عناية الأصول في شرح كفاية الأصول - ج ٦

السيد مرتضى الفيروزآبادي

عناية الأصول في شرح كفاية الأصول - ج ٦

المؤلف:

السيد مرتضى الفيروزآبادي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: منشورات فيروزآبادي
الطبعة: ٤
الصفحات: ٣٠٠

(الثاني) في المجتهد القادر على الاستنباط في مسألة تقليد الأعلم وغيرها وانه إذا نظر في الأدلة الشرعية فهل مقتضيها وجوب تقليد الأعلم على العامي وتعينه عليه أو جواز الرجوع للعامي إلى غير الأعلم أيضاً.

(وقد أشار المصنف) إلى كلا المقامين جميعاً بقوله الآتي هذا حال العاجز عن الاجتهاد في تعيين ما هو قضية الأدلة في هذه المسألة واما غيره فقد اختلفوا في جواز تقديم المفضول وعدم جوازه ... إلخ.

(وقد أخذ هذا المعنى) من تقريرات الشيخ أعلى الله مقامه حيث أشار إلى ذلك بقوله وقبل الخوض ينبغي رسم أمرين أحدهما انه لا يعقل الخلاف في وجوب رجوع العامي الغير البالغ رتبة الاجتهاد في هذه الواقعة إلى الأعلم والأفضل بل لا بد أن يكون الخلاف في مقتضي الأدلة الشرعية (انتهى).

(وكيف كان حاصل) كلام المصنف في المقام الأول ان المقلد إذا احتمل تعين الرجوع إلى الأعلم فبمجرد أن احتمل ذلك وجب عليه الرجوع إلى الأعلم وذلك لقطعه بحجيته وشكه في حجية غيره فالمقام من دوران الأمر بين التعيين والتخيير وقد تقدم منا شرح أقسام الدوران في آخر البراءة وانه في الكل يجب الاحتياط والاقتصار على المتيقن وإجراء الأصل عن المشكوك.

(أقول)

هذا مضافاً إلى استقلال عقل المقلد بوجوب الأخذ بقول الأعلم وذلك لكونه من أقوى الدليلين وقد عرفت منا في التعادل والتراجيح غير مرة استقلال العقل بذلك بل ادعى انها قاعدة مجمعة عليها فتذكر.

(قوله ولا وجه لرجوعه إلى الغير في تقليده إلا على نحو دائر ... إلخ)

فإن المقلد إذا رجع إلى غير الأعلم في جواز تقليد غير الأعلم فهو مستلزم للدور فان الرجوع إليه متوقف على جواز تقليد غير الأعلم فلو كان جواز تقليد غير الأعلم مستنداً إلى الرجوع إليه لزم الدور.

٢٤١

(وقد أخذ المصنف) هذا المعنى من تقريرات الشيخ أيضاً أعلى الله مقامه (قال) فإذا حاول أي المقلد استعلام حال هذه الواقعة يعني مسألة تقليد الأعلم بالتقليد فلا يعقل لرجوعه إلى غير الأعلم على وجه التقليد وجه لأن استعلام حال هذه الواقعة من غير الأعلم لعله غير مفيد إذ لم يثبت جوازه بعد فان كان ذلك منه على سبيل عدم المبالاة باحكام الشريعة فالعياذ بالله وان كان الاعتماد في الاستعلام المذكور هو قول غير الأعلم فهو دور (انتهى).

(قوله نعم لا بأس برجوعه إليه إذا استقل عقله بالتساوي وجواز الرجوع إليه أيضاً ... إلخ)

استدراك عن قوله ولا وجه لرجوعه إلى الغير ... إلخ أي نعم لا بأس برجوع المقلد إلى غير الأعلم إذا استقل عقله بمساواة غير الأعلم مع الأعلم في جواز الرجوع إليه (وقد أخذ هذا المعنى) من التقريرات أيضا (قال) وتوضيحه ان المقلد إما أن يكون ملتفتاً إلى الخلاف في هذه الواقعة أولا وعلى الثاني فلا كلام فيه في المقام (إلى ان قال) وعلى الأول فإما أن يستقل عقله بالتساوي فلا كلام أيضاً إذ لا يعقل تكليفه بخلاف علمه وإما ان يكون متردداً كغيرها من الوقائع المشكوك فيها فإذا حاول استعلام حال هذه الواقعة بالتقليد فلا يعقل (ثم ساق الكلام) نحو ما تقدم آنفاً.

(أقول)

نعم إذا استقل عقله بالتساوي جاز له الرجوع إلى غير الأعلم أيضاً إلا انه مجرد فرض لا واقع له وذلك لما أشرنا إليه من استقلال عقله بالأخذ بقول الأعلم نظراً إلى كونه من أقوى الدليلين (هذا) مضافاً إلى ما أفاده المصنف من القطع بحجية قول الأعلم والشك في حجية غيره فتأمل جيداً.

٢٤٢

(قوله هذا حال العاجز عن الاجتهاد في تعيين ما هو قضية الأدلة في هذه المسألة وأما غيره فقد اختلفوا في جواز تقديم المفضول وعدم جوازه إلى آخره)

قد أشير آنفاً ان المصنف قد أشار بهذه العبارة إلى كلا المقامين في هذا الفصل وقد عرفت حاصل كلامه في المقام الأول.

