إعراب القرآن الكريم لغةً وإعجازاً وبلاغة تفسيراً بالإيجاز - ج ١

بهجت عبدالواحد الشيخلي

إعراب القرآن الكريم لغةً وإعجازاً وبلاغة تفسيراً بالإيجاز - ج ١

المؤلف:

بهجت عبدالواحد الشيخلي


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٩٠

١

٢

٣
٤

بسم الله الرّحمن الرّحيم

المقدمة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أكرم خلقه رسوله المصطفى محمّد ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ وعلى أصحابه وأهله الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه الغرّ الميامين ومن والاه إلى يوم الدين.

فقد هداني الله جلّت قدرته إلى إنجاز هذا العمل القرآني اللّغوي .. التنزيل الرّباني المبارك الذي تناولت فيه إعراب وتفسير آيات هذا الكتاب العظيم الذي أعجز فصحاء العرب وبلغاءهم وأذهلت كلماته النيّرة الساطعة وآياته الباهرة الوضاءة عقول الناطقين بلغة الضاد حتى أصبح دستورهم ومرجعهم وهاديهم إلى طريق الهداية والنور والرشاد بأسلوبه الأخّاذ ولما احتواه من سلاسة في العبارة وعذوبة في اللفظ وعمق في المعنى .. إنه بحق أبلغ الكتب وأقدسها وأعظمها جزالة وحكمة وفصاحة وقد خلّدت هذه اللغة ـ لغتنا العربية الفصيحة ـ بفضل القرآن العظيم الذي نزل بها وستبقى خالدة مع خلود هذا الكتاب الرباني إلى الأبد.

يتناول كتاب «بلاغة القرآن في الإعجاز .. إعرابا وتفسيرا بإيجاز» معنى كل سورة من سور القرآن الأربع عشرة بعد المائة وجزاء قراءتها وتسميتها بالشرح والتخريج وحسب ترتيب الآيات في المصحف الكريم من سورة «البسملة» إلى آخر سورة «الناس» وبعد ذلك إعراب آيات كل سورة إعرابا تفصيليا وافيا آية آية وكلمة كلمة مع تفسيرها وشرح الغامض منها .. ووضع حاشية بعد كل آية أو أكثر تتناول تصريف بعض الأفعال ومصادرها والاستشهاد بالقصص والروايات المسندة وقبلها بالأحاديث

٥

النبوية الشريفة وآراء الفقهاء وأقوال أئمة البلاغة والفصاحة والحكم والأمثلة العربية المناسبة واختيار المناسب من الأبيات الشعرية وسبب نزول معظم الآيات وبيان أوجه البلاغة وضروبها ـ أنواعها ـ في بعض الآيات وما أكثرها! من استعارة وكناية وتشبيه .. لكي يكون العمل جامعا شاملا وبأسلوب سلس مبسط هادف مستعينا ببعض المصادر .. منها : الكشاف : للزمخشري المصحف المفسّر .. المصباح المنير : للفيّوميّ .. مختار الصحاح : للرازي. وقطر الندى وبل الصدى .. ومجمع الأمثال : للميداني وكل ما تيسر لخدمة هذا الكتاب أرجو أن يكون مفيدا لكل محبّ للغة أمته وتاريخ حضارتها وقبل هذا وذاك لغة التنزيل الحكيم لغة كتاب الله العظيم ومن الله جلّت قدرته التوفيق والهداية.

