وصايا الرّسول لزوج البتول عليهم السلام

السيد علي الحسيني الصدر

وصايا الرّسول لزوج البتول عليهم السلام

المؤلف:

السيد علي الحسيني الصدر


الموضوع : الأخلاق
الناشر: دار الامام الرضا عليه السلام
الطبعة: ١
ISBN: 964-92482-1-8
الصفحات: ٦٥٥
  نسخة غير مصححة

وسلَّم محمّدٌ الأمرَ إلى عليِ بن أبي طالب ، وهذا أمرُ اللّه وطاعتُه ، وولاّه الأمرَ على أن لا نُبوّةَ لعلي ولا لغيرِه بعدَ محمّد ، وكفى باللّهِ شهيداً » (٢٤).

ج ) ثمّ روى العلاّمة المجلسي حديثاً آخر في المقام نقلا عن السيّد الشريف الرضي أعلى الله مقامه في كتاب خصائص الأئمّة عليهم‌السلام ، عن هارون بن موسى ، عن أحمد بن محمّد بن عمّار العجلي الكوفي ، عن عيسى الضرير ، عن الإمام الكاظم ، عن أبيه عليهم‌السلام (٢٥) أنّه قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعلي عليه‌السلام حين دَفَعَ إليه الوصيّة :

اتّخذْ لها جواباً (٢٦) غداً بين يَدَي اللّهِ تباركَ وتعالى ربِّ العرش ، فإنّي مُحاجُّك يومَ القيامةِ بكتابِ اللّهِ حلالِه وحرامِه ، ومحكمِه ومتشابهِه على ما أنْزَلَ اللّهُ ، وعلى ما أمرتُك (٢٧) ، وعلى فرائِضِ اللّهِ كما أُنزلَتُ ، وعلى الأحكامِ من الأمرِ بالمعروف والنهيِ عن المنكر واجتنابِه (٢٨) ، مع إقامةِ حدودِ اللّهِ وشروطِه ، والاُمورِ كلّها ، وإقامِ الصلاةِ لوقتِها ، وإيتاءِ الزكاةِ لأهلِها ، وحجِّ البيتِ ،

______________________________________________________

(٢٤) بحار الأنوار ، ج ٢٢ ، ص ٤٨١ ، ب ١ ، ح ٢٩. عن كتاب الطرف ، ص ٢١ ـ ٢٢.

(٢٥) وجاء فيها عدّة روايات بنفس السند إخترنا منها الوصايا الآتية فيما يلي.

(٢٦) في الخصائص ، أعدّ لها جواباً.

(٢٧) في المصدر الأصل ، وعلى تبليغه ما أمرتك بتبليغه.

(٢٨) أي إجتناب المنكر وفي الأصل ، وإحيائه ، أي إحياء كلّ واحد من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

٢٠١

والجهادِ في سبيلِ اللّهِ ، فما أنتَ قائلٌ يا علي (٢٩)؟

فقال علي عليه‌السلام ، بأبي أنت واُمّي أرجو بكرامةِ اللّه لكَ ومنزلتِه عندَك ونعمتِه عليك ، أن يعينَني ربّي ويثبّتَني ، فلا ألقاكَ بين يَدَي اللّهِ مُقصِّراً ولا مُتوانياً ولا مُفرّطاً ولا أمعِزُ وجَهك (٣٠) ، وقاهُ وجهي ووجوهُ آبائي واُمّهاتي بل تجدُني بأبي أنت وأُمّي مستمرّاً (٣١) متّبِعاً لوصيتِك ومنهاجِك وطريقِك ما دمتُ حيّاً حتّى أقدمُ بها عليكَ ، ثمّ الأوّلُ فالأوّلُ من وُلدي ، لا مُقصّرِينَ ولا مُفرّطين.

قال علي عليه‌السلام ، ثمّ انكببتُ على وجهِه وعلى صدرِه (٣٢) وأنا أقول ، وا وحشتاه بعدَك بأبي أنتَ وأُمّي ، ووحشةِ ابنتِك وبَنيك (٣٣) بل وأطْوَلَ غمّي بعدَك يا أخي (٣٤) انقَطَعَتْ من منزلي أخبارُ السماء ، وفقدتُ بعدَك جبرئيل وميكائيل ، فلا أحسُّ أثَراً ولا أسمعُ حسّاً ،

______________________________________________________

(٢٩) في الخصائص ، فما أنت صانع يا علي؟

(٣٠) يقال : تمعَّز وجهه أي تقبّض ، وفي الخصائص ، ولا اصفّر وجهك.

(٣١) في المصدر ، مشمّراً ، أي متهيّئاً وماضياً فيها.

(٣٢) في الخصائص ، ثمّ أغمى صلّى الله عليه فانكببت على صدره ووجهه. واعلم انّه كان صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يُغمى عليه كما يأتي التصريح به ثمّ يفيق ، من أثر السمّ الذي هما سمّتاه كما تلاحظه في حديث البحار ، ج ٢٨ ، ص ٢٠ ، ب ١ ، ح ٢٨.

(٣٣) في الخصائص ، وإبنيك.

(٣٤) تعبيره عليه‌السلام ومخاطبته للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالاُخوّة يشعر بغاية التلهّف في ساعات الوداع.

٢٠٢

فأغمى عليه طويلا ثمّ أفاقَ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم. قال أبو الحسن عليه‌السلام ، فقلتُ لأبي ، فما كان بعد إفاقتِه؟ قال : دَخَل عليه النساءُ يبكين وإرتفعَت الأصواتُ وضَجَّ الناسُ بالبابِ من المهاجرينَ والأنصار.

