وصايا الرّسول لزوج البتول عليهم السلام

السيد علي الحسيني الصدر

وصايا الرّسول لزوج البتول عليهم السلام

المؤلف:

السيد علي الحسيني الصدر


الموضوع : الأخلاق
الناشر: دار الامام الرضا عليه السلام
الطبعة: ١
ISBN: 964-92482-1-8
الصفحات: ٦٥٥
  نسخة غير مصححة

١٠٢

إرشاد القلوب ، في حديث سلمان الفارسي أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أقبل على أمير المؤمنين عليه‌السلام فقال له :

يا أخي ، إنّك ستبقى بَعدي ، وستلقى من قريش شدّةً من تظاهرِهم عليك (١) وظلمِهم لكَ ، فإن وَجدْتَ عليهم أعواناً فقاتِل من خالَفكَ بمن أطاعَكَ ووافقكَ ، وإن لم تجدْ أعواناً فاصبر وكُفَّ يدَك ولا تُلقِ بها إلى التهلكةِ ، فإنّكَ منّي بمنزلةِ هارونَ من موسى ، ولكَ بهارونَ اُسوةٌ حسنَة إذ استضعفُه قومَه وكادُوا يقتلونَه ، فاصبِر لظلِم قريش وإيّاكَ وتظاهرهِم عليكَ ، فإنّك بمنزلةِ هارونَ من موسى ومَن تَبِعهُ ، وهُم بمنزلةِ العِجْل ومَن تَبِعَه (٢).

يا علي ، إنَّ اللّهَ تباركَ وتعالى قد قضى الفُرقةَ والإختلافَ على هذهِ الاُمّةِ (٣) ولو شاء لَجَمعهُم على الهُدى ...

______________________________________________________

(١) أي من تعاونهم وتعاضدهم على إيذائك.

(٢) أي بمنزلة عجل السامري ومن تبعه من بني إسرائيل الذين خالفوا أمر موسى وعبدوا العجل.

(٣) وذلك بسبب سوء إختيارهم أنفسهم ، لا بإجبار من الله تعالى.

٤٦١

حتّى لا يختلفَ إثنان من هذِه الاُمّةِ ولا يُنازعَ في شيء من أمرِه ، ولا يجحَد المفضولُ ، إذ الفضلُ فضلُه ولو شاءَ لعجَّلَ النقمةَ.

وكان منهُ التغييرُ حتّى يكذّبَ الظالمُ ويَعلمَ الحقُّ أين مصيرُه.

ولكنّه جعلَ الدنيا دارَ الأعمالِ ، والآخرةَ دارَ القرارِ ليجزيَ الذّين أساؤُا بما عملُوا ويجزي الّذين أحسنُوا بالحُسنى (٤) ، فقال عليه‌السلام ، الحمدُ للّهِ ، وشُكراً على نَعمائِه ، وصَبراً على بلائِه (٥).

______________________________________________________

(٤) فكان بهذا الإمهال إمتحان الخلق وإختبار نواياهم وإظهار أعمالهم ، إتماماً للحجّة عليهم ولله تعالى الحجّة البالغة.

(٥) إرشاد القلوب ، ص ٤٢٠.

٤٦٢

١٠٣

إرشاد القلوب ، قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

يا علي ، عليكَ بالبُكاءِ من خَشيةِ اللّه ، يُبنى لكَ بكُلِّ قَطرة بَيتاً في الجَنَّة (١) (٢).

______________________________________________________

(١) فللبكاء من خشية الله تعالى فضائل كثيرة وردت في الأحاديث الشريفة منها ، أنّه لا تبكي يوم القيامة عين بكت من خشية الله ، وأنّ القطرة منها تطفىء بحاراً من نار ، وأنّه تُرحم الاُمّة ببكائه ، وأنّه يكون في الرفيق الأعلى كما تلاحظه في كتاب الدعاء (١).

ولقد كان أمير المؤمنين عليه‌السلام المثل الأعلى في هذا البكاء ، حتّى كان من شدّة البكاء يضع يده على الحائط ويصير شبيه الواله كما تلاحظه في حديث حبّة العرني ونوف البكالي (٢) ، ويكفينا وصف ضرار بن ضمرة النهشلي له في حديثه المعروف الذي جاء فيه : ( ولو رأيته إذ مَثُلَ في محرابه وقد أرخى الليل سدوله ، وغارت نجومه ، وهو قابض على لحيته ، يتململ تململ السليم ، ويبكي بكاء الحزين ... ) (٣).

