عناية الأصول في شرح كفاية الأصول - ج ٦

السيد مرتضى الفيروزآبادي

عناية الأصول في شرح كفاية الأصول - ج ٦

المؤلف:

السيد مرتضى الفيروزآبادي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: منشورات فيروزآبادي
الطبعة: ٤
الصفحات: ٣٠٠

بحث المرجحات الخارجية أيضاً وهو آخر فصل من فصول هذا المقصد الثامن ومن الواضح المعلوم ان الراجح من الخبرين المتعارضين هو أقوى الدليلين بلا شبهة ولا ريب.

في بعض الوجوه التي استدل بها

لوجوب الترجيح

(قوله بل ربما ادعى الإجماع أيضاً على حجية خصوص الراجح واستدل عليه بوجوه أخر أحسنها الأخبار ... إلخ)

شروع في أهم مسائل التعادل والتراجيح وهو ان اللازم في الخبرين المتعارضين هل هو الترجيح بينهما والأخذ بالراجح أو التخيير بينهما والأخذ بأيهما شاء.

(وقد اختار الشيخ) أعلى الله مقامه تبعاً للمشهور وجوب الترجيح (واستدل عليه) بوجوه عديدة (قال) أما المقام الأول يعني به من مقامات التراجيح فالمشهور فيه وجوب الترجيح وحكى عن جماعة منهم الباقلاني والجبائيان عدم الاعتبار بالمزية وجريان حكم التعادل.

(ثم قال) ويدل على المشهور مضافاً إلى الإجماع المحقق والسيرة القطعية والمحكية عن الخلف والسلف وتواتر الأخبار بذلك ان حكم المتعارضين من الأدلة (إلخ) فشرع أعلى الله مقامه في وجه رابع طويل بعبارات لا تخلو بعضها عن اضطراب (وملخصها) هو الأصل الثانوي المتقدم في الخبرين المتعارضين.

(ثم ذكر) وجهاً خامساً بعد هذا كله (فقال) وقد يستدل على وجوب

٤١

الترجيح بأنه لو لا ذلك لاختل نظم الاجتهاد بل نظام الفقه من حيث لزوم التخيير بين الخاصّ والعام والمطلق والمقيد وغيرهما من الظاهر والنص المتعارضين

(ثم ردّ عليه فقال) وفيه ان الظاهر خروج مثل هذه المعارضات عن محل النزاع فإن الظاهر لا يعد معارضاً للنص إما لأن العمل به لأصالة عدم الصارف المندفعة بوجود النص وإما لأن ذلك لا يعد تعارضاً في العرف ومحل النزاع في غير ذلك (انتهى) (هذا وسيأتي) عند قول المصنف نعم قد استدل على تقييدها ووجوب الترجيح في المتفاضلين بوجوه أخر ... إلخ الإشارة إلى بقية الوجوه التي استدل بها للترجيح غير هذه الوجوه الخمسة فانتظر لها وتأمل.

(قوله وهي على طوائف ... إلخ)

أي مطلق الاخبار العلاجية الواردة في أحكام المتعارضين التي منها اخبار الترجيح هي على طوائف لا خصوص الاخبار التي استدل بها لوجوب الترجيح على طوائف كما هو ظاهر العبارة فالضمير في قوله وهي على طوائف راجع إلى الاخبار بمعنى آخر أوسع مما أريد من لفظها فالمراد من لفظ الاخبار في قوله أحسنها الاخبار خصوص الاخبار الدالة على الترجيح والمراد منها حين عود الضمير إليها هو مطلق الاخبار العلاجية الواردة في المتعارضين فلا تغفل.

٤٢

في الاخبار العلاجية الدالة على التخيير

على الإطلاق

(قوله منها ما دل على التخيير على الإطلاق كخبر الحسن الجهم عن الرضا عليه‌السلام ... إلخ)

قد رواه في الوسائل في القضاء في باب وجوه الجمع بين الأحاديث المختلفة (وتمام الحديث هكذا) قال قلت له تجيئنا الأحاديث عنكم مختلفة فقال ما جاءك عنا فقس على كتاب الله عزوجل وأحاديثنا فإن كان يشبههما فهو منا وإن لم يكن يشبههما فليس منا قلت يجيئنا الرجلان وكلاهما ثقة بحديثين مختلفين ولا نعلم أيهما الحق قال فإذا لم تعلم فموسع عليك بأيهما أخذت.

(قوله وخبر الحارث بن المغيرة عن أبي عبد الله عليه‌السلام إذا سمعت من أصحابك الحديث وكلهم ثقة فموسع عليك حتى ترى القائم فترد عليه ... إلخ)

قد رواه أيضا في الوسائل بعد الخبر السابق بلا فصل وقال في آخره فترد إليه لا فترد عليه كما في المتن والظاهر أن هذا الخبر ليس من الاخبار الواردة في علاج المتعارضين وإنما هو يؤدي جواز العمل بحديث الأصحاب إذا كانوا ثقات حتى يرى القائم فيعرضه عليه ولا يؤدي أكثر من ذلك كما لا يخفى.