فبينا هم كذلك إذ نُودي ، أينَ عليٌّ؟ فأقبلَ حتّى دَخَل عليه.

قال علي عليه‌السلام ، فانكببتُ عليه فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

يا أخي ، إفهَمْ فَهّمَكَ اللّهُ وسدَّدكَ وأرشدَكَ ووفّقكَ وأعانكَ وغفر ذنَبك ورفعَ ذِكركَ ، إعلم يا أخي إنّ القومَ سيُشغلهُم عنّي ما يُشغلُهم (٣٥) ، فإنّما مَثَلُكَ في الاُمّة مَثَلُ الكعبةِ نَصَبها اللّهُ للناسِ عَلَماً ، وإنّما تُؤتى من كلِّ فجّ عميق ونأي سحيق ولا تَأتي.

وإنّما أنتَ عَلَمُ الهُدى ، ونورُ الدين وهو نورُ اللّهِ يا أخي.

والذي بعثني بالحقِّ لقد قدّمتُ إليهم بالوعيد بعد أن أخبرتُهم رجلا رجلا ما افترضَ اللّهُ عليهم من حقِّك وألزَمَهُم من طاعتِك ، وكلٌّ أجابَ وسلّمَ إليكَ الأمر (٣٦) وإنّي لأعلمُ خلافَ قولهم.

فإذا قُبضتُ ، وفرغتَ من جميع ما أُوصيك به (٣٧) وغيّبتَني في قبري ، فالزم بيتَك واجمعِ القرآنَ على تأليفِه ، والفرائضَ والأحكامَ على تنزيلِه ، ثمّ امضِ على غير لائمة

______________________________________________________

(٣٥) في الخصائص ، سيشغلهم عنّي ما يريدون من عرض الدنيا وهم عليَّ واردون فلا يشغلك عنّي ما شغلهم.

(٣٦) في الأصل ، فكلٌ أجاب إليك وسلّم الأمر لك وإنّي لأعرف خلاف قولهم.

(٣٧) في الخصائص ، ما وصيّتك به.

٢٠٣

على ما أمرتُك به (٣٨). وعليك بالصَّبرِ على ما ينزلُ بك وبها حتّى تَقْدِموا عليَّ (٣٩) (٤٠).

د ) وفي هذه الوصايا أيضاً ، « ... أما واللّهِ يا علي ليَرجِعَنّ أكثرُ هؤلاء كفّاراً يضربُ بعضُهم رقابَ بعض ، وما بينك وبين أن ترى ذلك إلاّ أن يغيبَ عنك شخصي » (٤١).

هـ ) ... يا علي ، من شاقَّكَ من نسائي وأصحابي فقد عصاني (٤٢).

ومن عصاني فقد عصى اللّهَ ، وأنا منهم بريء فاَبرأْ منهم.

فقال علي عليه‌السلام ، نعم قد فعلت (٤٣). فقال : اللّهمّ إشهد.

يا علي ، إنّ القوم يأتمرونَ بعدي ، يظلمونَ ويبيّتون على ذلك ، ومن بيَّتَ على ذلك (٤٤) فأنا منهم بريء ، وفيهم نزلت : ( بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ ...

______________________________________________________

(٣٨) في الخصائص ، ثمّ أمض ذلك على عزائمه وعلى ما أمرتك به.

(٣٩) في الخصائص ، وعليك بالصبر على ما ينزل بك حتّى تقدم عليّ.

(٤٠) الطرف ، ص ٢٥ ـ ٢٧. وبحار الأنوار ، ج ٢٢ ، ص ٤٨٢ ، ب ١ ، ح ٣٠.

(٤١) بحار الأنوار ، ج ٢٢ ، ص ٤٨٧ ، ب ١ ، ح ٣٢.

(٤٢) « شاقّوا الله ورسوله » أي حاربوه وخانوا دينه وطاعته. ( مجمع البحرين ، ص ٤٣٦).

(٤٣) في المصدر ، فقال علي ، فقلت ، نعم.

(٤٤) يقال : بيّت فلان أمره ، أي فكّر فيه ليلا وقدّره.

٢٠٤

وَاللّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيّتُونَ ) (٤٥) (٤٦).

و ) ... يا علي ، إصبِر على ظُلمِ الظالمين ، فإنّ الكفر (٤٧) يقبلُ ، والردّةُ ، والنفاقُ مع الأوّلِ منهم ، ثمّ الثاني وهو شرٌّ منه وأظلم ، ثمّ الثالث ، ثمّ يجتمع لكَ شيعةٌ تقاتل بهم الناكثينَ والقاسطينَ والمتّبعينَ المضلّين ، واقْنُتْ عليهم (٤٨) هم الأحزابُ وشيعتُهم.

يا علي ، إنّ فلانةَ وفلانةَ ستشاقّانَك (٤٩) وتُبغضانَك (٥٠) بَعدي ، وتخرجُ فلانةُ عليكَ في عساكرِ [ عسكر ] الحديد ، وتخلّف (٥١)

الاُخرى تجمعُ إليها الجموع ، هما في الأمر سَواء ، فما أنتَ صانعٌ يا علي؟ قال : يا رسولَ اللّه إن فَعَلَتا ذلك تلوتُ عليهما كتابَ اللّهِ وهو الحجّةُ فيما بيني وبينهما ، فإن قَبِلَتا وإلاّ خبّرتُهما (٥٢) بالسُنّةِ وما يجب عليهما من طاعتي وحقّي المفروض عليهما ،

______________________________________________________

(٤٥) سورة النساء ، الآية ٨١.

