عناية الأصول في شرح كفاية الأصول - ج ٦

السيد مرتضى الفيروزآبادي

عناية الأصول في شرح كفاية الأصول - ج ٦

المؤلف:

السيد مرتضى الفيروزآبادي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: منشورات فيروزآبادي
الطبعة: ٤
الصفحات: ٣٠٠

الصورة ان الأمارات بناء على الطريقية مما لا تخلو من أحد قولين.

(فإما ان نقول) فيها بجعل الحجية أي المنجزية عند الإصابة والعذرية عند الخطأ.

(وعلى هذا القول) لا وجه لصحة الأعمال السابقة بعد كشف الخلاف فيها إذ المفروض ان الأمارة التي قد أدت إلى صحتها وانكشف خلافها لم تكن هي إلا مجرد عذر للفوت من دون ان يتدارك بها مصلحة الواقع أبداً.

(وإما ان نقول) فيها بجعل الأحكام الظاهرية الطريقية.

(وعلى هذا القول) أيضا لا وجه لصحة الأعمال السابقة بعد كشف الخلاف فيها فان الحكم الظاهري الطريقي لا مصلحة فيه سوى الوصول به إلى الواقع فإن أصاب فقد تنجز به الواقع وإن أخطأ فيكون عذراً لفوته من دون أن يتدارك به مصلحة الواقع أصلا.

(واما الصورة الأولى) من صورتي الصحة فهي ما إذا كان مدرك الاجتهاد السابق هو الطريق المعتبر شرعاً وقد بنينا على اعتبار الأمارات من باب السببية والموضوعية.

(وقد أشار المصنف) إلى هذه الصورة بقوله الآتي وأما بناء على اعتبارها من باب السببية والموضوعية فلا محيص عن القول بصحة العمل على طبق الاجتهاد الأول عبادة كان أو معاملة ... إلخ (ووجه الصحة) ان الأمارة في هذا الفرض هي سبب لحدوث مصلحة أو مفسدة في متعلق الحكم موجبة لجعل حكم نفسي على طبق مؤداها بلا شبهة (وعليه) فلا يبقى الواقع بلا تدارك لمصلحته كما على القول بالطريقية كي لا يجزي المأتي به ولا يكفي.

(أقول)

إن الحكم بصحة الأعمال السابقة بنحو الإطلاق على نحو لو كانت هي عبادة فلا تحتاج إلى الإعادة أو القضاء وإن كانت هي معاملة من عقد أو إيقاع فلا تحتاج إلى تكرار السبب بمجرد القول بالسببية والموضوعية في الطرق والأمارات هو (مما لا

٢٠١

وجه له) (فانه إذا قامت) الأمارة السببية على أصل التكليف كوجوب صلاة الجمعة وقد أتينا بها مدة من الزمن ثم انكشف الخلاف وان الواجب كان صلاة الظهر مكانها دون الجمعة فلا بدّ من قضاء صلوات الظهر في تلك المدة بلا كلام إلا إذا قام دليل معتبر من إجماع ونحوه على عدم وجوب صلاتين في يوم واحد (ووجه القضاء أو الإعادة) في الوقت ان أقصى ما تقتضيه الأمارة السببية هو وجوب صلاة الجمعة حقيقة بمجرد قيامها على وجوبها ولا يكاد ينافي ذلك بقاء صلاة الظهر على وجوبها بلا تدارك لمصلحتها وقد تقدم اعتراف المصنف بذلك في بحث الإجزاء صريحاً (ويلحق) بذلك ما إذا قامت الأمارة السببية على وجوب جزء أو شرط للمأمور به ثم انكشف الخلاف وأن الجزء أو الشرط كان أمراً آخر مكانه وذلك لعين ما قلنا في الأمارة السببية القائمة على أصل التكليف حرفاً بحرف فإن وجوب جزء أو شرط بقيام الأمارة السببية هو مما لا ينافي بقاء الجزء أو الشرط الواقعي على وجوبه بلا تدارك لمصلحته (وهكذا إذا قامت) الأمارة السببية على عدم وجوب جزء أو شرط للمأمور به ثم انكشف الخلاف وانه كان جزءاً أو شرطاً واقعاً فلا وجه للإجزاء أيضا فإن القائل بالسببية إنما يدعي حدوث المصلحة في المتعلق على طبق مؤدي الأمارة إذا كانت مثبتة لحكم تكليفي أو وضعي وأما إذا قامت على نفي حكم تكليفي أو وضعي فلم يعلم دعواه نفي المصلحة أو المفسدة عن المتعلق بسبب قيام الأمارة على نفيه.

(نعم إذا قامت) الأمارة السببية على تحقق جزء أو شرط للمأمور به كما إذا قامت على إتيان السورة أو على طهارة الثوب أو البدن أو كون القبلة إلى هذه الجهة وقد صلينا على طبق الأمارة ثم انكشف الخلاف فهاهنا لا بأس بالإجزاء عن الواقع وذلك لتحقق مصلحة الجزء أو الشرط بقيامها حقيقة ولكن ذلك خارج عما نحن بصدده من اضمحلال الاجتهاد السابق فإن الأمارة في هذه الأمثلة كلها قائمة في الشبهة الموضوعية ولا اجتهاد في الشبهة الموضوعية كما لا يخفى.

٢٠٢

(اللهم إلا إذا فرض) قيام الأمارة السببية في الشبهة الحكمية على طهارة شيء أو حلية حيوان وقد صلينا في ذلك الشيء أو في جلد ذلك الحيوان أو في شعره أو وبره ثم انكشف الخلاف لم يبعد الصحة حينئذ على السببية والموضوعية ويكون هو من تبدل الاجتهاد إلى اجتهاد جديد قطعاً (هذا كله في العبادات) (ومنها يظهر لك حال المعاملات) أيضا فإذا قامت الأمارة السببية على جزئية شيء أو شرطيته لعقد أو لإيقاع وتحقق العقد أو الإيقاع على طبق تلك الأمارة السببية ثم انكشف الخلاف وان الجزء أو الشرط كان أمراً آخر مكانه لم يصح العقد أو الإيقاع وهكذا إذا قامت على عدم جزئية شيء أو عدم شرطيته له وانكشف الخلاف وأنه كان جزءاً أو شرطاً له لم يصح أيضا.