(٢) إرشاد القلوب للشيخ الجليل أبي محمّد الحسن بن محمّد الديلمي ، ص ٨٧.

__________________

١ ـ بحار الأنوار ، ج ٩٣ ، ص ٣٣٥ ، ب ١٩ ، الأحاديث.

٢ ـ بحار الأنوار ، ج ٤١ ، ص ٢٣ ، ب ١٠١ ، ح ١٣.

٣ ـ بحار الأنوار ، ج ٤١ ، ص ١٥ ، ب ١٠١ ، ح ٦.

٤٦٣

١٠٤

جامع الأخبار ، عن أمير المؤمنين عليه‌السلام أنّه سأل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن تفسير الأذان (١)؟ فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

يا علي ، الأذانُ حُجّةٌ على أُمّتي (٢).

وتفسيرُه ، إذا قالَ المُؤذّنُ ، اللّهُ أكبَرُ ، اللّهُ أكبرُ ، فإنّه يقول : اللّهمَّ أنتَ الشاهدُ على ما أقولُ ، يا اُمَّةَ أحمد (٣) قد حَضَرتْ الصَّلاةُ فتهيّؤُوا ودَعُوا عنكُم شُغلَ الدّنيا.

وإذا قال : أشهدُ أنْ لا إلَه إلاّ اللّهُ ، فإنّه يقول : يا اُمّةَ أحمد اُشهِدُ اللّهَ واُشهِدُ ملائكتَه أنّي أخبرتُكم بوقتِ الصلاةِ فتَفرّغُوا لها.

وإذا قال : أشهدُ أنَّ محمّداً رسولُ اللّهِ ، فإنّهُ يقول : يَعلمِ اللّهُ ويعلمُ ملائكتُه أنّي قد أخبرتُكُم بوقتِ الصَّلاةِ ، فتفرّغُوا لها فانَّهُ خيرٌ لكم.

______________________________________________________

(١) التفسير هو كشف المراد وإيضاح المعنى ، وتفسير الأذان هنا بمعنى بيان المراد من فصوله وإيضاح بطونه ، لا تفسير ألفاظه.

(٢) أي ممّا يحتجّ به الله تعالى على الاُمّة.

(٣) في البحار هكذا ، وفي جامع الأخبار بدل أحمد في جميع هذا الحديث جاء ، محمّد.

٤٦٤

وإذا قال : حيَّ على الصّلاةِ ، فإنّه يقول : يا اُمّةَ أحمد ، دينٌ قد أظهرُه اللّهُ لكُم ورسولُه فلا تُضيّعوه ، ولكنْ تَعاهُدوا (٤) يغفِر اللّهُ لكم ، تَفرّغوا لصلاتِكم فإنّها عِمادُ دينِكم.

وإذا قال : حَيَّ على الفَلاحِ ، فإنّهُ يقول : يا اُمَّةَ أحمد ، قد فتَحَ اللّهُ عليكم أبوابَ الرَّحمةِ ، فقومُوا وخذُوا نصيبَكم من الرّحمةِ تَربحُوا الدُنيا والآخرةِ.

وإذا قال : حَيَّ على خَيرِ العَمل (٥) ، فإنّه يقول : ترحَّمُوا على أنفسِكم ، فإنَّه لا أعلمُ لكُم عملا أفضلَ من هذِه ، فتفرّغُوا لصلاتِكم قبلَ النَّدامةِ.

وإذا قال : لا إلَه إلاّ اللّهُ ، فإنّهُ يقول : يا اُمَّة أحمد إعلمُوا أنّي جعلتُ أمانةَ سبعِ سَماوات وسبعِ أرضين في أعناقِكم ، فإنْ شئتُم فاقبلُوا وإنْ شئتُم فأدبِرُوا ، فمَن أجابني فقد رَبِح ومَن لم يُجْبني فلا يضرُّني.

ثمّ قال : يا علي ، الأذانُ نورٌ ، فمن أجابَ (٦) نجا ،

______________________________________________________

(٤) أي تعاهدوا هذا الدين وتحفّظوا عليه.