المؤلف

* * *

٦

البسملة

معنى السورة : بسم الله الرّحمن الرحيم .. وتسمّى أيضا «التسمية» وردت في فاتحة الكتاب الكريم في مقدّمة السورة الشريفة واعتبرت آيتها الأولى في حين لم تكن «البسملة» في بقية سور القرآن الكريم الأربع عشرة بعد المائة الآية الأولى فيها ما عدا سورة «الفاتحة» وقد اختلف حول كونها آية من فاتحة الكتاب أو غيرها من سور القرآن الكريم .. قال الزّمخشريّ : قرّاء المدينة والبصرة والشام وفقهاؤها قالوا : إنّ «البسملة» ليست بآية من الفاتحة ولا من غيرها من السور وإنما كتبت للفصل والتبرك بالابتداء بها .. وهو مذهب أبي حنيفة ومن تابعه ولذلك لا يجهر بها عند الصلاة .. في حين أنّ قرّاء مكّة والكوفة وفقهاءهما قالوا : إنّها آية من الفاتحة من كلّ سورة وعليه مذهب الشافعيّ وأصحابه .. ولذلك يجهرون بها .. ويطلق على «التسمية» أو «البسملة» أيضا كلمة «التقوى» وقد خلت سورة «التوبة» من «البسملة» لافتتاح السورة الشريفة المذكورة ببراءة الله تعالى ورسوله الكريم من المشركين والأمر بقتالهم وإخراجهم من جزيرة العرب ومن إعجاز كتاب الله العظيم وقدرته سبحانه أنّه عوّض عن هذه البسملة التي لم تذكر في سورة «التوبة» في سورة «النمل» التي ذكرت فيها «البسملة» مرّتين .. مرّة في بداية السورة الكريمة مثل بقيةالسور جميعها .. ومرّة في الآية الكريمة الثلاثين من سورة «النمل» في القول الكريم : (إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) وعن ابن عبّاس ـ رضي الله عنهما ـ : «من تركها فقد ترك مائة وأربع عشرة آية من كتاب الله تعالى» وفي القول الكريم بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وردت كلمة «اسم» مجرورة بالباء وحذفت ألفها اختصارا من الخط وهي ألف وصل ساقطة لفظا والسبب في حذفها هو كثرة استعمالها على ألسنة العرب عند الأكل والشرب والقيام والقعود

٧

ولهذا كتبت من دون الألف ولفظت كذلك علما بأنّها تثبت خطا بمعنى لا تحذف عند ذكر اسم من أسماء الله تعالى عند قولنا : باسم الرّب .. باسم العزيز .. لاسم الله تعالى وقع كبير في نفوس المؤمنين .. باسم الرّحمن نويت أن أفعل كذا .. اقرأ باسم ربّك الذي خلق .. والتقدير في «البسملة» هو بسم الله أقرأ أو أتلو .. لأنّ الذي يتلو التسمية مقروء .. كما أنّ المسافر إذا حلّ وارتحل فقال : بسم الله والبركات كان المعنى : بسم الله أحلّ وبسم الله أرتحل .. أمّا لفظ الجلالة فأصله : الإله .. حذفت الهمزة اختصارا وأدغمت اللّام في اللّام فجاء التشديد وقيل : الأصل : لاه. والألف للوصل .. وذكر سيبويه أنّ الأصل : إلاه فدخلت عليه سبحانه «أل» فبقي «الإله» ثم نقلت حركة الهمزة إلى اللام فسقطت فبقي «اللّاه» فأسكنت الهمزة واللّام الأولى وأدغمت وفخّم تعظيما.

نزولها : أول سورة نزلت هي قوله تعالى على لسان جبريل : اقرأ بسم ربّك .. في هذا القول الكريم قدّم الفعل «اقرأ» لأنّ تقديمه أوقع ولأنّها أول سورة نزلت .. فكان الأمر بالقراءة أهمّ في حين قدّر المحذوف متأخّرا في قولنا : باسم الله أحلّ وأرتحل لأنهم كانوا يبدءون بأسماء آلهتهم فيقولون : باسم اللّات .. باسم العزّى.

فضل قراءتها : قال الرسول الكريم محمّد ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ : «كلّ أمر ذي بال لم يبدأ فيه بسم الله فهو أبتر ـ أي مقطوع ـ صدق رسول الله ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ.

إعراب الآية

(بِسْمِ اللهِ) : الباء حرف جرّ .. وهو باء السببية .. أو باء الاستعانة وعند سيبويه : هو باء الإلصاق في حين منع بعضهم وصفه بلفظ الاستعانة على الله جلّت قدرته و «اسم» اسم مجرور بالباء وعلامة جرّه الكسرة الظاهرة على آخره وهو مضاف .. وشبه الجملة «بسم» في محلّ نصب بفعل محذوف تقديره : أبدأ بسم الله .. أو في محلّ رفع خبر مبتدأ محذوف بتقدير :

٨

بدئي بسم الله .. أو أبتدئ تلاوتي مستعينا باسم الله وذاته. ولفظ الجلالة : مضاف إليه مجرور للتعظيم بالإضافة وعلامة جرّه الكسرة في آخره.

(الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) : صفتان للفظ الجلالة مجروران أيضا وعلامة جرّهما الكسرة في آخرهما والرحمن أشدّ مبالغة من الرحيم واسم الله يطلق على الذات والحقيقة والوجود وقيل : هما اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر.

* * *

٩

الحمدلة

معنى السورة : الحمد لله ربّ العالمين. وتسمّى : فاتحة الكتاب. وحذفت الألف بعد العين في لفظة «العالمين» خطا وثبتت لفظا .. كما حذفت الألف بعد الميم في كلمة «الرّحمن» خطا وثبّتت لفظا كما حذفت الألف أيضا من كلمة «مالك» خطّا واختصارا وثبتت لفظا.

فضل قراءتها : قال رسول الله المصطفى محمّد ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ : «الحمد رأس الشكر ما شكر الله عبد لم يحمده». وأخرج البخاريّ في صحيحه عن أبي سعيد بن المعلّى قال : قال لي رسول الله ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ : «ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن الكريم قبل أن تخرج من المسجد؟ فأخذ بيدي فلمّا أردنا أن نخرج قلت : يا رسول الله ، إنّك قلت : لأعلمنّك أعظم سورة في القرآن قال : الحمد لله ربّ العالمين «هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته». وأخرج ابن حيّان في صحيحه والحاكم عن أنس ـ رضي الله عنه ـ قال : كان النبيّ ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ في مسير ونزل رجل إلى جانبه فالتفت النبيّ ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ فقال : ألا أخبرك بأفضل القرآن؟ قال : بلى. فقال : «الحمد لله ربّ العالمين».

ـ قال حبيب الله المجتبى محمّد ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ : الحمد لله الذي خلقني فسوّاني اللهم كما أحسنت خلقي فحسّن خلقي.

ـ قال الشافعي : أوّل الحمد : بسم الله الرّحمن الرحيم. وأوّل البقرة : (الم) ـ ألف لام ميم ـ للممدوح وخضوع المادح كقول المبتلى : الحمد لله ، وأمّا الشكر فلا يكون إلّا في مقابلة الصنيع .. فلا يقال : شكرته على شجاعته.

** قيل : الحمد باللسان وحده .. فهو إحدى شعب الشكر .. وإنّما جعله ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ رأس الشكر لأنّه ذكر النعمة باللسان والثناء على موليها أشيع لها وأدلّ على مكانتها من الاعتقاد .. و «الحمد» : نقيضه الذّم. و «الشكر» : نقيضه : الكفران. يقال : حمدته على شجاعته وإحسانه حمدا : بمعنى : أثنيت عليه. ومن هنا كان الحمد غير الشكر لأنه يستعمل لصفة في الشخص .. وفيه معنى التعجب .. وفيه معنى التعظيم.

١٠

إعراب آياتها

(الْحَمْدُ لِلَّهِ) : اسم مرفوع على الابتداء وعلامة رفعه الضمة الظاهرة في آخره .. وشبه الجملة «لله» في محلّ رفع متعلّق بخبر المبتدأ .. التقدير : الحمد مختصّ لله واللام في «لله» تسمّى لام التخصيص لأنّها مختصّة بالله عزوجل.

(رَبِّ الْعالَمِينَ) : صفة للفظ الجلالة أو بدل منه مجرور مثله للتعظيم وعلامة الجرّ الكسرة الظاهرة في آخره لأنّ الصفة تتبع الموصوف والبدل يتبع المبدل منه وهو مضاف. و «العالمين» مضاف إليه مجرور بالإضافة وعلامة الجرّ الياء لأنه ملحق بجمع المذكّر السالم وهو جمع «عالم» بفتح اللام ولو كان بكسر اللّام لكان اسم فاعل وجمع جمع مذكّر سالما .. وإنّما جاءت الياء علامة للجرّ لأنّها من جنس الكسرة أمّا النون وهي التي تلحق جمع المذكّر السالم وغيره فهي عوض عن التنوين والحركة في المفرد.

(الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) : صفتان ـ نعتان ـ أخريان للموصوف لفظ الجلالة مجروران مثله للتعظيم وعلامة جرّهما كسر آخرهما .. وجاءت الصفتان للمدح.

(مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) : صفة ثالثة للموصوف لفظ الجلالة وهذا النعت مجرور أيضا وهو مضاف واللفظ : اسم فاعل أضيف إلى المفعول «يوم» فجرّت لفظة «يوم» على الإضافة لأنّ اسم الفاعل المضاف «مالك» حذف تنوينه للإضافة ولو ثبّت التنوين «الكسرتان في آخره» لنصبت كلمة «يوم» على المفعولية. و «الدين» مضاف إليه ثان مجرور بالإضافة وعلامة جرّه الكسرة الظاهرة في آخره.

١١

(إِيَّاكَ نَعْبُدُ) : ضمير منفصل مبني على الفتح في محلّ نصب مفعول به مقدّم للفعل «نعبد» ويجوز أن تكون «إيّا» الضمير المنفصل والكاف حرف جرّ بالإضافة أو هو حرف خطاب لا عمل له شأنه في ذلك شأن الضمائر والحروف الشبيهة نحو : إيّاه .. إيّاي .. إيّاكم .. و «نعبد» فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة على آخره لتجرّده عن الناصب والجازم والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره : نحن. وإنّما استتر الضمير وجوبا لأنّه عائد على متكلمين فالضمير المستتر يكون استتاره وجوبا مع المتكلم «أعبد» ومع المتكلمين ـ الجمع ـ «نعبد» ومع المفرد المخاطب المذكر «تعبد» ويكون استتاره جوازا مع الضمير المفرد الغائب «يعبد» والضمير المفرد الغائب المؤنّث «تعبد».

(وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) : معطوفة بواو العطف ـ النسق ـ على «إيّاك نعبد» وتعرب مثل إعرابها.

(اهْدِنَا) : فعل تضرع ودعاء بلفظ الطلب مبني على حذف آخره ـ الياء حرف العلّة ـ والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره : أنت. و «نا» ضمير متصل ـ ضمير المتكلمين ـ مبني على السكون في محلّ نصب مفعول به أول لأن الفعل الثلاثيّ «هدى» يتعدى إلى مفعولين أو يتعدّى إلى المفعول الأول بنفسه ويتعدّى إلى المفعول الثاني بحرف وهنا تعدّى هذا الفعل بنفسه إلى مفعولين .. والفعل الرباعي «أهدى» يتعدّى إلى مفعولين بنفسه.

(الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) : مفعول به ثان منصوب بالفعل «هدى» وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة في آخره وهو موصوف و «المستقيم» صفة ـ نعت ـ للموصوف ـ «الصراط» منصوب مثله وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره .. أي أرشدنا الطريق القويم.

(صِراطَ الَّذِينَ) : بدل من «الصراط» الأولى منصوب مثله وعلامة نصبه فتح آخره لأن البدل من التوابع يتبع المبدل منه في حركاته .. وهو

١٢

مضاف .. و «الذين» اسم موصول ـ جمع الذي ـ مبني على الفتح في محلّ جرّ مضاف إليه.

(أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) : فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بضمير الرفع المتحرك ـ ضمير المخاطب ـ سبحانه والتاء ضمير متصل مبني على الفتح في محلّ رفع فاعل وجملة «أنعمت عليهم» صلة الموصول «الذين» لا محلّ لها من الإعراب. و «على» حرف جر وكتبت بالياء لأنّ ألفها المقصورة اتّصل بها ضمير فصارت ياء ومثلها عليك .. إليك .. لديك .. أمّا عند مجيئها مع الاسم الظاهر فتكتب ألفا نحو : أثنيت على هذا الرجل المحسن .. أودعت الأمانة لدى صديقي .. سافرت إلى عمّان. و «هم» ضمير متصل ـ ضمير الغائبين ـ مبني على السكون في محلّ جرّ بعلى والجارّ والمجرور «عليهم» صلة الفعل أو متعلق بالفعل «أنعم» وأصل الهاء في «هم» الضمّ إلا أنّها كسرت لمجاورتها ياء «على».