٤٣

(قوله ومكاتبة عبد الله بن محمد إلى أبي الحسن عليه‌السلام اختلف أصحابنا في رواياتهم عن أبي عبد الله عليه‌السلام في ركعتي الفجر في السفر فروى بعضهم صلّها في المحمل وروى بعضهم لا تصلها إلا على الأرض فوقّع عليه‌السلام موسع عليك بأية عملت ... إلخ)

قد رواها أيضا في الوسائل في الباب المتقدم عن الطوسي رضوان الله عليه مسنداً عن علي بن مهزيار قال قرأت في كتاب لعبد الله بن محمد إلى أبي الحسن عليه‌السلام اختلف أصحابنا وذكر الحديث مثل ما ذكره المصنف عيناً.

(قوله ومكاتبة الحميري إلى الحجة عليه‌السلام ... إلخ)

قد روى الوسائل في الباب المتقدم جواب المكاتبة (قال ما لفظه) أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي في الاحتجاج في جواب مكاتبة محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري إلى صاحب الزمان (قال) إلى ان قال في الجواب عن ذلك حديثان اما أحدهما فإذا انتقل من حالة إلى أخرى فعليه التكبير واما الآخر فإنه روى انه إذا رفع رأسه من السجدة الثانية وكبر ثم جلس ثم قام فليس عليه في القيام بعد القعود تكبير وكذلك التشهد الأول يجري هذا المجرى وبأيهما أخذت من باب التسليم كان صواباً (قال) ورواه الشيخ يعني به الطوسي رضوان الله عليه في كتاب الغيبة بالإسناد الآتي.

(أقول)

واما المكاتبة بنفسها فقد ذكرها شيخنا الأنصاري أعلى الله مقامه في البراءة في المسألة الثالثة من الشبهة الوجوبية (قال) ومما يدل على الأمر بالتخيير في خصوص ما نحن فيه من اشتباه الوجوب بغير الحرمة التوقيع المروي في الاحتجاج عن الحميري حيث كتب إلى الصاحب عجل الله فرجه يسألني بعض الفقهاء عن المصلي إذا قام من التشهد الأول إلى الركعة الثالثة هل يجب عليه ان يكبر فإن بعض أصحابنا قال لا يجب عليه تكبيرة ويجوز ان يقول بحول الله وقوته أقوم وأقعد قال

٤٤

الجواب في ذلك حديثان وذكر الحديث بعينه.

(ثم إن) لشيخنا الأنصاري أعلى الله مقامه كلاماً بعد نقل هذا التوقيع الشريف لا بأس بذكره (قال) فان الحديث الثاني يعني به قوله عليه‌السلام واما الآخر فإنه روي انه إذا رفع رأسه من السجدة الثانية وكبّر ثم جلس ثم قام فليس عليه في القيام بعد القعود تكبير وإن كان أخص من الأول يعني به قوله عليه‌السلام اما أحدهما فإذا انتقل من حالة أخرى فعليه التكبير وكان اللازم تخصيص الأول به والحكم بعدم وجوب التكبير إلّا ان جوابه صلوات الله وسلامه عليه بالاخذ بأحد الخبرين من باب التسليم يدل على ان الحديث الأول نقله الإمام عليه‌السلام بالمعنى وأراد شموله لحالة الانتقال من القعود إلى القيام بحيث لا يمكن إرادة ما عدا هذا الفرد منه فأجاب عليه‌السلام بالتخيير (قال) ثم ان وظيفة الإمام عليه‌السلام وان كانت إزالة الشبهة عن الحكم الواقعي إلّا ان هذا الجواب لعله طريق تعليم العمل عند التعارض مع عدم وجوب التكبير عنده في الواقع وليس فيه الإغراء بالجهل من حيث قصد الوجوب فيما ليس بواجب ولعله لأجل كفاية قصد القربة في العمل (انتهى) موضع الحاجة من كلامه رفع مقامه.

(قوله إلى غير ذلك من الإطلاقات ... إلخ)

لم نجد غير ما ذكر من الاخبار المتقدمة آنفاً ما يدل على التخيير على الإطلاق الا روايتين.

(إحداهما) ما رواه الكليني رضوان الله عليه (قال في الوسائل) في الباب المتقدم (ما لفظه) وعن علي بن إبراهيم يعني به ان الكليني قد روي عن علي بن إبراهيم (إلى ان قال) عن سماعة عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال سألته عن رجل اختلف عليه رجلان من أهل دينه في امر كلاهما يرويه أحدهما يأمر بأخذه والآخر ينهاه عنه كيف يصنع قال يرجئه حتى يلقى من يخبره فهو في سعة حتى يلقاه.

(ثم قال) قال الكليني وفي رواية أخرى بأيهما أخذت من باب التسليم وسعك

٤٥

(وأخراهما) ما رواه في المستدرك في الباب المتقدم عن فقه الرضا عليه‌السلام (قال) والنفساء تدع الصلاة أكثره مثل أيام حيضها (إلى ان قال) وقد روي ثمانية عشر يوماً وروي ثلاثة وعشرين يوماً وبأيّ هذه الأحاديث أخذ من باب التسليم جاز.

(قوله ومنها ما دل على التوقف مطلقاً ... إلخ)

ليس في الأخبار الواردة في علاج المتعارضين ما دل على التوقف مطلقاً إلا روايتين

(إحداهما) رواية سماعة المتقدمة حيث قال فيها يرجئه حتى يلقي من يخبره.

(وأخراهما) ما رواه في الوسائل في الباب المتقدم مسنداً عن سماعة بن مهران عن أبي عبد الله عليه‌السلام قلت يرد علينا حديثان واحد يأمرنا بالأخذ به والآخر ينهانا عنه قال لا تعمل بواحد منهما حتى تلقى صاحبك فتسأله قلت لا بد أن نعمل بواحد منهما قال خذ بما فيه خلاف العامة.