(واما المقام الثاني) وهو المجتهد القادر على الاستنباط في مسألة تقليد الأعلم وغيرها وانه إذا نظر في الأدلة الشرعية فهل مقتضيها وجوب تقليد الأعلم على العامي أو جواز التقليد عن غيره أيضاً.

(فحاصل كلام المصنف) فيه هو عدم جواز تقديم المفضول على الأفضل (واستدلّ لذلك) بالأصل والظاهر ان مقصوده من الأصل ان قول المفضول مع وجود الأفضل مشكوك الاعتبار وقد تقدم في صدر مباحث الظنون أن الأصل فيما شك في اعتباره عدم حجيته جزماً بمعنى عدم ترتب الآثار المرغوبة من الحجة عليه قطعاً من المنجزية عند الإصابة والعذرية عند الخطأ وحكم العقل بوجوب المتابعة وذلك لأن الآثار المذكورة مما لا تترتب الا على ما اتصف بالحجية الفعلية أي المحرزة المعلومة في مقام الإثبات لا على ما اتصف بالحجية ولو ثبوتاً ولم يعلم بها إثباتاً.

(وقد أضفنا نحن) إلى ذلك ان الأمارة المشكوكة الاعتبار هي مما يحرم العمل به والاستناد إليه شرعاً وعقلا وقد تقدم التفصيل هناك مبسوطاً فراجعه ولا نعيد الكلام هاهنا ثانياً (هذا) وقد استدلّ صاحب التقريرات أيضاً بالأصل المذكور (قال) الثاني في تأسيس الأصل في المسألة فنقول إن الظاهر من كل من تعرض للمسألة ووصل كلامه إلينا أن الأصل مع المانعين (قال) وتقريره انه لا شك ان العمل بقول الغير ومطابقة العمل بقوله وهو المعبر عندهم بالتقليد عمل بما وراء العلم (إلى ان قال) والأصل المستفاد من الأدلة القطعية كتاباً وسنة وإجماعاً

٢٤٣

وعقلا على ما مرّ تفصيل القول فيه في محله هو حرمة العمل بغير العلم خرج منه متابعة الفاضل يعني الأعلم بالاتفاق من المجوّزين والمانعين فإنه هو المجمع عليه فيبقى متابعة المفضول في حرمة العمل بما وراء العلم (انتهى) موضع الحاجة من كلامه رفع مقامه.

(أقول)

قد يشكل التمسك بالأصل لعدم حجية قول المفضول وذلك لأن الكلام في المقام ليس إلا فيما تعارض فتوى الأفضل مع المفضول كما أشار إليه المصنف بقوله في صدر البحث إذا علم المقلد اختلاف الأحياء في الفتوى مع اختلافهم في العلم والفقاهة ... إلخ ومقتضي القاعدة الأولية في الأمارتين المتعارضتين كما حقق في صدر التعادل والتراجيح هو تساقط الطرفين جميعاً (وعليه) فكيف يؤخذ بقول الأفضل ويجري الأصل عن المفضول (ولكن) حلّ الإشكال أن مقتضي القاعدة الأولية في الأمارتين المتعارضتين وإن كان هو التساقط إلا ان مقتضي الإجماع القطعي على عدم تساقط قولي المجتهدين بمجرد معارضة بعضهما مع بعض هو حجية أحدهما لا محالة ثم لا شك في ان مقتضي احتمال التعيين في قول الأفضل مع احتمال التخيير بين الأفضل والمفضول شرعاً هو القطع بحجية قول الأفضل إما تعييناً أو تخييراً والشك في حجية قول المفضول ولو تخييراً فيكون المقام من دوران الأمر بين التعيين والتخيير فيؤخذ بالمتيقن ويجري الأصل عن المشكوك وقد تقدم شرح أقسام الدوران في آخر البراءة مفصلا كما تقدم في صدر التعادل والتراجيح عند تأسيس الأصل الثانوي في الخبرين المتعارضين بعد التمسك باندراجهما في دوران الأمر بين التعيين والتخيير التمسك أيضا بحكم العقل بالاخذ بأقوى الدليلين (وعليه فيكون الوجه الوجيه بالنتيجة في تقديم قول الأفضل على المفضول في كل من المقام الأول والثاني من هذا الفصل هو شيء واحد وهو دوران الأمر بين التعيين والتخيير وحكم العقل بالاخذ بأقوى الدليلين فتأمل جيداً.

٢٤٤

(هذا كله) حكم ما إذا اختلفوا في الفتوى واختلفوا في العلم والفضيلة على ما أشار إليه المصنف في صدر البحث كما أشير آنفاً بقوله إذا علم المقلد اختلاف الأحياء في الفتوى مع اختلافهم في العلم والفقاهة ... إلخ (ومنه يظهر) حكم ما إذا اختلفوا في الفتوى واتحدوا في العلم والفضيلة فإن مقتضي عدم تساقطهما بالمعارضة لأجل الإجماع القطعي كما تقدم وعدم مزية لأحدهما على الآخر في العلم والفضيلة كما هو المفروض هو التخيير بينهما عقلا (بل ويظهر) من ذلك حكم ما إذا انعكس الأمر فاتحدوا في الفتوى واختلفوا في العلم والفضيلة وهو التخيير بينهما أيضاً وذلك لإطلاقات أدلة التقليد المحفوظة في مثل هذه الصورة أعنى صورة الاتحاد في الفتوى وعدم الاختلاف والتعارض كي لا يمكن التمسك بإطلاقات أدلة التقليد من جهة التساقط وإن كان يظهر من صاحب العروة قدس‌سره الاحتياط في المسألة.

