر الأئمة فقد حملوا الأمر هنا على الندب والاستحباب ، قالوا : وإن ترك الدعاء جاز ، لأنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال لمعاذ : «أعلمهم أنّ عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم ، وتردّ في فقرائهم» (١) ولم يأمره بالدعاء لهم ، ولأنّ الفقهاء جميعا متفقون فيما لو دفع المالك الزكاة إلى الفقراء أنّه لا يلزمهم الدعاء ، فيحمل الأمر على الاستحباب قياسا على أخذ الفقراء.

وأما صيغة الدعاء فلم يرد فيها تعيين إلا ما رواه الستة (٢) غير الترمذي من قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «اللهم صلّ على آل أبي أوفى» ومن هنا قال الحنابلة وداود وأهل الظاهر : لا مانع أن يقول آخذ الزكاة اللهم صل على آل فلان ، وقال باقي الأئمة : لا يجوز أن يقال : اللهم صل على آل فلان ، وإن ورد في الحديث ، لأنّ الصلاة صارت مخصوصة في لسان السلف بالأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ، كما أنّ

__________________

(١) سبق تخريجه.

(٢) رواه مسلم في الصحيح (٢ / ٧٥٦) ، كتاب الزكاة ، ٥٤ ـ باب الدعاء ، حديث رقم (١٧٦ / ١٠٧٨) ، والبخاري في الصحيح (٢ / ١٥٦) ، ٢٤ ـ كتاب الزكاة ، ٦٤ ـ باب صلاة الإمام حديث رقم (١٤٩٧).

٤٧٢

قولنا : «عزوجل» مخصوص بالله تعالى ، وكما لا يقال : محمد عزوجل ، وإن كان عزيزا جليلا ، ولا يقال : أبو بكر صلى‌الله‌عليه‌وسلم أو علي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وإن صح المعنى.

قالوا : وإنما أحدث الصلاة على غير الأنبياء مبتدعو الرافضة في بعض الأئمة ، والتشبه بأهل البدع منهيّ عنه.

ولا خلاف أنه يجوز أن يجعل غير الأنبياء تبعا لهم ، فيقال : اللهم صل على محمد وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته وأتباعه ، لأنّ السلف استعملوه ، وأمرنا به في التشهد ولأن الصلاة على التابع تعظيم للمتبوع. قالوا : والسلام في حكم الصلاة ، لأنّ الله تعالى قرن بينهما ، فلا يفرد به غائب غير الأنبياء.

وأما استحبابه في مخاطبة الأحياء تحية لهم ، وفي تحية الأموات ، فهو أمر معروف وردت به السنة الصحيحة.

هذا وقد قال الشافعي : وبأي لفظ دعا جاز ، وأحبّ أن يقول : آجرك الله فيما أعطيت ، وجعله لك طهورا ، وبارك لك فيما أبقيت.

واحتج مانعو الزكاة في زمان أبي بكر رضي الله عنه بهذه الآية ، فقالوا : إنه تعالى أمر رسوله بأخذ الصدقات ، ثم أمره بأن يصلّي عليهم ، وذكر أن صلاته سكن لهم ، فكان وجوب الزكاة مشروطا بحصول ذلك السكن ، ومعلوم أنّ غير الرسول لا يقوم مقامه في حصول ذلك السكن ، فلا يجب دفع الزكاة إلى أحد غير الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

وهذه شبهة ضعيفة ، فإنّه لو سلم لهم أنّ هذه الآية وردت في وجوب الزكاة المفروضة ، فإنّ نائب الرسول ـ وهو الإمام العادل ـ قائم مقام الرسول في كل ما يتعلق بأحكام الدين ، إلا ما قام الدليل على اختصاص الرسول به ، وليس تخصيص الرسول بالخطاب دليلا على اختصاص الحكم به ، فإنّ معظم الأحكام الشرعية وردت خطابا للرسول عليه الصلاة والسلام : وإن سائر الآيات دلت على أنّ الزكاة إنما وجبت دفعا لحاجة الفقير ، وإعانة على أبواب من البر في مصلحة الأمة ، فنظام الزكاة من النظم الجليلة التي تحقق مصلحة عامة لمجموع الأمة ، فهي باقية ما بقيت الأمة.

(وَاللهُ سَمِيعٌ) يسمع الاعتراف بالذنب (عَلِيمٌ) بما في الضمائر من الندم. أو أنه سميع يجيب دعاءك لهم ، عليم بما تقتضيه الحكمة في مصالح الناس.

