تفسير آيات الأحكام

المؤلف:

الشيخ محمّد علي السايس


المحقق: ناجي إبراهيم سويدان
الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: المكتبة العصريّة
الطبعة: ١
ISBN: 9953-435-84-7
الصفحات: ٨٣١

ولنذكر أقوال الفقهاء في كيفية صلاة الخوف مع ما يوافق كلّ قول منها من الروايات التي رويت عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فيها بحسب الاستطاعة فنقول :

١ ـ ذهب أبو حنيفة ومحمد رحمهما‌الله إلى أن كيفية صلاة الخوف أن يقسم الإمام القوم طائفتين ، تقوم طائفة مع الإمام ، وطائفة إزاء العدو ، فيصلّي بهم ركعة وسجدتين ، ثم ينصرفون إلى مقام أصحابهم ، ثم تأتي الطائفة الأخرى التي بإزاء العدو ، فيصلّي بهم الإمام ركعة وسجدتين ، ويسلّم هو ، وينصرفون إلى أصحابهم ، ثم تأتي الطائفة التي بإزاء العدو ، وتقضي ركعة بغير قراءة وتتشهد ، وتسلم ، وتذهب إلى وجه العدو ، وتأتي الطائفة الأخرى فيقضون ركعة بقراءة.

فقد جاء في السنة ما يدل على أن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم صلاها على هذا الوجه. روى الزهري عن سالم عن أبيه أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم صلّى بإحدى الطائفتين ركعة : والطائفة الأخرى مواجهة للعدو ، ثم انصرفوا ، وقاموا في مقام أولئك. وجاء أولئك ، فصلّى بهم ركعة أخرى ، ثم سلّم ، ثم قام هؤلاء فقضوا ركعتهم ، وهؤلاء فقضوا ركعتهم (١). وروي مثله عن نافع وابن عمر وابن عباس.

٢ ـ وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى : إذا كان العدو بينهم وبين القبلة جعل الناس طائفتين ، فيكبر ويكبرون جميعا ، ويركع ويركعون جميعا معه ، ويسجد الإمام والصف الأول ، ويقوم الصف الآخر في وجه العدو ، فإذا قاموا من السجود سجد الصف الآخر ، فإذا فرغوا من سجودهم قاموا وتقدم الصف المؤخر ، وتأخر الصف المقدم ، فيصلّي بهم الإمام الركعة الأخرى كذلك.

وإذا كان العدو في دبر القبلة قام الإمام ومعه صفّ مستقبل القبلة ، والصف الآخر يستقبل العدوّ ، فيكبر ويكبرون جميعا ، ويركع ويركعون جميعا ، ثم يسجد الصف الذي مع الإمام سجدتين ، ثم ينقلبون فيكونون مستقبلي العدو ، ثم يجيء الآخرون ، فيسجدون ، ويصلّي بهم الإمام الركعة الثانية ، فيركعون جميعا ، ويسجد الصف الذي معه ، ثم ينقلبون إلى وجه العدو ، ويجيء الآخرون ، فيسجدون معه ، ويفرغون ، ثم يسلم الإمام وهم جميعا.

وعن أبي يوسف رحمه‌الله روايتان غير التي ذكرناها في مفتتح الكلام إحداهما يوافق فيها أبا حنيفة ، والأخرى يوافق فيها ابن أبي ليلى إذا كان العدو في القبلة ، ويوافق فيها أبا حنيفة إذا كان العدو دبر القبلة.

__________________

(١) رواه البخاري في الصحيح (٥ / ٦٤) ، ٦٤ ـ كتاب المغازي ، ٣٢ ـ باب غزوة ذات الرقاع حديث رقم (٤١٣٣) ، ومسلم في الصحيح (١ / ٥٧٤) ، ٦ ـ كتاب صلاة المسافرين ٥٧ ـ باب صلاة الخوف حديث رقم (٣٠٥ / ٨٣٩).

٣٢١

وقد روي في السنة ما يوافق قول ابن أبي ليلى. روى عكرمة عن ابن عباس قال : خرج رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم في غزاة فلقي المشركين بعسفان ، فلما صلّى الظهر فرأوه يركع ويسجد هو وأصحابه ، قال بعضهم لبعض يومئذ : كان فرصة لكم ، لو أغرتم عليه ما علموا بكم حتى تواقعوهم ، قال قائل منهم : فإنّ لهم صلاة أخرى أحبّ إليهم من أهلهم وأموالهم ، فاستعدوا حتى تغيروا عليهم فيها ، فأنزل الله عزوجل : (وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ) الآية ، وأعلمه ما ائتمر به المشركون. فلما صلّى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم العصر ، وكانوا قبالته في القبلة ، فجعل المسلمين خلفه صفين ، فكبر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فكبروا جميعا ، ثم ركع وركعوا معه جميعا ، فلما سجد سجد معه الصف الذين يلونه ، وقام الصف الذين خلفهم مقبلين على العدو ، فلما فرغ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم من سجوده ، وقام ، سجد الصف الثاني ، ثم قاموا وتأخر الذين يلون رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وتقدم الآخرون ، فكانوا يلون رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فلما ركع ركعوا معه جميعا ، ثم رفع فرفعوا معه ، ثم سجد فسجد معه الذين يلونه ، وقام الصف الثاني مقبلين على العدو ، فلما فرغ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم من سجوده ، وقعد الذين يلونه ، سجد الصف المؤخّر ، ثم قعدوا فتشهدوا مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم جميعا فلما سلّم سلّم عليهم جميعا ، فلما نظر إليهم المشركون يسجد بعضهم ويقوم بعض ينظر إليهم قالوا : قد أخبروا بما أردنا.

٣ ـ وقال مالك رضي الله عنه : يتقدم الإمام بطائفة ، وطائفة بإزاء العدوّ ، فيصلّي بالتي معه ركعة وسجدتين ، ويقوم قائما ، وتتمّ الطائفة التي معه لأنفسها ركعة أخرى ، ثم يتشهدون ، ويسلّمون ، ثم يذهبون إلى مكان الطائفة التي لم تصلّ ، فيقومون مكانهم ، وتأتي الطائفة الأخرى ، فيصلّي بهم ركعة وسجدتين ، ثم يتشهدون ، ويسلّم ، ويقومون ، فيتمّون لأنفسهم الركعة التي بقيت.

٤ ـ وقال الشافعي رضي الله عنه مثل قول مالك إلا أنه قال : لا يسلّم الإمام حتى تتمّ الطائفة الثانية لأنفسها ، ثم يسلّم معهم ، قال ابن القاسم : وكان مالك يقول بهذا لحديث رومان ، ثم رجع عنه إلى حديث القاسم ، وفيه أنّ الإمام يسلّم ، ثم تقوم الطائفة الثانية فيقضون.

أما حديث رومان الذي أشرنا إليه فهو ما روى يزيد عن رومان عن صالح بن خوّات مرسلا عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم (١) ، وذكر فيه أنّ الطائفة الأولى صلت الركعة الثانية قبل أن يصليها النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

__________________

(١) رواه البخاري في الصحيح (٥ / ٦٢) ، ٦٤ ـ كتاب المغازي ، ٣٢ ـ باب غزوة ذات الرقاع حديث رقم (٤١٢٩) ، ومسلم في الصحيح (١ / ٥٧٥) ، ٦ ـ كتاب صلاة المسافرين ، ٥٧ ـ باب صلاة الخوف حديث رقم (٣١٠ / ٨٤٢).