(نعم) إذا قامت الأمارة السببية في الشبهة الموضوعية على تحقق البلوغ مثلا في البائع ثم انكشف الخلاف وانه لم يكن بالغاً أو قامت في الشبهة الحكمية على ان من دخل في الثانية عشر فهو بالغ ثم انكشف الخلاف وان البلوغ مما لا يتحقق إلّا بالدخول في السادسة عشر صح البيع ولم يحتج إلى الإعادة أصلا وذلك لحدوث مصلحة البلوغ فيه بمجرد قيام الأمارة بعد فرض كونها بنحو السببية والموضوعية

(والغرض من إطالة الكلام) بهذا المقدار هو بيان ان الحكم بصحة الأعمال السابقة المطابقة للاجتهاد الأول مطلقاً من غير تفصيل فيها بمجرد القول بالسببية والموضوعية ليس في محله وإن كانت هي صحيحة في الجملة على التفصيل الّذي قد عرفت شرحه آنفاً فلا تغفل.

(واما الصورة الثانية) من صورتي الصحة فهي ما إذا كان مدرك الاجتهاد السابق هو الاستصحاب أو البراءة الشرعية.

(وقد أشار إليها المصنف) بقوله في الآخر وكذلك الحال إذا كان بحسب الاجتهاد الأول مجري الاستصحاب أو البراءة النقليّة ... إلخ فإذا قامت البراءة الشرعية في الشبهة الحكمية على عدم وجوب شيء أو عدم جزئيته أو عدم شرطيته

٢٠٣

لعبادة أو لمعاملة ثم انكشف الخلاف وتبدل الاجتهاد الأول إلى اجتهاد جديد قد أدّى إلى وجوبه أو جزئيته أو شرطيته لم نحتج إلى الإعادة أو القضاء في العبادة أو إلى تكرار السبب في المعاملة (والظاهر) ان السرّ في نظره هو حكومة دليل البراءة على دليل الواقع أو على أدلة الاجزاء والشرائط فلا يبقى وجوب ولا جزئية ولا شرطية في حال الجهل أبداً فلا إعادة ولا قضاء ولا تكرار السبب (وقد استفيد) حكومة دليل البراءة من كلام المصنف في الأقل والأكثر الارتباطيين قبل الشروع في التنبيه على أمور (بل وصرح) في بحث الإجزاء أيضاً بحكومة الأصول العملية الجارية في تنقيح الجزء أو الشرط على أدلة الأجزاء والشرائط كقاعدة الطهارة أو الحلية (قال) بل واستصحابهما في وجه قوى ونحوها ... إلخ (هذا كله في البراءة النقليّة) ومثلها استصحاب العدم.

(واما استصحاب الوجود) فإذا قام في الشبهة الحكمية على طهارة شيء أو حلية حيوان فصلينا في ذلك الشيء أو في جلد ذلك الحيوان أو في شعره أو وبره ثم انكشف الخلاف وتبدل الاجتهاد الأول إلى اجتهاد جديد فقد صح العمل السابق لحكومة الاستصحاب على دليل الشرط وان الطهارة أو الحلية المشروطة بها الصلاة هي أعم من الواقعية والظاهرية المحرزة بالأصل فالعمل في الحقيقة كان واجدا لشرطه ولو شرطه الظاهري لا الواقعي ومن حين ارتفاع الجهل وانكشاف الخلاف قد ارتفع الشرط الظاهري.

(أقول)

إنك قد عرفت.

(أولا) في بحث الإجزاء ان حكومة مثل قاعدة الطهارة والحلّ واستصحابهما والبراءة على دليل الواقع أو على أدلة الأجزاء والشرائط هي حكومة ظاهرية والحكومة الظاهرية مما لا تجدي شيئاً ما لم تكن هناك حكومة واقعية توجب الرفع حقيقة أو توسع دائرة الجزء أو الشرط واقعاً أو تضيقها كذلك وقد تقدم سرّ ذلك كله هناك فلا نعيد.

٢٠٤

(وثانياً) لو سلم ذلك كله فلا إشكال في أنه إذا قام الاستصحاب على أصل التكليف كوجوب صلاة الجمعة ثم انكشف الخلاف وأن الواجب كان هو الظهر لم يجز قطعاً وقد اعترف المصنف بذلك في الإجزاء كما أشير آنفاً وألحقنا به ما إذا قام الاستصحاب على وجوب جزء أو شرط ثم انكشف الخلاف وظهر أن الجزء أو الشرط كان أمراً آخر (وعليه) فحكمه في المقام بصحة العمل بمجرد ان كان بحسب الاجتهاد الأول مجري الاستصحاب نظراً إلى عمله بما هو وظيفته في تلك الحال مما لا وجه له.

(وبالجملة) إن الحكم بصحة الأعمال السابقة المطابقة للاجتهاد السابق بعد تبدله إلى اجتهاد جديد أو إلى التحير والتردد في غاية الإشكال من غير فرق في ذلك بين صورة وصورة إلا على السببية في الجملة على التفصيل الّذي قد عرفت شرحه آنفاً (هذا كله) مقتضي القاعدة الأولية في الأعمال السابقة.

(وأما مقتضي القاعدة الثانوية) المستفادة من أدلة خاصة فسيأتي الكلام فيها بلا فصل بعد هذا.

