تفسير آيات الأحكام

المؤلف:

الشيخ محمّد علي السايس


المحقق: ناجي إبراهيم سويدان
الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: المكتبة العصريّة
الطبعة: ١
ISBN: 9953-435-84-7
الصفحات: ٨٣١

إليه ولا نستقبله فأنزل قوله تعالى : (وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ).

قال الفخر الرازي : هذا القول هو الأقوى.

(قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ) دعاء عليهم بدوام الغيظ وزيادته بازدياد قوة الإسلام ونصرة أهله حتى يهلكوا به (إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) أي بما خفي فيها.

وهو يحتمل أن يكون من تتمة المقول لهم. أي قل لهم : إن الله عليم بما هو أخفى من عض الأنامل إذا خلوتم ، فيجازي به.

ويحتمل أن يكون خارجا عن المقول لهم : أي قل لهم ما تقدم ، ولا تتعجب من اطلاعي إياك على أسرارهم ، فإني عليم بما خفي في ضمائرهم.

(إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها) المسّ هنا والإصابة بمعنى واحد والمراد بالحسنة هنا النفع الدنيوي : كالصحة ، والخصب ، والألفة ، واجتماع الكلمة ، والظفر بالأعداء. والمراد بالسيئة : المحنة كإصابة العدو من المسلمين واختلاف الكلمة فيما بينهم.

(وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً) الكيد هو أن يحتال الإنسان ليوقع غيره في مكروه ، وفسره ابن عباس هنا بالعداوة.

والمعنى : أن من صبر على الطاعة واتّقى ما نهى الله عنه كان في حفظ الله ، فلا يضره كيد الكائدين ، ولا حيل المحتالين ، وتحقيق ذلك أنّ الله سبحانه وتعالى إنما خلق الخلق للعبادة كما قال : (وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)) [الذاريات : ٥٦] فمن وفّى بعهده العبودية في ذلك فالله أكرم من أن لا يفي بعهد الربوبية في حفظه من كل مكروه : (وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ) [الطلاق : ٢ ، ٣].

(إِنَّ اللهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) إطلاق لفظ محيط على الله تعالى مجاز ، لأن الإحاطة بالشيء من صفات الأجسام ، لكنه تعالى لما كان عالما بكل الأشياء ، قادرا على كل الممكنات جاز في مجاز اللغة أنّه محيط بها.

والمراد أن جميع أعمالهم معلومة لله تعالى ، وسيجازيهم عليها.

قال الله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠)).

المراد من أكل الربا أخذه ، وعبّر به لما أنّه معظم ما يقصد به ، ولشيوعه في المأكولات ، والأضعاف جمع ضعف ، وضعف الشيء مثله معه ، وضعفاه مثلاه معه. فإذا قيل : ضعف العشرة لزم أن تجعلها عشرين ، لأنّ العشرين أول مراتب تضعيفها. ولو قال :

٢٠١

له عندي ضعف درهم لزمه درهمان ، وله عندي ضعفا درهم لزمه ثلاثة دراهم.

كان الرجل في الجاهلية إذا كان له على إنسان مائة درهم إلى أجل ، فإذا حل الأجل ، ولم يكن المدين واجدا لذلك المال ، قال : زد في المال وأزيدك في الأجل ، فربما جعله مائتين ، ثم إذا حل الأجل الثاني ، فعل مثل ذلك ، إلى آجال كثيرة ، فيأخذ بسبب تلك المائة أضعافها. فهذا هو المراد من قوله تعالى : (أَضْعافاً مُضاعَفَةً) وليست هذه الحال لتقييد المنهيّ عنه : حتى يكون أصل الربا غير منهي عنه ، بل لمراعاة الواقع ، وللتشنيع عليهم ، بأن في هذه المعاملة ظلما صارخا ، وعدوانا مبينا ، واحتجّ بهذا نفاة مفهوم المخالفة ، القائلون بأن المخصوص بالذكر لا يدل على نفي ما عداه.

وأجيب بأنّ من شرط مفهوم المخالفة ألا يكون للمذكور فائدة غير التخصيص بالحكم ، ومتى ظهرت له فائدة سوى التخصيص بالحكم بطل وجه دلالته عليه ، والوصف بالتضعيف قد ذكر هنا لبيان الواقع كما تقدم ، فظهرت له فائدة غير التخصيص بالحكم ، فانتفى شرط العمل بمفهوم المخالفة هنا لذلك.

(وَاتَّقُوا اللهَ) فيما نهيتم عنه ، ومن جملته أكل الربا (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) لكي تفلحوا ، أو راجين الفلاح ، فمن أكل الربا ولم يتق الله لا يرجى فلاحه ، وهذا تنصيص على أن الربا من الكبائر لا من الصغائر.

(وَاتَّقُوا النَّارَ) أي احذروها بالتحرّز عن أكل الربا المفضي إلى دخول النار ، (الَّتِي أُعِدَّتْ) هيئت (لِلْكافِرِينَ) النار مخلوقة للكافرين معدّة لهم أولا وبالذات وغيرهم من عصاة المؤمنين يدخلها على وجه التبع ، وفي ذلك إشارة إلى أن أكلة الربا على شفا حفرة الكافرين. روي عن أبي حنيفة رضي الله عنه أنه كان يقول : إن هذه الآية هي أخوف آية في القرآن ، حيث أوعد الله المؤمنين بالنار المعدّة للكافرين إن لم يتقوه في اجتناب محارمه.

وتدل هذه الآية على أن النار مخلوقة الآن ، لأنّ قوله تعالى : (أُعِدَّتْ) إخبار عن الماضي ، فلا بد أن يكون ذلك الشيء المعدّ قد دخل في الوجود.

(وَأَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)) لمّا ذكر الوعيد ذكر الوعد بعده على ما هو العادة المستمرّة في القرآن الكريم.

٢٠٢

من سورة النساء

قال الله تعالى : (يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (١))

قوله جلّ شأنه : (وَبَثَّ مِنْهُما) معناه : نشر ، وفرّق منهما على سبيل التناسل والتوالد. وقوله : (تَسائَلُونَ بِهِ) معناه : يسأل بعضكم بعضا به ، مثل : أسألك بالله ، وأنشدك الله ، والمفاعلة على ظاهرها ، أو بمعنى تسألون كثيرا. الرقيب : الحفيظ المطلع العالم.

يأمر الله المكلّفين جميعا بامتثال ما أمر به ، واجتناب ما نهى عنه ، مما يتعلّق بحقوقه ، وحقوق عباده ، ويتناول ذلك بعمومه ما سيذكر في السورة بعد من صلة الأرحام ، ورعاية حال الأيتام ؛ والعدل في النكاح والميراث ، إلى غير ذلك.

ولقد أكّد الله الأمر بالتقوى بما يحمل المخاطبين على الامتثال ، فذكر اسمه بعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين ، ووصف نفسه بأنه خالقهم ، وأنّ مبدأ خلقهم نفس واحدة ، وأنه خلق منها زوجها ، ونشر من الزوجين رجالا كثيرا ونساء ، كلّ ذلك بما يؤيد الأمر ، ويؤكّد إيجاب الامتثال ، فإنّ الاستعمال جار على أن الوصف الذي علّق به الحكم علة موجبة له ، وداعية إليه ، ولا شك أنّ ما ذكر يدلّ على القدرة القاهرة ، والنعمة الجسيمة ، والمنة العظيمة ، والقدرة توجب التقوى حذرا من العقاب ، والنعمة تدعو إليها طلبا للمزيد ، ووفاء بالشكر الواجب.