(قوله ومنها ما دل على ما هو الحائط منها ... إلخ)

ليس ما دل على ما هو الحائط منها قسما خاصاً في قبال القسم الآتي وهو ما دل على الترجيح بمزايا مخصوصة ومرجحات منصوصة بل هو من جملتها كما ستعرف فلا ينبغي عدها قسما مستقلا برأسه وإلّا فيلزم عدّ ما دل على الأخذ بما وافق الكتاب والسنة أو الأخذ بما خالف العامة ونحو ذلك من المرجحات قسما مستقلا برأسه وهو كما ترى ضعيف (هذا) مضافاً إلى انه ليس في الاخبار العلاجية ما دل على الأخذ بما فيه الحائط إلا رواية واحدة وهي مرفوعة زرارة الآتية فعدّها طائفة خاصة من طوائف الأخبار العلاجية مما لا يخلو عن مسامحة.

٤٦

في الاخبار العلاجية الدالة على الترجيح

بمزايا مخصوصة ومرجحات منصوصة

(قوله ومنها ما دل على الترجيح بمزايا مخصوصة ومرجحات منصوصة إلى آخره)

الأخبار العلاجية الدالة على الترجيح بمزايا مخصوصة كثيرة ، (منها) مقبولة عمر بن حنظلة وهي عمدة ما في الباب (وقد ذكرها) في الوافي في أبواب العقل والعلم في باب اختلاف الحديث والحكم عن المشايخ الثلاثة الكليني والطوسي والصدوق بإسنادهم عن عمر بن حنظلة (قال) سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحا كما إلى السلطان وإلى القضاة أيحل ذلك (قال) من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنما تحاكم إلى الطاغوت وما يحكم له فإنما يأخذ سحتاً وان كان حقاً ثابتاً له لأنه أخذه بحكم الطاغوت وقد أمر الله أن يكفر به قال الله تعالى يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به (قلت) فكيف يصنعان (قال) ينظران من كان منكم قد روي حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً فإني قد جعلته عليكم حاكماً فإذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه فإنما استخف بحكم الله وعلينا ردّ والراد علينا الراد على الله وهو على حد الشرك بالله (قلت) فان كان كل رجل اختار رجلا من أصحابنا فرضيا أن يكونا الناظرين في حقهما واختلفا فيما حكما وكلاهما اختلفا في حديثكم (قال) الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في

٤٧

الحديث وأورعهما ولا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر (قال قلت) فإنهما عدلان مرضيان عند أصحابنا لا يفضل واحد منهما على الآخر (قال فقال) ينظر إلى ما كان من روايتهم عنا في ذلك الّذي حكما به المجمع عليه بين أصحابك فيؤخذ به من حكمنا ويترك الشاذ الّذي ليس بمشهور عند أصحابك فان المجمع عليه لا ريب فيه وإنما الأمور ثلاثة أمر بيّن رشده فيتبع وأمر بين غيه فيجتنب وأمر مشكل يرد علمه إلى الله وإلى رسوله قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حلال بين وحرام بين وشبهات بين ذلك فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات ومن أخذ بالشبهات ارتكب المحرمات وهلك من حيث لا يعلم (قلت) فإن كان الخبران عنكما مشهورين قد رواهما الثقات عنكم (قال) ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب والسنة وخالف العامة فيؤخذ به ويترك ما خالف حكمه حكم الكتاب والسنة ووافق العامة (قلت) جعلت فداك أرأيت ان كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب والسنة ووجدنا أحد الخبرين موافقاً للعامة والآخر مخالفاً لهم بأي الخبرين يؤخذ (قال) ما خالف العامة ففيه الرشاد (فقلت) جعلت فداك فإن وافقها الخبران جميعاً (قال) ينظر إلى ما هم إليه أميل حكامهم وقضاتهم فيترك ويؤخذ بالآخر (قلت) فإن وافق حكامهم الخبرين جميعاً (قال) إذا كان ذلك فأرجه حتى تلقى إمامك فإن الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات.

(ومنها) مرفوعة زرارة وقد ذكرها في الوافي في الباب المتقدم في ذيل البيان المتعلق بمقبولة عمر بن حنظلة المتقدمة نقلا عن محمد بن علي بن إبراهيم بن أبي جمهور الأحسائي في كتاب غوالي اللئالي عن العلامة الحلي مرفوعاً إلى زرارة (قال) سألت أبا جعفر عليه‌السلام (فقلت) جعلت فداك يأتي عنكم الخبران أو الحديثان المتعارضان فبأيهما آخذ (فقال) يا زرارة خذ بما اشتهر بين أصحابك ودع الشاذ النادر (فقلت) يا سيدي إنهما معاً مشهوران مرويان مأثوران عنكم (فقال) خذ بما يقول أعدلهما عندك وأوثقهما في نفسك (فقلت) إنهما معاً عدلان مرضيان

٤٨

موثقان (فقال) انظر إلى ما وافق منهما مذهب العامة فاتركه وخذ بما خالفهم فإن الحق فيما خالفهم (قلت) ربما كانا معاً موافقين لها أو مخالفين فكيف أصنع (فقال) إذن فخذ بما فيه الحائطة لدينك واترك ما خالف الاحتياط (فقلت) انهما معاً موافقان للاحتياط أو مخالفان له فكيف أصنع فقال إذن فتخير أحدهما فنأخذ به وتدع الآخر.