٣٢٢

وأما حديث القاسم فهو ما روى ابنه عنه عن صالح بن خوّات عن سهل بن أبي حثمة أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم صلّى بهم صلاة الخوف فصفّ صفّا خلفه ، وصف مصافّ العدو ، فصلّى بهم ركعة ، ثم ذهب هؤلاء ، وجاء أولئك فصلّى بهم ركعة ، ثم قاموا فقضوا ركعة ركعة ، وقد كان ذلك في غزوة ذات الرقاع.

وقد رويت روايات أخرى بغير هذه الأوضاع لا نطيل بذكرها. فأنت ترى الروايات عن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم مختلفة ، ولعلّ السبب في الاختلاف ما أشرنا إليه سابقا. والآية التي نحن بصددها يمكن إرجاعها إلى هذه الروايات على تفاوت بينها ، وسترى شيئا من ذلك.

(وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ) أي إذا كنت أيها النبيّ مع المؤمنين في غزواتهم وخوفهم ، فأقمت لهم الصلاة ، فاجعلهم طائفتين ، تقوم طائفة منهم معك في الصلاة ، وظاهر هذا يخالف مذهب ابن أبي ليلى ، لأنّ نص الآية مشعر بأنّ قيام طائفة منهم معه يكون حال قيامه هو في الصلاة ، بأن تفتتح الصلاة بعد افتتاحه ، ومن مقتضى قوله : (فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ) أنّ الطائفة الأخرى لا تقوم معه ، وابن أبي ليلى يقول : يكبرون جميعا ، ويركعون جميعا ، ثم تنفرد طائفة منهم بالسجود معه.

(وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ) فاعل الأخذ إما المصلون ، وإما غيرهم ، فإن كان ضمير الفاعل للمصلين فإنّ المراد من السلاح المأخوذ حينئذ ما لا يشغلهم عن الصلاة كالسيف والخنجر ، والأمر بأخذ ذلك حينئذ للاحتياط ودفع الطوارئ ، وأما إن كان ضمير الفاعل لغير المصلين ، فالأمر بالأخذ لأنهم الذين يكونون في قبالة العدو.

(فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ) أي إذا سجد المصلون مع الإمام فليكن غير المصلين من ورائهم ، يدفعون عنهم العدوّ إذا أراد الإيقاع بهم ، وربما تعلّق بهذا ابن أبي ليلى حيث ترتّب الأمر بالكون من ورائهم على السجود ، فدلّ ذلك على أنه قبل السجود لا يطلب منهم أن يكونوا من ورائهم ، وما ذلك إلا لأنهم مشتركون معهم في الصلاة ، ولكننا نقول : إن ذلك غير لازم ، إذ كثيرا ما تسمّى الصلاة سجودا ، أو نقول : خصّ الأمر بالكون من ورائهم بحال السجود تنبيها على وجوب اليقظة والاحتراس في هذه الحال ، لأنّها التي يظنّ العدوّ فيها انشغالهم بالصلاة ، وربما كانت مباغتة لهم فيها.

(وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ) هذا ظاهر أيضا في أنّ الطائفة الثانية لم تكن مع الأولى ، بدليل أنه أمرها بالإتيان ، وعلى مذهب ابن أبي ليلى لا يكون إتيان ، بل تأخّر من التي سجدت مع الإمام أولا ، وليس في هذا اللفظ دليل على أنّ الطائفة الأولى تقضي في مكانها قبل مبارحته ، أو على أنها تذهب قبالة العدو قبل

٣٢٣

القضاء ، ولا على أنّ الطائفة الثانية تقضي في مكانها ، بل اللفظ صالح للجميع ، وليس فيه دليل أيضا على أنّ الإمام يسلّم بمجرد انتهائه من الركعة الثانية ، ولا أنه ينتظر حتى تفرغ الثانية من قضاء ما فاتها.

وإنما يطلب ذلك من السنة ، وأنت تعلم أنّ السنة قد جاءت بالجميع.

(وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ) هذا أمر للجميع بعد انتهاء الصلاة ، وضم هذا الأمر بأخذ الحذر وهو التيقظ إلى الأمر بأخذ السلاح فقط عقب الركعة الأولى ، لأنّ العدو في أول الصلاة لا يقوى عنده باعث المباغتة ، لأنهم كانوا قياما في أولها ، وإنما يقوى عنده ذلك في آخرها حين يتكرر منهم السجود ، فمن أجل ذلك أمر في الأول بأخذ الأسلحة فقط ، وهنا بأخذها وأخذ الحذر.

(وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً).

أي أنّ أعداءكم يتربّصون بكم الدوائر ، ويتحيّنون لقتالكم الفرصة ، ويودون لو تمكنوا منكم ، فتغفلون عن عدتكم وما تقاتلونهم به ، فتكون حربهم إياكم وغلبتهم عليكم سهلة ميسورة ، ولن يمنعكم منهم إلا الحذر والرباط وإعداد العدة ، فاحذروهم ، وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة.

(وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ) أي أنّه لا يمنعكم من عدوكم إلا الاستعداد له ، فإن تعذّر عليكم حمل الميرة والسلاح للمطر أو المرض أو غير ذلك من الأعذار ، فليس عليكم إثم في أن تضعوا أسلحتكم التي حالت الضرورة بينكم وبين حملها ، ولكن يجب أن تكونوا على حذر وتيقظ من مباغتة العدو ومفاجأته ، فبثوا له العيون والأرصاد ، واتخذوا من فنون الدفاع في الحرب وأساليبه ما لا يجعل عدوكم على علم بما أنتم عليه من ضرورة حتى لا يفاجئكم ، فتتم الهزيمة عليكم.

(إِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً) إنما عقّب الله تعالى الأمر بأخذ الحذر والسلاح بهذا الوعيد ، لأنّ الأمر قد يتوهّم منه أنّ العدو شديد ، وذلك قد يعقب وهما في النفوس ، فإزالة لهذا الوهم قال الله تعالى : (إِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً) إذا كان ذلك خبرا منه تعالى بأنه مهينهم وخاذلهم وغير ناصرهم البتة ، ليعلم المؤمنون أنّ الأمر بالحذر منهم ، إنما هو لما جرت به سنة الله من إتباع المسببات الأسباب حتى لا يتهاونوا ويتركوا الأسباب جانبا.

وقد اختلف الفقهاء في كيفية صلاة الخوف في المغرب ، فقال الحنفية ومالك والحسن بن صالح والأوزاعي والشافعية : يصلّي بالطائفة الأولى ركعتين ، وبالطائفة الثانية ركعة ، غير أن المالكية والشافعية يقولون : إنّ الإمام ينتظر قائما حتى تتمّ الطائفة

٣٢٤

الأولى لنفسها ، وتجيء الثانية على ما بينهما من خلاف في سلام الإمام.

واختلفوا أيضا في الصلاة حال اشتباك القتال أتجوز أم لا؟ فقال الحنفية : لا صلاة حال اشتباك القتال ، فإن قاتل فيها فسدت صلاته. وقال مالك : يصلي بالإيماء إذا لم يقدر على الركوع والسجود. وقال الشافعي : لا بأس أن يضرب الضربة ، ويطعن الطعنة ، فإن تابع الضرب والطعن فسدت صلاته ، والأدلة تلتمس في غير الآية.

قال الله تعالى : (فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً (١٠٣)) يقول الله تعالى : فإذا فرغتم أيها المؤمنون من صلاتكم التي بينا لكم كيفيتها ، فاذكروا الله قياما وقعودا ومضطجعين على جنوبكم ، واذكروه معظمين خاشعين ، سائليه النصر والظفر ، فإنه الذي بيده النصر ، وهو القادر على كل شيء ، ومثل هذا في المعنى قوله تعالى : (فَاذْكُرُوا اللهَ قِياماً وَقُعُوداً).