وفي الامتنان بخلقنا من نفس واحدة ما يوجب الحرص على امتثال الأوامر الآتية ، فإنه جلّ شأنه ذكر عقيب الأمر بالتقوى الأمر بالإحسان إلى اليتامى والنساء والضعفاء ، وكون الناس بأسرهم مخلوقين من نفس واحدة له أثر في هذا المعنى بليغ ، ذلك لأنّ الأقارب لا بد أن يكون بينهم نوع مواصلة ومخالطة توجب مزيد المحبة ، ألا ترى أن الإنسان يفرح بمدح أقاربه وأسلافه ، ويحزن بذمهم والطعن فيهم ، وقد قال عليه الصلاة والسلام : «إنما فاطمة بضعة منّي يؤذيني ما آذاها ، وينصبني ما أنصبها» (١)

__________________

(١) رواه الترمذي في الجامع الصحيح (٥ / ٦٥٦) ، كتاب المناقب ، باب فضل فاطمة حديث رقم (٣٨٦٩).

٢٠٣

وإذا كان الأمر كذلك فلا جرم إن كان ذكر هذا المعنى سببا في زيادة الشفقة والحنوّ على اليتامى والنساء وذوي الأرحام.

والمراد من النفس الواحدة آدم عليه‌السلام ، والذي عليه الجماعة من الفقهاء والمحدثين أنه ليس سوى آدم واحد ، وهو أبو البشر ، والمراد من الزوج حوّاء ، وقد خلقت من ضلع آدم عليه‌السلام ، وأنكر أبو مسلم خلقها من الضلع ، لأنه سبحانه وتعالى قادر على خلقها من التراب ، فأي فائدة في خلقها من الضلع ، وزعم أنّ معنى (مِنْها) من جنسها ، على حد قوله تعالى : (جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً) [الشورى : ١١] وهو باطل ، إذ لو كان الأمر كما قال. لكان الناس مخلوقين من نفسين لا من نفس واحدة ، وهو خلاف النص.

وهو أيضا خلاف ما نطقت به الأخبار الصحيحة عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، روى الشيخان : «استوصوا بالنساء خيرا ، فإنهنّ خلقن من ضلع ، وإنّ أعوج شيء من الضلع أعلاه ، فإن ذهبت تقيمه كسرته ، وإن تركته لم يزل أعوج ، فاستوصوا بالنّساء خيرا» (١) وقدرة الله على خلق حواء من تراب لا تمنع عن خلقها من غيره. فقد خلق الناس بعضهم من بعض ، مع القدرة على خلقهم كآدم من تراب ، ولعلّ الفائدة في خلق حواء من ضلع آدم ـ سوى الحكمة التي خفيت علينا ـ إظهار أنه سبحانه قادر على أن يخلق حيا من حي ، لا على سبيل التوالد ، كما أنه قادر على أن يخلق حيا من جماد كذلك ، والله أعلم.

ثم أكد الله الأمر بالتقوى ، وكرّره بقوله جل شأنه : (وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ) وفي تعليق الحكم بما في حيز الصلة إشارة إلى نوع آخر من موجبات الامتثال ، فإنّ قول الرجل لصاحبه أسألك بالله على سبيل الاستعطاف يقتضي الاتقاء والحذر من مخالفة أوامره ونواهيه.

قرأ غير حمزة من السبعة (وَالْأَرْحامَ) بالنصب ، والمعنى على هذه القراءة ، واتقوا الله تعالى واتقوا الأرحام وصلوها ولا تقطعوها ، فإن قطعها مما يجب أن يتّقى.

وقرأ حمزة (وَالْأَرْحامَ) بالجر ، وخرّجت في المشهور على العطف على الضمير المجرور ، والعطف على الضمير المجرور دون إعادة الجارّ أجازه جماعة من النحاة وأنشد سيبويه في ذلك :

فاليوم قد بتّ تهجونا وتشتمنا

فاذهب فما بك والأيام من عجب

__________________

(١) رواه البخاري في الصحيح (٦ / ١٧٨) ، ٦٧ ـ كتاب النكاح ، ٨١ ـ باب الوصاة بالنساء حديث رقم (٥١٨٦) ، ومسلم في الصحيح (٢ / ١٠٩١) ، ١٧ ـ كتاب الرضاع ، ١٨ ـ باب الوصية بالنساء حديث رقم (٦٥ / ١٤٦٨).

٢٠٤

(إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً) في موضع التعليل للأمر ووجوب الامتثال يؤخذ من هذه الآية جواز المسألة بالله تعالى ، وقد روى الليث عن مجاهد عن ابن عمر قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «من سأل بالله فأعطوه وإن شئتم فدعوه».

ويؤخذ منها أيضا تعظيم حقّ الرّحم ، وتأكيد النهي عن قطعها ، إذ قرن الله الأرحام باسمه سبحانه ، وقال في موضع آخر : (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ (٢٢)) [محمد : ٢٢] فقرن قطع الرحم إلى الفساد في الأرض ، وأخرج الشيخان عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إنّ الله تعالى خلق الخلق حتّى إذا فرغ منهم ، قامت الرّحم ، فقالت : هذا مقام العائذ بك من القطيعة ، قال : نعم ، أما ترضين أنّ أصل من وصلك ، وأقطع من قطعك؟ قالت : بلى ، قال : فذلك لك» (١).

وتدل الآية أيضا على تقدير التساؤل بالأرحام ، لا سيما على قراءة حمزة : واعترض على ذلك ابن عطية ، وزعم أن الحديث الصحيح يردّه ، فقد أخرج الشيخان عنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت» (٢) وأنت تعلم أنّ قول الرجل لصاحبه : أسألك بالرحم أن تفعل كذا ، ليس الغرض منه سوى الاستعطاف والتأكيد ، فهو إذا ليس بيمين ، فلا يكون من متعلّق النهي الذي تضمّنه الأمر «فليحلف بالله» في شيء.

قال الله تعالى : (وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً (٢))

هذا شروع في تفصيل ما تجب تقوى الله فيه ، والخطاب للأوصياء ، ما دام المال بأيديهم ، واليتامى في حجورهم ، واليتيم من الإنسان من مات أبوه ، من اليتم وهو الانفراد ، والاشتقاق يقتضي صحة إطلاقه على الصغار والكبار ، لكنّ الشرع والعرف خصصاه بالصغار ، روى علي كرم الله وجهه وجابر بن عبد الله عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه قال : «لا يتم بعد احتلام» (٣).

لا خلاف بين أهل العلم في أنّ اليتيم لا يعطى ماله قبل البلوغ ، لكنّ ظاهر قوله

__________________

(١) رواه البخاري في الصحيح (٧ / ٩٦) ، ٧٨ ـ كتاب الأدب ، ١٣ ـ باب من وصل وصله الله حديث رقم (٥٩٨٧) ، ومسلم في الصحيح (٤ / ١٩٨١) ، ٤٥ ـ كتاب البر ، ٦ ـ باب صلة الرحم حديث رقم (١٦ / ٢٥٥٤).

(٢) رواه البخاري في الصحيح (٣ / ٢١٦) ، ٥٢ ـ كتاب الشهادات ، ٢٦ ـ باب كيف يستحلف حديث رقم (٢٦٧٩) ، ومسلم في الصحيح (٣ / ١٢٦٧) ، ٢٧ ـ كتاب الأيمان ، ١ ـ باب النهي عن الحلف بغير الله تعالى حديث رقم (٣ / ١٦٤٦).

(٣) رواه أبو داود في السنن (٣ / ٣٧) ، كتاب الوصايا ، باب ما جاء متى ينقطع اليتم حديث رقم (٢٨٧٣).

٢٠٥

تعالى : (وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ) يوجب إعطاءهم أموالهم قبل البلوغ ، فكان ذلك مشكلا ، وللعلماء فيه محملان :

الأول : أن يجعل إيتاء الأموال مجازا عن تركها سالمة من غير أن يتعرّض لها بسوء ، فالإيتاء مستعمل في لازم معناه ، وتبقى كلمة (الْيَتامى) على حقيقتها ، كما هو المتبادر منها شرعا وعرفا.