(قال) مسألة الأحوط عدم تقليد المفضول حتى في المسألة التي توافق فتواه فتوى الأفضل (انتهى) ولكنه على الظاهر مما لا وجه له إلا بنحو الاستحباب

(وقد أشار) إلى ما قلناه صاحب التقريرات (فقال) الثامن يعنى من الأمور التي ينبغي التنبيه عليها في المسألة لا دليل على وجوب تعيين المجتهدين في العمل بقولهم إذا كانوا متوافقين في الفتوى وإن كان بينهما تفاضل بعد كون كل واحد منهم حجة شرعية (انتهى).

(وأظهر من هذا كله) حكم ما إذا اتحدوا في الفتوى واتحدوا في العلم والفضيلة جميعا وهو التخيير بينهما أيضاً فتأمل جيداً.

٢٤٥

في القائلين بجواز تقليد غير الأعلم

وتضعيف أدلتهم

(قوله ذهب بعضهم إلى الجواز ... إلخ)

يعنى إلى جواز تقديم المفضول (قال صاحب التقريرات) وحدث لجماعة ممن تأخر عن الشهيد الثاني قول بالتخيير بين الفاضل والمفضول تبعاً للحاجبي والعضدي والقاضي وجماعة من الأصوليين والفقهاء فيما حكى عنهم وصار إليه جملة من متأخري أصحابنا حتى صار في هذا الزمان قولا معتداً به والأقرب ما هو المعروف بين أصحابنا يعنى به وجوب الأخذ بقول الأعلم.

(أقول)

ولعل مراد القائلين بجواز تقليد المفضول هو عند عدم معارضة فتوى المفضول مع الأفضل كما يظهر ذلك من صاحب الفصول رحمه‌الله وهو من القائلين بجواز تقليد المفضول فيرجع النزاع حينئذ لفظياً (قال في الفصول) بعد ما ذكر أدلة المنع (ما لفظه) ويشكل بمنع الإجماع لا سيما بعد تصريح جماعة بالجواز (إلى أن قال) والرواية المذكورة يعنى بها مقبولة عمر بن حنظلة بعد تسليم سندها واردة في صورة التعارض في الحكم فلا تدل على عدم الاعتداد بحكم المفضول عند عدم المعارضة فضلا عن دلالتها على عدم الاعتداد بفتواه مطلقاً (انتهى) موضع الحاجة من كلامه وظاهره تسليم عدم تقديم المفضول في صورة التعارض وان التخيير بينه وبين الأفضل إنما هو عند عدم المعارضة لا مطلقاً وهو متين جداً لا كلام لنا فيه كما تقدم.

٢٤٦

(قوله والمعروف بين الأصحاب على ما قيل عدمه ... إلخ)

القائل هو صاحب التقريرات رحمه‌الله (قال) هداية إذا اختلف الأحياء في العلم والفضيلة فمع علم المقلد بالاختلاف على وجه التفصيل هل يجب الأخذ والعمل بفتوى الفاضل أو يجوز العمل بفتوى المفضول قولان المعروف بين أصحابنا وجماعة من العامة هو الأول كما هو خيرة المعارج والإرشاد ونهاية الأصول وذكر كثيراً من كتب الأصحاب رضوان الله عليهم (إلى أن قال) وفي المعالم هو قول الأصحاب الذين وصل إلينا كلامهم (قال) وصرح بدعوى الإجماع المحقق الثاني (ثم قال) ويظهر من السيد في الذريعة كونه من مسلمات الشيعة (انتهى) موضع الحاجة من كلامه رفع مقامه.

(قوله وهو الأقوى للأصل وعدم دليل على خلافه ... إلخ)

قد ذكرنا فيما تقدم ان المصنف قد استدل للمنع عن تقليد المفضول بالأصل وقد عرفت منا شرحه ومعناه فلا نعيده ثانياً.

(قوله ولا إطلاق في أدلة التقليد بعد الغض عن نهوضها على مشروعية أصله ... إلخ)

جواب عن الوجه الثاني من وجوه القائلين بجواز تقليد المفضول (قال في التقريرات) هداية في ذكر احتجاج القائلين بالجواز وهو وجوه (إلى أن قال) الثاني إطلاقات الأدلة كتاباً وسنة إذ لا أثر فيها على اشتراط الأعلمية فيكون هذه الإطلاقات قاطعة للأصل على تقدير تسليم اقتضائه المنع (انتهى) (وحاصل جواب المصنف عنه هو المنع عن إطلاقات الأدلة بعد الغض عن دلالتها على أصل لتقليد وسيأتي وجه المنع عن الإطلاقات بعد قوله هذا بلا فصل.

٢٤٧

(قوله لوضوح انها إنما تكون بصدد بيان أصل جواز الأخذ بقول العالم لا في كل حال من غير تعرض أصلا لصورة معارضته بقول الفاضل ... إلخ)

علة للمنع عن إطلاقات أدلة التقليد التي تمسك بها القائلون بجواز تقليد المفضول (وقد أخذ هذه العلة) من صاحب التقريرات (قال) في مقام الجواب عن الإطلاقات (ما لفظه) وأما الثاني فلان الإطلاقات المذكور بعد الغض عن نهوضها على مشروعية أصل التقليد كما عرفت الوجه في ذلك فيما مرّ ان هذه الإطلاقات بين أصناف.