(ومنها) ما رواه في الوسائل في القضاء في باب وجوه الجمع بين الأحاديث المختلفة مسنداً عن أحمد بن الحسن الميثمي انه سأل الرضا عليه‌السلام يوماً وقد اجتمع عنده قوم من أصحابه وقد كانوا يتنازعون في الحديثين المختلفين عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الشيء الواحد (فقال عليه‌السلام) وساق حديثاً طويلا (إلى ان قال) فما ورود عليكم من خبرين مختلفين فاعرضوهما على كتاب الله فما كان في كتاب الله موجوداً حلالا أو حراماً فاتبعوا ما وافق الكتاب وما لم يكن في الكتاب فاعرضوه على سن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فما كان موجوداً منهياً عنه نهي حرام أو مأموراً به عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أمر إلزام فاتبعوا ما وافق نهي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وأمره وما كان في السنة نهي إعافة أو كراهة ثم كان الخبر الأخير خلافه فذاك رخصة فيما عافه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو كرهه ولم يحرمه فذلك الّذي يسع الأخذ بهما جميعاً وبأيهما شئت وسعك الاختيار من باب التسليم والاتباع والرد إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وما لم تجدوه في شيء من هذه الوجوه فردوا إلينا علمه فنحن أولى بذلك ولا تقولوا فيه بآرائكم وعليكم بالكف والتثبت والوقوف وأنتم طالبون باحثون حتى يأتيكم البيان من عندنا.

(ومنها) ما رواه في الباب المذكور عن الحسن بن الجهم عن الرضا عليه‌السلام (قال) قلت له تجيئنا الأحاديث عنكم مختلفة فقال ما جاءك عنا فقس على كتاب الله عزوجل وأحاديثنا فإن كان يشبههما فهو منا وإن لم يكن يشبههما فليس منا (الحديث) وقد تقدم تمامه في ذيل أخبار التخيير.

٤٩

(ومنها) ما رواه في الباب المذكور عن الحسن بن الجهم أيضاً عن العبد الصالح (قال) إذا جاءك الحديثان المختلفان فقسهما على كتاب الله وأحاديثنا فإن أشبههما فهو حق وإن لم يشبههما فهو باطل.

(ومنها) ما رواه في الباب المذكور أيضاً مسنداً عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله (قال) قال الصادق عليه‌السلام إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فاعرضوهما على كتاب الله فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف كتاب الله فردوه فإن لم تجدوهما في كتاب الله فاعرضوهما على أخبار العامة فما وافق أخبارهم فذروه وما خالف أخبارهم فخذوه.

(ومنها) ما رواه في الباب المذكور أيضا مسنداً عن الحسين بن الري (قال) قال أبو عبد الله عليه‌السلام إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فخذوا بما خالف القوم (ومنها) ما رواه في الباب المذكور أيضاً مسنداً عن الحسن بن الجهم (قال) قلت للعبد الصالح هل يسعنا فيما ورد علينا منكم إلا التسليم لكم فقال لا والله لا يسعكم إلا التسليم لنا فقلت فيروى عن أبي عبد الله عليه‌السلام شيء ويروي عنه خلافه فبأيهما نأخذ فقال خذ بما خالف القوم وما وافق القوم فاجتنبه.

(ومنها) ما رواه في الباب المذكور أيضاً مسنداً عن محمد بن عبد الله (قال) قلت للرضا عليه‌السلام كيف نصنع بالخبرين المختلفين فقال إذا ورد عليكم خبران مختلفان فانظروا إلى ما يخالف منهما العامة فخذوه وانظروا إلى ما يوافق أخبارهم فدعوه.

(ومنها) ما رواه في الباب المذكور أيضاً عن سماعة بن مهران عن أبي عبد الله عليه‌السلام (قلت) يرد علينا حديثان واحد يأمرنا بالأخذ به والآخر ينهانا عنه (قال) لا تعمل بواحد منهما حتى تلقى صاحبك فتسأله (قلت) لا بد أن نعمل بواحد منهما قال خذ بما فيه خلاف العامة (انتهى) وقد تقدم ذكر هذا الحديث فيما دل على التوقف فتذكر.

٥٠

(ومنها) ما رواه في الباب المذكور أيضاً مسنداً عن المعلى بن خنيس (قال) قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام إذا جاء حديث عن أولكم وحديث عن آخركم بأيهما نأخذ فقال خذوا به حتى يبلغكم عن الحي فإن بلغكم عن الحي فخذوا بقوله (قال) ثم قال أبو عبد الله عليه‌السلام إنا والله لا ندخلكم إلا فيما يسعكم (قال) صاحب الوسائل قال الكليني وفي حديث آخر خذوا بالأحدث.

(ومنها) ما رواه في الباب المذكور أيضاً مسنداً عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال أرأيتك لو حدثتك بحديث العام ثم جئتني من قابل فحدثتك بخلافه بأيهما كنت تأخذ قال كنت آخذ بالأخير فقال لي رحمك الله.