في بيان مقتضي القاعدة الثانوية في الأعمال

السابقة المطابقة للاجتهاد الأول

(قوله فيما لم ينهض دليل على صحة العمل فيما إذا اختل فيه لعذر كما نهض في الصلاة وغيرها مثل لا تعاد وحديث الرفع بل الإجماع على الإجزاء في العبادات على ما ادعى ... إلخ)

إشارة إلى مقتضي القاعدة الثانوية في الأعمال السابقة المطابقة للاجتهاد الأول

٢٠٥

(فيقول) إن مقتضاها هو صحة تلك الأعمال وذلك لأدلة خاصة نعتمد عليها ونستند إليها.

(منها) ما يختص بالصلاة فقط دون غيرها وهو حديث لا تعاد الصلاة إلا من خمس فإذا أدى الاجتهاد الأول إلى عدم جزئية شيء للصلاة أو عدم شرطيته لها أو عدم مانعيته عنها أو عدم قاطعيته لها وأوقعنا الصلاة على طبق ذلك الاجتهاد ثم انكشف الخلاف وظهر جزئية ذلك الشيء أو شرطيته أو مانعيته أو قاطعيته صحت الصلاة ولا حاجة إلى الإتيان بها ثانياً إعادة أو قضاء إلّا إذا كان الأمر المختل هو أحد الأمور الخمسة وهي الوقت والقبلة والطهور والركوع والسجود (هذا) ولكن الاستدلال بالحديث الشريف مبني على شموله لصورة الجهل بالحكم أو الموضوع وعدم اختصاصه بصورة النسيان فقط كما قد يدعي ذلك وإلّا فلا يكاد ينفع المقام شيئاً أبداً.

(ومنها) ما يختص بالعبادات فقط دون غيرها وهو الإجماع على الإجزاء الّذي ادعاه بعضهم على ما يظهر من المصنف واشتهر على الألسن (وفيه) ان الاتكال في مثل هذه المسألة المهمة وهي صحة الأعمال السابقة من صلاة وصيام وحج وزكاة ونحوها من العبادات على مجرد الإجماع المنقول الّذي لا يعرف قائله فضلا عن صحته وسقمه في غير محله جداً (مضافاً) إلى ما تقدم في الإجماع المنقول من ان مجرد اتفاق العلماء وأرباب الاجتهاد والفتوى ما لم ينضم إليهم أصحاب الأئمة عليهم‌السلام وحملة الاخبار الذين ليست أقوالهم مستندة إلى الاجتهاد والاستنباط غالباً بل إلى السماع عن الإمام عليه‌السلام لم ينفع في الحدس عن رأي المعصوم وفي استكشاف قوله عليه‌السلام وذلك لجواز استناد العلماء جميعاً على اجتهادهم في المسألة وعلى استنباطهم فيها من الأدلة وقد أخطئوا فيها تماما وهذا ظاهر واضح

(ومنها) ما يشمل العبادات والمعاملات جميعاً وهو حديث الرفع (والظاهر) ان المقصود من ذلك هو الاستدلال بفقرة ما لا يعلمون نظراً إلى حكومتها على

٢٠٦

أدلة الواقع كما أشير آنفاً فإذا أدى الاجتهاد إلى عدم وجوب شيء أو إلى عدم جزئيته أو عدم شرطيته لعبادة أو لمعاملة ثم تبدل الاجتهاد وانكشف وجوبه أو جزئيته أو شرطيته واقعاً فحديث الرفع حيث يرفع الوجوب أو الجزئية أو الشرطية في الزمان الأول أي في حال الجهل فلا وجه للإتيان بالعمل ثانياً (وفيه) ما تقدم آنفاً من ان حكومة حديث الرفع ونحوه هي حكومة ظاهرية ولا يرتفع بها الأمر المجهول ارتفاعاً حقيقياً من أصله فلا يكاد تجدي (هذا) ويحتمل أيضاً ان يكون المقصود من الاستدلال بحديث الرفع هو التشبث بالفقرة الأولى منه أي رفع عن أمتي تسعة أشياء (الخطاء) ... إلخ بناء على إطلاقه وشموله للخطإ في الأحكام أيضاً ولكن يرد عليه.

(أولا) ان ظاهر الخطاء هو الخطاء في الموضوعات دون الأحكام.

(وثانياً) ان الخطاء في الأحكام ليس إلّا عبارة عن الجهل وليس هو شيئاً آخر وراء ما لا يعلمون.

(وثالثاً) ان الاستدلال به مبني على كون الخطاء مما يرتفع به الأثر الوضعي والتكليفي جميعاً دون التكليفي فقط أي يرتفع به الجزئية والشرطية ونحوهما كما يرتفع به المؤاخذة والعقاب قطعاً وهو خلاف التحقيق كما عرفته منا في محله وان المرفوع به ليس إلّا خصوص الأثر التكليفي فقط دون غيره فتأمل جيداً.

(قوله وذلك فيما كان بحسب الاجتهاد الأول قد حصل القطع بالحكم وقد اضمحل واضح ... إلخ)

علة لقوله فلا بدّ من معاملة البطلان معها ... إلخ وهو إشارة إلى الصورة الأولى من صورتي البطلان كما أشير قبلا.

(قوله وكذلك فيما كان هناك طريق معتبر شرعاً عليه بحسبه وقد ظهر خلافه ... إلخ)

إشارة إلى الصورة الثانية من صورتي البطلان كما ذكرنا قبلا.

٢٠٧

في الردّ على تفصيل الفصول في

الاجتهاد السابق

(قوله من غير فرق بين تعلقه بالأحكام أو بمتعلقاتها ضرورة ان كيفية اعتبارها فيهما على نهج واحد ولم يعلم وجه للتفصيل بينهما كما في الفصول إلى آخره)

ردّ على تفصيل صاحب الفصول في المقام وعنوان كلامه رحمه‌الله وان لم يكن هو التفصيل بين الحكم والمتعلق بل التفصيل بين ما إذا كانت الواقعة مما يتعين في وقوعها شرعاً أخذها بمقتضى الفتوى وبين ما لم يكن كذلك (لكن) يظهر من أواخر كلامه ان المقصود من ذلك هو التفصيل بين الحكم ومتعلقه.