(ثم ذكر الأصناف إلى أن قال) والظاهر ان هذه الأقسام كلها مسوقة لبيان جواز نفس التقليد من دون ملاحظة أمر آخر كقولك فارجع إلى الأطباء أو إلى الطبيب أو إلى كل من يعالج مثلا فان المفهوم منها بيان أصل المرجع واما الواقعة المترتبة على هذه الواقعة من وقوع التعارض بين أقوال الأطباء فلا يستفاد منها (انتهى) موضع الحاجة من كلامه رفع مقامه.

(أقول)

والعمدة في الجواب عن الإطلاقات ان الكلام كما عرفت غير مرة وأشار إليه صاحب التقريرات في كلامه المتقدم آنفاً أعني قوله هداية إذا اختلف الأحياء في العلم والفضيلة ... إلخ. هو فيما إذا تعارض فتوى الأفضل مع فتوى المفضول.

(ولا إشكال) في انه مع معارضة الفتويين يحصل العلم الإجمالي بكذب أحدهما من أصله وبخروجه عن تحت أدلة الاعتبار رأساً من غير تعيين له إثباتاً بل ولا ثبوتاً على ما تقدم من المصنف في صدر التعادل والتراجيح عند الكلام في الأصل الأولى في تعارض الأمارتين (كما لا إشكال) أيضاً في انه مع العلم الإجمالي بكذب أحدهما وعدم حجيته من غير تعيين له إثباتاً تسقطان الفتويان عن الحجية جميعاً لعدم التعيين في الحجة فلا يمكن التمسك حينئذ لحجية قول المفضول

٢٤٨

بإطلاقات الأدلة أصلا (نعم يمكن) دعوى الإجماع القطعي على عدم سقوطهما جميعاً بالتعارض كما تقدم قريباً فيتعين الأفضل لدوران الأمر فيه بين التعيين والتخيير ولاستقلال العقل بوجوب الأخذ بأقوى الدليلين كما سبق وعرفت غير مرّة فتأمل جيداً.

(قوله ودعوى السيرة على الأخذ بفتوى أحد المخالفين في الفتوى من دون فحص عن أعلميته مع العلم بأعلمية أحدهما ممنوعة ... إلخ)

(جواب عن الوجه الثالث) من وجوه القائلين بجواز تقليد المفضول (قال في التقريرات) الثالث دعوى استقرار سيرة أصحاب الأئمة على الأخذ بفتاوى أرباب النّظر والاجتهاد من دون فحص عن الأعلمية مع القطع باختلافهم في العلم والفضيلة ويكفي في ذلك ملاحظة تجويز التكلم لهشام وأضرابه دون غيرهم ويعني بذلك انه يكفي في اختلافهم في العلم والفضيلة كون هشام وأضرابه مأذونين في المناظرة مع المخالفين في الإمامة ونحوها دون غيرهم فلو كانوا متساوين في العلم والفضيلة جميعاً لم يختص الإذن ببعضهم دون بعض.

(ثم إن جواب المصنف) عن الوجه الثالث هو مجرد المنع عن السيرة (ولكن) صاحب التقريرات قد أجاب عنها بنحو أبسط (قال) وأما السيرة فالمسلّم منها انهم مع عدم علمهم بالاختلاف في الفتاوى كانوا يرجعون بعضهم إلى بعض وأما مع العلم بالاختلاف إجمالا فلا نسلم عدم فحصهم عن الفاضل وعدم رجوعهم إليه فكيف بما إذا علموا بالفضيلة والاختلاف تفصيلا (قال) بل يمكن دعوى ندرة الاختلاف بين أصحاب الأئمة أيضا ولا ننكر أصل الاجتهاد في حقهم بل نقول بالفرق بيننا وبينهم من وجوه أسباب الاختلاف في حقنا دونهم فإن حالهم كما مرّ مراراً حال المقلدين في أمثال زماننا حيث انهم لا يختلفون في الفتاوى المنقولة عن مجتهدهم فإنه كلما يزداد بعد عهدنا عن مشكاة الإمامة ومصباح الولاية يزداد الحيرة والاختلاف فينا (انتهى) موضع الحاجة من كلامه رفع مقامه.

٢٤٩

(أقول)

بل لا يبعد أن يقال ان السيرة كانت هي جارية على الرجوع إلى أصحاب الأئمة عليهم‌السلام مع عدم احتمال اختلافهم في الفتاوى أصلا فضلا عن عدم العلم باختلافهم فإن الاختلاف غالباً كما أشار إليه التقريرات إنما هو يحصل من جهة البعد عن عصر الإمام عليه‌السلام لا مع حضوره ودرك أيامه وهذا واضح.

(قوله ولا عسر في تقليد الأعلم لا عليه لأخذ فتاواه من رسائله وكتبه ولا لمقلديه لذلك أيضاً ... إلخ)

جواب عن الوجه الرابع من وجوه القائلين بجواز تقليد المفضول (قال في التقريرات) الرابع ان في وجوب تقليد الأعلم عسراً لا يتحمل في العادة فيكون منفياً في الشريعة فإن الأعلم في الأغلب منحصر في واحد أو في اثنين ومن المعلوم ان رجوع جميع أهل الإسلام إليه عسر عليه وعليهم كما هو ظاهر (انتهى).

(وقد أجاب عنه المصنف) بنفي العسر لا على الأعلم ولا على مقلديه وذلك لارتفاع العسر عنهما بأخذ الفتاوى من رسائل الأعلم وكتبه وهو جواب صحيح لا يناقش فيه.