قال الله تعالى : (وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ

٤٧٣

طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢))

(فَلَوْ لا) للتحضيض ، وهي داخلة هنا على الماضي ، فتفيد التوبيخ والتنديد على ترك الفعل فيما مضى ، والأمر به في المستقبل.

والفرقة والطائفة بمعنى ، لكنّ سياق الكلام هنا ، و (مِنْ) التبعيضية ، يقتضيان أنّ المراد بالفرقة هنا الجماعة الكثيرة ، وأن الطائفة جماعة أقل من الفرقة المرادة هنا.

وعن السلف في سبب نزول هذه الآية روايتان :

فروى الكلبي (١) عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الله تعالى لما شدّد على المتخلفين قالوا : لا يتخلف منا أحد عن جيش أو سرية أبدا ، ففعلوا ذلك ، وبقي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وحده ، ونزل قوله تعالى : (وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا) الآية.

وأخرج ابن جرير (٢) وابن المنذر عن مجاهد أنه قال : إنّ ناسا من أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم خرجوا في البوادي ، فأصابوا من الناس معروفا ، ومن الخصب ما ينتفعون به ، ودعوا من وجدوا من الناس إلى الهدى ، فقال لهم الناس : ما نراكم إلا قد تركتم أصحابكم وجئتمونا ، فوجدوا في أنفسهم من ذلك تحرّجا ، وأقبلوا من البادية كلهم حتى دخلوا على النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فنزلت هذه الآية : (وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا) إلخ.

هاتان روايتان مختلفتان في سبب النزول ، فرواية ابن عباس تجعل النفر المنهي عنه هو نفر المؤمنين جميعا للجهاد. نهوا عن ذلك لما يترتب عليه من الإخلال بالتعلم ، فكما أنّ الجهاد فرض في الدين ، كذلك تلقي العلم عن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأخذ الأحكام المتجددة عنه فرض من فروض الدين ، فلا ينبغي أن يكون في إقامة أحد الفرضين ، إخلال بالآخر ومن الميسور أن نجمع بين الفرضين ونؤدّي كلّا من الواجبين ، وطريق ذلك أن تنفر للجهاد طائفة من كل فرقة ، وتبقى طائفة أخرى تتفقه في الدين ، وتسمع من الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، حتى إذا رجع إليهم إخوانهم من الغزو ، علموهم ما تلقوه من أحكام الدين. وعلى هذا المعنى : لا يكون قوله تعالى : (لِيَتَفَقَّهُوا) متعلقا بنفر ، لأن النفر للجهاد ليس علة في التفقه.

وإنما هو متعلق بفعل مفهوم من الكلام ، إذ المعنى لتنفر من كل فرقة طائفة

__________________

(١) محمد بن السائب بن بشر بن عمرو بن الحارث الكلبي ، أبو النضر ، نسبابة ، عالم بالتفسير والأخبار وأيام العرب ، ولد في الكوفة وتوفي فيها ، انظر الأعلام للزركلي (٦ / ١٣٣).

(٢) في تفسيره جامع البيان ، المشهور بتفسير الطبري (١١ / ٤٨).

٤٧٤

وتبقى طائفة ليتفقهوا في الدين ، فضمير يتفقهوا وينذروا يعود إلى الطائفة الباقية.

ورواية مجاهد تجعل النفر المنهي عنه هو خروجهم جميعا لطلب العلم والتفقه في الدين ، نهوا عن ذلك لما فيه من الإخلال بتعاطي أسباب الكسب والابتغاء من فضل الله وخيره بالتجارة والزراعة ووسائل الكسب ، فكما أنّ طلب العلم ومعرفة الحلال والحرام من فرائض الدين ، كذلك ابتغاء فضل الله بهذه الوسائل من فرائض الدين ، فلا ينبغي أن تكون إحدى العبادتين سببا في الإخلال بالأخرى ، والجمع بينهما ميسور بأن تنفر من كل فرقة طائفة لتتفقه في الدين ، وتعلّم قومها إذا رجعت إليهم ، وهذا المعنى هو مقتضى ظاهر الآية ، واتساقها ، فإنّ النفر على هذا المعنى يكون علة للتفقه في الدين ، والطائفة النافرة هي التي تتفقه في الدين ، وهي التي تنذر قومها إذا رجعت إليهم. لكن يعكر على هذا المعنى أنّ الآية تكون منقطعة عما قبلها ، فإنّ ما قبلها وارد في شأن الجهاد والغزو في سبيل الله ، ونصرة دينه ، إلا أن يقال : إنه سبحانه وتعالى لما بيّن وجوب الهجرة والجهاد ، وكل منهما سفر لعبادة ، ناسب ذلك أن يذكر السفر الآخر وهو الهجرة لطلب العلم والتفقه في الدين ، والآية على كلا الرأيين تدلّ على أن التفقه في الدين من فروض الكفاية.