(ومنها) ما رواه في الباب المذكور أيضاً مسنداً عن أبي عمر والكناني (قال) قال لي أبو عبد الله عليه‌السلام يا أبا عمرو أرأيت لو حدثتك بحديث أو أفتيتك بفتيا ثم جئتني بعد ذلك فسألتني عنه فأخبرتك بخلاف ما كنت أخبرتك أو أفتيتك بخلاف ذلك بأيهما كنت تأخذ قلت بأحدثهما وأدع الآخر فقال قد أصبت يا أبا عمرو أبى الله إلا أن يعبد سرّاً أما والله لئن فعلتم ذلك إنه لخير لي ولكم أبى الله عزوجل لنا في دينه إلا التقية.

(ومنها) ما رواه في الباب المذكور أيضاً مسنداً عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال قلت له ما بال أقوام يروون عن فلان وفلان عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يتهمون بالكذب فيجيء منكم خلافه قال إن الحديث ينسخ كما ينسخ القرآن (قال) صاحب الوسائل (ما لفظه) أقول هذا مخصوص بحديث الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله فيكون حديث الأئمة عليهم‌السلام كاشفاً عن الناسخ (انتهى).

(ومنها) ما رواه في المستدرك في الباب المذكور (قال) وعن حماد بن عثمان قال قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام إن الأحاديث تختلف عنكم قال فقال إن القرآن نزل على سبعة أحرف وأدنى ما للإمام ان يفتى على سبعة وجوه (ثم قال) هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب.

٥١

(ومنها) ما رواه في المستدرك في الباب المذكور أيضاً بعد الحديث السابق مسنداً عن عبد الله بن سنان عن موسى بن أشيم (قال) دخلت على أبي عبد الله عليه‌السلام فسألته عن مسألة فأجابني فبينا انا جالس إذ جاءه رجل فسأله عنها بعينها فأجابه بخلاف ما أجابني ثم جاءه آخر فسأله عنها بعينها فأجابه بخلاف ما أجابني وأجاب صاحبي ففزعت من ذلك وعظم علي فلما خرج القوم نظر إلى فقال يا بن أشيم كأنك جزعت قلت جعلني الله فداك إنما فزعت من ثلاث أقاويل في مسألة واحدة فقال يا بن أشيم إن الله فوض إلى سليمان بن داود امر ملكه فقال تعالى هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب وفوض إلى محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم امر دينه فقال ما آتيكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا وإن الله تبارك وتعالى فوض إلى الأئمة منا وإلينا ما فوض إلى محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلا تجزع.

(ثم إن الشيخ) أعلى الله مقامه بعد ما ذكر اخبار التراجيح وقد ذكر دون ما ذكرنا بيسير نقل حديثين آخرين.

(أحدهما) ما رواه في الوسائل في الباب المذكور أيضاً مسنداً عن أبي حيّون مولى الرضا عليه‌السلام عن الرضا عليه‌السلام (قال) من رد متشابه القرآن إلى محكمه فقد هدى إلى صراط مستقيم (ثم قال) إن في أخبارنا محكماً كمحكم القرآن ومتشابهاً كمتشابه القرآن فردوا متشابهها إلى محكمها ولا تتبعوا متشابهها دون محكمها فتضلوا (ثانيهما) ما رواه في الباب المذكور أيضاً مسنداً عن داود بن فرقد (قال) سمعت أبا عبد الله عليه‌السلام يقول أنتم أفقه الناس إذا عرفتم معاني كلامنا إن الكلمة لتنصرف على وجوه فلو شاء إنسان لصرف كلامه كيف شاء ولا يكذب

(أقول)

والظاهر ان الحديثين الأخيرين أجنبيان عن المقام أي عن مقام الترجيح السندي وإنما يأمران بالجمع الدلالي كما اعترف به الشيخ أعلى الله مقامه (قال) بعد ما نقلهما في آخر اخبار التراجيح (ما لفظه) وفي هاتين الروايتين الأخيرتين دلالة على

٥٢

وجوب الترجيح بحسب قوة الدلالة (انتهى).

الكلام حول مجموع الاخبار العلاجية

(ثم إنك) قد عرفت فيما تقدم ان مجموع الاخبار العلاجية هو على طوائف أربع.

(الأولى) ما دل على التخيير على الإطلاق.

(الثانية) ما دل على التوقف على الإطلاق.

(الثالثة) ما دل على ما هو الحائط منها.

(الرابعة) ما دل على الترجيح بمزايا مخصوصة ومرجحات منصوصة.

(اما ما دل على ما هو الحائط منها) فقد عرفت انه ليس قسما خاصاً في قبال ما دل على الترجيح بمزايا مخصوصة ومرجحات منصوصة.

(وأما ما دل على التوقف) فقد عرفت أنه روايتان والظاهر اختصاصهما بزمان الحضور فقط وذلك بقرينة الأمر فيهما بالإرجاء حتى يلقي من يخبره أو تلقي صاحبك يعني به الإمام عليه‌السلام (ولعل من هنا) لم يتعرض المصنف الجواب عن الطائفتين أصلا بعد ما اختار في المسألة التخيير على الإطلاق كما سيجيء.

(وأما ما دل على الترجيح بمزايا مخصوصة) ومرجحات منصوصة فقد عرفت انه روايات كثيرة يبلغ عددها ستة عشر حديثاً غير الأخيرين الذين قد ذكرهما الشيخ أعلى الله مقامه واعترف بدلالتهما على الترجيح بحسب قوة الدلالة لا الترجيح السندي.