(قوله وليس تشخيص الأعلمية بأشكل من تشخيص أصل الاجتهاد مع ان قضية نفي العسر الاقتصار على موضع العسر فيجب فيما لا يلزم منه عسر ... إلخ)

هذان جوابان آخران عن الوجه الرابع من وجوه القائلين بجواز تقليد المفضول :

(أحدهما) جواب عن خصوص دعوى العسر على المقلد إذا كان لزومه من ناحية تشخيص الأعلمية فيجيب عنها بأن تشخيص الأعلمية ليس بأشكل من تشخيص أصل الاجتهاد وهو جيد متين.

(ثانيهما) جواب عن دعوى العسر على كل من الأعلم ومقلديه إذا كان لزومه من ناحية الانحصار في الأغلب فيجيب عنها بأن مقتضي ذلك هو الاقتصار

٢٥٠

على مورد العسر لا التعدي منه إلى غيره (وعليه) فالفتوى بجواز تقليد المفضول بنحو الإطلاق ولو في غير مورد العسر هي في غير محلها وهو جيد متين أيضاً.

(وقد أخذ) المصنف هذين الجوابين من صاحب التقريرات (قال) وأما لزوم الحرج فإن أريد لزومه في تشخيص موضوعه يعني به موضوع الأعلم ففيه ان تشخيص الأعلم ليس بأخفى من تشخيص نفس الاجتهاد (إلى أن قال) وإن أريد لزومه من حيث الانحصار ففيه ان الواجب حينئذ الرجوع إلى الأعلم فيما لا يلزم منه العسر (انتهى) موضع الحاجة من كلامه رفع مقامه.

في الوجوه التي استدل بها المانعون

عن تقليد غير الأعلم غير ما تقدم

(قوله وقد استدل للمنع أيضا بوجوه أحدها نقل الإجماع على تعيين تقليد الأفضل ... إلخ)

(قال في التقريرات) هداية في ذكر احتجاج المانعين وهو بعد الأصل كما عرفت تقريره يعني به في صدر البحث وجوه :

(الأول) الإجماعات المنقولة صريحاً في كلام المحقق الثاني كما حكاه الأردبيلي عن بعضهم أيضاً وظاهراً في كلام الشهيد الثاني المؤيد بنقل عدم الخلاف عند أصحابنا كما يظهر من السيد في الذريعة والبهائي حيث قال وتقليد الأفضل معين عندنا وفي المعالم وهو قول الأصحاب الذين وصل إلينا كلامهم المعاضدة بالشهرة المحققة بين الأصحاب وهي الحجة في مثل المقام الملحق بالفرعيات بل ولا يجوز

٢٥١

الاجتراء في الإفتاء في مثل هذه المسألة التي بمنزلة الإفتاء في جميع الفقه بخلاف المنقول من الأصحاب (انتهى) موضع الحاجة من كلامه رفع مقامه.

(قوله ثانيها الأخبار الدالة على ترجيحه مع المعارضة كما في المقبولة وغيرها أو على اختياره للحكم بين الناس كما دل عليه المنقول عن أمير المؤمنين عليه‌السلام اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك ... إلخ)

(قال في التقريرات) الثاني الأخبار الدالة على ترجيح الأعلم على غيره :

(منها) مقبولة عمر بن حنظلة حيث قال فيها الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما ولا يلتفت إلى ما حكم به الآخر.

(ومنها) رواية الصدوق بإسناده عن داود بن الحصين عن الصادق عليه‌السلام في رجلين اتفقا على عدلين جعلاهما بينهما في حكم وقع بينهما خلاف واختلف العدلان بينهما عن قول أيهما يمضي الحكم قال ينظر إلى أفقههما وأعلمهما بأحاديثنا.

(ومنها) قول أمير المؤمنين عليه‌السلام المنقول في نهج البلاغة اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك (قال) والتقريب في الكل ظاهر فإن الإمام عليه‌السلام قدم قول الأفقه والأعلم على غيره عند العلم بالمعارضة والمخالفة وهو المطلوب (انتهى) موضع الحاجة من كلامه رفع مقامه.

(قوله ثالثها ان قول الأفضل أقرب من غيره جزماً فيجب الأخذ به عند المعارضة عقلا ... إلخ)

(قال في التقريرات) الثالث ان فتوى الأعلم أقرب من غيرها فيجب الأخذ بها عند التعارض لأن الأخذ بالأقرب لازم عند التعارض أما الأول فظاهر ، وأما الثاني فلقضاء صريح العقل به (انتهى) موضع الحاجة من كلامه رفع مقامه.

٢٥٢

(قوله ولا يخفى ضعفها أما الأول فلقوة احتمال أن يكون وجه القول بالتعيين للكل أو الجلّ هو الأصل ... إلخ)

(وحاصل ما أفاده) في ضعف الوجه الأول من وجوه المانعين وهو الإجماعات المنقولة ان من المحتمل قوياً أن يكون وجه ذهاب الكل أو الجلّ إلى تعيين قول الأعلم هو ما تمسكنا به من الأصل في المسألة ومع هذا الاحتمال لا يكاد يبقى مجال لتحصيل الإجماع الكاشف عن رأي الإمام عليه‌السلام بمجرد الظفر على اتفاق الكل فإن الاتفاق كذلك إنما يكون هو كاشفاً عن رأيه عليه‌السلام إذا لم يحتمل له مدرك سواه وأما إذا احتمل له مدرك غيره سيما إذا كان الاحتمال قوياً كما في المقام فلا إجماع على النحو المعتبر قطعاً ويكون نقله موهوناً جداً مع عدم حجية الإجماع المنقول في حدّ نفسه ولو مع عدم وهنه على التفصيل المتقدم لك شرحه في محله إلا في بعض الصور فيكون حجة شرعاً.