وقد طلب الله تعالى من عباده أن يذكروه دائما ، والذكر أداة الفلاح ، إذ هو وسيلة الخشية ، ومتى وجدت الخشية وجدت الطاعة ، واجتنبت المعصية ، وذلك هو الفوز والسعادة.

روى ابن جرير (١) عن ابن عباس في قوله تعالى : (فَاذْكُرُوا اللهَ قِياماً وَقُعُوداً) أنه كان يقول : لا يفرض الله على عباده فريضة إلا جعل لها جزاء معلوما ، ثم عذر أهلها في حال غير الذكر ، فإنّ الله لم يجعل له حدا ينتهي إليه. ولم يعذر أحدا في تركه إلا مغلوبا على عقله ، فقال : (فَاذْكُرُوا اللهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ) بالليل والنهار ، في البر والبحر ، وفي السفر والحضر ، والغنى والفقر ، والسقم والصحة ، والسر والعلانية ، وعلى كل حال.

وقيل : إنّ معنى الآية : إن أردتم أداء الصلاة ، واشتد الخوف إذا اشتبكتم في القتال ، فصلوا كيفما كان. وهذا يوافق ما ذهب إليه الشافعيّ ، رضي الله عنه من وجوب الصلاة حال المحاربة ، وعدم جواز تأخيرها عن الوقت ، وأنت ترى أنّ ذلك بعيد من لفظ (قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ).

(فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ) أي أقمتم ، وهو مقابل لقوله : (وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ) سميت الإقامة طمأنينة لما فيها من السكون والاستقرار ، ويصح أن يكون المراد فإذا أمنتم وزال عنكم الخوف الذي ترتب عليه قصر صفة الصلاة وهيئتها.

(فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) أدوها على وجهها الذي كانت عليه قبل هذا ، وأتموها ، وعدّلوا أركانها ، وراعوا شروطها ، وحافظوا على حدودها.

__________________

(١) في تفسيره جامع البيان المشهور بتفسير الطبري (٥ / ١٦٦).

٣٢٥

وقيل : إنّ معنى ذلك فإذا اطمأننتم ، وأمنتم في الجملة : فاقضوا ما صليتم في تلك الأحوال التي هي حال القلق والانزعاج ، ونسب ذلك إلى الإمام الشافعي قال صاحب «روح المعاني» : وليست هذه النسبة صحيحة.

(إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً) فرضا محدودا بأوقات لا تجوز مجاوزتها ، بل لا بد من أدائها في أوقاتها سفرا وحضرا ، وقيل : المعنى كانت عليهم أمرا مفروضا مقدّرا في الحضر بأربع ركعات ، وفي السفر بركعتين ، فلا بدّ أن تؤدّى في كلّ وقت حسبما قدّر فيه ، وقد ورد القرآن هكذا في توقيتها مجملا ، ومرجع البيان فيه إلى السنة ، فما ذكرت السنة أنه وقت وحد للصلاة وجب اتباعه.

قال الله تعالى : (وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ ما لا يَرْجُونَ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً (١٠٤)) بعد أن بيّن الله تعالى ما يجب أن يكون عليه المؤمنون في قتال عدوهم من أخذ الحذر أثناء الصلاة عاد إلى بعث المؤمنين على نحو آخر من المذهب الكلامي ، وسوق الدعوى يحدوها الدليل.

(وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ) لا تضعفوا في قتالهم ، ولا تتواكلوا ، ولا يمنعكم منه ما يظن أن يصيبكم في قتال أعدائكم من ألم القتل والجرح ، فإنّ ذلك أمر مشترك من شأنه أن يقع بكم ، ويقع بأعدائكم ما دام لم ينثن أعداؤكم عن قتالكم ، فما بالكم تخافونه دونهم.

(وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ ما لا يَرْجُونَ) بل إنّ أعداءكم إذا جاز لهم أن يخافوا فهم حقيقون بأن يخافوا ، فإنّهم لا حجة لهم في الإقدام على أمر هو مظنة هلاكهم ، فإنّهم على الباطل ، والباطل مهما مدّ الله له في الأجل فهو في النهاية مدفوع. بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه ، ولم يعدهم الله بالنصر كما وعدكم ، ولا ثمرة تعود عليهم من قتالهم هذا ، فإنهم وإن تمّت لهم الغلبة أمامهم جهنم مفتحة الأبواب ، عميقة الغور ، أعدت للكافرين المعاندين لكم ، وقد وعدكم نصره ، وضمن لكم الجنة ، وأنتم الفائزون في الحالين ، وأنتم بما تعبدون الله وتوحدونه لا تشركون به شيئا ، تطمعون في نصره ورحمته ، وهم بما يعبدون من الأصنام ، وما هم عليه من العناد : ليس عندهم مثل هذا الطمع ، أليس يكفي هذا وحده باعثا لكم على القتال دونهم؟

(وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً) لا يكلفكم شيئا إلا ما فيه صلاحكم في دينكم ودنياكم على مقتضى علمه وحكمته.

٣٢٦

قال الله تعالى : (إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللهَ إِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (١٠٦))

روي في أسباب نزول الآية أخبار كثيرة ، كلها متفقة على أنها نزلت في شأن رجل يقال له طعمة بن أبيرق ، على خلاف فيما وقع منه ، قال الفخر الرازي : إنّ طعمة سرق درعا ، فلما طلبت الدرع منه رمى واحدا من اليهود بسرقتها ، ولما اشتدت الخصومة بين قومه وبين قوم اليهودي جاء قوم طعمة إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وطلبوا منه أن يعينهم على مقصودهم ، وأن يلحق الخيانة باليهودي ، فهمّ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم بذلك فنزلت الآية (١).

وقيل : إنّ واحدا وضع عند طعمة درعا على سبيل الوديعة ، ولم يكن هناك شاهد ، فلما طلبها منه جحدها ، وقيل : إنّ المودع لما طلب الوديعة زعم طعمة أن اليهودي سرق الدرع.

وقد قال العلماء : إنّ ذلك يدل على أن طعمة وقومه كانوا منافقين ، وإلا لما طلبوا من الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يلحق السرقة باليهودي على سبيل التخرص والبهتان ، انظر إلى قوله تعالى في الآيات التي بعد هذه (وَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ).

وقد روي أن طعمة هرب بعد الحادثة إلى مكة وارتد ، وسقط عليه حائط كان يثقبه للسرقة فمات.

(لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللهُ) أي بما أعلمك الله في كتابه ، وأنزله إليك بوحيه ، ويصح أن يكون المراد بما جعله الله رأيا لك ، إما من طريق الوحي ، أو الاجتهاد ، وليس يلزم من تأويل الآية على العلم بطلان القياس ، لأنّك قد عرفت أنّ القياس راجع إلى الكتاب والسنة ، والعلم به عمل بأمر الله ، وقد اختلف العلماء في أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم له أن يجتهد ، أو ليس له ذلك ، والمسألة لها موضع غير هذا في الأصول يجمع أدلة الطرفين.

غير أن الذي يلزم التنبيه إليه أن الذي يقول : إنه يجوز له الاجتهاد يقول : إنه يجوز عليه الخطأ ، لكنّه لا يقرّ على الخطأ ، ويستشهد بمثل الحادثة التي نحن بصددها ، فإنه قد بيّن له الحكم ، وبمثل ما حدث في أسارى بدر.

(وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً) الخائنون هو طعمة وقومه ومن يعنيه أمره منهم ، واللام للتعليل ، أي لا تكن لأجل الخائنين مخاصما لما يستعدونك عليه ، وقيل : إنّ اللام بمعنى عن أي لا تكن مخاصما ومدافعا عنهم ضد البراءة (وَاسْتَغْفِرِ اللهَ) مما

__________________

(١) رواه الترمذي في الجامع الصحيح (٥ / ٢٢٨) ، كتاب التفسير حديث رقم (٣٠٣٦) ، وابن جرير (٥ / ١٧٠).