(ثم لا يخفى إن الرواية السادسة عشر) التي دلت على انه تعالى فوض إلى

٥٣

محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإلى أهل بيته أمر دينه كما فوض إلى سليمان أمر ملكه فلهم أن يقولوا في مسألة واحدة بأقاويل متعددة.

(وهكذا ما قبلها من الرواية الخامسة عشر) التي دلت على أن أدنى ما للإمام عليه‌السلام أن يفتي على سبعة وجوه كما نزل القرآن على سبعة أحرف (هما من متشابهات الاخبار) فالأولى ردّ علمهما إلى أهله فهم أولى بتفسيرهما وأعلم بظاهرهما وباطنهما.

(وأما الرواية الرابعة عشر) التي دلت على أن الحديث ينسخ كما ينسخ القرآن (فهي) بعد تسليم جواز النسخ في روايات الأئمة بتوجيه قد تقدم من صاحب الوسائل وسيأتي في كلام الشيخ أيضاً ليست هي مما تؤدي أكثر من إمكانه أو وقوعه في الجملة ولم تدل على ان كل حديث متأخر إذا كان معارضاً مع حديث سابق فالمتأخر منهما هو ناسخ يعمل به لا بسابقه بل نحن حيث نعلم ان النسخ هو قليل جداً فلا يكاد يمكن الاعتناء به في مقام الجمع أصلا بل لا بد من الاقتصار على ما إذا ثبت النسخ بعلم أو بعلمي.

(قال الشيخ) أعلى الله مقامه فيما أفاده في المقام الثاني من مقامات التراجيح بعد الفراغ عن ذكر اخبار الترجيح كلها (ما لفظه) الرابع ان الحديث الثاني عشر يعني به الرابع عشر مما ذكرناه الدال على نسخ الحديث بالحديث على تقدير شموله للروايات الإمامية بناء على القول بكشفهم عن الناسخ الّذي أودعه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عندهم (هل هو مقدم) على باقي الترجيحات (أو مؤخر) وجهان (من ان النسخ) من جهات التصرف يعني به في الدلالة لأنه من تخصيص الأزمان ولذا ذكروه في تعارض الأحوال وقد مرّ وسيجيء تقدم الجمع بهذا النحو على الترجيحات الأخر يعني بها الترجيحات السندية (ومن ان النسخ) على فرض ثبوته في غاية القلة فلا يعتني به في مقام الجمع ولا يحكم به العرف فلا بدّ من الرجوع إلى المرجحات الأخر كما إذا امتنع الجمع (قال) وسيجيء بعض الكلام في ذلك (انتهى).

٥٤

(واما الرواية الحادية عشر والثانية عشر والثالثة عشر) الآمرة بالأخذ بالأخير الأحدث فالظاهر منها سيما الأخير منها ان الأسبق زماناً هو صادر تقية وان الخير الأحدث هو صادر لبيان حكم الله الواقعي ولكن هذا بظاهره مخدوش إذ كما جاز ان يكون الأول للتقية والثاني لبيان حكم الله الواقعي جاز بالعكس أيضاً (ولعل من هنا) لم يسمع ان أحداً من الأصحاب قد أخذ بهذه الأحاديث الثلاثة وعمل بها ورجح الحديث المتأخر على الحديث السابق بحمل الأول على التقية والثاني على بيان حكم الله الواقعي.

(فالأولى) بل اللازم ردّ علم هذه الروايات الثلاث أيضاً إلى أهله فإنهم أولى بفهمها وبسندها وصدورها (بقي) من اخبار الترجيح مقبولة عمر بن حنظلة ومرفوعة زرارة وما بعدهما إلى الرواية العاشرة ومجموعها آمرة بالترجيح بالشهرة وبموافقة الكتاب والسنة وبالأعدلية والأوثقية وبمخالفة العامة بل وبمخالفة ميل الحكام وبموافقة الاحتياط وبقي في قبال هذه الاخبار كلها من الطوائف الأربع المتقدمة كلها خصوص ما دل على التخيير على الإطلاق فاللازم هو الجمع بين هاتين الطائفتين فقط فنلاحظ ان مقتضي الجمع بينهما هل هو تحكيم إطلاقات التخيير وحمل اخبار الترجيح على الاستحباب أو على غير ذلك أو العمل بظاهر اخبار الترجيح وتقييد إطلاقات التخيير وحملها على صورة التساوي بين الخبرين فتأمل جيداً

(قوله من مخالفة القوم وموافقة الكتاب والسنة والأعدلية والأصدقية والأفقهية والأورعية والأوثقية والشهرة ... إلخ)

إن الترجيح بالأعدلية والأفقهية والأصدقية والأورعية وإن كان هو مذكوراً في المقبولة ولكن الأمور المذكورة كلها كانت من مرجحات الحكم لا من مرجحات الخبر وإنما شرع الإمام عليه‌السلام في مرجحات الخبر من الشهرة وما بعدها كما يظهر بالتأمل (ومن هنا) قد عدل الشيخ أعلى الله مقامه بعد ذكر اخبار الترجيح كلها عما ذهب إليه أولا من معارضة المقبولة مع المرفوعة في تقديم الترجيح بصفات

٥٥

الراوي من الأعدلية وما بعدها على الترجيح بالشهرة بعكس المرفوعة (فقال) أخيراً ما حاصله ان الصفات المذكورة في المقبولة إنما هي من مرجحات الحكم لا من مرجحات الخبر (قال) فأول المرجحات الخبرية يعني بها في المقبولة هي الشهرة بين الأصحاب فينطبق على المرفوعة (انتهى).