والمحمل الثاني : أن يكون الإيتاء مستعملا في حقيقته بمعنى الإعطاء بالفعل ، وتكون كلمة (الْيَتامى) مجازا باعتبار ما كان ، وأوثر التعبير عن الكبار باليتامى لقرب العهد بالصّغر ، وللإشارة إلى وجوب المسارعة والمبادرة بدفع أموالهم إليهم ، حتى كأنّ اسم اليتم باق غير زائل ، وهذا المعنى يسمى في الأصول بإشارة النص.

ولكل من المحملين ما يؤيده :

فحجة الأول : قوله تعالى بعد آيات (وَابْتَلُوا الْيَتامى) إلخ فإنه كالدليل على الآية الأولى في الحث على حفظ أموال اليتامى ، لتدفع إليهم عند بلوغهم ورشدهم ، وأنّ الآية الثانية في الحث على الدفع الحقيقي عند حصول البلوغ والرشد ، ولو كان الإيتاء في الآية الأولى باقيا على حقيقته لكان مؤدى الآيتين كالشيء الواحد.

وحجة المحمل الثاني : ما أخرجه ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير أن رجلا من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم ، فلما بلغ طلب المال فمنعه عمه ، فخاصمه إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم. فنزلت (وَآتُوا الْيَتامى) إلخ فإن ذلك يدلّ على أن المراد بالإيتاء الإعطاء بالفعل ، ولا سيما أنه قد روى الثعلبي (١) والواحدي عن مقاتل والكلبي (٢) أن العمّ لما سمعها قال : أطعنا الله ورسوله ، نعوذ بالله من الحوب الكبير (٣).

(وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ) تبدّل الشيء بالشيء ، واستبدله ، إذا أخذ الأوّل بدل الثاني ، بعد أن كان حاصلا له ، أو على شرف الحصول ، ويتعدّيان أبدا إلى الزائل بالباء ، وإلى بدله بأنفسهما كما هنا ، ومنه قوله تعالى : (وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ) [البقرة : ١٠٨] وقوله : (أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ) [البقرة : ٦١].

وأما التبديل أو الإبدال فهو التغيير مطلقا ، وقد يتعدّى إلى مفعول واحد ، (فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ) [البقرة : ١٨١] وإلى مفعولين بنفسه (فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ

__________________

(١) أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي أبو إسحاق المفسر توفي (٤٢٧) من أهل نيسابور له اشتغال بالتاريخ ، انظر الأعلام للزركلي (١ / ٢١٢).

(٢) محمد بن السائب بن بشر الكلبي توفي (١٤٦) نسابة ، عالم بالتفسير ، من أهل الكوفة ، انظر الأعلام للزركلي (٦ / ١٣٣).

(٣) معالم التنزيل للبغوي المعروف بتفسير البغوي (١ / ٣٩٦).

٢٠٦

حَسَناتٍ) [الفرقان : ٧٠] (فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ) [الكهف : ٨١] وإلى أحد المفعولين بنفسه والثاني بالباء سواء في ذلك الزائل وبدله ، (وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ) [سبأ : ١٦].

وقال طفيل الغنوي لما أسلم :

وبدل طالعي نحسي بسعدي

والمراد بالخبيث والطيب : الحرام والحلال ، أي لا تتركوا مالكم الحلال ، وتأكلوا الحرام من أموالهم ، أو لا تتركوا العمل الحلال ، وهو حفظ أموالهم ، وتركبوا الحرام ، وهو أكل أموالهم ، والعمل على اختزالها ، وأيا ما كان الأمر ؛ فالتعبير عن الحرام والحلال بالخبيث والطيب للتنفير من أكل أموال اليتامى ، والترغيب في حفظها وإنمائها.

وقد قال بعض المفسرين : المراد بالخبيث والطيب الرديء والجيّد ، وإلى ذلك ذهب النخعي ، والزهري ، وابن المسيب ، والسدي : فقد أخرج ابن جرير (١) عنه أنه قال : كان أحدهم يأخذ الشاة السمينة من غنم اليتيم ، ويجعل مكانها الشاة المهزولة ويقول : شاة بشاة ، ويأخذ الدرهم الجيد ، ويضع مكانه الزائف ، ويقول : درهم بدرهم. وتخصيص هذه المعاملة بالنهي لخروجها مخرج العادة ، لا لإباحة ما عداها ، فلا مفهوم لعدم توفّر شرطه عند القائل به.

(وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ) والمراد من الأكل مطلق الانتفاع ، وعبّر عنه بالأكل لأنه أغلب أحواله.

والمعنى : ولا تأكلوا أموالهم مضمومة إلى أموالكم ، أي لا تسوّوا بينهما ، وتنفقوهما معا ، وهذا حلال وذاك حرام ، وورد النهي على هذا الأسلوب يدل على تقبيح فعلهم ، والتشنيع عليهم ، حيث كانوا يأكلون أموال اليتامى مع الغنى عنها.

وإذا لا يلزم القائل بمفهوم المخالفة جواز أكل أموالهم وحدها ، وظاهر النهي عدم جواز أكل شيء من أموال اليتامى ، وقد خص من ذلك مقدار أجر المثل إذا كان الوصيّ فقيرا ، لقوله تعالى : (وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ) [النساء : ٦] وسيأتي الكلام فيه.

والضمير في قوله تعالى : (إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً) للأكل المفهوم من قوله جل شأنه : (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ) ، وقيل : للتبدل ، وقيل : لهما ، ويكون حينئذ منزّلا منزلة اسم الإشارة ، والحوب : الإثم ، وفي تنوينه ووصفه بأنه كبير تهويل لأمره المنهيّ عنه ، والتنصيص على أنه من كبائر الذنوب العظيمة.

__________________

(١) في تفسيره جامع البيان ، المشهور بتفسير الطبري (٤ / ١٥٣).

٢٠٧

واحتجّ الجصاص (١) بقوله تعالى : (وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ) على وجوب دفع المال إلى اليتيم إذا بلغ خمسا وعشرين سنة ، قال : لم يشترط في هذه الآية إيناس الرشد في دفع المال إليهم ، وظاهره يقتضي وجوب دفعه إليهم بعد البلوغ ، سواء آنسنا منهم الرشد ، أو لم نأنس ، إلا أنه قد شرطه في قوله تعالى : (فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ) [النساء : ٦] فكان ذلك مستعملا عند أبي حنيفة ما بين بلوغ الحلم وبين خمس وعشرين سنة ، فإذا بلغها ، ولم يأنس منه رشد ، وجب دفع المال إليه ، لقوله تعالى : (وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ) فيستعمله بعد خمس وعشرين سنة على مقتضاه وظاهره ، وفيما قبل ذلك لا يدفعه إلا مع إيناس الرشد ، لاتّفاق أهل العلم على أنّ إيناس الرشد قبل بلوغ هذه السن شرط وجوب دفع المال إليه ، يعني ولا إجماع على هذا الشرط بعد بلوغ هذه السن ، ثم قال : وهذا وجه سائغ من قبل أنّ فيه استعمال كلّ واحدة من الآيتين على فائدتها ، ومقتضى ظاهرها ، ولو اعتبرنا إيناس الرشد على سائر الأحوال لكان فيه إسقاط حكم الآية الأخرى رأسا ، ومعلوم أنّه متى أمكننا استعمال الآيتين على فائدتهما لم يجز الاقتصار بهما على إحداهما وإسقاط فائدة الأخرى.

وأنت تعلم أنّ هذا الاستدلال متوقف على أنّ المراد بالإيتاء الإعطاء والدفع بالفعل ، وأنّ المراد باليتامى اليتامى باعتبار ما كان ، وهو أحد احتمالين في الآية على ما سبق ، ونحن نقول : لم لا يجوز أن يكون المراد من الآية الاحتمال الثاني ، وهو أنّ الإيتاء مستعمل في الحفظ والصيانة ، واليتامى باق على حقيقته ، وحينئذ يكون في هذا التأويل إعمال كلّ من الآيتين على فائدتها ، ولو سلمنا قصر الآية على الاحتمال الأول ، فالتعارض بينها وبين قوله تعالى : (وَابْتَلُوا الْيَتامى) إلخ وقوله جل شأنه : (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ) تعارض الخاصّ مع العام ، لأنّ الآية الأولى توجب دفع المال إلى اليتامى كلهم ، والآيتان بعدها تحرّمان دفع المال إليهم إذا كانوا سفهاء ، ولا شكّ أنّ الخاص مقدّم على العامّ ، وسيأتي الكلام في وجه اختيار هذه السن عند قوله تعالى : (فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ) [النساء : ٦].