(٤٦) الطرف / ص ٣٤ ـ ٣٥. وبحار الأنوار ، ج ٢٢ ، ص ٤٨٨ ، ب ١ ، ح ٣٢.

(٤٧) في المصدر ، إصبر على ظلم المضلّين ما لم تجد أعواناً فالكفر يقبل ..

(٤٨) أي أدع عليهم في قنوتك.

(٤٩) أي تخالفانك وتعاديانك.

(٥٠) في المصدر ، وتعصيانك.

(٥١) في المصدر ، وتتخلّف ، أي إنّ الأُولى تخرج مع العسكر ، والاُخرى تبقى لتموّنها بالجمع والعدد.

(٥٢) في المصدر ، وإلاّ أخبرتهما.

٢٠٥

فإن قَبِلَتاه وإلاّ أشهدتُ اللّهَ وأشهدتُك عليهما ، ورأيتُ قتالَهما على ضلالتِهما ، قال : وتعقرُ الجملَ وإنْ وَقَعَ في النار؟ قلتُ ، نعم (٥٣).

قال : اللّهمّ اشهَد ، ثمّ قال :

يا علي ، إذا فَعَلَتا ما شهد عليهما القرآنُ فأبِنْهُما منّي (٥٤). فإنّهما بائنتان ، وأَبواهُما شريكان لهُما فيما عَمِلَتا وَفَعَلَتا (٥٥).

ز ) ... قال علي بن أبي طالب عليه‌السلام ، كان في الوصيّةِ أنْ يُدفع إليّ الحَنُوط (٥٦) ، فدعاني رسولُ اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبلَ وفاتِه بقليل فقال :

يا علي ويافاطمة ، هذا حَنُوطي من الجنّةِ دَفعَهُ إليَّ جبرئيل ، وهو يقرؤُكما السَلام ويقولُ لكما ، أقسِماه واعزلا منه لي ولكما قالت ( فاطمة عليها‌السلام ) ، لك ثُلثُه ، وليكن الناظَر في الباقي عليُ بن أبي طالب عليه‌السلام ، فبكى رسولُ اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وضمّها إليه وقال : موفّقةٌ رشيدةٌ مهديّةٌ مُلهمَة.

يا علي ، قل في الباقي.

قال : نصفُ ما بقي لها ، ونصفٌ لمن ترى يا رسول اللّه.

______________________________________________________

(٥٣) في المصدر ، قال : وعقر الجمل؟ قال : قلت ، وعقر الجمل ، قال : وإن وقع؟ قلت ، وإن وقع في النار ، وإستطراد الوقوع في النار ، إشارة إلى انّه لا تكتفِ في منع الجمل عن الحركة بشيء غير العقر حتّى إذا أصابته النار وكان في معرض الهلاك.

(٥٤) المباينة ، المفارقة ، والبائن من الطلاق ما لا رجعة فيه ، أي طلّقهما.

(٥٥) الطرف ، ص ٣٦ ، وعنه البحار ، ج ٢٢ ، ص ٤٨٨ ، ب ١ ، ح ٣٣.

(٥٦) الحنوط ـ بفتح الحاء ـ ، هو الطيب الذي يوضع للميّت خاصّة.

٢٠٦

قال : هو لك فاقبضه (٥٧).

ح ) وجاء في حديث الوصيّة أيضاً :

... يا علي ، أَضَمِنْتَ دَيْني تقضيهِ عنّي؟

قال عليه‌السلام ، نعم.

قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، اللّهمّ فاشهَدْ ثمّ قال : يا علي ، تغسّلني (٥٨) ولا يغسِّلني غيُرك فيعمى بصرُه.

قال علي عليه‌السلام ، ولِمَ يا رسولَ اللّه؟

قال : كذلك قال جبرئيل عليه‌السلام عن ربّي ، أنّه لا يَرى عورتي غيرُك إلاّ عَمِيَ بصرُه.

قال علي ، فكيف أقوى عليكَ وحدي؟

قال : يعينُك جبرئيلُ وميكائيلُ وإسرافيلُ وملكُ الموت وإسماعيلُ صاحبُ السماءِ الدنيا (٥٩).

______________________________________________________

(٥٧) الطرف ، ص ٤١ ـ ٤٢ ، وعنه البحار ، ج ٢٢ ، ص ٤٩٢ ، ب ١ ، ح ٣٧ ، ووردت في مصباح الأنوار ، ص ٢٧٠ ، والمستدرك ، ج ٢ ، ص ١٩٧ ، ب ٣٠ ، ح ٥ ، المسلسل ١٧٩.

(٥٨) في المصدر ، غَسّلني.

(٥٩) وورد هذا المضمون في مصباح الأنوار (١) مع زيادة ، فقال جبرئيل ، يا محمّد قل لعلي ، إنّ ربّك يأمرك أن تغسل ابن عمّك ، فإنّها السنّة أن لا يغسل الأنبياء إلاّ أوصياؤهم ، وإنّما يغسل كلّ نبي وصيّه من بعده وهي من حجج الله عزّوجلّ

__________________

١ ـ مصباح الأنوار ، ص ٢٧٠.