٣٢٧

هممت به في أمر طعمة وبراءته التي لم تتثبّت في شأنها ، والأمر بالاستغفار في هذا وما ماثله لا يقدح في عصمة الأنبياء ، لأنه لم يكن منه إلا الهم ، والهم لا يوصف بأنه ذنب فضلا عن المعصية ، بل إنّ ذلك من قبيل إن حسنات الأبرار سيئات المقربين ، وما أمره بالاستغفار إلا لزيادة الثواب ، وإرشاده وإرشاد أمته إلى وجوب التثبت في القضاء ، وقيل : إن المراد استغفر لأولئك الذين زعموا عندك براءة الخائن.

(إِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً) يغفر لمن استغفره ، ويرحم من استرحمه.

قال الله تعالى : (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ كانَ بِهِ عَلِيماً (١٢٧))

الاستفتاء : طلب الإفتاء ، والإفتاء : إظهار المشكل من الأحكام وتبينه ، كأنّ المفتي لما بيّن المشكل قد قوّاه وصيّره فتيا.

سبب النزول : أخرج ابن جرير وابن المنذر عن سعيد بن جبير قال : لما نزلت المواريث في سورة النساء شقّ ذلك على الناس وقالوا : أيرث الصغير الذي لا يعمل في المال ولا يقوم فيه ، والمرأة التي هي كذلك ، فيرثان كما يرث الرجل الذي يعمل في المال؟ فرجوا أن يأتي في ذلك حدث من السماء ، فانتظروا ، فلما رأوا أنه لا يأتي حدث ، قالوا : لئن تمّ هذا إنه لواجب ما عنه بد. ثم قالوا : سلوا ، فسألوا النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم فأنزلت هذه الآية (١). وروي مثل ذلك عن ابن عباس ومجاهد.

وعن عائشة أنها نزلت في توفية الصداق لهن. وكانت اليتيمة تكون عند الرجل ، فإذا كانت جميلة ، ولها مال ، تزوّج بها وأكل مالها ، وإذا كانت دميمة منعها من الأزواج حتى تموت فيرثها. فأنزل الله هذه الآية (٢).

معلوم أنّ الصحابة لم يطلبوا الإفتاء عن ذوات النساء ، وإنما طلبوا الإفتاء عن حال من أحوالهن ، وشيء يتعلّق بهن ، فلا بد من تقدير محذوف في الكلام ، فبعض المفسرين قدّر ذلك المحذوف أمرا خاصا ، وجعل سبب النزول قرينة على تعيين ذلك المحذوف المسئول عنه ، فقال : المراد يستفتونك في ميراثهن ، أو في توفية صداقهن ، أو في نكاحهن.

واختار بعضهم التعميم في المسئول عنه ، لأنّ سبب النزول لا يخصّص ، ولأنّ تقدير العام أتمّ فائدة وأشمل ، فقال : المراد يستفتونك فيما يجب لهن وعليهن مطلقا ، وقد كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يسأل عن أحكام كثيرة تتعلّق بالنساء.

__________________

(١ و ٢) انظر الدر المنثور في التفسير بالمأثور للإمام السيوطي (٢ / ٢٣١).

٣٢٨

وكذلك اختلفوا في المراد بما كتب لهنّ في قول الله تعالى : (اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَ) فقيل : ما فرض لهن من الميراث ، وقيل : من الصداق ، وقيل : من النكاح ، وقيل : ما يعم ذلك كله وغيره.

وقوله تعالى : (وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ) قد ذهب فيه المعربون مذاهب شتى ، وأولى وجوه الإعراب أن تكون (ما) اسم موصول مبتدأ ، والخبر محذوف ، والتقدير : والذي يتلى عليكم في القرآن كذلك ، أي يفتيكم فيهن أيضا. وذلك المتلو في الكتاب هو قوله تعالى : (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى) [النساء : ٣] إلخ.

وحاصل المعنى : أنهم كانوا يسألون عن أحوال كثيرة من أحوال النساء ، فما كان منها غير مبيّن الحكم قبل نزول هذه الآية ذكر أن الله يفتيهم فيه. وما كان منها مبيّن الحكم في الآيات المتقدمة أحالهم فيه إلى تلك الآيات المتقدمة وذكر أنها تفتيهم فيما عنه يسألون.

وقد جعل دلالة الكتاب على الأحكام إفتاء من الكتاب ، ألا ترى أنه يقال في المجاز المشهور إن كتاب الله بيّن لنا هذا الحكم ، وكما جاز هذا جاز أيضا أن يقال : كتاب الله أفتى بكذا.

وقوله تعالى : (فِي يَتامَى النِّساءِ) صلة (يُتْلى) أي يتلى عليكم في شأنهن. والإضافة في يتامى النساء من إضافة الصفة للموصوف عند الكوفيين ، والبصريون يمنعون ذلك ، ويجعلون الإضافة هنا على معنى (من) أو (اللام) أي في اليتامى من النساء ، أو في أولادهن اليتامى.

(وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَ) أي في أن تنكحوهن ، أو عن أن تنكحوهن ، فقد ورد في أخبار كثيرة أن أولياء اليتامى كانوا يرغبون فيهنّ إن كن جميلات ، ويأكلون ما لهنّ وإلا كانوا يعضلونهن طمعا في ميراثهن.

وحذف الجار هنا لا يعدّ لبسا ، بل إجمال ، فكل من الحرفين مراد على سبيل البدل.

واحتج بعض الحنفية بقوله تعالى : (وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَ) على أنه يجوز لغير الأب والجد تزويج الصغيرة ، لأنّ الله ذكر الرغبة في نكاحها ، فاقتضى جوازه.

والشافعية يقولون : إنّ الله ذكر في هذه الآية ما كانت تفعله الجاهلية على طريق الذم ، فلا دلالة فيها على ذلك. على أنه لا يلزم من الرغبة في نكاحهن فعله في حال الصغر.

(وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ) عطف على يتامى النساء ، وكانوا ـ كما علمت ـ لا يورثونهم كما لا يورثون النساء.

٣٢٩

(وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ) أي قل الله يفتيكم إلخ ويأمركم أن تقوموا لليتامى بالقسط. أو هو معطوف على (يتامى النساء) والتقدير وما يتلى عليكم في يتامى النساء ، وفي المستضعفين من الولدان ، وفي أن تقوموا لليتامى بالقسط.

(وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ كانَ بِهِ عَلِيماً) أي وما تفعلوه من خير يتعلّق بهؤلاء المذكورين أو بغيرهم فإنّ الله يجازيكم عليه ولا يضيع عنده منه شيء.

قال الله تعالى : (وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (١٢٨)) هذا من الأحكام التي أخبر الله تعالى أنه يفتيهم بها في النساء مما لم يتقدم ذكره.

والخوف هنا مستعمل في حقيقته ، إلا أنّه لا يكون إلا بعد ظهور الأمارات تدل عليه. مثل أن يقول الرجل لامرأته : إنك قد كبرت ، وإني أريد أن أتزوج شابّة جميلة.

والأصل في البعل أنه السيد ، وسمّي الزوج بعلا لكونه كالسيد لزوجته.

والنشوز ـ وتقدم معناه ـ يكون وصفا للمرأة لما تقدم ويكون وصفا للرجل كما هنا ، والمراد به هنا ترفّع الرجل بنفسه عن المرأة ، وتجافيه عنها : بأن يمنعها نفسه ومودته.