قال الله تعالى : (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا (٣))

المراد من الخوف العلم ، عبّر عنه بذلك إيذانا بكون المعلوم مخوفا محذورا ، والإقساط : الإنصاف والعدل ، أقسط أزال القسوط : وهو الظلم والحيف ، ويقال :

أقسط : أي صار ذا قسط ، والقسط العدل.

__________________

(١) أحكام القرآن للإمام أبي بكر الجصاص (٢ / ٤٩).

٢٠٨

(كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ) [النساء : ١٣٥]

ما طاب : ما مالت إليه نفوسكم واستطابته.

وفي قوله تعالى : (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ) تأويلات منها : ما رواه البخاريّ ومسلم والنسائي والبيهقي في «سننه» وغيرهم عن عروة بن الزبير أنه سأل عائشة رضي الله عنها ، عن هذه الآية فقالت : يا ابن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليها تشركه في ماله ، ويعجبه مالها وجمالها ، فيريد وليّها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها ، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره ، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ، ويبلغوا بهن أعلى سنتهن في الصّداق ، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهنّ (١).

وفي بعض الروايات (٢) هذه الزيادة : قالت عائشة رضي الله عنها : ثم إن الناس استفتوا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بعد هذه الآية فيهن فأنزل الله تعالى : (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَ) [النساء : ١٢٧] قالت : وقوله تعالى : (وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ) المراد منه هذه الآية : (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ).

والمعنى على هذه الرواية : وإن علمتم ألا تعدلوا في نكاح اليتامى اللاتي تلونهنّ ، فانكحوا ما مالت إليه نفوسكم من النساء غيرهنّ.

والمقصود في الحقيقة النهي عن نكاح اليتامى عند خوف عدم العدل ، إلا أنه أوثر التعبير عنه بالأمر بنكاح الأجنبيات كراهة النهي الصريح عن نكاح اليتيمات ، ولما فيه من مزيد اللطف في صرف المخاطبين عن نكاح اليتامى حال العلم بعدم العدل ، فكأنه قيل : وإن خفتم ألا تقسطوا في نكاح اليتامى فلا تنكحوهن ، ولكم في غيرهن من النساء متسع ، فانكحوا ما طاب لكم.

ومنها أنه لما نزلت آية (وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ) تحرّج الأولياء من ولايتهم ، مع أنّهم كانوا لا يتحرّجون من ترك العدل في حقوق النساء ، حيث إن تحت الرجل عشر منهن لا يعدل بينهن ؛ فقيل لهم : إن خفتم ترك العدل في حقوق اليتامى فتحرجتم ، فخافوا أيضا ترك العدل بين النساء ، وقلّلوا عدد المنكوحات منهن ، لأنّ من تحرّج من ذنب وهو مرتكب مثله فهو غير متحرج.

__________________

(١) رواه البخاري في الصحيح (٥ / ٢٠٩) ، ٦٥ ـ كتاب تفسير القرآن ، ١ ـ باب (إن خفتم) حديث رقم (٤٥٧٤) ، ومسلم في الصحيح (٤ / ٢٣١٣) ، ٥٤ ـ كتاب التفسير حديث رقم (٦ / ٣٠١٨).

(٢) انظر تخريج الحديث السابق نفسه.

٢٠٩

وقيل : كانوا لا يتحرّجون من الزنى ، وهم يتحرّجون من ولاية اليتامى ، فقيل : إن خفتم الحوب في حق اليتامى فخافوا الزنى فانكحوا ما طاب إلخ.

والآية على تأويل عائشة تشهد لمن قال : إنّ لغير الأب والجد أن يزوّج الصغيرة أو يتزوجها ، لأنها ـ على هذا التأويل ـ نزلت في اليتيمة تكون في حجر وليها ، فيرغب في مالها وجمالها ، ولا يقسط لها في الصداق.

وأقرب وليّ تكون اليتيمة في حجره ويجوز له تزوجها هو ابن العم ، فقد تضمّنت الآية جواز أن يتزوّج ابن العم اليتيمة التي في حجره ، وإذا جاز له أن يتزوجها ، فإمّا أن يلي هو النكاح بنفسه ، وإمّا أن يزوجه إياها أخوها مثلا ، وأيا ما كان الأمر فلغير الأب والجد أن يزوّج الصغيرة.

ومن قال من الأئمة : لا يزوّج الصغيرة إلا الأب أو الجد ، يحمل الآية على أحد التأويلين الآخرين ، أو يحمل اليتامى على الكبار منهنّ ، ويكون التعبير عنهنّ باليتامى باعتبار ما كان ، لقرب عهدهن باليتم.

والأمر في قوله تعالى : (فَانْكِحُوا) للإباحة ، مثل قوله تعالى : (كُلُوا وَاشْرَبُوا) [البقرة : ٦٠] وقيل : للوجوب ، أي وجوب الاقتصار على العدد المأخوذ من قوله تعالى : (مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ) لا وجوب أصل النكاح ، وتمسك الظاهرية بهذه الآية في وجوب أصل النكاح ، وهم محجوجون بقوله تعالى : (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً) إلى قوله تعالى : (وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ) [النساء : ٢٥] فحكم تعالى بأنّ ترك النكاح في هذه الصورة خير من فعله ، فدلّ ذلك على أنه ليس بمندوب فضلا عن أنه واجب.

وقوله تعالى : (مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ) حال من فاعل (طابَ) أو من مرجعه ، أو بدل منه ، والكلمات الثلاث من ألفاظ العدد ، وتدلّ واحدة منها على المكرّر من نوعها ، ف (مَثْنى) تدل على اثنين اثنين ، و (ثُلاثَ) تدل على ثلاثة ثلاثة ، و (رُباعَ) تدل على أربعة أربعة. والمراد منها هنا الإذن لكل من يريد الجمع أن ينكح ما شاء من العدد المذكور متفقين فيه ومختلفين.

ولو أفردت كان المعنى تجويز الجمع بين هذه الأعداد دون التوزيع ، ولو ذكرت (بأو) لذهب تجويز الاختلاف في العدد ، وفي هذه الآية دلالة على جواز تعدد الزوجات إلى أربع ، وعلى أنه لا يجوز التزوّج بأكثر من أربعة مجتمعات ، لأنّ هذا العدد قد ذكر في مقام التوسعة على المخاطبين كما علمت ، فلو كان وراء هذا العدد مباح لا قتضى المقام ذكره.

وقد أجمع فقهاء الأمصار على أنه لا يجوز الزيادة على الأربع ، ولا يقدح في هذا الإجماع ما ذهب إليه بعض المبتدعة من جواز التزوّج بأي عدد ، فإنّ الإجماع قد

٢١٠

وقع ، وانقضى عصر المجمعين قبل ظهور هؤلاء الشّذاذ المخالفين.

وتمسّك الإمام مالك بظاهر هذه الآية في مشروعية نكاح الأربع للأحرار والعبيد ، فالعبيد داخلون في الخطاب بقوله تعالى : (فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ) إلخ. فيجوز لهم أن ينكحوا أربعا كالأحرار ، ولا يتوقف نكاحهم على الإذن ، لأنهم يملكون الطلاق ، فيملكون النكاح.

