عناية الأصول في شرح كفاية الأصول - ج ٦

السيد مرتضى الفيروزآبادي

عناية الأصول في شرح كفاية الأصول - ج ٦

المؤلف:

السيد مرتضى الفيروزآبادي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: منشورات فيروزآبادي
الطبعة: ٤
الصفحات: ٣٠٠

في إمكان التجزي

(قوله وأما التجزي في الاجتهاد ففيه مواضع من الكلام الأول في إمكانه ... إلخ) وقد أفاد في وجه إمكان التجزي ما مرجعه إلى وجوه ثلاثة.

(الأول) ان أبواب الفقه مختلفة مدركاً ومستنداً فمدرك بعض الأبواب سهل واضح ومدرك بعضها صعب مشكل وهذا قد يوجب حصول الاقتدار على استنباط الأحكام في بعض الأبواب دون بعض.

(الثاني) ان الأشخاص مختلفون في المهارة على النقليات والعقليات فربّ شخص له مهارة تامة في النقليات دون العقليات أو في العقليات دون النقليات وهذا أيضا قد يوجب الاقتدار على استنباط الأحكام في بعض الأبواب لابتنائه على ما له المهارة التامة فيه دون بعض الأبواب لابتنائه على ما لا مهارة فيه.

(الثالث) انه يستحيل عادة حصول الاجتهاد المطلق أي ملكة يقتدر بها على استنباط نوع الأحكام قبل التجزي أي قبل حصول ملكة يقتدر بها على استنباط بعض الأحكام فإن الملكة هي ذات مراتب عديدة ضعيفة ومتوسطة وشديدة فلا يمكن عادة حصول تلك المرتبة الشديدة دفعة واحدة من دون السبق بحصول مرتبة ضعيفة أو متوسطة وذلك للزوم الطفرة (هذا كله) ملخص كلام المصنف في وجه إمكان التجزي (وهو جيد متين) غير أن وقوع التجزي في الخارج هو أدلّ دليل على إمكانه ولم يذكره المصنف.

(وقد أشار إليه في الفصول) كما أشار إلى الوجه الأول والثالث أيضا من

١٨١

وجوه المصنف (قال) مشيراً إلى إمكان التجزي (ما لفظه) وهذا هو الحق بدليل وقوعه المعلوم بالوجدان والمشاهدة والاعتبار فإن مسائل الفقه ليست على حدّ سواء بل متفاوتة وضوحاً وغموضاً ولا يلزم من الاقتدار على تحصيل الواضح منها الاقتدار على تحصيل الغامض (إلى ان قال) فإن الاجتهاد في الأحكام تدريجي الحصول ولا يتوقف الاجتهاد في مسألة على الاجتهاد في بقية المسائل (انتهى) موضع الحاجة من كلامه رفع مقامه.

(قوله وهو وان كان محل الخلاف ... إلخ)

وسيأتي دليل المخالف المنكر للتجزي قريباً فانتظر.

(قوله وبساطة الملكة وعدم قبولها التجزئة لا يمنع من حصولها بالنسبة إلى بعض الأبواب ... إلخ)

(إشارة إلى دفع) ما قد يقال من أن الملكة أمر بسيط وليست هي مركبة من أجزاء على نحو تحصل جزءاً فجزءا فهي إما موجودة وإما معدومة فلا تقبل التجزئة والتبعيض بالنسبة إلى باب دون باب فكيف يدعي تبعضها وحصولها في بعض أبواب الفقه دون بعض (وحاصل الدفع) ان الملكة وإن كانت هي أمراً بسيطاً ليست ذات أجزاء ولكن مجرد ذلك مما لا يمنع عن حصولها بالنسبة إلى بعض الأبواب دون بعض وذلك لما أشير آنفاً من أنها ذات مراتب عديدة فقد تحصل بمرتبتها الضعيفة وهي ما يقدر به على استنباط بعض الأحكام دون بعض وقد تحصل بمرتبتها القوية وهي ما يقدر به على استنباط نوع الأحكام وأغلبها فالمصحح في الحقيقة لتبعض الملكة بمعنى حصولها بالنسبة إلى بعض الأبواب دون بعض هو كونها ذات مراتب لا كونها ذات أجزاء كي ينكر ذلك ويدعي بساطتها ويمنع عن حصولها بالنسبة إلى بعض الأبواب دون بعض فتأمل جيداً.