وما روي عن أنس بن مالك أنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «طلب العلم فريضة على كل مسلم»

فعلى تسليم صحته يكون محمولا على ما يتوقف عليه أداء الفرائض ، فمن لا يعرف حدود الصلاة ومواقيتها فحتم عليه أن يتعلمها ، وكذلك الزكاة والصوم والحج وسائر الفروض.

أما ما سوى ذلك من الأحكام الدينية التي لا تتوقف عليها صحة عبادته فتعلمها فرض على الكفاية ، إذا قام به بعض المسلمين سقط عن الباقين.

وتدلّ الآية أيضا على أنّ خبر الواحد حجة ، لأنّ الطائفة مأمورة بالإنذار ، والإنذار يقتضي فعل المأمور به ، وإلا لم يكن إنذارا ، ولأنّه سبحانه أمر القوم بالحذر عند الإنذار ، لأن معنى قوله تعالى : (لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) ليحذروا.

وليس الاستدلال بالآية على حجية خبر الواحد متوفقا على أنّ الطائفة تصدق على الواحد الذي هو مبدأ الأعداد ، بل يكفي في ذلك صدقها على ما لم يبلغ حدّ التواتر.

وقوله تعالى : (مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ) عام يقتضي أن ينفر من كل جماعة تفردوا بقرية ـ قلوا أو كثروا ـ طائفة.

٤٧٥

وكان الظاهر أن يقال بدل (وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) ليعلّموا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يفقهون ، لكنه اختير ما في النظم الجليل للإشارة إلى أنّه ينبغي أن يكون غرض المعلّم الإرشاد والإنذار ، وغرض المتعلم اكتساب الخشية لا التبسط والاستكبار.

قال حجة الإسلام الغزالي (١) رحمه‌الله : كان اسم الفقه في العصر الأول اسما لعلم الآخرة ، ومعرفة دقائق آفات النفوس ومفسدات الأعمال ، وقوة الإحاطة بحقارة الدنيا ، وشدة التطلع إلى نعيم الآخرة ، واستيلاء الخوف على القلب ، ويدل عليه هذه الآية ، فما به الإنذار والتخويف هو الفقه ، دون تعريفات الطلاق واللعان والسلم والإجارات.

وسأل فرقد السبخي الحسن عن شيء فأجابه فقال : إن الفقهاء يخالفونك ، فقال الحسن : ثكلتك أمك! هل رأيت فقيها بعينك ، إنما الفقيه الزاهد في الدنيا ، الراغب في الآخرة ، البصير بدينه ، المداوم على عبادة ربه ، الورع الكافّ عن أعراض المسلمين ، العفيف عن أموالهم ، الناصح لجماعتهم ، ولم يقل في جميع ذلك الحافظ لفروع الفتاوى ا ه.

قال الله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣))

الغلظة : الشدة في القتال والعنف في القتل والأسر ونحو ذلك.

وروي عن الحسن أنّ هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) [التوبة : ٥].

والمحققون على أنه لا نسخ إذ لا تعارض بين هذه الآية والآيات التي زعمها الحسن ناسخة. فقوله تعالى : (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) ورد في الأمر بقتال المشركين جميعا في أي مكان كانوا. والآية التي معنا للإرشاد ، ورسم الخطة المثلى في قتل الكفار ، إذ من المعلوم أنه لا يمكن قتال جميع الكفار ، وغزو جميع البلاد في وقت واحد ، فكان أحسن الخطط في قتالهم البدء بقتال الأقرب فالأقرب ، حتى يصلوا إلى الأبعد فالأبعد ، وبذلك يحصل الغرض من قتال المشركين كافّة.

__________________

(١) محمد بن محمد بن محمد الغزالي ، أبو حامد ، حجة الإسلام ، فيلسوف متصوف رحل إلى نيسابور ثم بغداد ثم الحجاز فمصر وعاد إلى بلدته له مؤلفات عديدة ، انظر الأعلام للزركلي (٧ / ٢٢).

٤٧٦

وقوله تعالى : (وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً) ليس المقصود به أمر الكفار بأن يجدوا في المؤمنين غلظة ، بل المراد أمر المؤمنين بالاتصاف بالغلظة على الكفار ، حتى يجدهم الكفار متصفين بذلك.

(وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) بالعصمة والنصر.