(قال في الفصول) فصل إذا رجع المجتهد عن الفتوى انتقضت في حقه بالنسبة إلى مواردها المتأخرة عن زمن الرجوع قطعاً وهو موضع وفاق (إلى أن قال) وأما بالنسبة إلى مواردها الخاصة التي فيها قبل رجوعه عنها (فإن قطع) ببطلانها واقعاً فالظاهر وجوب التعويل على مقتضي قطعه فيها بعد الرجوع (إلى ان قال) وكذا لو قطع ببطلان دليل واقعاً وان لم يقطع ببطلان نفس الحكم كما لو زعم حجية القياس فأفتى بمقتضاه ثم قطع ببطلانه (إلى ان قال) وان لم يقطع ببطلانها ولا ببطلانه فإن كانت الواقعة مما يتعين في وقوعها شرعاً أخذها بمقتضى الفتوى فالظاهر بقائها على مقتضاها السابق فيترتب عليها لوازمها بعد الرجوع (إذ الواقعة) الواحدة لا تتحمل اجتهادين ولو بحسب زمانين لعدم دليل عليه (ولئلا يؤدي)

٢٠٨

إلى العسر والحرج المنفيين عن الشريعة السمحة لعدم وقوف المجتهد غالباً على رأي واحد فيؤدي إلى الاختلال فيما يبني فيه عليها من الأعمال (ولئلا يرتفع) الوثوق في العمل من حيث ان الرجوع في حقه محتمل وهو مناف للحكمة الداعية إلى تشريع حكم الاجتهاد ولا يعارض ذلك بصورة القطع لندرته وشذوذه (ولأصالة بقاء) آثار الواقعة إذ لا ريب في ثبوتها قبل الرجوع بالاجتهاد ولا قطع بارتفاعها بعده إذ لا دليل على تأثير الاجتهاد المتأخر فيها (إلى ان قال) وعلى ما قررنا فلو بنى على عدم جزئية شيء للعبادة أو عدم شرطيته فأتى بها على الوجه الّذي بنى عليه ثم رجع بنى على صحة ما أتى به حتى انها لو كانت صلاة وبنى فيها على عدم وجوب السورة ثم رجع بعد تجاوز المحل بنى على صحتها من جهة ذلك أو بنى على صحتها في شعر الأرانب والثعالب ثم رجع ولو في الأثناء إذا نزعها قبل الرجوع وكذا لو بنى على طهارة شيء ثم صلى في ملاقيه ورجع ولو في الأثناء وكذا لو تطهر بما يراه طاهراً أو طهوراً ثم رجع ولو في الأثناء فلا يلزمه الاستئناف (وكذلك القول) في بقية مباحث العبادات وساير مسائل العقود والإيقاعات (فلو عقد) أو أوقع بصيغة يرى صحتها ثم رجع بنى على صحتها واستصحب أحكامها من بقاء الملكية والزوجية والبينونة والحرية وغير ذلك (إلى ان قال) ولو كانت الواقعة مما لا تتعين أخذها بمقتضى الفتوى فالظاهر تغير الحكم بتغير الاجتهاد كما لو بنى على حلية حيوان فذكته ثم رجع بنى على تحريم المذكى منه وغيره أو على طهارة شيء كعرق الجنب من الحرام فلاقاه ثم رجع بنى على نجاسته ونجاسة ملاقيه قبل الرجوع وبعده أو على عدم تحريم الرضعات العشر فتزوج من أرضعته ذلك ثم رجع بنى على تحريمها لأن ذلك كله رجوع عن حكم الموضوع وهو لا يثبت بالاجتهاد على الإطلاق بل ما دام باقياً على اجتهاده فإذا رجع ارتفع (انتهى) موضع الحاجة من كلامه رفع مقامه.

(ومحصل هذا الكلام بطوله) انه إذا لم يقطع ببطلان ما اجتهده أولا ولا

٢٠٩

ببطلان دليله كما إذا اجتهد استناداً إلى دليل كان يرى حجيته ثم زالت حجيته في نظره مع بقاء احتمال حجيته في الواقع فحينئذ.

(ان كان الاجتهاد الأول) في نفس الحكم الشرعي فيتغير الحكم الشرعي بتغير الاجتهاد الأول ولا يبقى إلى الآخر كما يشهد به قوله فالظاهر تغير الحكم يتغير الاجتهاد ... إلخ وقوله في الآخر لأن ذلك كله رجوع عن حكم الموضوع وهو لا يثبت بالاجتهاد على الإطلاق بل ما دام باقياً على اجتهاده ... إلخ.

(وأما إذا كان) في متعلق الحكم الشرعي وقد وقع المتعلق في الخارج على طبق ذلك الاجتهاد الأول ثم تغير الاجتهاد فلا يتغير الفعل أي المتعلق للحكم الشرعي عما كان عليه من الصحة بل يبقى على آثاره حتى بعد الرجوع كما يشهد به.

(قوله) فالظاهر بقائها يعني الواقعة على مقتضاها السابق فيترتب عليها لوازمها بعد الرجوع (إلى ان قال) ولأصالة بقاء آثار الواقعة (إلى ان مثل لها) بالصلاة في أمثلة متعددة (إلى ان قال) وكذلك القول في بقية مباحث العبادات وسائر مسائل العقود والإيقاعات ... إلخ.