(وبالجملة) إن المزايا المخصوصة والمرجحات المنصوصة المستفادة من مجموع أخبار الترجيح هي (الشهرة بين الأصحاب) (وموافقة الكتاب والسنة) (والأعدلية) (والأوثقية) (ومخالفة العامة) بل (ومخالفة ميل الحكام) (وموافقة الاحتياط) ولم يذكر المصنف المرجحين الأخيرين أصلا وكأنه غفل عنهما قدس‌سره فلا تغفل أنت.

(قوله على اختلافها في الاقتصار على بعضها ... إلخ)

(فالمقبولة) قد اقتصرت في مرجحات الخبر بعد مرجحات الحكم على الشهرة وموافقة الكتاب والسنة ومخالفة العامة ثم مخالفة ميل الحكام (والمرفوعة) لم يذكر موافقة الكتاب والسنة وإنما ذكر مكانها الترجيح بالأعدلية والأوثقية وذكر في الآخر مكان مخالفة ميل الحكام موافقة الاحتياط (وأما ما سوى) المقبولة والمرفوعة فهو بين مقتصر على موافقة الكتاب والسنة ومقتصر على موافقة الكتاب ومخالفة العامة ومقتصر على مخالفة العامة فقط فتأمل الجميع جيداً وتدبره بدقة.

(قوله وفي الترتيب بينها ... إلخ)

الاختلاف في الترتيب هو عبارة عن الاختلاف في تقديم بعض المرجحات على بعض (والظاهر) ان نظر المصنف في ذلك هو إلى اختلاف المقبولة مع المرفوعة في الترتيب فالمقبولة قدمت الترجيح بالأعدلية وما بعدها على الترجيح بالشهرة بعكس المرفوعة فأخرته عن الترجيح بالشهرة (ولكنك) قد عرفت آنفاً ان الأعدلية وما بعدها من الأفقهية والأصدقية والأورعية في المقبولة إنما هي من مرجحات الحكم لا من مرجحات الخبر حيث يقول عليه‌السلام الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما

٥٦

وأصدقهما في الحديث وأورعهما ولا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر ... إلخ (فالمقبولة) في هذه القطعة ليست هي إلّا (كرواية داود بن حصين) المشتملة على مرجحات الحكم فقط عن أبي عبد الله عليه‌السلام وقد ذكرها في الوسائل في القضاء في باب وجوه الجمع بين الأحاديث المختلفة في رجلين اتفقا على عدلين جعلاهما بينهما في حكم وقع بينهما خلاف فرضيا بالعدلين فاختلف العدلان بينهما على قول أيهما يمضي الحكم قال ينظر إلى أفقههما وأعلمهما بأحاديثنا وأورعهما فينفذ حكمه ولا يلتفت إلى الآخر (ورواية موسى بن أكيل) وقد ذكرها في الباب المذكور أيضاً قال سأل عن رجل يكون بينه وبين أخ له منازعة في حق فيتفقان على رجلين يكونان بينهما فحكما فاختلفا فيما حكما قال وكيف يختلفان قال حكم كل واحد منهما للذي اختاره الخصمان فقال ينظر إلى أعدلهما وأفقههما في دين الله فيمضى حكمه (وقد أشير آنفاً) أن من هنا قد عدل الشيخ أعلى الله مقامه أخيراً عما ذهب إليه أولا من معارضة المقبولة مع المرفوعة في الترتيب (وقال) في وجه العدول ما حاصله ان الصفات المذكورة في المقبولة إنما هي من مرجحات الحكم لا من مرجحات الخبر فينطبق المقبولة على المرفوعة.

(قوله ولأجل اختلاف الأخبار اختلفت الأنظار ... إلخ)

أي ولأجل اختلاف أخبار العلاجية اختلفت الأنظار لكن إلى قولين كما عرفت فيما تقدم لا إلى أكثر.

(أحدهما) وجوب الترجيح وهو المنسوب إلى المشهور.

(ثانيهما) عدم الاعتبار بالمزية وجريان حكم التعادل أي التخيير مطلقاً وهو المحكي عن جماعة منهم الباقلاني والجبائيان ومن الأصحاب الكليني رضوان الله عليه والسيد الصدر الشارح للوافية رحمه‌الله وقد ذهب المصنف أيضا إلى التخيير على الإطلاق وسيأتي تفصيل الكل قريباً إن شاء الله تعالى فانتظر.

٥٧

(قوله فمنهم من أوجب الترجيح بها مقيدين باخباره إطلاقات التخيير ... إلخ)

وهم المشهور كما ان منهم من لم يوجب الترجيح بها والتزم بالتخيير على الإطلاق حاملين أخبار الترجيح على الاستحباب أو غير ذلك مما سيأتي شرحه مفصلا ولم يؤشر إليه المصنف مع اقتضاء سوق العبارة ذلك فإن لفظة فمنهم من أوجب الترجيح بها ... إلخ مما تحتاج إلى لفظة ومنهم من لم يوجب الترجيح بها ... إلخ وهذا واضح

(قوله وهم بين من اقتصر على الترجيح بها ومن تعدى منها إلى ساير المزايا ... إلخ)