١٨٢

(قوله بحيث يتمكن بها من الإحاطة بمداركه كما إذا كانت هناك ملكة الاستنباط في جميعها ويقطع بعدم دخل ما في سائرها به أصلا ... إلخ)

ردّ على دليل المخالف المنكر للتجزي (قال في الفصول) وخالف بعضهم فزعم ان من لا إحاطة له بالجميع يجوّز تجويزاً مساوياً في كل مسألة يقف على مداركها ودلائلها الظنية أن يكون في جملة ما لا يحيط به من الدلائل ما يعارض تلك الدلائل التي وقف عليها على وجه يساويها أو يترجح عليها فلا يحصل له ظن منها (انتهى)

(وحاصل ردّ المصنف) على الدليل المذكور انه يتمكن المتجزي الّذي قد اجتهد في بعض أبواب الفقه من الإحاطة بجميع مدارك ذلك الباب كالمجتهد المطلق عيناً على نحو يقطع بعدم تعلق ما في ساير الأبواب بهذا الباب الّذي قد اجتهد فيه أصلا (وله) ردّ آخر أيضا قد أشار إليه بقوله الآتي أو لا يعتني باحتماله لأجل الفحص ... إلخ.

(وحاصله) كفاية الظن الاطمئناني بعدم تعلق ما في ساير الأبواب بهذا الباب الحاصل ذلك بوسيلة الفحص بالمقدار اللازم كما يكفي ذلك للمجتهد المطلق أيضا إذ لا يعتبر فيه الإحاطة الفعلية بجميع الأبواب قطعاً.

(وقد أشار) صاحب الفصول إلى هذين الردين جميعاً بتقديم وتأخير.

(مضافاً إلى جواب آخر) منه نقضي وقدمه عليهما في الذّكر (قال) بعد عبارته المتقدمة (ما لفظه) وهذا مع كونه قريباً من المكابرة مردود.

(اما أولا) فبالنقض بالمجتهد المطلق إذ المعتبر فيه انما هو الملكة لا الإحاطة الفعلية فيتأتى في حقه الاحتمال الآتي في حق المتجزي لتساويهما في منشئه فإن وجود الملكة لا يوجب الاطلاع على المعارض.

(إلى ان قال وأما ثانياً) فبالحل وهو أن الظن بعدم المعارض كثيراً ما يعرف بالفحص في مظانه أو بتصريح المتفحصين به فلا يتوقف على إحاطة الجميع (قال) مع ان إحاطة الجميع لا تنافي مرتبة المتجزي لإمكان إحاطته بها على وجه يعلم بعدم

١٨٣

تعلقها بمقصوده وإن عجز عن تحصيل مقتضياتها وما يترتب عليها (انتهى) كلامه رفع مقامه.

في حجية اجتهاد المتجزّي لنفسه

(قوله الثاني في حجية ما يؤدى إليه على المتصف به وهو أيضا محل الخلاف ... إلخ) (قال في الفصول) الثاني في حجية ظنه في حقه يعني به ظن المتجزّي في حق نفسه.

(ثم قال) وهو موضع خلاف بين القائلين بإمكانه فذهب قوم إلى القول بالحجية وذهب آخرون إلى إنكارها.

(قال) وربما نسب القول الأول إلى الأكثر (انتهى).

(قوله إلّا ان قضية أدلة المدارك حجيته لعدم اختصاصها بالمتصف بالاجتهاد المطلق ... إلخ)

هذا ثالث الوجوه التي احتج بها القائلون بحجية اجتهاد المتجزّي في حق نفسه ومجموعها ستة قد ذكرها في الفصول واحداً بعد واحد فذكر الأول والثاني.

(ثم قال) الثالث ان ما دل من الكتاب والسنة على حجية الأدلة المقررة في حق المجتهد المطلق يدل بعمومه بحجيتها في حق المتجزّي أيضا (انتهى) وملخصه ان أدلة مدارك الفقه كبناء العقلاء على حجية ظواهر الكلام أو الاخبار المتواترة الدالة على حجية خبر الثقة ونحو ذلك من الأدلة هي مطلقة تشمل كلا من المجتهد المطلق والمتجزّي جميعاً فلا يختص حجيتها بالمجتهد المطلق فقط دون المتجزّي

١٨٤

غايته انه يجب تقييد تلك الأدلة بما إذا تمكن المجتهد من دفع معارضاتها والمتجزّي قادر على ذلك فيما اجتهد فيه وان لم يقدر عليه فيما سواه إذ المفروض ان المتجزّي هو كالمجتهد المطلق في الإحاطة بمدارك ما اجتهد فيه ودفع معارضات الأدلة وحفظ جهاتها وشئونها.