٢٠٧

قلت ، فمن يناولُني الماء؟

قال : الفضلُ بن العبّاس من غيرِ أن ينظُرَ إلى شيء منّي ...

فإذا فرغتَ من غُسلي فضَعْني على لَوح ، وأفرِغْ عَلَيَّ مِن بئري ـ بئرِ غرس ـ أربعينَ دلواً مفتّحةَ الأفواه (٦٠).

ثمّ ضَعْ يدَك يا علي على صدري ... تُفَهَّم ما كان وما هو كائن إن شاء اللّهُ تعالى.

ط ) وفي حديث شيخ القمّيين محمّد بن الحسن الصفّار (٦١) ، جاء قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعلي عليه‌السلام :

فإذا فرغتَ من غُسلي فأدرِجني في أكفاني ثمّ ضَع فاكَ على فمي ، قال : ففعلتُ وأنبأني بما هو كائنٌ إلى يومِ القيامة.

ى ) وجاء بعد هذا في حديث البحار ،

______________________________________________________

لمحمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على اُمّته من بعده فيما قد اجتمعوا عليه من قطيعة ما أمرهم الله تعالى به.

وأعلم أنّه ورد ذكر هذا الملك الموكّل بالسماء الدنيا في حديث المعراج في البحار ، ج ١٨ ، ص ٣٢١ ، وجاء في حديث أبي حمزة ، عن الإمام الباقر عليه‌السلام أنّه قال :

« إنّ في الهواء ملكاً يقال له ، إسماعيل ، على ثلاثة ألف ملك ، كلّ واحد منهم على مائة ألف ، يحصون أعمال العباد ، فإذا كان رأس السنة بعث الله إليهم ملكاً يقال له ، السجلّ فانتسخ ذلك منهم ، وهو قول الله تبارك وتعالى ( يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ) سورة الأنبياء ، الآية ١٠٤. ( بحار الأنوار ، ج ٥ ، ص ٣٢٢ ، ب ١٧ ، ح ٨).

(٦٠) في الحديث ، « أو أربعين قربة » ترديداً من الراوي.

(٦١) في كتابه بصائر الدرجات ، ص ٢٨٤ ، ب ٦ ، ح ١٠.

٢٠٨

قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، يا علي ما أنتَ صانعٌ لو قد تأَمَّرَ القومُ عليك بَعدي ، وتقدّموا عليكَ وبَعَثَ إليك طاغيتُهم يدعوكَ إلى البيعةِ ، ثمّ لُبِّبْتَ بثوبِك تُقادُ كما يُقادُ الشاردُ من الإبل مذموماً مخذولا محزوناً مهمُوماً ، وبَعدَ ذلك ينزل بهذه ـ أي فاطمة الزهراء سلام الله عليها ـ الذُّل؟

قال : فلمّا سَمِعَتْ فاطمةُ ما قال رسولُ اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صَرَخَتْ وبكت ، فبكى رسولُ اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لبكائِها وقال : يابُنيّة لا تبكين ولا تُؤذِين جلساءَك من الملائكة ، هذا جبرئيلُ بكى لبكائِك ، وميكائيلُ ، وصاحبُ سرِّ اللّه إسرافيل ، يابُنيّة لا تبكين فقد بَكَت السماواتُ والأرضُ لبكائِك.

فقال علي عليه‌السلام ، يا رسولَ اللّه أَنقادُ للقومِ وأصبِرُ على ما أصابني من غير بَيعة لهم ، ما لم أُصِبْ أعواناً لم أُناجز القوم.

فقال رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، اللّهمّ اشهَد ، فقال : يا علي ، ما أنتَ صانعٌ بالقرآن والعزائِم (٦٢) والفرائض؟

فقال : يا رسولَ اللّه أجمعُهُ ، ثمّ آتيهم به ، فإنْ قَبِلُوه وإلاّ أشهدتُ اللّهَ عزّوجلّ وأشهدتُك عليه.

قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أَشهد.

ك ) وكان فيما أوصى به رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنْ يُدفَن في بيته الذي قُبض فيه ، ويُكفّن بثلاثة أثواب ، أحدها ، يمان ، ولا يدخل قبره غير علي عليه‌السلام.

ثمّ قال : يا علي ، كُنْ أنتَ وابنتي فاطمةُ ...

______________________________________________________

(٦٢) قال الشيخ الطريحي ، عزائم الله ، موجباته والأمر المقطوع عليه الذي لا ريب فيه ولا شبهة ولا تأويل فيه ولا نسخ ( مجمع البحرين ، ص ٥٢٦).

٢٠٩

والحسنُ والحسينُ وكبِّروا خمساً وسبعينَ تكبيرة. وكَبِّرْ خمساً وانصرف ، وذلك بعدَ أن يُؤذنَ لكَ في الصلاة.

قال علي عليه‌السلام ، بأبي أنت واُمّي من يأذنُ غداً؟

قال : جبرئيلُ عليه‌السلام يُؤْذِنُك (٦٣).

قال : ثمّ مَن جاء من أهلِ بيتي يُصلّون عليَّ فوجاً فوجاً ، ثمّ نساؤُهم ، ثمّ الناسُ بعد ذلك (٦٤).

ل ) ... ثمّ دَعا (٦٥) عليّاً وفاطمةَ والحسنَ والحسينَ عليهم‌السلام وقال لمن في بيته ، اُخرجُوا عنّي ، وقال لاُمِّ سَلَمة ، كوني على البابِ (٦٦) فلا يقربْهُ أحد ، فَفَعَلَت.