(أقول)

(وفيه مضافاً) إلى ما سيأتي مما يرد على أدلته المتقدمة واحداً بعد واحد من عدم تحمل الواقعة الواحدة لاجتهادين ونحو ذلك (ان مقتضي) ما تقدم منه انه إذا اجتهد عدم تحريم الرضعات العشر فتزوج من أرضعته ذلك ثم رجع لم يبن علي تحريمها لأن التزويج بحسب الاجتهاد الأول كان صحيحاً نافذاً مؤثراً في الزوجية والواقعة الواحدة لا تتحمل اجتهادين ولو بحسب زمانين مع انه قد حكم بالبناء على تحريمها (بل لا يبعد) ان يقال إنه إذا اجتهد حلية حيوان فذكاه ثم رجع لم يبن علي تحريمه لأن التذكية بحسب اجتهاده الأول كانت مؤثرة في الحلية والواقعة الواحدة مما لا تتحمل اجتهادين مع انه قد حكم بالبناء على تحريمه (هذا وعليك) بالتأمل التام في كلماته في المقام وفيما أفدناه في شرح مرامه فإنه من مزال الأقدام

٢١٠

وقد زلّ فيه بعض أساتذتي العظام رحمه‌الله ففسر كلام الفصول في مجلس الدرس بما لا يرضى به الفصول (ثم أورد عليه) من وجوه شتى يبلغ على ما ببالي من نحو أربعة عشر وجهاً فباحثته في تفسير كلام الفصول وفي شرح مرامه مدة طويلة فلم يقبل مني حتى أتيته بالكتاب في اليوم القابل وقرأت له عبارات الفصول في المقام وذكرت له ما فيها من الشواهد على ما فهمت حتى عدل عن تفسيره ورجع عما أورد عليه من الوجوه الأربعة عشر واعترف بالاشتباه بمحضر من أصحابه.

(هذا وقد حكى) عن الشيخ أيضا أعلى الله مقامه انه قد تردد في فهم مراد الفصول في المقام وأشكل عليه الأمر حتى أرسل بعض السادة من أفاضل تلامذته إلى كربلاء لملاقاة صاحب الفصول واستيضاح الحال منه شفاهياً فرجع السيد ولم يأت بشيء يرجع إلى محصل هكذا نقل بعض الأجلة في بعض مؤلفاته (والله العالم)

(قوله وان المتعلقات لا تتحمل اجتهادين بخلاف الأحكام إلا حسبان ان الأحكام قابلة للتغيير والتبدل بخلاف المتعلقات والموضوعات ... إلخ)

إشارة إلى الدليل الأول للفصول وهو قوله المتقدم إذ الواقعة الواحدة لا تتحمل اجتهادين ولو بحسب زمانين ... إلخ.

(وقد أجاب عنه المصنف) بما حاصله انه لا فرق بين الأحكام والمتعلقات من ناحية تغير الاجتهاد فإن الواقع في كل منهما واحد لا يتحمل اجتهادين من غير اختصاص بالمتعلقات فقط وهو جيد متين.

(قوله ولزوم العسر والحرج ... إلخ)

إشارة إلى الدليل الثاني للفصول وهو قوله المتقدم ولئلا يؤدي إلى العسر والحرج المنفيين عن الشريعة السمحة ... إلخ.

(وقد أجاب عنه المصنف) بجوابين جواب حلّي وجواب نقضي.

(اما الجواب الحلّي) فقد أشار إليه بقوله لا يكون إلّا أحياناً ... إلخ أي لا يكون دائماً كي يلزم منه العسر والحرج المنفيين عن الشريعة.

٢١١

(واما الجواب النقضي) فقد أشار إليه بقوله مع عدم اختصاص ذلك بالمتعلقات أي مع عدم اختصاص لزوم العسر بالمتعلقات فقط بل يجري ذلك في الأحكام أيضاً فإذا اجتهد عدم وجوب شيء مثلا أو عدم نجاسته ثم رجع عن ذلك وعرف وجوبه أو نجاسته وجب عليه إتيان ذلك الواجب إعادة أو قضاء إن كان مما شرّع فيه القضاء أو وجب الاجتناب عن كل ما لاقى ذلك النجس الّذي لم يعامل معه معاملة النجاسة أو تطهير كل ما لاقاه مما هو محل ابتلائه فعلا وهذا مما يؤدي إلى العسر والحرج بلا شبهة.

(قوله والحرج والمرج المخل بالنظام والموجب للمخاصمة بين الأنام إلى آخره)

ليس هذا الدليل مذكوراً في كلام صاحب الفصول أصلا وانما هو شيء قد ذكره المصنف من عند نفسه انتصاراً للفصول (وحاصله) انه لو عاملنا معاملة البطلان مع الأعمال السابقة جميعاً من العبادات والمعاملات من عقودها وإيقاعها لاستلزم ذلك وقوع الهرج والمرج المخلّ بالنظام وأوجب ذلك المخاصمة بين الأنام.

(وقد أجاب) عنه بانسداد باب ذلك بالحكومة وفصل الخصومة بما يراه القاضي بين المتخاصمين ويحكم به بين المترافعين وهو جيد متين أيضاً.

(ثم إن المصنف) لم يؤشر إلى الدليلين الآخرين للفصول (من قوله) ولئلا يرتفع الوثوق في العمل من حيث ان الرجوع في حقه محتمل ... إلخ.

(وقوله) ولأصالة بقاء آثار الواقعة ... إلخ (والظاهر) انه لضعفهما جداً فإن الوثوق في العمل ما لم يرجع المجتهد عن اجتهاده هو حاصل متحقق فعلا وأما استصحاب بقاء آثار الواقعة بعد رجوع المجتهد عن الاجتهاد الأول فمما لا وجه له فإن المجتهد بعد ما اضمحل اجتهاده الأول وإن فرض انه لم يقطع ببطلانه ولا ببطلان دليله كما هو مفروض الفصول على ما تقدم ولكنه لا يعلم فعلا للواقعة التي قد أتى بها على طبق اجتهاده الأول آثار كي يستصحبها في هذا الحال فإنه من

٢١٢

قبيل الشك الساري وليس هو مورداً للاستصحاب قطعاً وإن كان مورداً لقاعدة اليقين ولم يثبت اعتبارها كما تقدم تفصيلها في الاستصحاب فتذكر.