وذهب الحنفية والشافعية إلى أن العبد لا يجمع من النساء فوق اثنتين ، لما روى الليث عن الحكم قال : أجمع أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم على أن العبد لا يجمع من النساء فوق اثنتين ، قالوا : والخطاب في قوله تعالى : (فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ) لا يتناول العبيد ، لأنه إنما يتناول إنسانا متى طابت له امرأة قدر على نكاحها ، والعبد ليس كذلك ، لأنه لا يجوز نكاحه إلا بإذن مولاه ، لقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أيّما عبد تزوّج بغير إذن مولاه فهو عاهر» (١) ، ولأن في تنفيذ نكاحه تعييبا له ، فلا يملكه دون إذن المولى.

وأيضا قوله تعالى بعد : (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) لا يمكن أن يدخل فيه العبيد ، لعدم الملك ، فحيث لم يدخلوا في هذا الخطاب لم يدخلوا في الخطاب الأول ، لأن هذه الخطابات وردت متتالية على نسق واحد ، فبعيد أن يدخل في الخطاب السابق ما لا يدخل في اللاحق.

وكذلك لا يمكن دخولهم في قوله تعالى : (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً) [النساء : ٤] والعبد لا يأكل ما طابت عنه نفس امرأته من المهر ، بل يكون لسيده فيكون الآكل السيّد لا العبد.

(فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا) المراد بالعدل هنا العدل بين الزوجات المتعددات ، كما صرّح بذلك في قوله تعالى : (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ) [النساء : ١٢٩] كأن الله تعالى لما وسّع عليهم بقوله : (فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ) أنبأهم أنه قد يلزم من الاتساع خوف الميل ، فالواجب حينئذ أن يحترزوا بالتقليل ، فيقتصروا على الواحدة ، والمعنى : فإن خفتم ألا تعدلوا بين النساء المتعددات في عصمتكم ، كما خفتموه في حق اليتامى ، فاختاروا أو فالزموا واحدة ، أو أي عدد شئتم من السراري من غير حصر ، لقلّة تبعتهنّ ، وخفّة مؤونتهنّ ، وعدم وجوب القسم فيهنّ.

وعلى هذا التأويل : يكون المراد من اختيار الإماء اختيارهن بطريق التسرّي ، لا

__________________

(١) رواه أبو داود في السنن (٢ / ١٩٠) ، كتاب النكاح حديث رقم (٢٠٧٨) ، والترمذي في الجامع الصحيح (٣ / ٤١٩) ، كتاب النكاح حديث رقم (١١١١).

٢١١

بطريق النكاح ، ويشهد له أن الظاهر اتحاد المخاطبين في المعطوف والمعطوف عليه في قوله تعالى : (فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) وعليه يكون الذي خيّر بين الحرة الواحدة والعدد من الإماء هو مالك الإماء لا غير ، ولو كان التخيير واقعا بين أن يتزوج حرّة واحدة ، أو يتزوج من شاء من الإماء اللاتي يملكهنّ لاقتضى ذلك ورود النكاح على ملك اليمين.

وقد قالوا : لا يجوز أن يتزوّج المولى أمته ، ولا المولاة عبدها ، لأنّ للزوجية لوازم تنافي لوازم ملك اليمين ، ألا ترى أنّ من لوازم الزوجية حقّ الإخدام على الزوج لزوجته ، ومن لوازم الملك حق الاستخدام عليها لسيدها ولمن شاء ، ومعلوم أن الإخدام والاستخدام لا يجتمعان ـ وأنه متى تنافت اللوازم تنافت الملزومات ، فلا يجتمع ملك اليمين والزوجية ، والآية هنا جارية في الخطاب على خلاف ما جرت عليه الآية الآتية ، وهي قوله تعالى : (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) [النساء : ٢٥] فإن المأمورين بالنكاح هنا غير المخاطبين بملك اليمين.

وذلك ظاهر بشهادة قوله : (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ) وقوله بعد : (فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَ) [النساء : ٢٥] وسيأتي عما قريب إيضاح ذلك إن شاء الله.

وقد حاول الجصاص (١) الاستدلال بقوله تعالى : (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) على جواز التزوّج بالأمة مع وجود الطول إلى الحرة ، وسلك بالآية طريقا لم يرتضه جمهور المفسرين.

وذلك أنه يرى أنّ قوله تعالى : (أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) معطوف على كلمة (النِّساءِ) في قوله تعالى : (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ) وبذلك يكون التخيير واقعا بين أربع حرائر وأربع إماء : بعقد النكاح ، فيوجب ذلك تخييره بين تزوج الحرة والأمة ، وهذا بعيد كل البعد كما ترى.

ويرى أيضا عدم اتحاد المخاطبين في قوله تعالى : (فَانْكِحُوا) وقوله تعالى : (فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) قال : لما أضاف ملك اليمين إلى الجماعة كان المراد نكاح ملك يمين الغير ، كقوله تعالى : (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً) إلخ ، وقد علمت ما فيه آنفا.

(ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا) الإشارة إلى اختيار الواحدة والتسرّي.

(أَدْنى) معناه أقرب. والعول في الأصل الميل المحسوس ، يقال : عال الميزان عولا إذا مال ، ثم نقل إلى الميل المعنوي ، وهو الجور ، يقال عال الحاكم إذا جار ، والمراد هنا الميل المحظور المقابل للعدل ، المعنى أن ما ذكر من اختيار الواحدة

__________________

(١) أحكام القرآن للإمام أبي بكر الجصاص (٢ / ١٥٧).

٢١٢

والتسرّي أقرب بالنسبة إلى ما عداهما من ألا يميلوا ميلا محظورا ، فإنّ من اختار واحدة فقد انتفى عنه الميل والجور رأسا ، ومن تسرّى فقد انتفى عنه خطر الجور والميل ، أما من اختار عددا من الحرائر ؛ فالميل المحظور متوقّع منه لا محالة.

وقد حكي عن الإمام الشافعي رضي الله عنه أنه فسر (أَلَّا تَعُولُوا) بألا تكثر عيالكم ، وخطّأه في ذلك الجصاص تبعا للمبرّد (١) ، وزعما أنه لا يقال : عال بمعنى كثرت عياله ، وإنما يقال : أعال يعيل ، ولكنّ صاحب «الكشاف» (٢) ، قال : نقل الكسائي عن فصحاء العرب : عال يعول إذا كثرت عياله ، وممن نقله الأصمعي (٣) والأزهري (٤) ، وهذا التفسير نقله ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم ، وهو من جلة التابعين ، وقراءة طاووس ألا تعيلوا مؤيدة له ، فلا وجه لتشنيع من شنّع على الإمام جاهلا باللغات والآثار ا ه.

قال الله تعالى : (وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً (٤))

المراد بالإيتاء : ما يعمّ المناولة والالتزام.

و (الصّدقات) : جمع صدقة بفتح الصاد وضم الدال ، وهي كالصداق بمعنى المهر.

والنّحلة : العطية من غير عوض ، ومن ذلك النّحلة بمعنى الديانة ، لأنها عطية من الله تعالى ، وكذلك النحل لما يعطي من العسل ، والناحل المهزول ، كأنه أعطى لحمه حالا بعد حال بلا عوض ، والمنحول من الشّعر المنسوب لغير قائله ، ومن فسّر النّحلة هنا بالفريضة نظر إلى أنّ هذه العطية مفروضة من الله محتومة ، كما قال تعالى بعد آيات المواريث (فَرِيضَةً مِنَ اللهِ) [النساء : ١١].

ذهب ابن عباس إلى أن الخطاب في قوله تعالى : (وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَ) للأزواج ، وكان الرجل يتزوّج بلا مهر ، يقول : أرثك وترثينني ، فتقول : نعم ، فأمروا أن يسرعوا إلى إيتاء المهور ، وقيل : الخطاب للأولياء : أخرج ابن حميد وابن أبي حاتم عن أبي صالح قال : كان الرجل إذا زوج أيّما ، أخذ صداقها دونها ، فنهاهم الله عن ذلك ونزلت : (وَآتُوا النِّساءَ) الآية (٥).