(٥) هكذا في البحار والمستدرك ، وقد أثبتناه هنا وإن كان في المصدر ، وإذا قال الله أكبر ، الله أكبر.

(٦) أي أجاب دعوات الأذان المتقدّمة في تفسير الأذان ، وأجاب دعواته إلى الصلاة والفلاح وخير العمل بواسطة قوله ، حيّ على الصلاة ، وعلى الفلاح ، وعلى خير العمل.

فإنّ كلمة حيّ معناها هلُمَّ وأَقبِل ، وهي دعوة ممّن يدعو إلى الله وهو المؤذّن فتستدعي الجواب.

٤٦٥

ومن عَجزَ خَسَف (٧) ، وكنتُ لهُ خصماً بينَ يدي اللّهِ تعالى ، ومَن كنتُ له خصماً فما أسوءَ حالُه (٨) (٩).

______________________________________________________

(٧) أي من لم يجب خسف وهلك ، والخسف هو سبب الهلاك ، ويأتي بمعنى الذلّ والهوان.

(٨) واعلم أنّ للأذان فضلا كثيراً وثواباً جزيلا ، وتلاحظ عظيم مرغوبيته ، وأكيد إستحبابه ، مع فضيلة الشهادة بالتوحيد والرسالة والولاية فيه في مجامع الأحاديث (١).

ويحسن مراجعة فضل ( الأذان ومضامينه العالية ) في كتاب سياسة الحسين عليه‌السلام (٢).

وقد ذكرنا رجحان الشهادة بالولاية في الأذان ودليله مفصّلا في كتاب شرح الزيارة الجامعة الشريفة تحت فقرة ( وأبواب الإيمان ) فذكرنا أدلّةً ستّة في رجحان الشهادة الثالثة في الأذان لا بقصد الجزئية ، مضافاً إلى فتوى الفقهاء المائة بالإستحباب والرجحان التي جمعها السيّد المقرّم أعلى الله مقامه في كتاب الشهادة الثالثة.

(٩) جامع الأخبار للشيخ السبزواري من أعلام القرن السابع الهجري ، ص ١٧١ ، الفصل الحادي والثلاثون ، ح ٣ ، المسلسل ٤٠٥. ومنه البحار ، ج ٨٤ ، ص ١٥٣ ، ب ٣٥ ، ح ٤٩. والمستدرك ، ج ٤ ، ص ٥٥ ، ب ٣٤ ، ح ١ ، المسلسل ٤١٦٩.

__________________

١ ـ بحار الأنوار ، ج ٨٤ ، ص ١٠٣ ـ ١٧٢ ، ب ٣٥ ، المشتمل على ستّة وسبعين حديثاً.

٢ ـ سياسة الحسين عليه‌السلام ، ص ١٠٢ ـ ١١١.

٤٦٦

١٠٥

جامع الأخبار ، عن علي عليه‌السلام قال :

دخل علينا رسولُ اللّهِ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وفاطمةُ عليها‌السلام جالسةٌ عند القِدْرِ وأنا أُنقِّي العَدَس (١).

قال : يا أبا الحسن قُلتُ ، لَبّيكَ يا رسولَ اللّه ، قال : إسمَعْ منّي ، وما أقولُ إلاّ ما أمَر ربّي ، ما مِن رجل يُعينُ امرأتَه في بيتِها إلاّ كانَ لهُ بكلِّ شَعْرة على بدنِه عبادةُ سنَة ، صيامُ نهارِها وقيامُ ليلِها ، وأعطاهُ اللّهُ من الثَّوابِ ما أعطاهُ اللّهُ [ الصابرينَ و ] داودَ النبيّ ويعقوبَ وعيسى عليهم‌السلام.

______________________________________________________

(١) إعانةً لسيّدة النساء سلام الله عليها ، وهي غاية الكرامة والرفعة لما في إعانة المؤمن من الفضل والثواب كما تلاحظه في أحاديث العِشْرة (١) ، فكيف إذا كان من يعينه زوجةً له ، وكيف إذا كانت تلك الزوجة صدّيقة معصومة رضاها رضا الله تعالى ، فهي خدمة لله تعالى ، وذلك من أمير المؤمنين عليه‌السلام الذي يكون فعله درساً للمؤمنين بل لكافّة الناس أجمعين.

وهذه الخدمة من وسائل سعادة الاُسرة ، وتماسك العائلة ، وحسن المعاشرة فحبّذا لو كانت قدوة واُسوة.