(قوله ولزوم العسر في الأحكام كذلك أيضاً ... إلخ)

أي ولزوم العسر في الأحكام لا يكون إلا أحياناً أيضاً كما في المتعلقات عيناً.

(قوله وأما بناء على اعتبارها من باب السببية والموضوعية فلا محيص عن القول بصحة العمل على طبق الاجتهاد الأول عبادة كان أو معاملة ... إلخ)

إشارة إلى الصورة الأولى من صورتي الصحة كما أشير قبلا وقد عرفت ما فيها من النقض والإبرام وأن الصحة فيها ليست إلّا في الجملة على التفصيل المتقدم لك شرحه وبيانه لا مطلقاً كما ادعي المصنف فتذكر.

(قوله وكذلك الحال إذا كان بحسب الاجتهاد الأول مجرى الاستصحاب أو البراءة النقليّة ... إلخ)

إشارة إلى الصورة الثانية من صورتي الصحة كما ذكرنا قبلا وقد عرفت انه لا وجه للصحة فيها أصلا فتأمل ما ذكرناه لك في وجه عدم الصحة جيداً.

في التقليد وبيان معناه لغة واصطلاحا

(قوله فصل في التقليد وهو أخذ قول الغير ورأيه للعمل به في الفرعيات أو للالتزام به في الاعتقاديات تعبداً بلا مطالبة دليل على رأيه ... إلخ)

(التقليد في اللغة) هو تعليق القلادة ونحوها في العنق وذكر بعض اللغويين معنى آخر للتقليد (فقال) وقلده في كذا أي تبعه من غير تأمل ولا نظر (والظاهر) ان المقصود من هذا المعنى هو ان يفعل الإنسان كما يفعل الغير من غير أن يعرف

٢١٣

وجهه وحكمته فإذا فعل كذلك فقد صدق عليه أنه قلد الغير (ومن هنا يعرف) ان التقليد المذموم عند أهل العرف في الأمور العادية هو هذا المعنى فيفعل كما يفعل الغير من غير دراية ولا بصيرة ولا علم ولا معرفة.

(واما في الاصطلاح) فقد عرّفوا التقليد بتعاريف متعددة.

(منها) ما نسبه المحقق القمي إلى علماء الأصول كالعضدي وغيره وهو العمل بقول الغير من غير حجة (والظاهر) انهم يعنون به من غير حجة على ما قاله الغير لا من غير حجة على العمل بقول الغير (ويظهر من بعض المحشين) أن المراد من غير العضدي في كلام المحقق المذكور هو صاحب المعالم والسيد صدر الدين في شرحه على الوافية وغيرهما (كما انه يظهر من الشيخ) في رسالته المستقلة ان هذا التعريف هو محكي عن نهاية الأحكام والمعالم وشرح المختصر.

(ومنها) ما نسبه في الفصول إليهم وهو الأخذ بقول الغير من غير حجة.

(ومنها) ما ذكره الشيخ أعلى الله مقامه في رسالته المستقلة في آخر الأقوال وهو كون التقليد متابعة قول الغير.

(ومنها) ما ذكره الشيخ أيضاً في رسالته المستقلة في أول المسألة (قال) وفي الاصطلاح كما عن الفخر قبول قول الغير في الأحكام الشرعية من غير دليل على خصوص ذلك الحكم.

(ثم قال) وأحسن منه ما عن جامع المقاصد قبول قول الغير المستند إلى الاجتهاد.

(ومنها) ما ذكره المصنف من انه أخذ قول الغير وهو غير الأخذ بقول الغير كما ستعرف.

(وقد أشار) إلى ما اعتبروه من كونه من غير حجة بقوله تعبداً بلا مطالبة دليل على رأيه.

(ومنها) ما ذكره الفقيه الطباطبائي في العروة من ان التقليد هو الالتزام

٢١٤

بالعمل بقول مجتهد معين وإن لم يعمل بعد بل ولو لم يأخذ فتواه ... إلخ.

(ويظهر من الشيخ) أيضاً أعلى الله مقامه في رسالته المستقلة احتمال هذا المعنى (قال) والحاصل ان التقليد في اصطلاحهم هو مجرد الانقياد والاستناد والالتزام القلبي أو العمل الجاري على طبق قوله ... إلخ.

(أقول)

والظاهر ان كلا من العمل بقول الغير والأخذ بقول الغير ومتابعة قول الغير هو بمعنى واحد فما لم يعمل بقوله لم يصدق عليه انه أخذ بقوله أو تابع قوله (كما ان الظاهر) ان قبول قول الغير وأخذ قول الغير هما بمعنى واحد وهو الّذي يكون مقدمة للعمل.

(ومن هنا قال المصنف) وهو أخذ قول الغير ورأيه للعمل به في الفرعيات إلى آخره وأما الالتزام والأمر القلبي فهو أوسع من الكل لجواز وقوعه قبل الأخذ فضلا عن العمل به ومن هنا قال في العروة في عبارته المتقدمة وإن لم يعمل بعد بل ولو لم يأخذ فتواه ... إلخ (وعلى هذا) فالمعاني التي قد ادعوها للتقليد في الاصطلاح هي أمور ثلاثة (العمل بقول الغير) (وأخذ قول الغير للعمل) (والالتزام بالعمل بقول الغير) ولو لم يأخذ بعد فتواه فضلا من أن يعمل به.