(غَيْرِ) : صفة ـ نعت ـ للاسم الموصول الموصوف «الذين» مجرورة بالكسرة الظاهرة في آخرها أو تكون الكلمة «غير» بدلا من المبدل منه ضمير الغائبين «هم» في «عليهم» الأولى وقد وصف الاسم الموصول «الذين» وهو معرفة بالصفة «غير» وهي معرفة أيضا لأنّها أشبهت المعرفة بإضافتها إلى المعرفة ـ المغضوب ـ فعوملت معاملتها .. وقيل : الإضافة هنا ليست للتعريف بل للتخصص مثل «سوى» و «حسب» فإنها تضاف للتخصيص ولا تدخلها «أل» التعريف. وقيل أيضا : إنّ «غير» اسم مبهم وإنّما أعرب للزوم الإضافة. وقيل كذلك : غير : هنا صفة إلى معرفة قريبة من النكرة لأنّه لم يقصد به أي بالذين قوم بأعيانهم وكلمة «غير المغضوب» قريبة من المعرفة بالتخصيص الحاصل لها بالإضافة .. فكلّ واحد منهما فيه إبهام من وجه واختصاص من وجه .. وإذا وقعت «غير» بين متضادّين وكانا معرفتين تعرّفت بالإضافة .. نحو قولنا : عجبنا من الحركة غير السكون .. وكذلك الأمر هنا لأنّ المنعم عليه والمغضوب عليه متضادان.

١٣

(الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) : مضاف إليه مجرور بالإضافة وعلامة جرّه الكسرة الظاهرة في آخره. و «على» حرف جرّ و «هم» ضمير الغائبين مبني على السكون في محلّ جرّ بعلى .. وشبه الجملة من الجارّ والمجرور «عليهم» في محلّ رفع نائب فاعل لاسم المفعول «المغضوب» أو لفعله لأنّ التقدير : غضب عليهم.

(وَلَا الضَّالِّينَ) : الواو : عاطفة .. لا : صلة .. أو تكون زائدة .. بتقدير : والضّالّين .. ويجوز أن تكون تأكيدا للنفي أو بمعنى : «غير» والضّالّين : معطوفة على كلمة «المغضوب عليهم» أو في محلّ جرّ بالإضافة وعلامة جرّه : الياء لأنّه جمع مذكّر سالم والنون عوض من التنوين والحركة في الاسم المفرد «الضّالّ».

* * *

١٤

سورة البقرة

معنى السورة : تطلق لفظة «البقرة» المأخوذة من كلمة «البقر» وهو اسم جنس .. على الذكر والأنثى وإنّما دخلت الهاء كما قال الجوهريّ لأنّه واحد من الجنس وجمعها : بقرات .. نقول : بقرنا الشيء نبقره بقرا ـ من باب ـ قتل ـ بمعنى : شققناه وفتحناه واسم الفاعل : باقر .. ومنه فلان باقر علم وتبقر في العلم والمال : مثل «توسّع» وزنا ومعنى.

تسميتها : في سورة «البقرة» قصة فيها عبرة للمتشددين .. فإنّ الله سبحانه أمر قوم «موسى» بأن يذبحوا بقرة .. فأخذوا يسألون عن لونها وشكلها وسنّها .. والسبب في هذا الأمر. أنّ رجلا منهم قتل رجلا وبادر بالشكوى لموسى .. فبحث «موسى» عن القاتل فلم يهتد إليه .. فأمرهم الله عزوجل أن يذبحوا بقرة وأن يضربوا القتيل بعضو منها .. فلمّا فعلوا أحياه الله تعالى وأخبرهم القتيل عن قاتله فإذا هو ذلك الرجل المشتكي!

فضل قراءتها : أخرج مسلم والترمذيّ عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لا تجعلوا بيوتكم مقابر .. إنّ الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة «البقرة» وأخرج مسلم عن أبي أمامة الباهليّ ـ رضي الله عنه ـ أيضا : أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «اقرءوا سورة البقرة فإنّ أخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة ـ أي السحرة.