__________________

١ ـ بحار الأنوار ، ج ٧٤ ، ص ٣٢٠ ، ب ٢٠ ، ح ٨٤ وغيره.

٤٦٧

يا علي ، مَن كانَ في خِدمةِ العيالِ في البيتِ ولم يأنَفْ (٢) كتبَ اللّهُ تعالى إسمَه في ديوانِ الشّهداءِ ، وكتبَ اللّهُ لهُ بكلِّ يوم وليلة ثوابَ ألفِ شهيد ، وكتب لهُ بكلِّ قَدَم ثوابَ حجّة وعُمرة ، وأعطاهُ اللّهُ تعالى بكلِّ عِرق في جسدِه مدينةً في الجنّةِ.

يا علي ، ساعةٌ في خدمةِ العيالِ خيرٌ مِن عِبادةِ ألفِ سنة ، وألفِ حجّة ، وألفِ عُمرة ، وخيرٌ من عتقِ ألفِ رقَبَة ، وألفِ غَزوْة ، وألفِ مريض عادَهُ (٣) ، وألفِ جُمعة (٤) ، وألفِ جَنازة ، وألفِ جائع يُشبِعُهم ، وألفِ عار يكسُوهم ، وألفِ فَرَس يوجّهها في سبيلِ اللّهِ ، وخيرٌ لهُ من ألفِ دينار يَتصدَّقُ على المساكينِ ، وخيرٌ لهُ من أن يقرأَ التَّوراةَ والإنجيلَ والزبورَ والفرقانَ ، ومن ألفِ أسير أُسرَ فأعتَقَهم (٥) ، وخيرٌ لهُ من ألفِ بَدَنة (٦) يعطي للمساكين ،

______________________________________________________

(٢) أي لم يستنكف ولم يستكبر. يقال : أَنِفَ من الشيء أي استنكف منه وهو الإستكبار.

فلا وجه للإستكبار عن خدمة العيال والزوجة فإنّها مثل الزوج في الإيمان والإنسانية ، وكلّنا من آدم عليه‌السلام وآدم من تراب ، مضافاً إلى أنّها محسنةٌ إلى الزوج في خدمات البيت ، وهل جزاء الإحسان إلاّ الإحسان.

(٣) أي خير له من عيادة ألف مريض.

(٤) أي خير له من حضور ألف صلاة جمعة.

(٥) في المستدرك ، « ومن ألف أسير إشتراها فأعتقها ».

(٦) البدنة هي الإبل تطلق على الجمل والناقة ، سمّيت بذلك لعظم بدنها وسمنها ، وعن بعض المحقّقين في تعريفه ، ما له خمس سنين ودخل في السادسة (١).

__________________

١ ـ مجمع البحرين ، ص ٥٤٩.

٤٦٨

ولا يَخرُجُ من الدّنيا حتّى يَرى مكانَه مِن الجَنّةِ (٧).

يا علي ، مَن لم يأنَفْ من خدمةِ العيالِ دخَل الجنَّةَ بغيرِ حساب (٨).

يا علي ، خدمةُ العيالِ كفّارةٌ للكبائِرِ ، وتُطفيءُ غضبَ الرَّبِّ ، ومهوُر الحورِ العينِ (٩) ، وتزيدُ في الحسناتِ والدَّرَجاتِ.

يا علي ، لا يخدمُ العيالَ إلاّ صدّيقٌ أو شهيدٌ أو رجلٌ يريدُ اللّهُ بهِ خَير الدُّنيا والآخرةِ (١٠).

______________________________________________________

(٧) ففي حديث العياشي عن عبدالرحيم قال : قال أبو جعفر عليه‌السلام ، أما أحدكم حين تبلغ نفسه هاهنا ، ينزل عليه ملك الموت فيقول له :

أما ما كنت ترجو فقد اُعطيته ، وأمّا ما كنت تخافه فقد أمنت منه ، ويُفتح له باب إلى منزله في الجنّة ويقال له ، اُنظر إلى مسكنك من الجنّة ، وانظر هذا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعلي والحسن والحسين عليهم‌السلام رفقاؤك وهو قول الله عزّوجلّ : ( الّذينَ آمَنوُا وكانُوا يتّقُونَ لهُم البُشرى في الحَياةِ الدُّنيا وفي الآخِرةِ ) (١).