والإعراض الانصراف عنها بوجهه أو ببعض منافعه التي كانت لها منه. مثل أن يقلل محادثتها ، أو مؤانستها لطعن في سن ، أو دمامة ، أو شين في خلق أو ملال. والإعراض أخف من النشوز.

أخرج الترمذي وحسّنه عن ابن عباس قال : خشيت سودة رضي الله عنها أن يطلّقها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقالت : يا رسول الله لا تطلقني ، واجعل يومي لعائشة ، ففعل ، ونزلت هذه الآية (١).

وأخرج الشافعي عن ابن المسيب أن ابنة محمد بن مسلمة كانت تحت رافع بن خديج ، فكره منها أمرا إما كبرا أو غيره ، فأراد طلاقها ، فقالت : لا تطلقني واقسم لي ما بدا لك ، فاصطلحا على صلح ، فجرت السنة بذلك ، ونزل القرآن (٢).

وروي عن عائشة أنّها نزلت في المرأة تكون عند الرجل ، فتطول صحبتها ، فيريد أن يطلّقها ، فتقول : أمسكني وتزوج بغيري ، وأنت في حل من النفقة والقسم (٣).

__________________

(١) رواه الترمذي في الجامع الصحيح (٥ / ٢٣٢) ، كتاب التفسير حديث رقم (٣٠٤٠).

(٢) انظر الدر المنثور السيوطي في التفسير بالمأثور للسيوطي (١ / ٢٣٢).

(٣) رواه ابن ماجه في السنن (١ / ٦٣٤) ، كتاب النكاح ، باب المرأة حديث رقم (١٩٧٤).

٣٣٠

يقول الله تعالى : (وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً) والمقصود إن خافت امرأة من زوجها تجافيا أو انصرافا عنها فلا إثم عليهما في أن يجريا بينهما صلحا ، بأن تترك المرأة له يومها كما فعلت سودة رضي الله عنها مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، أو تضع عنه بعض ما يجب لها من نفقة أو كسوة ، أو تهب له شيئا من مهرها ، أو تعطيه مالا لتستعطفه وتستديم المقام معه.

وفي قوله تعالى : (فَلا جُناحَ عَلَيْهِما) دفع لما يتوهم من أن ما يأخذه الزوج كالرشوة فلا يحل.

وجملة (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) معترضة ، أي والصلح بين الزوجين أكثر خيرا من الفرقة وسوء العشرة ، على معنى أنه إن يكن في الفرقة أو سوء العشرة خير فالصلح خير من ذلك. أو والصلح خير من الخيور وليس بشر.

(وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَ) اعتراض ثان ، وفائدة الاعتراض الأوّل الترغيب في المصالحة. وفائدة الاعتراض الثاني تمهيد العذر في المماكسة والمشاحّة.

وحضر : متعد لواحد ، والهمزة تعديه إلى مفعول ثان كما هنا. فالمفعول الأول نائب الفاعل ، والثاني كلمة الشحّ ، ويجوز العكس. والشح : البخل مع الحرص ، والمراد وأحضر الله الأنفس الشحّ أي جبل الله النفوس على الشح ، فلا تكاد المرأة تسمح بحقها ، ولا يكاد الرجل يجود بالإنفاق وحسن المعاشرة على التي لا يريدها.

(وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً) هذا خطاب للأزواج بطريق الالتفات ، قصد به استمالتهم وترغيبهم في حسن المعاملة ، والصبر على ما يكرهون ، أي وإن تحسنوا معاشرة النساء ، وتتقوا النشوز ، والإعراض مهما تضافرت أسبابهما ، فإنّ الله يجازيكم على ذلك أحسن الجزاء ، ويثيبكم عليه خير المثوبة.

يؤخذ من هذه الآية أن الرجل إذا قضى وطرا من امرأته ، وكرهتها نفسه ، أو عجز عن حقوقها ، فله أن يطلقها ، وله أن يخيّرها إن شاءت أقامت عنده ؛ ولا حق لها في القسم والوطء والنفقة ، أو في بعض ذلك بحسب ما يصطلحان عليه ، فإذا رضيت بذلك لزم وليس لها المطالبة بشيء مضى من ذلك على الرضا.

وهل لها في المستقبل الرجوع في ذلك الصلح؟

من العلماء من قال : إنّ حقها في القسم والنفقة يتجدد ، فلها الرجوع في ذلك متى شاءت.

وقال آخرون : إنّ هذا الصلح خرج مخرج المعاوضة ، وقد سمّاه الله صلحا ، فيلزم كما يلزم ما تصالح عليه الناس من الحقوق والأموال ، فليس لها حق الرجوع فيه

٣٣١

بأيّ حال ، ولو مكّنت من ذلك لم يكن صلحا ، بل يكون من أكبر أسباب المعاداة والشريعة منزهة عن ذلك.

وهنا أبحاث :

الأول : رب قائل يقول إذا كان نشوز الرجل يحلّ له أن يأخذ من مال امرأته شيئا ، أفلا يتخذ بعض الأزواج النشوز ـ بل التهديد به ـ وسيلة لأخذ مال المرأة ، وانتقاصها حقها ، وهلا يعدّ أخذ المال بهذه الوسيلة أخذا بسيف الإكراه ، وأكلا لأموال الناس بالباطل.

ونحن نقول : إذا كان الرجل يرغب في زوجته حقيقة ، ويود بقاءها في عصمته ، ولكنه تظاهر بالنشوز والإعراض اجتلابا لمالها ، واستدرارا لخيرها ، كان ذلك حراما ، وكان أخذ المال بهذه الوسيلة أكلا لأموال الناس بالباطل ، وقد حرّم الله أكل أموال الناس بالباطل ، وحرّم مشاقة الرجل زوجته لغرض أخذ شيء من مالها ، كما قال : (وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَ) [النساء : ١٩] إلى أمثال ذلك.

ليس في مثل هذا النشوز والإعراض المصطنعين نزلت الآية ، إنما الآية في رجل يرغب حقيقة في فراق زوجته لسبب ما ، وقد جعل الله للرجل حق الطلاق ، واستبدال زوج مكان زوج وأحلّ في هذه الآية الصلح بين الزوجين إذا كانا على ما وصفنا ، رجل يريد الفراق لسبب من الأسباب ، وامرأة تريد المقام معه ، وإذا تراضيا على شيء من حق المرأة تنزل عنه في مقابلة أن ينزل الرجل عن شيء من حقه وهو الطلاق ، لم يكن ذلك من أكل أموال الناس بالباطل ، على أنّ الله تعالى أرشد الرجل إلى ترك النشوز مهما تكاثرت أسبابه ، ووعده على ذلك الأجر والمثوبة ، في قوله : (وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً).

الثاني : قال الله تعالى في نشوز المرأة (وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَ) [النساء : ٣٤] وقال في نشوز الرجل : (وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً) فجعل لنشوز المرأة عقوبة من زوجها يعظها ويهجرها في المضجع ويضربها. ولم يجعل لنشوز الرجل عقوبة من زوجته ، بل جعل له ترضية وتلطفا. فما معنى ذلك؟

الجواب عن ذلك من وجوه :

١ ـ قد علمت أنّ الله جعل الرجال قوامين على النساء ، فالرجل راعي المرأة ورئيسها المهيمن عليها ، ومن قضية ذلك ألا يكون للمرؤوس معاقبة رئيسه ، وإلا انقلب الأمر ، وضاعت هيمنة الرئيس.