(ثم إنه قد يقال) إن التقليد في الاصطلاح هو مأخوذ عن المعنى الأول اللغوي فكأن العامي الّذي يقلد المجتهد هو يجعل أعماله في عاتق المجتهد وفي عهدته فهي كالقلادة في عنقه ولكنه بعيد جداً (بل الظاهر) انه مأخوذ عن المعنى الثاني اللغوي وهو ان يفعل الإنسان كما يفعل الغير من غير ان يعرف وجهه وحكمته فإن العامي الّذي يقلد المجتهد يفعل كما يفعل مجتهده أو كما يقول مجتهده من غير ان يعرف مدرك حكمه ودليله وإن كان أصل تقليده منه عن مدرك ودليل فالتقليد في الحقيقة هو مندرج تحت هذا المعنى الكلي ويكون من صغريات هذه الكبرى ومن جزئياتها (وعلى هذا) فالمتعين من بين المعاني المذكورة للتقليد اصطلاحاً هو

٢١٥

المعنى الأول منها وهو العمل بقول الغير من غير حجة دون مجرد أخذ قول الغير لأجل العمل به ولو لم يعمل به بعد أو مجرد الالتزام والعقد القلبي ولو لم يأخذ قول الغير بعد أو أخذه ولم يعمل به بعد فانهما بعيدان جداً لا سيما الثاني منهما كما لا يخفى.

(قوله ولا يخفى انه لا وجه لتفسيره بنفس العمل ضرورة سبقه عليه وإلّا كان بلا تقليد فافهم ... إلخ)

قد أورد على تفسير التقليد بالعمل بقول الغير أمور عديدة.

(منها) ما أشار إليه المصنف من ان التقليد سابق على العمل فلو كان التقليد هو نفس العمل لكان العمل بلا تقليد (وفيه) انه لم تنزل آية ولم ترد رواية ولا انعقد الإجماع ولا استقل العقل بوجوب كون العمل عن تقليد كي يجب ان يكون التقليد سابقاً على العمل وإلا كان العمل بلا تقليد بل الّذي يجب على العامي أو يجوز له بمقتضى الأدلة الآتية هو التقليد فإذا عمل بقول المجتهد وأخذ بكلامه فقد صدق عليه انه قلده وإن لم يصدق عليه انه عمل عن تقليد (ولعله) إليه أشار المصنف بقوله فافهم.

(ومنها) ما أشار إليه الفصول بقوله لئلا يلزم الدور في العبادات من حيث ان وقوعها يتوقف على قصد القربة وهو يتوقف على العلم بكونها عبادة فلو توقف العلم بكونها عبادة على وقوعها كان دوراً (والظاهر) ان مراده من ذلك ان وقوع العبادة في الخارج هو مما يتوقف على قصد القربة وقصد القربة على العلم بكونها عبادة والعلم بذلك للعامي مما يتوقف على التقليد فلو كان التقليد هو العمل أي وقوع العبادة في الخارج لتوقف وقوعها في الخارج على وقوعها في الخارج وهو دور صريح (وفيه) ان العلم بكونها عبادة للعامي هو مما يتوقف على قول المجتهد الجامع للشرائط لا على التقليد (وعليه) فلو كان التقليد هو العمل ووقوع العبادة في الخارج لم يلزم الدور فتأمل جيداً.

٢١٦

(ومنها) ما حكاه الشيخ أعلى الله مقامه في رسالته المستقلة (ومحصله) ان التقليد لو كان هو العمل امتنع ان يقع العمل على صفة الوجوب أو الندب إذا كان مما اختلف فيه المجتهدون كغسل الجمعة بل امتنع ان يقع على صفة المشروعية إذا كان مما اختلف في مشروعيته كصلاة الجمعة في زمان الغيبة وصلاة القصر في أربع فراسخ (ووجه الامتناع) ان وقوع العمل في الخارج على صفة الوجوب أو الندب أو المشروعية مما لا يتحقق إلا بالتقليد فلو كان التقليد هو العمل الخارجي لتوقف وقوع العمل في الخارج على وقوع العمل في الخارج (وفيه) ان وقوع العمل على صفة الوجوب أو الندب أو المشروعية مما لا يتحقق إلّا بقول المجتهد الجامع للشرائط لا بالتقليد (وعليه) فلو كان التقليد هو العمل الخارجي لم يلزم توقف وقوع العمل في الخارج على وقوعه كذلك كما تقدم آنفاً في جواب الفصول

في الاستدلال على جواز التقليد ببناء العقلاء

(قوله ثم إنه لا يذهب عليك ان جواز التقليد ورجوع الجاهل إلى العالم في الجملة يكون بديهيّا جبلياً فطرياً لا يحتاج إلى دليل وإلّا لزم سدّ باب العلم به على العامي ... إلخ)

والظاهر ان قوله في الجملة إشارة إلى الشرائط المعتبرة في المجتهد حيث لا يجوز رجوع الجاهل إلى العالم مطلقاً (كما ان الظاهر) ان وجه لزوم سد باب العلم بجواز التقليد على العامي إن لم يكن الجواز بديهياً جبلياً فطرياً انه لو كان جواز التقليد بتقليد آخر فإن كان ذاك التقليد الآخر بهذا التقليد لزم الدور وإن كان بتقليد آخر أيضاً وهلم جراً لزم التسلسل وهذا معنى قوله ولا يجوز التقليد فيه أيضاً وإلا لدار أو تسلسل.

٢١٧

(ثم هل المراد) من كون جواز التقليد ورجوع الجاهل إلى العالم بديهياً جبلياً فطرياً أن جواز التقليد مما استقر عليه بناء العقلاء وقد جرى عليه ديدنهم أو أن جواز التقليد مما استقل به العقل وحكم به اللب مقتضي ما تقدم منه في الموضع الثالث من مواضع التجزي من قوله وعدم إحراز ان بناء العقلاء أو سيرة المتشرعة على الرجوع إلى مثله ... إلخ هو الأول ومقتضي ما سيأتي منه في بحث اشتراط الحياة في المفتي من قوله فإن جواز التقليد إن كان بحكم العقل وقضية الفطرة كما عرفت فواضح ... إلخ هو الثاني فإنه كالصريح في الإشارة إلى ما ذكره في المقام.