(٨) وهذا منتهى الفضل والثواب في تيسير دخول الجنّة بلا حساب ، كما يسَّر هو لزوجته في بيته الحياة الخالية عن الأتعاب.

(٩) فيزوّجه الله تعالى لخدمته أهله من الحور العين ، وتكون خدمته في الحقيقة مهور تلك الحور.

(١٠) جامع الأخبار ، ص ٢٧٥ ، الفصل ٥٩ ، الحديث ١ ، المسلسل ٧٥١. ومنه بحار الأنوار ، ج ١٠٤ ، ص ١٣٢ ، ب ٦ ، ح ١. والمستدرك ، ج ١٣ ، ص ٤٨ ، ب ١٧ ، ح ٢ ، المسلسل ١٤٧٠٦.

__________________

١ ـ سورة يونس الآية ٦٤ ، تفسير العيّاشي ، ج ٢ ، ص ١٢٤.

٤٦٩

١٠٦

جامع الأخبار ، قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعلي عليه‌السلام في وصيّته :

يا علي ، إنَّ العبدَ المسلم إذا أتى عليهِ أربعُونَ سنة أَذْهَبَ اللّهُ عنه البلاءَ والجُنونَ والجُذامَ والبَرصَ ، وإذا أتى عليهِ خمسونَ سنة أحبّهُ أهلُ السَّمواتِ السبعِ ، وإذا أتى عليه ستّونَ سنة كتَب اللّهُ حسناتِه ومحى عنهُ سيّئاتِه ، وإذا أتى عليهِ سبعونَ سنة غَفَر لهُ ما مضى من ذنوبه ، وإذا أتى عليه ثمانونَ سنة شفَّعهُ اللّهُ يومَ القيامةِ في جميع أهل بيته ، وإذا أتى عليه تسعون سنة كتبَ اللّهُ إسمَه عندَ أهلِ السّماءِ أسيرُ اللّهِ في الأرض (١) (٢).

______________________________________________________

(١) فيكون مورد اللطف والرفق الأكثر كلّما صار في العمر أكبر ، إجلالا لعبوديته وإسلامه وشيخوخته.

(٢) جامع الأخبار ، ص ٣٢٩ ، الفصل السادس والسبعون ، ح ٣ ، المسلسل ٩٢٣. ونقله في الهامش عن الكافي ، ج ٨ ، ص ١٠٧ ، ح ٨٣. والخصال ، ص ٥٤٦ ، ح ٢٥. ومجمع البيان ، ج ٥ ، ص ٥١١. ومشكاة الأنوار ، ج ١٦٩. وأمالي ابن الشجري ، ج ٢ ، ص ٢٤٢ ، بتفاوت في المصادر.

٤٧٠

١٠٧

جامع الأخبار ، [ قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ] :

يا علي ، إنَّ أخبثَ الناسِ سرقةً من يَسرَقُ من صلاتِه.

فقال علي عليه‌السلام ، فكيف ذلكَ يا رسولَ اللّه؟

قال : الذي لا يُتمُّ ركوعَه ولا سجودَه فهو سارقُ صلاتِه ، مَمْحُوقٌ عندَ اللّهِ في دينِه (١) (٢).

______________________________________________________

(١) محق الدين هلاكه وفناؤه ، ويقال : مَحَقَهُ محقاً أي نقصه وأذهب عنه البركة ، والمحقّ ذهاب الشيء حتّى لا يُرى له أثر (١) فيلزم إتمام الركوع والسجود ، وإتيانهما كاملين بدون نقص ، وإلاّ كان سرقة من الصلاة ، وهي تمحق دين الإنسان وتنقصه وتفنيه.

(٢) جامع الأخبار ، ص ١٨٧ ، الفصل الرابع والثلاثون ، ح ١٣ ، المسلسل ٤٦٥. ونقله في الهامش عن الغايات ، ص ٨٦. والكبائر ، ص ٢٦. والترغيب والترهيب ، ج ١ ، ص ٣٣٥ ، ح ٣.

__________________

١ ـ مجمع البحرين ، ص ٤٤٥.

٤٧١

١٠٨

جامع الأخبار ، روى جابر بن عبدالله الأنصاري قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ( في حديث طويل ) جاء فيه :

يا علي ، إنَّ محبّيكَ يكونونَ على مَنابرَ من نور ، مُبْيضَّةً وُجوهُهم ، أشفعُ لهم ، ويكونونَ في الجنَّةِ جيراني (١) (٢).