ثمّ قال : يا علي ، أُدْنُ منّي ، فدَنا منه ، فأخذ بيدِ فاطمة فوضَعها على صدرِه طويلا ، وأخذ بيَدِ عليّ بيده الأُخرى ،

______________________________________________________

(٦٣) في المصدر ، ومن يأذن لي بها؟ قال : جبرئيل ، قال : ثمّ من جاءك يؤذنك.

(٦٤) كما في الطرف ، ص ٤٢ ـ ٤٥ ، وعنه في البحار ، ج ٢٢ ، ص ٤٩٢ ، ب ١ ، ح ٣٨. وفي حديث ابن عبّاس هنا في البحار ، ج ٢٢ ، ص ٥٠٧ ، ب ٢ ، ح ٩ ، فأوّل من يصلّي عليّ الجبّار جلّ جلاله من فوق عرشه ، ثمّ جبرئيل وميكائيل واسرافيل في جنود من الملائكة لا يحصي عددهم إلاّ الله جلّ وعزّ ، ثمّ الحافّون بالعرش ، ثمّ سكّان أهل سماء فسماء ، ثمّ جُلّ أهل بيتي الأقربون فالأقربون.

(٦٥) في المصدر ، لمّا كان اليوم الذي ثقل فيه وجع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحفّ عليه الموت دعا ... الخ.

(٦٦) في المصدر ، تكوني ممّن على الباب.

٢١٠

فلمّا أراد رسولُ اللّه الكلامَ غلَبتُه عبرتُه ، فلم يقدر على الكلام فبكَت فاطمةُ بكاءً شديداً وعليٌ والحسنُ والحسينُ عليهم‌السلام لبكاءِ رسولِ اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

فقالت فاطمةُ ، يا رسولَ اللّه قد قَطَّعْتَ قلبي ، وأحرقْتَ كبدي لبكائِك يا سيّدَ النبيّينَ من الأوّلينَ والآخرين ، ويا أمينَ ربِّه ورسولَه ، ويا حبيبَه ونبيَّه ، مَن لولدي بعدَك ، ولذُلّ ينزلُ بي بعدَك (٦٧)؟ مَن لعليّ أخيك وناصرِ الدين؟ مَن لوحيِ اللّهِ وأمرِه؟ ثمّ بكت وأكبَّت على وجهِه فقبّلتْهُ ، وأكبَّ عليه عليٌ والحسنُ والحسينُ صلواتُ اللّه عليهم ، فرفع رأسه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إليهم ويدُها في يده فوضعها في يدِ علي وقال له :

يا أبا الحسن هذه وديعةُ اللّه ، ووديعةُ رسولِه محمّد عندَك ، فاحفَظ اللَّهَ واحفظني فيها ، وإنّك لفاعلُه (٦٨).

يا علي ، هذه واللّهِ سيّدةُ نساءِ أهلِ الجنّةِ من الأوّلينَ والآخرين ، هذه واللّهِ مريمُ الكُبرى (٦٩) ، أما واللّهِ ما بَلَغَتْ نفسي هذا الموضع حتّى سألتُ اللّهَ لها ولكم فأعطاني ما سألتُه.

يا علي ، أَنْفِذْ لما أَمرَتْك به فاطمةُ ، فقد أمرتُها بأشياء أَمَرَ بها جبرئيلُ عليه‌السلام.

واعلم يا علي ، إنّي راض عمّن رَضِيَتْ عنه ابنتي فاطمة ،

______________________________________________________

(٦٧) في المصدر ، ولذلّ أهل بيتك.

(٦٨) في المصدر ، وإنّك لفاعل هذا.

(٦٩) فانّ مريم سيّدة نساء عالمها فقط وفاطمة سيّدة نساء العالمين جميعاً.

٢١١

وكذلك ربّي وملائكتُه (٧٠).

يا علي ، ويلٌ لمَن ظلَمَها ، وويلٌ لمن ابتزَّها (٧١) حقَّها ، وويلٌ لمن هَتَكَ حُرمتَها ، وويلٌ لمن أحرقَ بابَها ، وويلٌ لمن آذى خليلَها (٧٢) ، وويلٌ لمن شاقَّها (٧٣) وبارَزَها ، اللّهمّ إنّي منهم بريء ، وهم منّي بُراء ثمّ سمّاهم رسولُ اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وضَمَّ فاطمةَ إليه وعليّاً والحسنَ والحسينَ عليهم‌السلام وقال : اللّهمّ إنّي لهم ولمن شايعهُم سِلْم ، وزعيمٌ (٧٤) بأنَّهم يدخلون الجنَّة ، وعدوٌ وحربٌ لمن عاداهُم وظَلَمهم وتقدَّمهم أو تأخَّر عنهم وعن شيعتِهم ، زعيمٌ بأنّهم يُدخلون النار ثمّ واللّهِ يافاطمة لا أرضى حتّى تَرْضَي ، ثمّ لا واللّهِ لا أرضى حتّى ترضَى ، ثمّ واللّهِ لا أرضى حتّى ترضَى (٧٥).

م ) ... أما واللّهِ لينتقمَنّ اللّهُ ربّي وليغضبَنَّ لغضبِكِ ، فالويلُ ثمّ الويلُ ثمّ الويلُ للظالمين ، ثمّ بكى رسولُ اللّهِ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

______________________________________________________

(٧٠) أي إنّ ربّي جلّ جلاله وملائكته راضون عمّن رضيت عنه فاطمة سلام الله عليها.