٢ ـ أنّ الله فضل الرجال على النساء في العقل والدين ، ومن قضية ذلك ألا

٣٣٢

يكون نشوز من الرجل إلا لسبب قاهر ، ولكن المرأة لنقصان عقلها ودينها يكثر منها النشوز لأقل شيء ، وتتوهمه سببا ، فلا جرم جعل الله لنشوزهن عقوبة حتى يرتدعن ، ويحسنّ حالهن. وأنّ في مساق الآيتين ما يرشد إلى أنّ النشوز في النساء كثير ، وفي الرجال قليل ، ففي نشوز المرأة عبر باسم الموصول المجموع إشارة إلى أنّ النشوز محقق في جماعتهن. وفي نشوز الرجل عبر بإن التي للشك ، وبصيغة الإفراد ، وجعل الناشز بعلا وسيدا مهما كان. كل ذلك يشير إلى أنّ النشوز في الرجال غير محقق ، وأنه مبنيّ على الفرض والتقدير ، وأنه إذا فرض وقوعه فإنما يكون من واحد لا من جماعة ، وأن ذلك الواحد على كل حال سيد زوجته.

٣ ـ أنّ نشوز الرجل أمارة من أمارات الكراهة وإرادة الفرقة ، وإذا كان الله قد جعل له حق الفرقة ولم يجعل للمرأة عليه سبيلا إذا هو أراد فرقتها ، فأولى ألا يجعل لها عليه سبيلا إذا بدت منه أمارات هذه الفرقة.

الثالث : قال الجصّاص (١) في قوله تعالى : (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) إنّه جائز أن يكون عموما في جواز الصلح في سائر الأشياء إلا ما خصّه الدليل ، وذلك يدلّ على جواز الصلح عن إنكار ، والصلح من المجهول ، ونازعه في ذلك الفخر الرازي فقال : إنّ الصلح في الآية مفرد دخل عليه حرف التعريف ، والمفرد الذي دخل عليه حرف التعريف مختلف في إفادته العموم ، ولو سلّم أنّه يفيد العموم ، فإنما ذلك إذا لم يكن هناك معهود سابق ، أما إذا كان هناك معهودا سابقا كما في الآية ، فالأصح أنّ حمله على المعهود السابق أولى من حمله على العموم ، وذلك لأنا إنما حملناه على العموم والاستغراق ضرورة أنّا لو لم نقل ذلك لصار مجملا ، ويخرج عن الإفادة ، وإذا حصل هناك معهود سابق اندفع هذا المحذور ، فوجب حمله عليه ، وبذلك يندفع استدلال الجصّاص ، ويكون المعنى : والصلح المعهود ـ وهو الصلح بين الزوجين ـ خير.

وأنت تعلم أنّ الجصاص لم يجزم بأن اللفظ عام ، بل قال : إنه يجوز أن يكون عاما ، كما يجوز أن يكون خاصّا بالصلح بين الزوجين ، على أنّ وقوع الجملة اعتراضا ، وجريانها مجرى الأمثال مما يرجح كون اللفظ عاما ، فتدبر ذلك.

قال الله تعالى : (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (١٢٩) وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكانَ اللهُ واسِعاً حَكِيماً (١٣٠))

يخبر الله هنا بأنّ العدل بين النساء غير مستطاع ، وفي آية سابقة قال : (فَإِنْ خِفْتُمْ

__________________

(١) انظر أحكام القرآن للإمام أبي بكر الجصاص (٢ / ٢٨٣).

٣٣٣

أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) [النساء : ٣] فشرط في جواز الجمع بين النساء الوثوق من العدل بينهن. والعدل غير مستطاع ، فكأن الجمع بين النساء غير جائز ، لأنه مشروط بشرط قد أخبر الله أنه لا يتحقق ولن يكون ، من أجل ذلك ترى أئمة التفسير من السلف الصالح كابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد وأبي عبيدة وغيرهم يقولون : إن العدل الذي أخبر الله عنه أنه غير مستطاع هو التسوية بين الزوجات في الحب القلبي ، وميل الطباع ، ومعلوم أنّ ذلك غير مقدور.

وأما العدل الذي جعل شرطا في جواز الجمع بينهن فهو التسوية بينهن فيما يقدر عليه المكلف ويملكه ، مثل التسوية بينهن في القسم والنفقة والكسوة والسكنى وما يتبع ذلك من كل ما يملك ويقدر عليه.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن أبي مليكة أنّ الآية نزلت في عائشة رضي الله عنها ، وكان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يحبها أكثر من غيرها.

وروى الشافعي وأحمد وأبو داود والترمذي عن عائشة أنها قالت : كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقسم بين نسائه ، فيعدل ، ثم يقول : «اللهم هذا قسمي فيما أملك ، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك» (١) وعنى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : بما لا يملكه هو ، ويملكه الله : المحبة وميل القلب غير الاختياري.

ومعنى الآية إنكم لن تقدروا على التسوية بين النساء في الحب وميل الطباع ، فالتفاوت بينهن في الود والمحبة حاصل ولا محالة ، وليس في استطاعتكم جلبه ولا دفعه ، فالله قد عفا لكم عنه ، ولستم مكلفين به ولا منهيين عنه ، ولكن ذلك التفاوت في الحب له نتائج تظهر في الأقوال والأفعال التي تملكونها ، وتقدرون عليها ، ويصح تعلق الأحكام بها ، فأنتم منهيون عن إظهار التفاوت في القول والفعل المقدورين لكم.

وقال بعض العلماء : حقيقة العدل بين النساء التسوية بينهن في كل شيء ، بحيث لا يقع ميل ما إلى جانب في شأن من الشؤون ، كالقسم والنفقة والتعهد والنظر والإقبال والممالحة والمفاكهة والمؤانسة وغيرها ما لا يكاد يحصر. والعدل بهذا المعنى غير مقدور للمكلف البتة. ولو حرص على إقامته وبالغ فيه ، والعجز عن حقيقة العدل لا يمنع عن تكليفكم أيها الأزواج بما دونها من المراتب التي تستطيعونها ، فإنّ الميسور لا يسقط بالمعسور ، وما لا يدرك كله لا يترك كله.

(فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ) فلا تجوروا على المرغوب عنها كلّ الجور ،

__________________

(١) رواه أبو داود في السنن (٢ / ٢٠٩) ، كتاب النكاح باب القسم بين النساء حديث رقم (٢١٣٤) ، والترمذي في الجامع الصحيح (٣ / ٤٤٦) ، كتاب النكاح حديث رقم (١١٤٠) ، وابن ماجه في السنن (١ / ٦٣٣) ، كتاب النكاح ، باب القسمة بين النساء حديث رقم (١٩٧١) ، وأحمد في المسند (٦ / ١٤٤).

٣٣٤

فتمنعوها حقها من غير رضا منها ، واعدلوا ما استطعتم ، فإنّ عدم العدل بينهن يوقد نار الغيرة والحقد في نفوسهن ، ويغريهن بالشر والفساد. وفي ذلك من المفاسد ما يربو على مصلحة تعدد الزوجات في نظر الشارع الحكيم.

وفي قوله تعالى : (فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ) ضرب من التوبيخ للأزواج ، أي لا ينبغي ولا يليق بكم أن تجوروا على الضرائر ، فتدعوها كالمعلقة ؛ لا هي ذات بعل ؛ ولا مطلقة ، فإما أن تعدلوا بينهن ، وإلا فالفرقة أولى ، كما قال تعالى : (فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ) [البقرة : ٢٢٩].

أخرج أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «من كان له امرأتان فمال مع إحداهما جاء يوم القيامة وأحد شقّيه ساقط» (١) وكان السلف الصالح يستحبون أن يسووا بين الضرائر حتى في الطيب ، يتطيّب لهذه كما يتطيب لهذه. وعن ابن سيرين في الذي له امرأتان يكره أن يتوضأ في بيت إحداهما دون الأخرى.

(وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً) أي وإن تصلحوا ما كنتم تفسدون من أمورهن فيما مضى بميلكم إلى إحداهن ، وتتداركوه بالتوبة ، وتتقوا بالجور فيما يستقبل ، فإنّ الله يغفر لكم ما مضى من الحيف ، ويتفضل عليكم برحمته وإحسانه.

ظاهر هذه الآية يوجب التسوية في القسم بين الحرة والأمة. وهو قول أهل الظاهر ، ورواية عن مالك رضي الله عنه ، لكنّ جمهور الأئمة على أنّ الأمة المزوّجة على النصف من الحرة في القسم محتجين على ذلك بأن الإمام عليا رضي الله عنه قضى بذلك ، ولا يعرف له في الصحابة مخالف مع انتشار هذا القضاء وظهوره ، وموافقته للقياس ، فإنّ الله سبحانه وتعالى لم يسوّ بين الحرة والأمة لا في الطلاق ؛ ولا في العدة ؛ ولا في الحد ؛ ولا في الملك ؛ ولا في الميراث ؛ ولا في الحج ؛ ولا في مدة الكون عند الزوج ليلا ونهارا ، ولا في أصل النكاح ، بل جعل نكاحها بمنزلة الضرورة ، فاقتضى ذلك ألا يسوّي بينها وبين الحرة في القسم.

ومن هذه الآية يعلم أنه لا تجب التسوية بين النساء في المحبة ، فإنها لا تملك ، وكانت عائشة رضي الله عنها ـ كما علمت ـ أحبّ نسائه إليه صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأخذ من هذا أنّه لا تجب التسوية بينهن في الوطء ، لأنّه موقوف على المحبة والميل ، وهي بيد مقلّب القلوب.

__________________

(١) رواه أبو داود في السنن (٢ / ٢٠٩) ، كتاب النكاح حديث رقم (٢١٣٣) ، والترمذي في الجامع الصحيح (٣ / ٤٤٧) ، كتاب النكاح حديث رقم (١١٤١) ، والنسائي في السنن (٧ ـ ٨ / ٧٤) ، كتاب في عشرة النساء حديث رقم (٣٩٥٢) ، وابن ماجه في السنن (١ / ٦٣٣) ، كتاب النكاح حديث رقم (١٩٦٩).

٣٣٥

وفصّل بعض العلماء في ذلك فقال : إن تركه لعدم الداعي إليه فهو معذور ، وإن تركه مع الداعي إليه ، ولكن داعيه إلى الضرر أقوى ، فهذا مما يدخل تحت قدرته وملكه ، فإن أدّى الواجب عليه منه لم يبق لها حق ، ولم يلزمه التسوية وإن ترك الواجب منه فلها المطالبة به.

(وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ) بعد أن رغّب الله في الصلح بين الزوجين وحثّ عليه ذكر في هذه الآية جواز الفرقة إذا لم يكن منها بد ، وسلّى كلا من الزوجين ، ووعد كل واحد منهما بأنه سيغنيه عن الآخر إذا قصد الفرقة تخوّفا من ترك حقوق الله التي أوجبها.

(وَكانَ اللهُ واسِعاً حَكِيماً). أي وكان الله ولا يزال غنيا كافيا للخلق ، حكيما متقنا في أفعاله وأحكامه.

قال الله تعالى : (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالاً وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦))

أخرج ابن أبي حاتم أنّ هذه الآية نزلت في جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج الشيخان عن جابر أنه قال دخل عليّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأنا مريض لا أعقل ، فتوضأ ، ثم صبّ عليّ فعقلت فقلت يا رسول الله : إنه لا يرثني إلا كلالة فكيف الميراث ، فنزلت آية الفرائض (١) وهذه الآية آخر آيات الأحكام نزولا.

وروي أنّ أبا بكر رضي الله عنه قال في خطبة له : ألا إن الآية التي أنزلها الله في سورة النساء في الفرائض [١٢] ، فأولها في الولد والوالد ، وثانيها في الزوج والزوجة ، والإخوة من الأم ، والآية التي ختم بها سورة النساء [١٧٦] أنزلها في الإخوة والأخوات من الأب والأم. أو من الأب ، والآية التي ختم بها سورة الأنفال [٧٥] أنزلها في أولي الأرحام ، وقد أجمع العلماء على أنّ هذه الآية في ميراث الإخوة والأخوات من الأب والأم ، أو من الأب. وأما الإخوة والأخوات لأم ففيهم نزلت الآية السابقة في صدر السورة (وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً) إلخ وتقدّم لك بيان ذلك مستوفى.

واختلف العلماء في المراد بالولد في قوله تعالى : (لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ) وقوله تعالى :

__________________

(١) رواه البخاري في الصحيح (٥ / ٢١٠) ، ٦٥ ـ كتاب تفسير القرآن ، ٤ ـ باب (يُوصِيكُمُ اللهُ) حديث رقم (٤٥٧٧) ، ومسلم في الصحيح (٣ / ١٢٣٤) ، ٣٢ ـ كتاب الفرائض ، ٢ ـ باب ميراث الكلالة حديث رقم (٥ / ١٦١٦).

٣٣٦

(إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ) فقال بعضهم : إن المراد به الذكر ، لأنّه المتبادر ، ولأنّه لو أريد به ما يشتمل الذكر والأنثى لكان مقتضى مفهومه أن الأخت لا ترث النصف مع وجود البنت ، مع أنها ترثه معها عند جميع العلماء غير ابن عباس ، ولكان مقتضاه أيضا أنّ الأخ لا يرث أخته مع وجود بنتها ، والعلماء متفقون على أنه يرث الباقي بعد فرض البنت وهو النصف.

والمختار الذي عليه المحققون أن الولد هنا عامّ في الذكر والأنثى ، لأنّ الكلام في الكلالة وهو من ليس له ولد أصلا ، لا ذكر ولا أنثى ، وليس له والد أيضا ، إلا أنه اقتصر على ذكر الولد ثقة بظهور الأمر. ولأنّ الولد مشترك معنويّ وقع نكرة في سياق النفي ، فيعم الابن والبنت ، وما ورد على المفهوم ليس بقادح.

أما أولا : فلأن الأخت لا يكون لها فرض النصف مع وجود الولد مطلقا ، أما مع الابن فلأنّه يحجبها. وأما مع البنت فلأنها تصيرها عصبة ، فلا يتعين لها فرض ، نعم يكون نصيبها مع بنت واحدة النصف بحكم العصوبة لا الفرضية ، فلا حاجة إلى تخصيص الولد بالابن لا منطوقا ولا مفهوما.

وأما ثانيا : فلأن الأخ لا يرث أخته مع وجود بنتها. لأنّ المتبادر من قوله تعالى : (وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ) أنه يرث جميع تركتها عند عدم الولد ، ومفهومه أنّه عند وجود الولد لا يرث جميع تركتها ، أما مع الابن فلأنه يحجبه ، وأما مع البنت فلأنه يرث الباقي بعد فرضها ، فصحّ أن الأخ لا يرث أخته مع وجود بنتها ، تدبّر ذلك فإنّه دقيق.

وبعد فإنّ الآية قدّرت في ميراث الإخوة والأخوات من الميت الكلالة صورا أربعا :

الأولى : أن يموت امرؤ وترثه أخت واحدة ، فلها النصف بالفرض ، والباقي للعصبة إن كانوا ، وإلا فلها بالرد.

وكما ترث الأخت الواحدة من أخيها النصف ، كذلك ترثه من أختها ، لأنّ مقدار الميراث لا يختلف باختلاف الميت ذكورة وأنوثة ، وإنما يختلف باختلاف الوارث.