(أقول)

هذا كله مضافاً إلى عدم تحقق الاتفاق في الخارج أصلا ليكون كاشفاً عن رأي الإمام عليه‌السلام فإنه تقدم من صاحب التقريرات أقوال جماعة من الأصحاب وغيرهم بالتخيير بين الأفضل والمفضول (فقال) وحدث لجماعة ممن تأخر عن الشهيد الثاني قول بالتخيير بين الفاضل والمفضول تبعاً للحاجبي والعضدي والقاضي وجماعة من الأصوليين والفقهاء فيما حكى عنهم وصار إليه جملة من متأخري أصحابنا حتى صار في هذا الزمان قولا معتداً به ... إلخ. ومعه كيف يمكن دعوى الإجماع في المسألة أو الاعتماد على المنقول منه مع مصير جملة معتدة بها إلى الخلاف وهذا واضح.

٢٥٣

(قوله وأما الثاني فلان الترجيح مع المعارضة في مقام الحكومة لأجل رفع الخصومة التي لا يكاد ترتفع إلا به لا يستلزم الترجيح في مقام الفتوى ... إلخ)

(وحاصل ما أفاده) في ضعف الوجه الثاني من وجوه المانعين وهو الاخبار المتقدمة ان المستفاد منها هو ترجيح الأعلم على غيره عند تعارض حكمي الحاكمين وهو لا يستلزم ترجيحه عند تعارض فتوى المفتيين أيضا.

(وقد تفطن لهذا المعنى) صاحب التقريرات ولكنه قد أجاب عنه من وجهين (فقال) بعد عبارته المتقدمة في بيان الوجه الثاني (ما لفظه لا يقال) إن ظاهر المقبولة هو اختصاصها بالقضاء كما هو المصرح به في صدرها حيث سئل الراوي عن رجلين بينهما منازعة في دين أو ميراث فلا يستقيم الاستدلال بها في الفتوى (لأنا نقول أولا) يتم المطلوب بالإجماع المركب إذ لا قائل بالفصل بين وجوب قضاء الأعلم وتقليده وان احتمل عدم تحققه في العكس (إلى أن قال وثانياً) إن ظاهر المقبولة صدراً وذيلا فيما إذا كان الاشتباه في الحكم الشرعي الّذي مرجعه إلى الاختلاف في الفتوى دون الأمور الخارجية التي لا يكون رفع الاشتباه فيها بالرجوع إلى الأحاديث فتكون الرواية دليلا على الترجيح بالأعلمية عند اختلاف أرباب الفتوى (انتهى) موضع الحاجة من كلامه رفع مقامه.

(أقول)

(أما الإجماع المركب) وهو إطباق الأمة على عدم الفصل بين وجوب قضاء الأعلم ووجوب تقليد الأعلم على نحو يستكشف منه رأي الإمام عليه‌السلام (فغير ظاهر) ولا واضح.

(وأما ظهور المقبولة) مثل قوله واختلفا فيما حكما وكلاهما اختلفا في حديثكم ... إلخ في الاشتباه في الحكم الشرعي الّذي مرجعه إلى الاختلاف في الفتوى لو سلم بدعوى ان منشأ اختلاف الحاكمين هو اختلاف فتواهما ومنشأ اختلاف

٢٥٤

فتواهما هو اختلاف الحديثين (فهو مما لا يجدي) فإن ترجيح فتوى الأعلم في مقام الحكومة ورفع الخصومة مما لا يدل على ترجيحها في غير هذا المقام أيضاً.

(قوله اما الثالث ممنوع صغرى وكبرى ... إلخ)

(وحاصل ما أفاده) في ضعف الوجه الثالث من وجوه المانعين وهو كون فتوى الأعلم أقرب من غيرها فيجب الأخذ بها عند التعارض عقلا هو منع الصغرى والكبرى جميعاً.

(اما منع الصغرى) فلما قد يتفق من كون فتوى غير الأعلم أقرب من فتوى الأعلم من جهة مطابقة فتواه لفتوى من هو أعلم الكل ممن مات قبلا.

(وأما منع الكبرى) فلان ملاك حجية قول المجتهد شرعاً بل مطلق الأمارات الظنية المعتبرة لدى الشارع ولو بناء على الطريقية دون الموضوعية والسببية لم يعلم أنه القرب إلى الواقع كي يجب الأخذ بالأقرب عند معارضة بعضها مع بعض بل لعل الملاك في الحجية هو أمر آخر مما لم يكن لزيادة القرب فيه دخل أصلا.

(أقول)

(أما منع الصغرى) فمما لا وجه له فان الكلام هاهنا متمحض فيما إذا تعارض فتوى الأعلم مع غير الأعلم مع قطع النّظر عن المرجحات الخارجية مثل المطابقة لفتوى من هو أعلم الكل ممن مات قبلا أو المطابقة للشهرة ونحوهما من أمور أخر فمع قطع النّظر عن هذه المرجحات كلها نحن ندعي ان فتوى الأعلم أقوى وأقرب إلى الواقع فيحتمل فيها التعيين فتكون من دوران الأمر بين التعيين والتخيير فيجب الاحتياط فيها بالأخذ بها وعدم التعدي عنها وقد عرفت في صدر المسألة وقبله وجه وجوب الاحتياط عند الدوران مكرراً (هذا) مضافاً إلى كونها مورداً لاستقلال العقل بالأخذ بها نظراً إلى كونها من أقوى الدليلين.