(٧١) أي سلب حقّها بجفاء وقهر.

(٧٢) في المصدر ، حليلها. وهو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه‌السلام.

(٧٣) أي خالفها وعاداها.

(٧٤) الزعيم ، الضمين والكفيل ، ومنه قوله عليه‌السلام ، أنا بنجاتكم زعيم أي ضامن بنجاتكم كما في المجمع ، ص ٥١٩.

(٧٥) الطرف ، ص ٢٩ ، وعنه البحار ، ج ٢٢ ، ص ٤٨٤ ، ب ١ ، ح ٣١.

٢١٢

قال عليٌ عليه‌السلام ، فواللّهِ لقد حَسِبتُ (٧٦) بضعةٌ منّي قد ذَهَبت لبكائِه حتّى هَمَلت عيناه مثلَ المطر ، حتّى بَلَّتْ دموعُه لحيتَه ومُلاءةً (٧٧) كانت عليه وهو يلتزم فاطمةَ لا يفارقُها ورأسُه على صدري وأنا مُسندُه ، والحسنُ والحسينُ يقبّلان قدميه ويبكيان بأعلا أصواتِهما (٧٨).

ن ) وفي الحديث التاسع عشر من الباب المتقدّم من البحار في وصيّته صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قرب وفاته :

... فدعى أميرَ المؤمنين عليه‌السلام فلمّا دَنا منه أومأ إليه ، فأكبَّ عليه فناجاهُ رسولُ اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طويلا ... فقالَ له الناس ، ما الّذي أوعَزَ إليكَ يا أبا الحسن؟ فقال : عَلَّمَني ألفَ باب من العِلم ، فَتَحَ لي كلُّ باب ألفَ باب ، وأوصاني بما أنا قائمٌ به ان شاءَ اللّه تعالى.

ثمّ ثَقُلَ وحضَرُه الموتُ ، وأميرُ المؤمنين عليه‌السلام حاضرٌ عندَه ، فلمّا قَرُبَ خروجُ نفسِهِ قال له ، ضَعْ يا علي رأسي في حِجْرِك ، فقد جاء أمرُ اللّهِ تعالى ، فاذا فاضَت نَفْسي فتناوَلْها بيدِك ، وامسحْ بها وجَهك ، ثمّ وجِّهني إلى القبلةِ ، وَتَولّ أمري ، وصَلِّ عليَّ أوَّلَ الناس ، ولا تفارقْني حتّى تواريني في رَمْسي ، واستعِنْ باللّهِ تعالى ، فأخَذَ عليٌ عليه‌السلام رأسَهُ فَوضَعَه في حِجْرهِ ، فاُغمى عليه ، فأكبَّتْ فاطمةُ عليها‌السلام تنظُرُ في وجِهِه وتندبُهُ وتبكي ...

______________________________________________________

(٧٦) في المصدر ، لقد حسست.

(٧٧) الملاءة هو الثوب اللين الرقيق.

(٧٨) كما في الطرف ، ص ٣٨١ ، وعنه البحار ، ج ٢٢ ، ص ٤٩١ ، ب ١ ، ح ٣٦.

٢١٣

ثمّ قُبِضَ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويدُ أميرِ المؤمنين اليمنى تحتَ حَنَكِهِ ففاضَتْ نفسُه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيها ، فَرَفعها إلى وجِهِه فمَسَحهُ بها ...

هذا مختار من الحديث وهو ذو شجون وحزن مكنون فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.

______________________________________________________

٢١٤

٤

وممّا أوصى به رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمير المؤمنين عليه‌السلام حينما حضرته الشهادة أنّه أوصى له بجميع مختصّاته ، وأوصاه بلبس خاتمه ، وقبض مختصّاته ، حتّى لا ينازعه فيها أحد من بعده.

ففي علل الشرائع قال : حدّثنا محمّد بن علي ماجيلويه رضي‌الله‌عنه قال : حدّثنا محمّد بن يحيى العطّار ، قال : حدّثنا سهل بن زياد الآدمي ، قال : حدّثنا محمّد بن الوليد الصيرفي ، عن أبان بن عثمان ، عن أبي عبدالله عليه‌السلام ، عن أبيه ، عن جدّه عليهم‌السلام قال : لمّا حضَرَت رسولَ الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الوفاةُ دعا العبّاسَ بن عبدِالمطّلب وأميرَ المؤمنين عليَّ بن أبي طالب عليه‌السلام ، فقال للعبّاسِ ، يا عمَّ محمَّد ، تأخذُ تُراثَ محمّد وتقضي دينَه وتُنجزُ عداتِه (١)؟

فردَّ عليه وقال : يا رسولَ اللّهِ أنا شيخٌ كبير كثيرُ العيال ، قليلُ المال ، من يطيقُك وأنت تباري الريح (٢).

______________________________________________________

(١) في هامش الكافي عن الفيض الكاشاني أنّه قال : لعلّ إلقاء هذا القول على عمّه أوّلا ثمّ تكريره صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ذلك إنّما هو لإتمام الحجّة عليه ، وليظهر للناس أنّه ليس أحد مثل ابن عمّه في أهليّة الوصيّة.