وإذا كان المراد بالمتقين المخاطبين ؛ كان التعبير بالمظهر بدل الضمير للتنصيص على أنّ الإيمان والقتال على الوجه المذكور من باب التقوى ، والشهادة بكونهم من زمرة المتقين.

وإذا كان المراد بالمتقين الجنس كان المخاطبون داخلين فيه دخولا أوليا ، والكلام تعليل وتوكيد لما قبله ، أي قاتلوهم ، وأغلظوا عليهم ، ولا تخافوهم ، لأنّ الله معكم ، أو لأنّكم متقون ، والله مع المتقين.

٤٧٧

من سورة النحل

قال الله تعالى : (وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧))

ويجوز أن يكون متعلقا بقوله تعالى : (تَتَّخِذُونَ) ، والسكر في الأصل مصدر سكر يضم ويفتح كالرشد والرشد ، وقد اختلف السلف في تأويل السكر والرزق الحسن ، فروي عن الحسن وسعيد بن جبير السكر : ما حرم منه ، والرزق الحسن ما حل منه.

وروي عن جماعة منهم النخعي والشعبي أن السكر خمر ، وعن ابن شبرمة أنه خمر إلا أنه من التمر. وقد فهم هؤلاء من الامتنان باتخاذه حلّه في الأصل ، ثم قالوا : هو منسوخ بتحريم الخمر.

وروي عن ابن عباس نحو قول الأولين الذين قالوا : السكر المحرم ، والرزق الحسن الحلال.

وروي عنه أيضا أنّ السّكر النبيذ ، والرزق الحسن الزبيب ، وقد يتعلق الحنفية في الاستدلال لأبي حنيفة بهذه الآية في تحليل قليل المسكر من غير الخمر ، ويقولون : إنّ الله امتن على عباده باتخاذ السّكر من ثمرات النخيل والأعناب ، ولا يقع الامتنان إلا بمحلّل ، فيكون ذلك دليلا على جواز شرب ما دون المسكر من النبيذ ، فإذا وصل إلى السكر لم يجز.

ويعضّدون هذا من السنة بما روي عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «حرّم الله الخمر بعينها : القليل منها والكثير. والسّكر من كل شراب» (١) ، وأنت تعلم أن الاستدلال بالامتنان في الآية لا ينهض ، فإنه إن كانت الآية قبل تحريم الخمر فهي تدل على أنها غير مرغوب فيها ، إذ قد جعل الله السكر غير الرزق الحسن ، وذلك كاف في تقبيحها.

وقد روي أنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال عند نزول هذه الآية : «إنّ ربكم ليقدم في تحريم الخمر» (٢) ، على أنّ الآية قد جمع فيها بين اتخاذ السكر والرزق الحسن من ثمرات

__________________

(١) رواه النسائي في السنن (٧ ـ ٨ / ٧٢٩) ، كتاب الأشربة حديث رقم (٥٧١٤ ـ ٥٧١٧). (بلفظ مختلف).

(٢) رواه السيوطي في الدر المنثور في التفسير بالمأثور (٢ / ٣١٨).

٤٧٨

النخيل والأعناب ، فيجوز أن يكون ذلك جمعا بين العتاب في اتخاذ السكر ، والامتنان بالرزق الحسن ، ويكون المعنى : أتتخذون منه سكرا ورزقا حسنا.

وإن كانت بعد التحريم ففي مقابلة السكر بالرزق الحسن ما يرده إلى المحرم ، ويكون ذلك تقريعا شديدا لمن يقدم عليه.

والحاصل أنّا نرى أن الآية ليس فيها ما يشهد بالحل ، إذ الكلام في الامتنان بخلق الأشياء لمنافع الإنسان ، ولم تنحصر المنافع في حل التناول ، فقد قال الله في شأن الخمر : (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ) [البقرة : ٢١٩] فهل انحصرت منافع السكر على فرض أنه النبيذ في الشرب؟

(إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) ستعملون عقولهم بالنظر والتأمل ، فيعلمون أن ربهم بهم رؤوف رحيم ، وأنه يجب أن يخصّ بالعبادة وحده.

قال الله تعالى : (فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٩٨)) ظاهر الآية جعل الاستعاذة عقب القراءة ، وبه قال بعض الظاهرية. والجمهور على أن ذلك على حد قوله : (إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ) [المائدة : ٦] وقوله : (وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا) [الأنعام : ١٥٢] وقوله : (وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ) [الأحزاب : ٥٣] وقوله : (إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً) [المجادلة : ١٢] الذي تطلب من أجله الاستعاذة ـ وهو دفع وسوسة الشيطان ـ يقتضي تحصيل الاستعاذة قبل القراءة ، وهذا المعنى يشير إلى قوله تعالى : (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ) [الحج : ٥٢].