القائلون بوجوب الترجيح أي المشهور (هم بين من يقتصر) على الترجيح بالمزايا المخصوصة والمرجحات المنصوصة وهم الأخباريون (وبين من يتعدى) منها إلى ساير المزايا وهم جمهور المجتهدين وسيأتي تفصيل هذا كله في صدر الفصل الآتي إن شاء الله تعالى كما ان القائلين بالتعدي (هم بين من يتعدى) إلى كل مزية موجبة للظن الشأني بالصدق وقد عبّر عنه المصنف بالمزية الموجبة للأقربية وهذا هو الّذي اختاره الشيخ أعلى الله مقامه وصرح به في المقام الرابع من مقامات التراجيح بعد الفراغ عن بعض الكلام في مرجحات الدلالة وذكر نبذة من المرجحات السندية (وبين من يتعدى) إلى خصوص ما يوجب الظن الفعلي بالصدق وقد عبّر عنه المصنف بالمزية المفيدة للظن وهذا هو الّذي اختاره بعضهم وسيأتي تفصيل هذا كله أيضا في الفصل الآتي إن شاء الله تعالى كما انه يأتي فيه ان المصنف بناء على الترجيح والتعدي يختار التعدي إلى كل مزية ولو لم تكن موجبة للأقربية ولا الظن أصلا (وبعبارة أخرى) يتعدى إلى كل مزية ولو لم تكن موجبة للظن أبداً لا شأناً ولا فعلا.

٥٨

في الجواب عن خصوص المقبولة والمرفوعة

من اخبار الترجيح

(قوله فالتحقيق أن يقال إن أجمع خبر للمزايا المنصوصة في الأخبار هو المقبولة والمرفوعة ... إلخ)

شروع في الجواب عن خصوص المقبولة والمرفوعة من بين اخبار الترجيح وقد أشرنا قبلا أن مسألة الترجيح والتخيير هي من أهم مسائل التعادل والتراجيح بل وهي من أهم المسائل الأصولية كلها بعد مسألة حجية خبر الواحد فلا تغفل.

(قوله مع اختلافهما ... إلخ)

(هذا أول جواب) عن خصوص المقبولة والمرفوعة وهو اختلافهما في الاقتصار على بعض المرجحات وفي الترتيب بينها كما أشار إليه آنفاً بقوله على اختلافها في الاقتصار على بعضها وفي الترتيب بينها ... إلخ وقد عرفت منا شرح الاختلاف بينهما في الاقتصار على بعضها وفي الترتيب بينها فلا تنس.

(قوله وضعف سند المرفوعة جداً ... إلخ)

(هذا جواب) يختص بالمرفوعة فقط وهو ضعف سندها بل وضعف كتاب غوالي اللئالي الّذي قد أخذ منه المرفوعة بل وضعف ابن أبي جمهور الأحسائي الّذي ألّف كتاب غوالي اللئالي.

(قال الشيخ) أعلى الله مقامه في بحث البراءة في المسألة الثالثة من الشبهة التحريمية (ما لفظه) وهذه الرواية يعني بها المرفوعة وان كانت أخص من أخبار

٥٩

التخيير إلا انها ضعيفة السند وقد طعن صاحب الحدائق فيها وفي كتاب الغوالي وصاحبه فقال إن الرواية المذكورة لم نقف عليها في غير كتاب الغوالي مع ما عليها من الإرسال وما عليه الكتاب المذكور من نسبة صاحبه إلى التساهل في نقل الأخبار والإهمال وخلط غثها بسمينها وصحيحها بسقيمها كما لا يخفى على من لاحظ الكتاب المذكور (انتهى).

(قوله والاحتجاج بهما على وجوب الترجيح في مقام الفتوى لا يخلو عن إشكال لقوة احتمال اختصاص الترجيح بها بمورد الحكومة لرفع المنازعة وفصل الخصومة كما هو موردهما ... إلخ)

هكذا في نسختي وهي طبع بغداد ولكن الظاهر ان ساير النسخ أيضا كذلك وكأنه سهو من المصنف لا من الناسخ وسيأتي منه سهو آخر أيضاً وهو قوله وإن أبيت إلا عن ظهورهما في الترجيح في كلا المقامين ... إلخ (والصحيح) أن يقال والاحتجاج بالمقبولة على وجوب الترجيح في مقام الفتوى لا يخلو عن إشكال (إلى ان يقال) كما هو موردها ... إلخ أي مورد المقبولة لا موردهما فإن مورد المرفوعة ليس هو مورد الحكومة بلا شبهة (وكيف كان) (هذا جواب) يختص بالمقبولة فقط دون المرفوعة (وحاصله) بمزيد توضيح منا ان الإمام عليه‌السلام بعد ما ذكر مرجحات الحكمين وإن كان قد ذكر مرجحات الخبرين أيضا ولكن الترجيح في الخبرين انما يكون لدفع خصومة المتخاصمين فلا يمكن الاحتجاج بها لوجوب الترجيح في مقام الفتوى أيضاً وذلك لقوة احتمال اختصاص الترجيح بتلك المزايا المنصوصة بمورد الحكومة فقط فإن قطع الخصومة عند اختلاف الحاكمين لاختلاف ما استندا إليه من الخبرين لا يكاد يمكن إلّا بالترجيح بخلاف مقام العمل والفتوى فيمكن الأخذ فيه بأيهما شاء من باب التسليم كما تقدم ذلك في أخبار التخيير صريحاً.

(نعم) ان الترجيح مما يناسب مقام العمل والفتوى أيضا ولكن مجرد ذلك

٦٠