(واما منع الكبرى) فكذلك مما لا وجه له فإن الأمارة الظنية المعتبرة شرعاً وان لم يعلم أن تمام ملاكها هو القرب إلى الواقع ولكن بعد تسليم كون

٢٥٥

اعتبارها من باب الطريقية دون الموضوعية والسببية لا بد وأن يكون القرب إلى الواقع مما له دخل في ملاكها ومع دخله فيها لا محالة يستقل العقل بوجوب الأخذ بالأقرب إلى الواقع دون الأبعد عنه وهذا واضح ظاهر.

(ثم إن المصنف) قد أخذ منعه عن الصغرى والكبرى جميعاً عن غيره كما يظهر من التقريرات (قال) بعد ذكره الوجه الثالث (ما لفظه) واعترض عليه تارة في الصغرى وأخرى في الكبرى (أما الأول) فبأن الأقربية على وجه الإطلاق مما لا وجه لها إذ ربما يكون فتوى غيره أقرب بواسطة اعتضادها بالأمور الخارجية كموافقتها للمشهور أو لفتوى أعلم الأموات أو غير ذلك (إلى ان قال واما الثاني) فبأنه لا دليل على اعتبار الأقربية في الأمارات التعبدية التي منها قول المفتي في حق المستفتي (انتهى) موضع الحاجة من كلامه رفع مقامه.

(قوله ولا يصغى إلى أن فتوى الأفضل أقرب في نفسه فانه ولو سلم انه كذلك إلا أنه ليس بصغرى لما ادعى عقلا من الكبرى ... إلخ)

(دفع لما قد يجاب) عن منع المصنف من الصغرى بتقريب ان مراد المانعين من قولهم في الوجه الثالث ان فتوى الأعلم أقرب من غيرها هو الأقرب في نفسها فلا يتوجه إليهم أن فتوى غير الأعلم قد تكون أقرب بلحاظ مطابقتها مع فتوى أعلم الكل ممن مات قبلا.

(وحاصل الدفع) أن فتوى الأعلم وان كانت أقرب في نفسها ولكن الأقرب كذلك مما لا يكون صغرى للكبرى التي قد ادعاها الخصم من وجوب الأخذ بالأقرب عند المعارضة عقلا فإن الّذي يستقل به العقل هو الأخذ بالأقرب مطلقاً سواء كان أقرب في نفسه أو لمرجح خارجي دون خصوص الأقرب في نفسه.

(أقول)

إنك قد عرفت منا آنفاً ان الكلام هاهنا متمحض فيما إذا تعارض فتوى الأعلم مع

٢٥٦

غير الأعلم مع قطع النّظر عن المرجحات الخارجية وظاهر المصنف بل صريحه هو تسليم الصغرى أي أقربية فتوى الأعلم في هذه الصورة (وعليه) فيرجع النزاع معه لفظياً فلا تغفل أنت ولا تشتبه.

(قوله نعم لو كان تمام الملاك هو القرب كما إذا كان حجة بنظر العقل لتعين الأقرب قطعاً فافهم ... إلخ)

لا يجب أن يكون القرب هو تمام الملاك حتى يتعين الأقرب بل يكفي في ذلك كما أشير آنفاً ان يكون القرب مما له دخل في الملاك فإن مع دخله فيه لا بد وأن يكون الأقرب متعيناً عقلا (والظاهر) انه إليه أشار بقوله فافهم فافهم جيداً.

في بيان معنى الأعلم

(ثم إن صاحب التقريرات) قد نبّه في خاتمة تقليد الأعلم على أمور تسعة ونحن نكتفي بالمهم منها وهو أمور ثلاثة :

(الأول) في بيان معنى الأعلم والظاهر ان مقتضى اشتقاقه من العلم أن يكون الأعلم عبارة عمن كان الانكشاف له بنحو أشد فإن الانكشاف مما له مراتب فنحن عالمون بالله والأنبياء أيضا عالمون بالله وكم فرق بين علمنا وعلمهم وببالي ان في النهج قيل لعلي عليه‌السلام إن عيسى كان يمشي على الماء فقال عليه‌السلام ولو ازداد يقيناً لمشى على الهواء.

(وبالجملة) ان للعلم مراتب ودرجات والمناسب للمعنى اللغوي أن يكون الأعلم عبارة عمن كان علمه بالأحكام الشرعية بنحو أشد من غير الأعلم مع وحدة المعلوم فيهما بلا تفاوت فيه أصلا (ولكن الظاهر) ان هذا المعنى غير مراد

٢٥٧

قطعاً (بل المراد من الأعلم) في المقام (إما من كان هو أقوى ملكة) وأشد سلطة في استنباط الأحكام وفهمها من الآيات والروايات (أو كان أكثر معلوماً) وأوسع إحاطة بالاحكام الشرعية والمسائل الدينية وإن لم يكن أقوى ملكة (والظاهر) ان المعيار في الأعلمية هو الأول أي من كان أقوى ملكة وأشد سلطة (ويشهد له) ما تقدم في ذيل أخبار التراجيح من قوله عليه‌السلام أنتم أفقه الناس إذا عرفتم معاني كلامنا حيث يستفاد منه ان المعيار في الأفقهية ان يكون المجتهد هو أعرف بمعاني كلامهم لا أكثر معلوماً وأوسع إحاطة بالاحكام فإذا كان أحدهما أعرف بمعان كلامهم والآخر أكثر معلوماً كان الأول أفقه من الثاني (بل قد يدعى) ان كثرة المعلومات مع ضعف ملكة الاجتهاد ربما يوجب مزيد البعد عن الواقع وهو غير بعيد فراجع تقريرات بحث شيخنا العلامة أعلى الله تعالى مقامه فان له كلاماً طويلا حول هذا المعنى لا بأس بمراجعته وتأمله.