______________________________________________________

(١) كما تلاحظه في دعاء الندبة الشريفة ، ووردت في أحاديث أعلام القوم أيضاً كالترمذي والهيثمي والقندوزي والخوارزمي والمنّاوي والسيوطي كما تلاحظ نقلها في إحقاق الحقّ (١) وهذه غاية رفعة الدرجة ، وعظيم المنزلة في مجاورة الرسول ، والإحتفاف بهالة النور.

ولا عجب في تلك فانّ حبّ علي إيمان ، ومُكافئة للجنان ، وأمان من النيران. ولاحظ أحاديث فضل حبّه مجموعة في السفينة (٢).

(٢) جامع الأخبار ، ص ٥١٣ ، الفصل الحادي والأربعون والمائة ، ح ٥١ ، المسلسل ١٤٤٠ ، ونقل نحوه في الهامش عن المناقب لابن شهر آشوب ، ج ٣ ، ص ٢٣٢.

__________________

١ ـ إحقاق الحقّ ، ج ٧ ، ص ٣٢١ ، ب ٢٥٣ ، الأحاديث.

٢ ـ سفينة البحار ، ج ٢ ، ص ١٨.

٤٧٢

١٠٩

جامع الأخبار ، قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الوصية :

يا علي ، مَن خافَ النّاسُ لسانَه فهو مِن أهلِ النّار (١) (٢).

______________________________________________________

(١) حيث يكون هذا الشخص الذي يخافه الناس مؤذياً وضارّاً وعاصياً بلسانه.

ومن المعلوم أنّ كثيراً من المعاصي تتحقّق بواسطة اللسان ، فإنّه يُسفك به الدم ، وينتهب به المال ، وتنتهك به الحرمات ، فيكون موجباً لدخول النار وحمل الأوزار.

فيُذم من كان لسانه لسان شرّ يخاف منه الناس ويلزم الختم عليه وإمساكه حتّى يأمنه الناس ، وإلاّ كان أشدّ الأعضاء عقوبةً يوم القيامة.

وما أحلى كلمة أمير المؤمنين عليه‌السلام بقوله ، « اللسان سَبُعٌ إن خُلّيَ عنه عَقَر » (١).

(٢) جامع الأخبار ، ص ٢٤٨ ، الفصل الثاني والخمسون ، ح ١٠ ، المسلسل ٦٣٧. ونقله في الهامش عن الفقيه ، ج ٤ ، ص ٢٥٤ ، ح ٨٢١. وتنبيه الخواطر ، ج ٢ ، ص ١٥٤. ومكارم الأخلاق ، ص ٤٣٢.

__________________

١ ـ نهج البلاغة ، كلمة الحكمة ٦٠.

٤٧٣

١١٠

جامع الأخبار ، [ قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ] :

يا علي ، أكرِمِ الجارَ ولو كانَ كافراً ، وأكرمِ الضّيفَ ولو كان كافراً ، وأطِعِ الوالدينَ وإنْ كانا كافرَيْن ، ولا تَرُدّ السّائلَ وإنْ كانَ كافراً (١) (٢).

______________________________________________________

(١) ممّا يستفاد أنّ نفس عنوان الجوار ، والضيافة ، والاُبوّة ، والاُمومة ، والسؤال بمجرّدها مستدعية للإكرام وعدم الجفاء ، حتّى لو تحقّقت هذه العناوين في أفراد غير مسلمين وإطاعة الوالدين ، وإكرام الجار والضيف والسائل من الفضيلة الإسلامية ، والمكارم الأخلاقية ، التي نُدب إليها بتأكيد في شريعتنا المقدّسة.

(٢) جامع الأخبار ، ص ٢١٤ ، الفصل الأربعون ، ح ١٠ ، المسلسل ٥٢٨. ونقله في الهامش عن تنبيه الخواطر ، ج ٢ ، ص ١٢١.

٤٧٤

١١١

جامع الأخبار ، قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

يا علي ، رِضا اللّهِ كُلُّهُ في رِضا الوالدين ، وسَخَطُ اللّهِ في سَخَطِهما (١) (٢).