(٢) المباراة هي المسابقة ، وتباري الريح بمعنى تسابق الريح. كناية عن علوّ الهمّة والسخاء ، يقال : فلان يباري الريح سماحةً أي يسابقه فيها ، والريح مشهورة

٢١٥

قال : فأطرق (٣) صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هنيئةً (٤) قال (٥) ، يا عبّاس أتأخذُ تراثَ رسولِ اللّهِ وتنجزُ عداتِه (٦) وتؤدّي دينَه؟ فقال : بأبي أنت واُمّي أنا شيخٌ كبير كثيرُ العيال ، قليلُ المال ، من يطيقُك وأنت تباري الريح. فقال رسولُ اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أما إنّي سأُعطيها من يأخذُ بحقِّها (٧) ، ثمّ قال :

يا علي ، يا أخا محمّد ، أَتُنْجِز عداةَ محمّد ، وتقضي دينَه ، وتأخذُ تراثَه (٨)؟

قال : نعم بأبي أنتَ واُمّي.

قال : فنظرتُ إليه حتّى نَزَع خاتَمه من إصبعِه فقال : تختَّمْ بهذا في حياتي.

______________________________________________________

بالسخاء.

(٣) يقال : أطرق الرجل ، إذا سكت ولم يتكلّم ، وأطرق رأسه ، أي أَمالَهُ وأسكَنه ، وأَطرق الرجل ، أي أرخى عينيه ينظر إلى الأرض (١).

ولعلّ الأنسب هنا هو المعنى الأوّل.

(٤) هنيئة أي وقتاً.

(٥) في الكافي ، « ثمّ قال ».

(٦) التراث هو الميراث ، والعدات جمع عدة هي الوعد في الخير.

(٧) في الكافي ، « مَنْ يأخذها بحقّها » أي مَنْ يأخذ هذه المواريث بالإستحقاق ويقوم بلوازمها.

(٨) في التعبير بأخ محمّد ، ثمّ تقديم إنجاز العداة وقضاء الدين ، دون أخذ التراث ، لطف لا يخفى.

__________________

١ ـ مجمع البحرين ، ص ٤٣٩.

٢١٦

قال : فنظرتُ إلى الخاتَم حينَ وَضعَهُ عليٌ عليه‌السلام في إصبعِه اليُمنى (٩).

فصاح رسولُ اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يا بلال ، عَلَيَّ بالمغفِر (١٠) ، والدّرعِ (١١) ، والرايةِ (١٢) ، وسيفي ذي الفقار (١٣) ، وعمامتي السَّحاب (١٤) ،

______________________________________________________

(٩) في الكافي ، « فتمنّيتُ من جميع ما ترك الخاتم » وهذا كلام العبّاس وتمنّيه.

(١٠) المِغفر ـ بكسر الميم ـ ، زردٌ ينسج من الدروع على قدر الرأس يُلبس تحت القلنسوة.

(١١) الدِرع ـ بكسر الدال ـ ، وجمعه دروع وأدرع ودراع ، قميص من زرد الحديد يُلبس وقاية من سلاح العدو.

(١٢) الراية هو العَلَم الكبير يتولاّها صاحب الحرب ، ويقاتل عليها ، وإليها تميل المقاتلة.

(١٣) وهو سيف رسول الله الذي نزل به جبرئيل من السماء ، وأعطاه رسول الله علياً سلام الله عليهما وآلهما الكرام يوم اُحد فما زال يقاتل به حتّى سُمع دويّ من السماء ، لا سيف إلاّ ذو الفقار ولا فتى إلاّ علي (١) وفي حديث أحمد بن عبدالله قال : سألت الرضا عليه‌السلام عن ذي الفقار سيف رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من أين هو؟ فقال : هبط به جبرئيل عليه‌السلام من السماء ، وكان حليته من فضّة ، وهو عندي (٢).

(١٤) كان اسم عمامة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم السحاب ، وكان لأغلب مختصّاته أسماء لشرافتها.

ورد أنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ألبس علياً في غزوة الخندق درعه ذات الفضول ، وأعطاه

__________________

١ ـ بحار الأنوار ، ج ٢٠ ، ص ٧١ ، ب ١١ ، ح ٧.

٢ ـ بحار الأنوار ، ج ٤٢ ، ص ٦٥ ، ب ١١٨ ، ح ٨.

٢١٧

والبُرد (١٥) ، والأبرقَة (١٦) ، والقضيب (١٧) ( يقالُ له ، الممشُوق ) فواللّهِ ما رأيتُها قبلَ ساعتي تَيك ـ يعني الأبرقة ـ (١٨) ، كادَتْ تخطَفُ الأبصار ، فإذا هي من أبرُقِ الجنَّة.

فقال : يا علي ، إنّ جبرئيل أتاني بها فقال : يا محمَّد! إجعلْها في حلقةِ الدِّرع واستوفِر بها (١٩) مكانَ المنِطَقة.

ثمّ دعا بزَوجَي نعال عربيَّيْن أحدُهما ، مخصوفة والاُخرى غيرُ مخصوفة (٢٠) ، والقميصَ الذي اُسرِىَ به فيه ،

______________________________________________________

سيفه ذا الفقار ، وعمّمه عمامة السحاب على رأسه تسعة أكوار ـ أي أدوار ـ ثمّ قال له ، تقدّم ، فقال لما ذهب ، « اللّهمّ احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوق رأسه ومن تحت قدميه » كما يستفاد من حديث البحار (١).

(١٥) البُرد ـ بضمّ الباء وسكون الراء ـ ، نوع من الثياب والأكسية المعروفة.