(ثم إن الظاهر) ان السبب في تخصيص المصنف الوجه الثالث بالذكر هو كونه أوجه الوجوه (ولكن الإنصاف) ان الوجه الأول أيضا مما لا يخلو عن وجه فلا بأس بالإشارة إليه.

(قال في الفصول) قد احتج الأولون يعني بهم القائلين بحجية اجتهاد المتجزّي في حق نفسه بوجوه.

(الأول) أن المتجزّي إذا استقصى أدلة مسألة بالفحص والتتبع فقد سلوى المجتهد المطلق في تلك المسألة وقصوره عن الإحاطة بأدلة بقية المسائل مما لا مدخل له في معرفة تلك المسألة وحينئذ فكما جاز للمجتهد المطلق ان يعول على نظره واجتهاده فيها فكذلك المتجزّي عيناً (انتهى).

في رجوع الغير إلى المتجزّي

(قوله الثالث في جواز رجوع غير المتصف به إليه في كل مسألة اجتهد فيها وهو أيضا محل الإشكال ... إلخ)

(وقد أفاد المصنف) في وجه الإشكال والترديد بين الجواز والعدم ان رجوع الغير إلى المجتهد المتجزّي فيما اجتهد فيه (حيث انه) من رجوع الجاهل إلى العالم فتعمه أدلة التقليد فيجوز (وحيث ان) أدلة التقليد مما لا إطلاق فيها ولم

١٨٥

يحرز ان بناء العقلاء أو سيرة المتشرّعة قد استقر على الرجوع إلى مثله أيضا فلا يجوز (وفيه ما لا يخفى) فإن أدلة التقليد إن كانت هي لفظية فلا وجه لعدم الإطلاق فيها وان كانت لبية كبناء العقلاء فالعقلاء لا يفرقون في الرجوع إلى أهل الخبرة فيما هو خبير به بين ان يكون خبيراً بسائر الأبواب أيضا أم لا بل يتعين الرجوع عندهم إلى المتجزّي إذا كان فيما هو خبير به أشد خبرة من الخبير المطلق.

(واما عدم إحراز) سيرة المتشرعة على الرجوع إلى مثله (ففيه) انه لا متجزّي غالباً يعرف في الخارج انه متجزّي لتكون سيرتهم مستقرة على الرجوع إلى مثله أو على عدمه فإن الناس غالباً بين من يعرف انه عامي محض وبين من يعرف انه من طلبة العلم ولم يبلغ درجة الاجتهاد وبين من يعرف انه مجتهد مطلق قد حاز رتبة الاجتهاد والاستنباط في عموم أبواب الفقه وإذا فرض انه قد عرف أحيانا ان هذا متجزّي فلا يعلم غالباً انه فيما هو خبير به أعلم من الغير أو مساوي معه ليصح الرجوع إليه.

(وبالجملة) إن الإشكال في جواز تقليد المتجزّي في الجملة أي فيما هو مجتهد فيه خبير بصير به في غير محله وذلك لإطلاقات أدلة التقليد ولما عرفت من ان العقلاء لا يفرقون في الرجوع إلى أهل الخبرة فيما هو خبير به بين ان يكون خبيراً بسائر الأبواب أيضا أم لا (ومن هنا يظهر) ضعف ما استند إليه الفصول في وجه المنع من الأصل.

(قال) الثالث في حجية نظره في حق غيره يعني به نظر المتجزّي (قال) والحق عدم حجيته له بناء على حجيته في حق نفسه مع التمكن من الرجوع إلى المجتهد المطلق للأصل (انتهى) والسر في الضعف هو ما عرفته من إطلاقات الأدلة فالأصل منقطع به بل وبتعميم العقلاء أيضا وعدم فرقهم في الرجوع إلى أهل الخبرة فيما هو خبير به بين كونه خبيراً بسائر الأبواب أيضا أم لا (وعليه) فلا مجال حينئذ للاستناد إلى الأصل أصلا.

١٨٦

في حكومة المتجزّي وفصل خصومته

(قوله وأما جواز حكومته ونفوذ فصل خصومته فأشكل ... إلخ)

بل لا إشكال فيه أيضا إذا كان عارفاً بأحكامهم عليهم‌السلام في القضاء وذلك لما عرفت فيما تقدم من أن المعتبر في نفوذ قضاء القاضي على ما يستفاد من الأخبار المتقدمة من المقبولة وغيرها هو معرفته بأحكامهم فإذا عرفها كما هو حقه وتمكن من الحكم بحكمهم لم يكن فرق بين المتجزّي والمطلق في نفوذ حكمهما وقضائهما أبداً وإن لم يكن المتجزّي عارفاً بأحكامهم في ساير أبواب الفقه غير القضاء أصلا.