ـ وقال النبي الكريم محمّد صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «الآيتان في آخر سورة «البقرة» من قرأهما في ليلة كفتاه «أي كفتاه من شرّ الإنس والجنّ .. وأغنتاه من قيام الليل .. وهما قوله تعالى : «آمن الرسول .. إلى آخر السورة الكريمة».

ـ وقال الزركشيّ : سورة «البقرة» سنام القرآن وأوّله بعد الفاتحة.

ـ وعن عليّ ـ رضي الله عنه ـ قال : سمعت نبيّكم صلى‌الله‌عليه‌وسلم على أعواد المنبر وهو يقول : من قرأ آية «الكرسي» في دبر كلّ صلاة كتوبة لم يمنعه من

١٥

دخول الجنة إلّا الموت ولا يواظب عليها إلّا صدّيق أو عابد .. ومن قرأها إذا أخذ مضجعه أمنه الله على نفسه وجاره وجار جاره والأبيات حوله».

ـ تذاكر الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ : أفضل ما في القرآن؟ فقال عليّ ـ رضي الله عنه ـ أين أنتم عن آية الكرسيّ؟ ثم قال : قال لي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يا عليّ .. سيّد البشر : آدم. وسيّد العرب : محمّد ولا فخر. وسيّد الفرس : سليمان. وسيّد الروم : صهيب. وسيّد الحبشة : بلال. وسيّد الجبال : الطور. وسيّد الأيام : الجمعة. وسيّد الكلام : القرآن. وسيّد القرآن : البقرة. وسيّد البقرة : آية الكرسيّ.

إعراب آياتها

(الم) هذه الأحرف الواردة في أوائل السور من الأسرار المحجوبة جيء بها بيانا لإعجاز القرآن وإثبات كونه كلام الله يتحدّى العرب للإتيان بمثله أو بمثل أقصر سورة منه وبيان عجزهم عن مجاراته علما بأنّه مركب من الحروف العربية التي ينطقون بها وينظمون بها كلامهم. أو هي إشارة لابتداء كلام وانتهاء كلام .. وأثير حولها جدل بين العلماء .. فمنهم من يراها اسماء لله تعالى أو أيمان لله عزوجل وذهب الأكثرون إلى أنّها أسماء لسور القرآن الكريم .. أمّا موضع إعرابها ففيه عدّة أوجه .. إن جعلت اسما للسورة فتكون «الم» مبتدأ واسم الإشارة «ذلك» في الآية الكريمة الثانية مبنيا على السكون في محلّ رفع مبتدأ ثانيا .. واللام للبعد والكاف حرف خطاب .. ويكون لفظ «الكتاب» في الآية الكريمة الثانية أيضا خبر المبتدأ «ذلك» وتكون الجملة الاسمية «ذلك الكتاب» خبر المبتدأ الأول «الم» في محلّ رفع .. والعائد فيها هو اسم الإشارة القائم مقام الضمير ومعناه : إنّ ذلك هو الكتاب أدخل ضمير الفصل «هو» بين المبتدأ والخبر .. وثمّة «أي هناك» وجه آخر هو كون «الم» في محلّ رفع خبرا لمبتدإ محذوف تقديره : هذه الف لام ميم ويكون اسم الإشارة «ذلك» في محل رفع خبرا ثانيا أو بدلا على أن يكون «الكتاب» صفة .. أو تكون

١٦

«الم» في محلّ جرّ على القسم ويكون حرف القسم محذوفا وبقي عمله بعد الحذف كما يقال : الله لأفعلن .. ووجه آخر هو يجوز أن تكون «الم» في محلّ نصب مفعولا به بفعل محذوف تقديره : اتل «الم».

(ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ) (٢)

(ذلِكَ الْكِتابُ) : اسم إشارة مبني على السكون في محلّ رفع مبتدأ أو يكون في محلّ رفع خبرا لمبتدإ محذوف تقديره : هذا ذلك .. اللّام : للبعد والكاف : حرف خطاب. و «الكتاب» صفة أو بدل من اسم الإشارة «ذلك» مرفوع مثله وعلامة رفعه الضمة الظاهرة في آخره.