(وعلى كل حال) الحق ان جواز التقليد ورجوع الجاهل إلى العالم بل إلى مطلق أهل الخبرة من كل فن هو مما استقر عليه بناء العقلاء وقد جرى عليه ديدنهم ولو في الجملة كما صرح به المصنف أي فيما حصل منه الوثوق والاطمئنان لا مطلقاً وهذا من غير أن يستقل به العقل ويحكم به اللب فإن العقل انما يستقل بحجية شيء إذا لم يحتمل فيه الخلاف كما في العلم واليقين دون ما احتمل فيه الخلاف والخطأ وإن حصل منه الوثوق والاطمئنان (ومن هنا يظهر) ان مجرد بناء العقلاء على رجوع الجاهل إلى العالم مما لا يكفي مدركاً لجواز التقليد ما لم يحرز إمضاء الشارع له وعدم ردعه عنه ولو بسكوته وعدم نهيه عنه بالخصوص فإن مجرد ذلك كاشف قطعي عن إمضائه له وعدم ردعه عنه وعن خروجه عن تحت الآيات الناهية عن مطلق الظن فلو كان التقليد والعمل بقول العلماء من الأصحاب محرماً منهياً عنه شرعاً لم يكتف الشارع بعموم تلك الآيات الناهية بل كان ينهى عنه بالخصوص كما نهي عن القياس كذلك وورد في حقه من الأخبار الكثيرة ما شاء الله (وقد تقدم) نظير ذلك كله في حجية خبر الواحد في بناء العقلاء على العمل بخبر الثقة بعد الاعتراف بصلاحية الآيات الناهية عن الظن للردع عنه إثباتاً من دون لزوم الدور كما ادعاه المصنف هناك فراجع وتدبر.

(بقي شيء) وهو ان العامي الجاهل إن كان رجوعه إلى العالم هو بمقتضى

٢١٨

طبعه الأصلي وجبليته وفطرته من دون التفات إلى شيء فهو وإلا بأن تفطن أن مجرد بناء العقلاء مما لا يكاد يكفي مدركاً ما لم ينضم إليه الإمضاء من الشرع لم يجز له الرجوع إلى العالم عقلا ما لم يحرز بنفسه إمضاء الشارع له أو يعرف دلالة ساير الأدلة الدالة عليه مما سيأتي شرحه وتفصيله قريباً فانتظر.

(قوله مطلقاً ... إلخ)

الظاهر ان قوله مطلقاً إشارة إلى عدم الفرق في العامي بين أن يكون عامياً بحتاً لا حظّ له من العلم أصلا أو كان له حظ من العلم في الجملة ولم يبلغ درجة الاجتهاد (قوله غالباً ... إلخ)

الظاهر انه إشارة إلى ما قد يتفق للمقلد من أن يكون خبيراً في خصوص جواز التقليد عالماً بأدلته بصيراً على مدركه مجتهداً فيه غير مقلد فإن مثل هذا المقلد إذا لم يكن رجوعه إلى العالم بديهياً جبلياً فطرياً له لم يلزم سدّ باب العلم بجواز التقليد عليه بعد فرض اطلاعه على أدلته ومداركه مما سيأتي من الآيات والروايات جميعاً.

الكلام حول الإجماع بقسميه من المحصّل

والمنقول على جواز التقليد

(قوله لبعد تحصيل الإجماع في مثل هذه المسألة مما يمكن أن يكون القول فيه لأجل كونه من الأمور الفطرية الارتكازية ... إلخ)

قد ادعى الإجماع في المسألة جملة من العلماء الخاصة والعامة كالسيد المرتضى وغيره على ما يظهر من المحقق القمي (قال) أعلى الله مقامه في القانون الأول من التقليد

٢١٩

(ما لفظه) وكيف كان فالمشهور بين علمائنا المدعي عليه الإجماع انه يجوز لمن لم يبلغ رتبة الاجتهاد التقليد للمجتهد في المسائل الفرعية (إلى أن قال) قال في الذكرى وعليه أكثر الإمامية وخالف فيه بعض قدمائهم وفقهاء حلب فأوجبوا على العوام الاستدلال (إلى أن قال) وقال بعض البغداديين من المعتزلة إنما يجب على العامي أن يسأل العالم بشرط أن يتبين له صحة اجتهاد المجتهد بدليله.

(ثم قال) والحق الجواز مطلقاً سواء كان عامياً بحتاً أو عالماً بطرق من العلوم للإجماع المعلوم بتتبع حال السلف من الإفتاء والاستفتاء وتقريرهم وعدم إنكارهم والمدعي في كلماتهم (قال) وصرح بالإجماع السيد المرتضى رحمه‌الله وغيره من علماء الخاصة والعامة (قال) قال في الذكرى بعد ما نقلنا عنه ويدفعه إجماع السلف والخلف على الاستفتاء من غير نكير ولا تعرض لدليل بوجه من الوجوه (انتهى)

(ثم إن حاصل) مناقشة المصنف في الإجماع بقسميه أن تحصيل الإجماع في المسألة على وجه يكشف عن رأي الإمام عليه‌السلام بعيد جداً لاحتمال أن يكون مدرك إجماعهم هو كون التقليد من الأمور الفطرية الارتكازية من دون أن يكون مدركه رأي الإمام عليه‌السلام (ومن المعلوم) ان الإجماع الّذي قد احتمل له المدرك مما لا يجدي شيئاً ما لم ينحصر مدركه برأي الإمام عليه‌السلام (ومن هنا يظهر) حال الإجماع المنقول في المسألة ولو قيل بحجيتها في غير المسألة فإن المحصل منه إذا نوقش في حجيته لكونه محتمل المدرك فكيف بمنقوله دون المحصل.

(أقول)

هذا مضافاً إلى ما تقدم من الذكرى آنفاً من التصريح بمخالفة بعض قدماء الإمامية وفقهاء حلب فإن تحصيل الإجماع مع مخالفة جملة من الأصحاب صريحاً متعذر فضلا عن بعده لكونه محتمل المدرك فتأمل جيداً.

٢٢٠