__________________

(١) محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الثمالي ، إمام العربية والأدب في بغداد توفي سنة (٢٨٦) انظر الأعلام للزركلي (٧ / ١٤٤).

(٢) الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل للإمام الزمخشري (١ / ٤٦٩).

(٣) عبد الملك بن قريب بن علي توفي سنة (٢١٦ ه‍) في البصرة ، أحد أئمة اللغة والشعر ، انظر الأعلام للزركلي (٤ / ١٦٢).

(٤) محمد بن أحمد بن الأزهر الهروي أحد أئمة اللغة والأدب توفي (٣٧٠) في خراسان ، انظر الأعلام للزركلي (٥ / ٣١١).

(٥) انظر الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي (٢ / ١١٩).

٢١٣

والضمير المجرور بمن في قوله تعالى : (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً) عائد على الصّدقات ، وذكر لإجرائه مجرى الإشارة ، وكثيرا ما يشار بالمفرد إلى المتعدد ، كأنه قيل : طبن لكم عن شيء من ذلك المذكور ، وهو الصدقات ، كما قال رؤبة :

فيها خطوط من سواد وبلق

كأنّه في الجلد توليع البهق

أراد : كأنّ ذلك ، وليس المراد من قوله تعالى : (فَكُلُوهُ) خصوص الأكل ، إنما المراد حلّ التصرف فيه ، وخصّ الأكل بالذكر ، لأنه معظم وجوه التصرفات المالية ، وتقدّم نظيره في قوله تعالى : (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ) [النساء : ٢] والهنيء والمريء صفتان من هنؤ الطعام يهنؤ هناءة ، فهو هنيء ، ومرؤ يمرؤ مراء ، فهو مريء.

قيل : معناهما واحد ، وهو خفة الطعام على المعدة ، وانحداره عنها بلا ضرر.

وقيل : الهنيء الذي يلذه الآكل ، والمريء ما تحمد عاقبته ، وقيل : ما ينساغ في مجراه ، وهو المريء كأمير ، وهو رأس المعدة اللاصق بالحلقوم ، سمّي بذلك لمرور الطعام فيه أي انسياغه.

دلت هذه الآية على أمور منها ، أن الفروج لا تستباح إلا بصداق ملزم ، سواء سمّي ذلك في العقد أو لم يسمّ.

وأن الصداق ليس في مقابلة الانتفاع بالبضع ، لأنّ الله تعالى جعل منافع النكاح : من قضاء الشهوة ، والتوالد ، مشتركة بين الزوجين ، ثم أمر الزوج بأن يؤتي الزوجة المهر ، فكان ذلك عطية من الله ابتداء.

وأنه يجوز للزوجة أن تعطي زوجها مهرها ، أو جزءا منه ، سواء أكان مقبوضا معينا ، أم كان في الذمة ، فشمل ذلك الهبة والإبراء ، وأنه ينبغي للأزواج الاحتياط فيما أعطت نساؤهم ، حيث بني الشرط على طيب النفس ، فقال : (فَإِنْ طِبْنَ) ولم يقل : فإن وهبن إعلاما بأنّ المراعى في ذلك هو تجافيها عن المعطى طيّبة به نفسها ، من غير أن يكون السبب فيه شراسة خلق الزوج ، أو سوء معاشرته.

وأنه يحلّ للزوج أخذ ما وهب زوجته بالشرط السابق من غير أن يكون عليه تبعة في الدنيا والآخرة.

واحتج الجصاص بقوله تعالى : (وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً) على إيجاب المهر كاملا للمخلو بها خلوة صحيحة ، ولو طلّقت قبل المساس ، وأنت تعلم أنّ هذه الآية عامة في كل النساء بسواء المخلوّ بها وغيرها ، إلّا أنّ قوله تعالى : (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ) [البقرة : ٢٣٧] يدل على أنه لا يجب للمخلوّ بها إلا نصف المهر ، وهذه الآية خاصّة ، ولا شك أن الخاصّ مقدم على العام ، فالخلوة الصحيحة لا تقرّر المهر كلّه.

٢١٤

قال الله تعالى : (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِياماً وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (٥))

أصل السفه : الخفة والحركة. يقال تسفّهت الريح الشجر إذا أمالته ، والمراد به هنا خفّة الأحلام ، واضطراب الآراء ، ومن معاني القيام الانتصاب على القدمين ، والاعتدال ، وما يعاش به ، وهذا الأخير هو المناسب هنا.

واختلف المفسّرون في تعيين المخاطبين بقوله تعالى : (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ) كما اختلفوا في المراد من السفهاء على أقوال أشهرها : أن المخاطبين هم أولياء اليتامى ، والسفهاء هم اليتامى مطلقا ، أو المبذرون بالفعل ، والأموال أموالهم ، لا أموال الأولياء ، وعليه يكون ذكر هذه الآية الكريمة رجوعا لبيان شيء من الأحكام المتعلقة بأموال اليتامى ، وتفصيلا لما أجمل فيما سبق ، ويكون ذكر الأحكام المتعلقة بنكاح الأجنبيات ومهورهنّ وهبتهنّ استطرادا ، وإنما أضيفت الأموال إلى ضمير الأولياء المخاطبين مع أنها أموال اليتامى للمبالغة في حملهم على المحافظة عليها ، بتنزيل أموال اليتامى منزلة أموال الأولياء ، لما بين الولي واليتيم من الاتحاد في الجنس والنسب ، ونظيره قوله تعالى : (فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ) [النور : ٦١] وقوله : (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) [النساء : ٢٩] فإنّ المراد لا يقتل بعضكم بعضا ، إلّا أنّه عبّر عن نوعهم بأنفسهم مبالغة في الزجر عن القتل ، حتى كأنّ قتلهم قتل أنفسهم ، وعلى هذا القياس قوله تعالى : (الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِياماً) إذ عبّر عن جعل الأموال مناطا لمعاش اليتامى بجعلها مناطا لمعاش الأولياء ، وإلى تفسير الآية بما ذكرنا ذهب عكرمة وابن جبير وكثير من متأخري المفسرين.

وروي عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم أنّ الخطاب لكلّ عاقل من الناس جميعا ، وأنّ المراد من السفهاء النساء والصبيان ، والمقصود النهي عن إيتاء المال لمن لا رشد له من هؤلاء ، وعليه تكون إضافة الأموال إلى ضمير المخاطبين على حقيقتها.

وقيل : المراد من السفهاء النساء خاصة ، سواء أكنّ أزواجا أم أمهات أم بنات.

وقيل : إنّ السفهاء عامّ في كلّ من ليس له عقل يفي بحفظ المال وحسن التصرف فيه ، ويدخل فيه الصبيّ والمجنون والمحجور عليه للتبذير.

وعلى أي تأويل ترى في قوله تعالى : (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِياماً) دلالة على النهي عن تضييع المال ، ووجوب حفظه وتدبيره ، وحسن القيام عليه ، حيث قد جعله تعالى سببا في إصلاح المعاش وانتظام الأمور ، وكان السلف يقولون : المال سلاح المؤمن.

٢١٥

وقال بعضهم : لأن أترك مالا يحاسبني الله عليه خير من أن أحتاج إلى الناس.

وقال قيس بن سعد : اللهم ارزقني حمدا ومجدا فإنّه لا حمد إلا بفعال ، ولا مجد إلا بمال.

وقيل لأبي الزناد : لم تحب الدراهم وهي تدنيك من الدنيا؟ فقال : هي إن أدنتني منها فقد صانتني عنها ، وفي منثور الحكم : من استغنى فقد كرم على أهله ، وكانوا يقولون : اتّجروا واكتسبوا ، فإنكم في زمان إذا احتاج أحدكم فيه كان أول ما يأكل دينه.

(وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ) أي اجعلوا أموالكم مكانا لرزقهم وكسوتهم بأن تتّجروا فيها حتى تكون نفقتهم من الربح لا من صلب المال ، لئلا يأكله الإنفاق ، وهذا ما يقتضيه جعل الأموال نفسها ظرفا للرزق والكسوة ، ولو قيل (منها) لكان الإنفاق من نفس المال.