(لا رَيْبَ فِيهِ) : أداة نافية للجنس. ريب : اسم «لا» مبني على الفتح في محلّ نصب. فيه : جارّ ومجرور متعلق بخبر «لا» المحذوف وجوبا في محلّ رفع لأنّ «لا» النافية للجنس تعمل عمل «انّ» ويجوز أن يعرب الجارّ والمجرور «فيه» خبرا مقدما وتكون كلمة «هدى» مبتدأ مؤخّرا والجملة في محلّ نصب حالا مؤكدا.

(هُدىً لِلْمُتَّقِينَ) : خبر المبتدأ «ذلك» مرفوع بالضمة المقدرة على آخره الألف المقصورة منع من ظهورها التعذر. اللام : حرف جرّ. و «المتقين» اسم مجرور باللّام وعلامة جرّه الياء لأنّه جمع مذكر سالم والنون عوض من تنوين المفرد وحركته .. والجارّ والمجرور متعلق بهدى أو بصفة محذوفة من «هدى».

(الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ) (٣)

(الَّذِينَ) : اسم موصول مبني على الفتح في محلّ جرّ صفة للموصوف «المتقين» في الآية الكريمة السابقة .. ويجوز أن يكون في محلّ رفع خبرا لمبتدإ محذوف تقديره : هم الّذين.

(يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) : فعل مضارع مرفوع لتجرده عن الناصب والجازم وعلامة رفعه ثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة التي ترفع بثبوت النون وتنصب وتجزم بحذف النون والواو ضمير متصل مبني على السكون في

١٧

محل رفع فاعل. بالغيب : الباء حرف جرّ والغيب اسم مجرور بالباء وعلامة جرّه كسر آخره والجارّ والمجرور «بالغيب» متعلق بيؤمنون. والجملة الفعلية «يؤمنون بالغيب» صلة الموصول «الذين» لا محلّ لها من الإعراب.

(وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ) : معطوفة بالواو على «يؤمنون» وتعرب إعرابها. الصلاة : مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة.

(وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ) : الواو استئنافية .. من : حرف جرّ و «ما» الاسم الموصول المدغم به حرف الجرّ «من» مبني على السكون في محلّ جرّ بمن والجارّ والمجرور «ممّا» متعلق بينفقون. رزق : فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بضمير الرفع و «نا» ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل و «هم» ضمير الغائبين مبني على السكون في محلّ نصب مفعول به أو تعرب «الهاء» ضميرا متصلا مبنيا على الضم في محلّ نصب مفعولا به والميم علامة جمع الذكور وجملة «رزقناهم» صلة الموصول «ما» لا محل لها من الإعراب ويجوز أن تكون «من» تبعيضية دلّت على مفعول «ينفقون».

(يُنْفِقُونَ) : فعل مضارع مرفوع لتجرده عن الناصب والجازم وعلامة رفعه ثبوت النون لأنّه من الأفعال الخمسة والواو ضمير متصل مبني على السكون في محلّ رفع فاعل.

(وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) (٤)

(وَالَّذِينَ) : الواو : عاطفة. الذين : اسم موصول مبني على الفتح في محلّ جرّ أو في محل رفع لأنّه معطوف على الاسم الموصول «الذين» في الآية الكريمة السابقة.

(يُؤْمِنُونَ) : فعل مضارع مرفوع لتجرده عن الناصب والجازم وعلامة رفعه ثبوت النون لأنّه من الأفعال الخمسة .. والواو ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل .. والجملة الفعلية «يؤمنون» وما بعدها صلة الموصول «الذين» لا محل لها من الإعراب.

١٨

(بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ) : الباء حرف جرّ و «ما» اسم موصول مبني على السكون في محلّ جرّ بالباء والجارّ والمجرور «بما» متعلق بيؤمنون .. و «ما» بمعنى «الذي» أنزل : فعل ماض مبني للمجهول مبني على الفتح ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره : هو. والجملة الفعلية «أنزل» صلة الموصول «ما» لا محل لها من الإعراب. إلى : حرف جرّ والكاف ضمير متصل مبني على الفتح ـ ضمير المخاطب ـ في محلّ جرّ بحرف الجرّ والجارّ والمجرور متعلق بأنزل والأصل في «إليك» «هو» «إلاك» فأبدلت الألف ياء لاتصالها بالضمير.