إذا شك في اختلافهم في الفتوى

فهل يجب الفحص عنه

(الثاني) انك قد عرفت فيما تقدم ان وجوب تقليد الأعلم إنما هو فيما إذا اختلفوا العلماء في الفتوى واختلفوا في العلم والفضيلة (فإذا لم يختلفوا في الفتوى) (أو لم يختلفوا في العلم والفضيلة) (أو لم يختلفوا لا في الفتوى ولا في العلم والفضيلة) (فالحكم هو التخيير) فالمعتبر إذاً في وجوب تقليد الأعلم هو أمر آن الاختلاف في في الفتوى والاختلاف في العلم والفضيلة (وعليه) فإذا شك في اختلافهم في

٢٥٨

الفتوى مع العلم باختلافهم في العلم والفضيلة.

(فهل يجب على المقلد الفحص) عن الاختلاف في الفتوى ليأخذ بفتوى الأعلم إذا كانوا مختلفين فيها أم لا (مختار التقريرات) عدم وجوب الفحص عنه وقد استدل عليه بأمرين :

(الأول) ما محصله ان مقتضى الأصل وإن كان هو وجوب الفحص عنه إذ بدونه لا بد من الاحتياط والأخذ بفتوى الأعلم إذ لو كان هناك اختلاف في الفتوى واقعاً ففتوى الأعلم متعينة وإلا فنتخير ، فيدور الأمر فيها بين التعيين والتخيير فيتعين الاحتياط فيها بالاخذ بها للقطع بحجيتها على كل حال إما تعييناً أو تخييراً والشك في حجية فتوى غير الأعلم فيجري الأصل عنها ولكن الأصل منقطع بالسيرة والظاهر أن مراده من السيرة هو ما تقدم منه في ذيل الجواب عن الوجه الثالث من وجوه القائلين بجواز تقليد غير الأعلم من استقرار السيرة على الرجوع إلى أصحاب الأئمة مع عدم العلم باختلافهم في الفتوى والعلم باختلافهم في العلم والفضيلة.

(الثاني) أصالة عدم المعارض فإذا أفتى أحدهم بطهارة العصير المغلي مثلا وشك في وجود فتوى أخرى بنجاسته فمقتضى الاستصحاب عدمها فيجوز حينئذ الأخذ بالفتوى بطهارته.

(أقول)

إن السيرة وإن كانت هي قابلة للمناقشة وذلك لما تقدم منا من استقرارها على الرجوع إليهم مع عدم احتمال اختلافهم في الفتوى أصلا لا مع الشك فيه واحتماله ولكن مع ذلك يكفي الدليل الثاني لعدم وجوب الفحص عن الاختلاف في الفتوى فإن استصحاب عدم وجود فتوى أخرى بنجاسة العصير المغلي في المثال المتقدم وارد على الاحتياط الجاري في دوران الأمر بين التعيين والتخيير رافع لموضوعه من أصله وهو الشك في وجود فتوى أخرى من الأعلم مخالفة لهذه الفتوى غير ان

٢٥٩

الظاهر ان هذه الصورة الأولى وهي صورة عدم العلم باختلافهم في الفتوى هي مجرد فرض في أمثال زماننا هذا كما لا يخفى.

(وعلى كل حال) هذا تمام الكلام فيما إذا شك في اختلافهم في الفتوى وعلم باختلافهم في العلم والفضيلة وقد عرفت ان حكمها هو عدم الفحص عن الاختلاف في الفتوى إذا فرض اتفاقها أحياناً.

إذا شك في اختلافهم في العلم والفضيلة

فهل يجب الفحص عن الأعلم

(واما إذا انعكس الأمر) بأن علم باختلافهم في الفتوى وشك في اختلافهم في العلم والفضيلة ففي هذه الصورة الثانية (هل يجب) الفحص عن الأعلم ليأخذ بفتواه أم لا (مختار التقريرات هو وجوب الفحص عن الأعلم.

(قال في التنبيه الثالث) وإذا علم الاختلاف يعني في الفتوى واحتمل التفاضل فهل يجب الفحص أولا وجهان بل لعل قولان (إلى ان قال) ويدل على الوجوب أمور :

(منها) الأصل حيث ان قبل الفحص لا يعلم البراءة بخلافه بعد الفحص فالواجب هو الفحص.

(ومنها) قوله عليه‌السلام في رواية داود بن الحصين ينظر إلى أفقههما فان في قوله ينظر دلالة واضحة على وجوب الفحص مضافاً إلى كونه معمولا به في جميع الطرق المتعارضة (قال) ولعل وجوب الفحص موافق للقاعدة أيضاً فإن

٢٦٠