الثانية : أن يكون الأمر بالعكس تموت امرأة ويرثها أخ واحد فله جميع التركة ، وكما يرث الأخ الواحد جميع تركة أخته كذلك يرث جميع تركة أخيه.

الثالثة : أن يكون الميت أخا أو أختا وورثه أختاه ، فلهما الثلثان.

الرابعة : أن يكون الميت أخا أو أختا ، والورثة عدد من الإخوة والأخوات ، فللذكر مثل حظ الأنثيين.

وظاهر الآية في هذه الصورة الرابعة عدم التفرقة بين الإخوة الأشقاء والإخوة لأب

٣٣٧

في أنهم يشتركون في التركة إذا اجتمعوا ، لكنّ السنّة خصصت هذا العموم ، فقدمت الأشقاء على الإخوة لأب ، فإذا اجتمع الصنفان حجب الإخوة الأشقاء الإخوة لأب.

بقي من الصور المحتملة في الميراث بالأخوة :

١ ـ أن يكون للميت الكلالة عدد من الإخوة الذكور ، فالحكم أنهم يحوزون جميع التركة ، لأنّ الواحد منهم إذا انفرد حاز التركة كلها ، فأولى إذا اجتمعوا أن يحوزوها.

٢ ـ أن يكون للميت الكلالة أكثر من أختين ، فالحكم أنهن يأخذن الثلثين بالفرض ، لأنّ أكثر من بنتين لا يزدن عن الثلثين ، فأولى ألا يزيد الأكثر من أختين عن الثلثين ، وقد تقدم ذلك.

(يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا) مفعول يبيّن محذوف ، والمصدر المنسبك مفعول لأجله بتقدير مضاف ، أي : يبين الله لكم الحلال والحرام ، وجميع الأحكام كراهة أن تضلوا.

ويجوز أن يكون المصدر هو مفعول (يبيّن) أي يبين الله لكم ضلالكم ، لتجتنبوه ، فإن الشر يعرف ليتقى ، والخير يعرف ليؤتى.

(وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ) من الأشياء التي من جملتها أحوالكم وما يصلح لكم منها وما لا يصلح.

(عَلِيمٌ) ذو علم شامل محيط ، فيبيّن لكم ما فيه مصلحتكم ومنفعتكم.

٣٣٨

من سورة المائدة

قال الله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ (١))

شرح المفردات

يقال أوفى ووفى (بفتح الفاء مخففة) ووفّى (بتشديد الفاء) بمعنى أدّى ما التزمه ، مع المبالغة في حالة التشديد ، والكلّ ورد في القرآن (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)(وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ) [التوبة : ١١١](وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)) [النجم : ٣٧].

والعقود : جمع عقد ، وهو في الأصل الربط ، تقول عقدت الحبل بالحبل إذا ربطته به ، وعقدت البناء بالجص إذا ربطته به ، وتقول : عقدت البيع لفلان إذا ربطته بالقول ، واليمين في المستقبل تسمّى عقدا لأنّ الحالف ربط نفسه بالمحلوف عليه وألزمها به.

المراد بالعقود هنا ما يشمل العهود التي عقدها الله علينا ، وألزمنا بها من الفرائض والواجبات والمباحثات من معاملاتهم ومناكحاتهم.

والأنعام : جمع نعم (بفتحتين) وأكثر ما يطلق على الإبل ، ولكن المراد به هنا ما يشمل الإبل والبقر والغنم.

والحرم : جمع حرام ، بمعنى محرم ، كعناق وهي الأنثى من ولد المعز وعنق بالضم.

دعا الله المؤمنين وناداهم بوصف الإيمان ، ليحثهم على امتثال ما يكلفهم به ، فإنّ الشأن في المؤمنين الانقياد لما يكلّفون به من قبل الله تعالى ، وطالبهم بالوفاء بالعقود أي التكاليف التي أعلمهم بها ، والتزموها بقبولهم الإيمان الذي يعتبر تعهّدا منهم بالعمل بمبادئه ، والوقوف عند حدوده ، ومن هذه التكاليف ما يعقد الناس بعضهم مع بعض من الأمانات والمعاملات.

ثم قال تعالى تمهيدا للنبيّ عن بعض محرمات الإحرام (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ) أي من الإبل والبقر والضأن والمعز.

٣٣٩

والبهيمة في الأصل كلّ حيّ لا يميّز ، سمّي بذلك لأنه أبهم عن أن يميز أي حجب ، فهو عام يشمل الأنعام وغيرها ، سواء أكانت من ذوات الأربع أم لا ، وإضافته للبيان ، أيّ بهيمة هي الأنعام ، وخرج بها غير الأنعام ، سواء كان من ذوات الحوافر كالخيل والبغال والحمير أم من غيرها مثل الأسد والنمر والذئب.

وقيل : البهيمة خاصّ بذوات الأربع ، وقال ابن عباس : المراد بالبهيمة هنا أجنة الأنعام ، فهي حلال متى ذكّيت أمهاتها ، وهو مذهب الشافعية ، وإنما لم يقل أحلّت لكم الأنعام ليشير إلى أنّ ما يماثل الأنعام مثلها في الحل كالظباء وبقر الوحش ما لم يدلّ الدليل على حرمته.

لما كان الإحلال لا يتعلق إلا بالأفعال كان من اللازم إضمار فعل يناسب الكلام ، وقد دلّ على هذا بقوله تعالى : (وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٥)) [النحل : ٥] أي لتنتفعوا بها في الدفء وغيره ، فالمراد أحلّ لكم الانتفاع ببهيمة الأنعام ، وهو يشمل الانتفاع بلحمها وجلدها وعظمها وصوفها وما أشبه ذلك.

ثم قال : (إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ) أي يستثنى من حلّ بهيمة الأنعام ما يتلى عليكم في آية تحريمه : من الميتة والمنخنقة إلخ فإنّ كلّ هذا حرام ما لم تدرك ذكاته ، وهو حيّ بالتفصيل الذي يأتي.

وقوله : (غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ) حال من الكاف في (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ).

(إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ) أي يشرع ما يشاء من تحليل وتحريم بحسب ما تقتضيه حكمته البالغة ، فأباح بهيمة الأنعام في جميع الأحوال ، وأباح الصيد في بعض الأحوال دون بعض ، ولا اعتراض عليه ، لأنّه مالك الأشياء وخالقها ، فيتصرف فيها كما يشاء بحكمته وحسن تدبيره.

وينبغي أن يعلم أنّ العقود التي يجب الوفاء بها لا تشمل التعاقد على المحرمات ، فلا يجب الوفاء به ، ومثله حلف الجاهلية على الباطل ، كحلفهم على التناصر والميراث ، بأن يقول أحد الطرفين للآخر إذا حالفه : دمي دمك وهدمي هدمك ، وترثني وأرثك ، فيتعاقدان بذلك على النّصرة والحماية سواء أكانت بحق أم بباطل ، فأبطل الإسلام التناصر على الباطل بقوله تعالى : (وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ) وقوله عليه الصلاة والسلام : «لا ضرر ولا ضرار» (١) وبنهيه عن العصبية العمية كما

__________________

(١) رواه ابن ماجه في السنن (٢ / ٧٨٤) ، ١٣ ـ كتاب الأحكام ، ١٦ ـ باب من بنى في حقه حديث رقم (٢٣٤٠) و (٢٣٤١) ، ومالك في الموطأ (٢ / ٧٤٥) ، ٣٦ ـ كتاب الأقضية ، ٢٦ ـ باب القضاء حديث رقم (٣١) ، وأحمد في المسند (١ / ٦٧٢).

٣٤٠