(وَما أُنْزِلَ) : الواو : حرف عطف. ما : اسم موصول مبني على السكون في محل جرّ لأنّه معطوف على الاسم الموصول «ما» الأول. أنزل : فعل ماض مبني على الفتح مبني للمجهول ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره : هو والجملة الفعلية «أنزل» صلة الموصول «ما» لا محل لها.

(مِنْ قَبْلِكَ) : حرف جرّ قبل : اسم مجرور بمن وعلامة جرّه الكسرة الظاهرة في آخره وهو مضاف .. والكاف ضمير متصل ـ ضمير المخاطب ـ مبني على الفتح في محل جرّ بالإضافة والجارّ والمجرور «قبلك» متعلق بالفعل «أنزل».

(وَبِالْآخِرَةِ) : الواو استئنافية. والباء حرف جرّ و «الآخرة» اسم مجرور بالباء وعلامة جرّه الكسرة الظاهرة في آخره .. والجارّ والمجرور «بالآخرة» متعلق بيوقنون.

(هُمْ يُوقِنُونَ) : ضمير رفع منفصل مبني على السكون في محلّ رفع مبتدأ. يوقنون : فعل مضارع مرفوع لتجرده عن الناصب والجازم وعلامة رفعه ثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة والجملة الفعلية «يوقنون» في محل رفع خبر المبتدأ «هم» والجملة الاسمية «هم يوقنون» في محل نصب حال.

(أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (٥)

(أُولئِكَ عَلى هُدىً) : اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ والكاف حرف خطاب. على : حرف جرّ و «هدى» اسم مجرور بعلى

١٩

وعلامة جرّه الكسرة المقدرة على آخره ـ الألف ـ منع من ظهورها التعذر والجارّ والمجرور «على هدى» في محل رفع متعلق بخبر المبتدأ «أولئك».

(مِنْ رَبِّهِمْ) : حرف جرّ و «ربّ» اسم مجرور بحرف الجرّ وعلامة جرّه الكسرة الظاهرة في آخره وهو مضاف. و «هم» ضمير متصل ـ ضمير الغائبين ـ مبني على السكون في محل جرّ مضاف إليه والجارّ والمجرور «من ربّهم» متعلق بهدى أو بصفة محذوفة من «هدى» ويجوز أن تكون «من» لابتداء الغاية .. على تقدير : من هدى ربّهم.

** نكّر الاسم «هدى» هنا ليفيد ضربا ـ أي نوعا ـ مبهما لا يبلغ كنهه .. أي سرّه .. وهذا من معجزات الذكر الحكيم.

(وَأُولئِكَ) : الواو حرف عطف. أولئك : اسم إشارة مبني على الكسر في محلّ رفع مبتدأ لأنه معطوف على اسم الإشارة «أولئك» المبتدأ. والجملة الاسمية بعده «هم المفلحون» في محل رفع خبره.

(هُمُ الْمُفْلِحُونَ) : ضمير منفصل مبني على السكون الذي حرك بالضم للوصل ولالتقاء الساكنين في محلّ رفع مبتدأ ثان. المفلحون : خبر المبتدأ «هم» مرفوع وعلامة رفع الواو لأنه جمع مذكّر سالم ـ جمع المفلح ـ يرفع بالواو وينصب ويجرّ بالياء والنون عوض من تنوين الاسم المفرد وحركته .. ويجوز أن تعرب «هم» ضمير فصل أو عمادا لا محل له من الإعراب فتكون كلمة «المفلحون» خبر «أولئك» إلّا أن الإعراب الأول أعرب وأوجه خشية التباس إعراب «المفلحون» بدلا من اسم الإشارة «أولئك» لأن الأسماء المعرّفة بالألف واللام تعرب بدلا أو صفة من أسماء الإشارة وحركت الميم في «هم» بالضم للاشباع.

(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) (٦)

(إِنَّ الَّذِينَ) : حرف نصب وتوكيد مشبه بالفعل ينصب الأول ـ الاسم ـ ويسمّى اسمه ويرفع الثاني ويسمّى خبره. الذين : اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسم «انّ».

٢٠