______________________________________________________

(١) فإنّه قد دلّ النقل والعقل والكتاب والسنّة على لزوم الإحسان إلى الوالدين ، وبرّهما ، وتحصيل رضاهما وعدم عقوقهما أو إيذائهما ، أو الإساءة إليهما ، وحيث كان في رضاهما رضا الله تعالى كان تحصيله نعمة كبرى ، لأنّ رضا الله هي الغاية القصوى ، وسبيل الدرجات العُلى. وتلاحظ مفصّل الأدلّة في التأكيد على برّ الوالدين ، وعدم الرخصة من ترك برّهما ، ولزوم تحصيل رضاهما ، وعدم جواز عقوقهما وبغضهما حتّى إذا كان الأبوان ظالمين للولد فكيف إذا كانا بارّين في باب العِشرة (١).

(٢) جامع الأخبار ، ص ٢١٤ ، الفصل الأربعون ، ح ٥ ، المسلسل ٥٢٣. ونقله في الهامش عن روضة الواعظين ، ج ٢ ، ص ٣٦٨.

__________________

١ ـ بحار الأنوار ، ج ٧٤ ، ص ٢٢ ـ ٨٦ ، ب ٢ ، الأحاديث المائة والواحد.

٤٧٥

١١٢

جامع الأخبار ، أوصى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعلي عليه‌السلام :

يا علي ، ولا تَسكن الرُّستاق (١) فإنَّ شيوخَهم جَهَلَة ، وشبّانَهم عَرَمَة (٢) ، ونسوانَهم كَشَفَة ، والعالمُ بينَهم كالجيفةِ بينَ الكلابِ (٣) (٤).

______________________________________________________

(١) الرُستاق بضمّ الراء ، هي القرية ، وجمعه رساتيق ، وهو فارسي معرّب ، وأصله في الفارسية ، الرُسداق والرُزداق بمعنى البيوت المجتمعة ، كما ذكره في المعرّب وهامشه (١).

وعن بعضهم ، الرستاق مولّد ، وصوابه رزداق (٢).

(٢) عَرَمة ، جمع عارم ، وهو الإنسان الشَرِسْ يعني ، سييء الخُلُق.

(٣) من حيث تهارشهم عليه ، وإزدحامهم له مع عدم إعتنائهم ، وضياع العالِم بينهم ، فتكون السكنى بينهم بلاءً للعالِم.

نعم يلزم على العالِم السفر إليهم لتعليمهم معالم دينهم ، لكن بدون أن يتّخذ الرستاق مسكناً.

وقد نقل في جامع الأخبار بعد هذه الوصيّة الشريفة أخباراً عن الرستاق فقال

__________________

١ ـ المعرّب للجواليقي ، ص ٢٠٦.

٢ ـ مجمع البحرين ، ص ٤٣١.

٤٧٦

..................................................................................

______________________________________________________

في ذلك :

روي عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال : من لم يتورّع في دين الله تعالى إبتلاه الله تعالى بثلاث خصال ، إمّا أنْ يميته شابّاً ، أو يوقعه في خدمة السلطان ، أو يسكنه في الرساتيق. وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ستّة يدخلون النار قبل الحساب بستّة ـ أي بستّة أسباب ـ قيل ، من هم يا رسول الله؟ قال : الاُمراء بالجور ، والعرب بالعصبية ، والدهاقين بالكبر ، والتجّار بالخيانة ، وأهل الرساتيق بالجهالة ، والعلماء بالحسد.

وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، من ترستق شهراً يمحق دهراً.

(٤) جامع الأخبار ، ص ٣٩١ ، الفصل المائة ، ح ٢ ، المسلسل ١٠٩١. وعنه بحار الأنوار ، ج ٧٦ ، ص ١٥٦ ، ب ٢٧ ، ح ١.

٤٧٧

١١٣

جامع الأخبار ، كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا دخل المسجد (١) يضع رجله اليمنى ويقول : بسمِ اللّهِ ، وعلى اللّهِ توكّلتُ ، ولا حولَ ولا قوَّةَ إلاّ باللّهِ ، وإذا خرج يضع رجله اليسرى ويقول : بسمِ اللّهِ ، أعوذُ باللّهِ من الشيطان الرجيم. ثمَّ قال :

يا علي ، مَن دخلَ المسجدَ وقال كما قلتُ تَقبَّلَ اللّهُ [ صلاتَه ] ، وكتبَ لهُ بكلِّ ركعة صلاّها فضلُ مائةِ ركعة.