وفي الآية دلالة على وجوب الحجر على المبذّرين من وجهين :

أحدهما : منعهم من أموالهم :

والثاني : إجازة تصرفنا عليهم في الإنفاق عليهم من أموالهم ، وشراء أقواتهم وكسوتهم.

(وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً) كل ما سكنت إليه النفس لحسنه شرعا أو عقلا من قول أو عمل فهو معروف ، وكل ما أنكرته النفس لقبحه شرعا أو عقلا فهو منكر ، فالمراد بالقول المعروف هنا الكلام الذي تطيب به نفوسهم ، كأن يقول الولي لليتيم : مالك عندي ، وأنا أمين عليه ، فإذا بلغت ورشدت أعطيتك مالك.

وعن مجاهد وابن جريج أنهما فسرا القول المعروف بعدة جميلة في البر والصلة ، وقال القفال : إن كان صبيا فالولي يعرفه أنّ المال ماله. وهو خازن له ، وأنه إذا كبر ردّ إليه ماله ، وإن كان سفيها وعظه ونصحه ، وحثّه على الطاعة ، ونهاه عن التبذير والإسراف ، وعرّفه أنّ عاقبة الإتلاف فقر واحتياج.

قال الله تعالى : (وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللهِ حَسِيباً (٦))

الابتلاء : الاختبار.

المراد ببلوغ النكاح هنا وبلوغ الحلم المذكور في قوله تعالى : (وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ) [النور : ٥٩] الوصول إلى حد البلوغ ، وهو حد التكليف ، والتزام الأحكام ، وذلك إما أن يكون بالاحتلام أو الحيض أو بالسن كما هو معروف في كتب الفقه.

٢١٦

وأصل الإيناس النظر إلى ما يؤنس به من بعد مع وضع اليد على العين ، وقيل : أصله الإبصار مطلقا ، وقيل : الإحساس ، وعلى كل فالمراد به هنا التبيّن : أي علم الرشد بيّنا ، والرشد الاهتداء إلى وجوه الخير ، والمراد به هنا الاهتداء إلى حفظ الأموال فقط ، أو مع صلاح الدين ، وإذا متمحضة للظرفية أو شرطية وجوابها الجملة الشرطية بعدها.

لمّا أمر الله بإيتاء أموالهم على الإطلاق بقوله : (وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ) شرع في تعيين وقت تسليمهم أموالهم ، وبيان شرط ذلك الدفع ، فأمر الأولياء باختبار اليتامى في عقولهم وأحوالهم حتّى إذا علموا منهم بعد البلوغ أنّ لهم فهما وعقلا وقدرة في معرفة المصالح والمفاسد دفعوا إليهم أموالهم.

واتفق الإمامان أبو حنيفة والشافعي على أنّ هذا الاختبار يكون قبل البلوغ وتشهد لهما الغاية ، وقال الإمام مالك : إنه بعد البلوغ.

وفرّع أبو حنيفة على ذلك أنّ تصرفات الصبي العاقل المميز بإذن الولي صحيحة ، لأنّ ذلك الاختبار إنما يحصل إذا أذن له الولي في البيع والشراء مثلا ، وذلك يقتضي صحة التصرف ، وقال الشافعي : الاختبار لا يقتضي الإذن في التصرف ، ولا يتوقف عليه ، بل يكون الاختبار دون التصرف ، على حسب ما يليق بحال الصبي ، فابن التاجر مثلا يختبر في البيع والشراء إلى حيث يتوقف الأمر على العقد ، وحينئذ يعقد الولي إن أراد ، وعلى هذا القياس.

وأنت خبير بأنّه لو جاز إذن الصبي في التصرف بالفعل لجاز دفع المال إليه وهو صبي ، لأنّ المعنى الذي من أجله منع عنه ماله هو بعينه يقتضي عدم صحة تصرفه.

وأيضا تصرف الصبي في ماله يتوقف على دفعه إليه ، ودفعه إليه موقوف على شرطين : بلوغه ، ثم رشده.

وظاهر قوله تعالى : (حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ) أنه لا تدفع أموالهم إليهم ، ولو بلغوا ، ما لم يؤنس منهم الرشد ، وهو مذهب الشافعي ، وقول الصاحبين (١) ، وبه قال مجاهد ، فقد أخرج ابن المنذر وغيره عنه أنه قال : لا يدفع إلى اليتيم ماله ؛ وإن شمط ، ما لم يؤنس منه رشد ، ونسب هذا القول للشعبي.

وقال الإمام أبو حنيفة : إذا بلغ خمسا وعشرين سنة دفع إليه ماله ، وإن لم يؤنس منه

__________________

(١) وهما : يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري الكوفي ، البغدادي ، وهو أول من نشر مذهب أبي حنيفة ، كان من حفاظ الحديث توفي سنة (١٨٢) انظر الأعلام للزركلي (٨ / ١٩٣) ، ومحمد بن الحسن بن فرقد ، أبو عبد الله ولد بواسط ونشأ بالكوفة ، مات في الري سنة (١٨٩ ه‍) انظر الأعلام للزركلي (٦ / ٨٠).

٢١٧

رشد ، وتقدم احتجاجه على ذلك عند الكلام على قوله تعالى : (وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ).

ونزيد على ما تقدّم أن الجصاص وصاحب «الكافي» قالا في الاحتجاج لمذهب الإمام : إنّ الشرط (رشد) نكرة ، فإذا صار الشرط في حكم الوجود بوجه وجب جزاؤه ، وأوّل أحوال البلوغ قد يقارنه السفه باعتبار أثر الصبا ، وإذا امتدّ الزمان وظهرت الخبرة والتجربة لم يبق أثر الصبا ، وحدث ضرب من الرشد لا محالة.

وأنت تعلم أنّه إذا كان ضرب من الرشد كافيا كان الدفع حينئذ عن إيناس الرشد ـ وهو مذهب الشافعي والصاحبين ـ فلا يصحّ أن يقال : إنّ مذهب الإمام وجوب دفع المال إلى اليتيم بعد الخمس والعشرين سنة ، سواء أونس منه رشد أم لا ، بل يكون الخلاف بين الإمام وغيره في تعيين الرشد الذي اعتبر شرطا للدفع في الآية ماذا هو؟

وذلك أمر آخر وراء ما نقل عن الإمام في هذه المسألة : على أنه إن أريد بهذا الضرب من الرشد الرشد في مصلحة المال ، فكونه لا بد أن يحصل في سن خمس وعشرين سنة في حيز المنع ، وإن أريد ضرب من الرشد كيفما كان فهو يكاد يكون مصادمة للآية ، لأنها كالصريحة في اشتراط الرشد في ضبط الأموال ورعايتها ، ألا ترى أن الابتلاء المأمور به في أول الآية هو ابتلاؤهم فيما يتعلق بحفظ المال ورعايته ، وقد قال الله تعالى بعد ذلك الأمر : (فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا) إلخ فيجب أن يكون المراد فإن آنستم منهم رشدا في رعاية مصالح المال ، لا ضربا من الرشد كيفما كان ، وإلا تفكك النّظم ، وضاع انسجام الكلام.

ومخالف الإمام يقوّي الاستدلال بالآية على مذهبه بالقياس الجلي ، وذلك أن الصبيّ إنما منع منه ماله لفقدان العقل الهادي إلى حفظ المال وكيفية الانتفاع به ، فإذا كان هذا المعنى قائما بالشيخ والشاب كانا في حكم الصبي ، فوجب أن يمنع دفع المال إليهما ما لم يؤنس منهما الرشد.