(١٦) الأبرقة ، شُقةٌ يشدّ بها الوسط مكان المنطقة ، سمّيت بها لبريقها ، أو لكونها ذات لونين ، لأنّه يطلق على كلّ ما فيه سواد وبياض أبرق.

(١٧) القضيب هو الغصن المقطوع من الشجر مأخوذ من القضب بمعنى القطع ، والقضيب يراد به العصا.

(١٨) في الكافي قبل قوله كادت ، « فجيء بشقّة ».

(١٩) في الكافي ، « واستذفر بها » من الإستذفار بمعنى شدّ الوسط.

(٢٠) في الكافي ، « والآخر غير مخصوف » والمخصوف هو المرقوع وخصف النعل ترقيعه.

__________________

١ ـ بحار الأنوار ، ج ٢٠ ، ص ٢٠٣.

٢١٨

والقميصَ الذي خَرَج فيه يومَ أُحُد ، والقلانِسَ الثلاث ، قلنسوةَ السَّفَر ، وقلنسوةَ العيدَين ، وقلنسوةً كان يلبسُها ويقعدُ مع أصحابه.

ثمّ قال رسولُ اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، يا بلال ، عَليَّ بالبغلتَين ، الشّهباء والدُلدُل (٢١) :

والناقتَين ، العضباء والصهباء (٢٢) ، والفرسَين ، الجَناح (٢٣) ، الذي كان يُوقفُ ببابِ مسجدِ رسولِ اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لحوائجِ الناس (٢٤) ،

______________________________________________________

(٢١) يقال : دَلْدَلَ في الأرض أي ذهب ومرّ ، ويسمّى به البغل لهذه المناسبة.

(٢٢) في الكافي ، « والقصوى ».

(٢٣) ويُسمّى ذو الجناح أيضاً وكان من جياد خيل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وانتقل إلى سيّد الشهداء الحسين عليه‌السلام وكان معه في يوم عاشوراء.

ولمّا صُرِعَ الإمام الحسين عليه‌السلام جعل الفرس يحامي عنه ويَثِبُ على الفارس من العدوّ فيخبطه عن سرجه ويدوسه ، حتّى قتل الفرس أربعين رجلا ولم يقدروا عليه ، فصاح ابن سعد عليه اللعنة ، ويلكم تباعدوا عنه ودعوه لننظر ما يصنع ، فتباعدوا عنه ، فلمّا أمن الطلب جعل يتخطّى القتلى ويطلب الحسين عليه‌السلام ، حتّى إذا وصل إليه جعل يشمّ رائحته ، ويقبّله بفمّه ، ويمرغ ناصيته عليه ، وهو مع ذلك يصهل ويبكي بكاء الثكلى حتّى أعجب كلّ من حضر ، ثمّ انفتل يطلب خيمة النساء إلى آخر قضيّته التي تراها منقولة عن أمالي الصدوق ، والمناقب لابن شهر آشوب ، ومدينة المعاجز للسيّد البحراني ، والمنتخب للطريحي في المعالي (١).

(٢٤) في الكافي ، « لحوائج رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ».

__________________

١ ـ معالي السبطين ، ج ٢ ، ص ١٩.

٢١٩

يَبعثُ رسولُ اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الرجلَ في حاجتِه فيركبُه ، وحيزُوم وهو الذي يقولُ أَقْدِمْ حيزُوم (٢٥) ، والحمار اليَعفور.

ثمّ قال : يا علي ، اقبِضْها في حياتي لا ينازُعك فيها أحدٌ بَعدي.

ثمّ قال أبو عبدِاللّه (٢٦) عليه‌السلام ، إنّ أوّلَ شيء مات من الدواب حمارَه اليعفُور ، تُوفّي ساعةَ قُبِض رسولُ اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

قَطَع خِطامَه (٢٧) ، ثمّ مرَّ يركض حتّى وافى بئرَ بني حطَمة (٢٨) بُقبا (٢٩) ، فرمى بنفسِه فيها فكانَت قبرَه.

ثمّ قال أبو عبدِاللّه عليه‌السلام ، إنّ يَعفُور كَلَّمَ رسولُ اللّه (٣٠) صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال : بأبي أنتَ وأُمّي إنَّ أبي حدّثَني عن أبيه عن جدِّهِ ، ...

______________________________________________________

(٢٥) أي يقول له حينما يريده ، أَقْدِمْ حيزوم فيجيب ويقبل.

(٢٦) في الكافي ، « فذكر أمير المؤمنين عليه‌السلام » إنّ أوّل شيء مات الخ.

(٢٧) الخِطام ـ بكسر الخاء ـ ، هو الزمام أو ما يقاد به الدابّة.

(٢٨) في الكافي ، بني خطمة ، وخطمة ـ بفتح الخاء وسكون الطاء ـ ، حيٌ من الأنصار.

(٢٩) قُبا ـ بضمّ القاف والقصر ـ ، إسم قرية في جنوب غربي المدينة المنورة ، تبعد عنها أربع كيلومترات ، وبها مسجد التقوى المعروف بمسجد قُبا ، وهو المسجد الذي أُسّس على التقوى من أوّل يوم.

(٣٠) لا عجب في تكلّم الحيوان أو معرفته نسبه بإقدار الله تعالى وقدرته ، خصوصاً مع سيّد الرسل وأفضل الأنبياء صلوات الله عليه وآله.

كما يقرّب هذا الأمر نظيره القرآني وهو تكلّم الهدهد والنملة لسليمان النبي عليه‌السلام بكلام الحكمة ومنطق العبرة.

٢٢٠