فإذا خرَج وقال مثلَ ما قلتُ غفرَ اللّهُ لهُ الذنوبَ ، ورفعَ لهُ بكلِّ قَدَم درجةً ، وكتَب اللّهُ لهُ بكلِّ قَدَم مائةَ حَسَنة (٢) (٣).

______________________________________________________

(١) في المستدرك ، « قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، إذا دخل المسجد أحدكم يضع ... ».

(٢) وقد اُمرنا أيضاً بالصلاة على النبي وآله صلوات الله عليهم عند الدخول إلى المسجد والخروج منه ، مع ما هناك من الآداب وما فيه الفضل والثواب ممّا تلاحظه مفصّلا في بابه الخاص المشتمل على ثمانية وتسعين حديثاً (١).

وتلاحظ أحكام المساجد في أحاديث أبواب أحكام المساجد (٢).

(٣) جامع الأخبار للسبزواري ، ص ١٧٥ ، الفصل الثاني والثلاثون ، ح ٣ ، المسلسل ٤١٧. وعنه البحار ، ج ٨٤ ، ص ٢٦ ، ب ٣١ ، ح ١٩.

__________________

١ ـ بحار الأنوار ، ج ٨٣ ، ص ٣٣٩ ، ب ٨ ، الأحاديث.

٢ ـ وسائل الشيعة ، ج ٣ ، ص ٤٧٧ ، أبواب أحكام المساجد المشتملة على سبعين باباً.

٤٧٨

١١٤

جامع الأخبار ، قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

يا علي ، إذا توضّأتَ فقُل ، بسم اللّهِ ، اللّهمَّ إنّي أسألُكَ تَمامَ الوضوءِ ، وتَمامَ الصّلاةِ ، وتَمامَ رضوانِك ، وتَمامَ مغفرتِك ، فهذا تَمامُ الوُضوء (١) (٢).

______________________________________________________

(١) في بعض النسخ وكذا في المستدرك ( فهذا زكاة الوضوء ) أي يوجب تزكية الوضوء ونماءه ، وامّا التمام فهو بمعنى ما يوجب كمال الوضوء ويكون مكمّلا له ، فانّ هذا الدعاء سؤال التمامية للوضوء وما يشترط به وهي الصلاة ، مع رضوان الله تعالى ومغفرته.

(٢) جامع الأخبار للسبزواري ، ص ١٦٥ ، الفصل التاسع والعشرون ، ح ٨ ، المسلسل ٣٩٤. وعنه المستدرك ، ج ١ ، ص ٣٢٢ ، ب ٢٤ ، ح ٩ ، المسلسل ٧٢٧.

٤٧٩

١١٥

جامع الأخبار ، قال النبيُّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

يا علي ، إنَّ في جهنَّمَ رَحى من حَديد تُطحنُ بها رؤوسُ القرّاءِ والعلماءِ المُجرمين (١) (٢).

______________________________________________________

(١) فإنّه إذا كان العالم مجرماً وتاركاً للعمل بعلمه كان علمه وَبالا عليه ، وكانت الحجّة عليه أتمّ ، وعقابه أعظم وكذا قارىء القرآن إذا فجر وفسق مع تلاوته ومعرفته بالقرآن ، فربّ تال للقرآن والقرآن يلعنه.

وقد ورد من طريق الفريقين الأمر بقراءة القرآن بلحون العرب وترك ألحان أهل الفسوق.

ففي الكافي لثقة الإسلام الكليني (١) ، وكذا في ربيع الأبرار للزمخشري (٢) حديث حذيفة بن اليمان قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، « اقرأوا القرآن بلحون العرب وأصواتها ، وإيّاكم ولحون أهل الفسق ، وأهل الكبائر ، وسيجيىء قوم من بعدي يرجّعون بالقرآن ترجيع الغناء والرهبانية والنوح ، لا يجاوز حناجرهم ، مفتونة قلوبهم وقلوب الذين يعجبهم شأنهم ».

__________________

١ ـ اُصول الكافي ، ج ٢ ، ص ٤٥٠ ، ح ٣.

٢ ـ ربيع الأبرار ، ج ٣ ، ص ٥٥٥.

٤٨٠