قال صاحب «روح المعاني» (١) من الحنفية : ولقوة كلام المخالف في هذه المسألة شنّع ابن حزم ـ ودأبه التشنيع على الأئمة ـ على أبي حنيفة رضي الله عنه ، مع أنّ من تدبر ما ذهب إليه الإمام علم أن نظره في ذلك دقيق ، لأن اليتيم إذا بلغ مبلغ الرجال ، واعتبر إيمانه وكفره ، وسلّم الله إليه نفسه يتصرف فيها حسب اختياره ، كان منع ماله عنه أشبه شيء بالظلم ، وهذا وإن اقتضى دفع المال إليه بعد البلوغ فورا ، إلا أنّنا أخّرنا الدفع إلى هذه المدة للتأديب ، ورجاء الرشد ؛ والكف عن السفه ، وما فيه من تبذير المال وفساده.

وسنّ البلوغ ثمانية عشر سنة زيد عليها سبع سنوات ، لأنها مدة معتبرة شرعا في

__________________

(١) روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ، للإمام الألوسي (٤ / ٣٠٧).

٢١٨

تغيير الأحوال ، إذ الطفل يميّز بعدها ، ويؤمر بالصلاة كما في الحديث (١) ، وبانضمامها إلى سن البلوغ يكمل لبّه ، ويبلغ أشدّه ، ألا ترى أنه قد يصير جدا صحيحا في هذه السن ، فإذا بلغ هذه السن ، ولم يتأدب : انقطع عنه الرجاء غالبا.

(وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ).

الإسراف : مجاوزة الحدّ المباح إلى ما لم يبح.

والبدار : المسارعة ، والمفاعلة بمعنى أصل الفعل ، أو على أنها بأن يبادر الولي أخذ مال اليتيم ، واليتيم يبادر نزعه.

كبر : يكبر كعلم يعلم ، يستعمل في السن ، وكبر يكبر كعظم يعظم في القدر والشرف.

واستعف عن الشيء كف عنه ، وتركه ، وهو أبلغ من عف ، كأنه طلب زيادة العفة.

المعنى : أن الله ينهى الأولياء والأوصياء أن يأكلوا أموال اليتامى مسرفين ومبادرين كبرهم ، ويرشدهم إلى أنّ من كان منهم ذا مال فليكفّ نفسه عن مال اليتيم ، ولينتفع بما آتاه الله ، ومن كان منهم فقيرا فليأكل من مال اليتيم بقدر حاجته الضرورية ، من سد الجوعة ، وستر العورة.

وجملة : (وَلا تَأْكُلُوها) إلخ ، معطوفة على جملة (وَابْتَلُوا الْيَتامى) ولا يصح عطفها على جواب الشرط قبلها ، لفساد المعنى ، لأنّ جواب الشرط وهو (فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ) يكون بعد البلوغ ، والأكل إسرافا وبدارا أن يكبروا يكون قبل البلوغ ، والنهي عن الأكل ـ الذي هو أساس الانتفاع ، وتكثر الحاجة إليه ـ يدلّ على أن غيره من سائر الانتفاعات منهيّ عنه بطريق الأولى.

وقد استدلّ الجصاص بقوله تعالى : (وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا) على أنه لا يجوز للولي إمساك مال اليتيم بعد ما يصير في حد الكبر ، قال : ولو لا ذلك لما كان لذكر الكبر هاهنا معنى ، إذ كان الولي عليه هو المستحق لماله قبل الكبر وبعده ، فهذا يدلّ على أنه إذا صار في حد الكبر استحق دفع المال إليه.

وجعل أبو حنيفة حد الكبر في ذلك خمسا وعشرين سنة ، لأنّ مثله يكون جدا ، ومحال أن يكون جدا ولا يكون في حد الكبار.

ويقول الشافعية : إنّ المراد من قوله : (أَنْ يَكْبَرُوا) أن يبلغوا راشدين ، عملا بقوله تعالى : (حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ) وعبّر عن ذلك بالكبر لأنّ الغالب أنّ من بلغ حدّ الرجال كان رشيدا.

__________________

(١) رواه أبو داود في السنن (١ / ١٩٧) ، كتاب الصلاة ، باب متى يؤمر الفلاح حديث رقم (٤٩٤) ، والترمذي في الجامع الصحيح (٢ / ٢٥٩) ، كتاب الصلاة ، باب ما جاء متى يؤمر الصبي حديث رقم (٤٠٧).

٢١٩

وظاهر قوله تعالى : (وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ) يدل على الإذن للوصيّ الفقير في أن ينتفع من مال اليتيم بمقدار الحاجة ، ويشهد لذلك قوله تعالى : (وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً) فإنّه مشعر بأنّ له أن يأكل بقدر الحاجة ، وقوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً) [النساء : ١٠] ، إنه يدل على أن مال اليتيم قد يؤكل ظلما وغير ظلم ، والأكل الذي لا يعد ظلما هو الأكل بالمعروف وما أخرجه أحمد وأبو داود والنّسائي وابن ماجه من حديث ابن عمرو أن رجلا سأل النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : ليس لي مال ، وإني وليّ يتيم ، أفآكل من ماله؟ فقال ؛ «كل من مال يتيمك غير مسرف ، ولا متأثّل مالا ، ومن غير أن تقي مالك بماله» (١) فإنّه يدلّ على أن مال اليتيم قد يؤكل ظلما وغير ظلم ، والأكل الذي لا يعدّ ظلما هو الأكل بالمعروف ، وإلى هذا الظاهر ذهب عطاء وقتادة ، وهو إحدى الروايات عن ابن عباس ، فقد أخرج ابن المنذر والطبراني عنه أنه قال : يأكل الفقير إذا ولي مال اليتيم بقدر قيامه على ماله ، ومنفعته له ، ما لم يسرف أو يبذّر (٢).

بقي النظر في هذا الذي يأخذه الولي من مال اليتيم ، أيعدّ أجرة أم لا؟ حكى صاحب «روح المعاني» (٣) أنّ مذهب الحنفية أنه ليس بأجرة ، ومن ذهب إلى أنه أجرة لم يفرّق بين الغني والفقير كما هو القياس في كل عمل يقابل بأجر ، لا فرق فيه بين العامل الغني والعامل الفقير ، وحينئذ يكون الأمر في قوله تعالى : (وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ) محمولا على الندب ، كما هو اللائق بمحاسن العادات ، ولا تزال في مجال الاجتهاد والنظر هذه الأجرة أهي مقدرة بكفاية الولي أم هي أجرة المثل؟ مقتضى القواعد الفقهية أنها تكون مقدرة بأجر المثل ، سواء أكفت الولي أم لا.

وذهب جماعة من العلماء إلى أنه ليس للوليّ أن ينتفع من مال اليتيم بشيء ، وافترق هؤلاء في تأويل قوله تعالى : (وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ) إلى طائفتين :

الأولى تقول : إن له أن يأخذ من مال اليتيم قرضا بقدر ما يحتاج إليه ، ثم إذا أيسر قضاه ، وهذا قول سعيد بن جبير ، ومجاهد ، وأبي العالية (٤) ، وأكثر الروايات عن ابن عباس.

__________________

(١) أحمد في المسند (٢ / ١٨٦) ، وأبو داود في السنن (٣ / ٣٦) ، كتاب الوصايا باب ما جاء في ما لولي اليتيم حديث رقم (٢٨٧٢) ، والنسائي في السنن (٥ ـ ٦ / ٥٦٧) ، كتاب الوصايا ، باب ما للوصي من مال اليتيم حديث رقم (٣٦٧٨) وابن ماجه في السنن (٢ / ٩٠٧) ، كتاب الوصايا حديث رقم (٢٧١٨).

(٢) انظر الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي (٢ / ١٢٢).

(٣) روح المعاني للإمام الألوسي (٤ / ٢٠٨).

(٤) رفيع بن مهران الرياحي البصري ، الإمام المقرئ ، الحافظ المفسر توفي سنة (٩٣ ه‍) انظر سير أعلام النبلاء للذهبي (٥ / ٢٠٧) ترجمة (٤٥٢).

٢٢٠