وكيفية الاستعاذة عند جمهور القراء أن يقول : «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» وقد تضافرت الروايات عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بهذه الصيغة (١) ، وهناك صيغ أخرى وردت : كأعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم (٢) ، والأمر بها للندب عند الجمهور ، وعن الثوري أنها واجبة ، وظاهر الآية يؤيده ، إذ الأمر للوجوب. والجمهور يقولون : إنه صرفها عن الوجوب ما ورد أنّه صلى‌الله‌عليه‌وسلم لم يعلمها الأعرابي (٣) وأيضا فقد روي أنه كان يتركها.

ثم هل هي مندوبة في أول الصلاة فقط أو في كل ركعة ، خلاف بين الفقهاء يعرف في الفقه ، ومبناه على أنّ الاستعاذة قد رتبت على شرط ، فتتكرر بتكرره. ثم

__________________

(١) رواه السيوطي في الدر المنثور في التفسير بالمأثور (٤ / ١٣٠).

(٢) رواه أبو داود في السنن (١ / ٢٩٨) ، كتاب الصلاة ، باب من لم ير الجهر ببسم الله حديث رقم (٧٨٥).

(٣) انظر ما رواه مسلم في الصحيح (١ / ٢٩٨) ، ٤ ـ كتاب الصلاة ، ١١ ـ باب وجوب قراءة الفاتحة حديث رقم (٤٥ / ٣٩٧).

٤٧٩

بعد ذلك هل الصلاة عمل واحد فيكتفى بالاستعاذة في أولها ، فمن راعى أنها عمل واحد مفتتح بقراءة يقول : إنها طلبت في بدء القراءة ، وقد قالها ، فلا يكررها ، لأنّه لم يفرغ من العمل الذي بدأه بها. والآخرون يرون أنها قد رتّبت على القراءة ، وكل ركعة فيها فيبدأ قراءته في كل ركعة بالاستعاذة.

قال الله تعالى : (مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠٦))

في قوله تعالى : (مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ) وجوه من الإعراب ، أحسنها أنّ (من) مبتدأ محذوف الخبر ، يدل عليه قوله بعد ذلك (فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ) والتقدير : من كفر بالله من بعد إيمانه فعليه غضب إلا من أكره إلخ.

والحذف في مثل ذلك كثير ، وجوز الرفع على القطع ، والنصب على إضمار فعل الذم ، واستبعد أبو حيان النصب على الذم.

وجوز بعضهم كون (من) بدلا من الذين لا يؤمنون بآيات الله ، ورد بأن المبدل منه مطروح من الكلام ، وهو حينئذ يقتضي أن لا يفتري الكذب إلا من كفر بعد إيمانه ، وأيضا هذا يتنافى مع سياق الآية الأولى ، لأنها سيقت للرد على كفار قريش ، وهم كفار أصليون.

وجوز بعضهم غير ذلك ، وأما قوله : (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ) فهو استثناء متصل من (من) ، لأنّ الكفر أعمّ من أن يكون اعتقادا فقط ، أو قولا فقط ، أو اعتقادا وقولا ، ومن نطق بكلمة الكفر كافر ، واطمئنان قلبه بالإيمان أمر مبطن لا اطلاع لأحد عليه ، ولذلك صح الاستثناء ظاهرا.

(وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ) أصل الاطمئنان سكون بعد انزعاج ، والمراد هنا السكون والثبات على الإيمان بعد الانزعاج الحاصل بالإكراه ، وقد يستدلّ بالآية على أن الإيمان هو التصديق بالقلب ، حيث اكتفي بوجود الاعتقاد ، وهو استدلال واه ، إذ إنّ من يقول : إن القول ركن الإيمان لا يعني أنه لا يسقط للضرورة ترخيصا.

(وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً) أنس به ، واطمأن إليه ، واعتقده ، وطابت به نفسه ، وانفسح له صدره ، و (من) شرطية ، وجوابها (فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ) ، والتنوين للتهويل (وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ) يتناسب مع عظيم جرمهم.

وقد روي في أسباب نزول هذه الآية أنّ عمار بن ياسر وقوما كانوا أسلموا ، ففتنهم المشركون ، فثبت على الإسلام بعضهم ، وافتتن بعضهم. وقد روي أنّ عمارا أخذه بنو المغيرة ، فغطوه في بئر ميمون ، وقالوا : اكفر بمحمد ، فتابعهم على ذلك وهو كاره ، فشكا إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقال له : «كيف تجد قلبك؟» قال : مطمئنا

٤٨٠