(قوله نعم لا يبعد نفوذه فيما إذا عرف جملة معتداً بها واجتهد فيها بحيث يصح أن يقال في حقه عرفا انه ممن عرف أحكامهم ... إلخ)

بل قد عرفت فيما تقدم انه لا يكاد يكفي في نفوذ حكم الحاكم مجرد المعرفة بجملة معتدة بها من أحكامهم ولو في غير مورد القضاء وإن صدق عليه عرفاً انه ممن عرف أحكامهم بل لا بد من معرفته بأحكامهم في خصوص القضاء كما هو صريح الرواية الثانية لأبي خديجة المتقدمة وذلك ليحكم على طبق حكمهم (وعلى هذا) فإذا عرف الحاكم أحكامهم في القضاء كما ينبغي فلا محالة ينفذ حكمه وإن كان متجزياً غير مجتهد في ساير الأبواب وإذا لم يعرف أحكامهم فيه ليحكم على طبق حكمهم فلا ينفذ حكمه وإن كان مجتهداً مطلقاً له الملكة والاقتدار على استنباط أحكامهم في جميع أبواب الفقه إذا شاء وأراد بالمراجعة إلى الأخبار حتى القضاء ما لم تصل معرفته إلى الفعلية والتحقق في الخارج.

١٨٧

(قوله كما مرّ في المجتهد المطلق المنسد عليه باب العلم والعلمي في معظم الأحكام ... إلخ)

يعني به الانسدادي القائل بالحكومة دون الكشف وذلك لما عرفت من أن المصنف قد خصص الإشكال في نفوذ حكم الانسدادي بما إذا قلنا بتقرير المقدمات على نحو الحكومة كما هو الصحيح دون الكشف.

في بيان ما يتوقف عليه الاجتهاد

(قوله فصل لا يخفى احتياج الاجتهاد إلى معرفة العلوم العربية في الجملة ولو بأن يقدر على معرفة ما يتبنى عليه الاجتهاد في المسألة بالرجوع إلى ما دون فيه ... إلخ)

المقصود من عقد هذا الفصل هو بيان ما يتوقف عليه الاجتهاد ويعبّر عنه بشرائط الاجتهاد في قبال شرائط المجتهد بعد حصول الاجتهاد له من البلوغ والعقل والذكورة والإيمان والعدالة ونحو ذلك مما سيأتي شرحه مفصلا (والظاهر) ان المراد من الاجتهاد في المقام هو ذلك الفعل الخارجي الّذي قد أشير إليه قبلا من استفراغ الوسع في تحصيل الأحكام الشرعية عن أدلتها ومداركها فهو المتوقف على الأمور الآتية لا مجرد الملكة وإلّا فالظاهر ان الملكة هي مما يحصل مع انتفاء جملة منها كعلم التفسير والعلم بالأحاديث المتعلقة بالاحكام والعلم بمواقع الإجماع ونحو ذلك (كما ان الظاهر) ان المراد من العلوم العربية هي اللغة والنحو الصرف

(قال في الفصول) في وجه اعتبار هذه العلوم الثلاثة (ما لفظه) لأن من جملة الأدلة الكتاب والسنة وهما عربيان لا يمكن معرفة معانيهما إلا بالعلوم المذكورة

١٨٨

فلا بدّ من الاطلاع عليها قدر ما يتوقف معرفة مواضع الحاجة منهما عليه (انتهى) موضع الحاجة من كلامه رفع مقامه.

(قوله ومعرفة التفسير كذلك ... إلخ)

أي في الجملة ولو بأن يقدر على معرفة ما يبتني عليه الاجتهاد في المسألة (والظاهر) أن اللازم من معرفة تفسير الكتاب المجيد هو معرفة تفسير الآيات المتعلقة بالأحكام وهي على المشهور خمسمائة آية.

(قال المحقق القمي) السابع العلم بتفسير آيات الأحكام ومواقعها من القرآن أو الكتب الاستدلالية بحيث يتمكن منها حين يريد وهي خمسمائة آية عندهم.

(وقال في الفصول) ومنها معرفة الدلائل الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع والعقل (إلى ان قال) واللازم من معرفة الكتاب معرفة ما يتعلق منها بالأحكام وهي خمسمائة آية تقريباً ولا يجب العلم بما عداها بل ولا بما هو منسوخ منها ما لم يتوقف معرفتها عليه فيجب العلم به على قدر الحاجة (انتهى) موضع الحاجة من كلامه.

(ثم لا يخفى) إن المحقق القمي رحمه‌الله قد أضاف إلى علم التفسير علما آخر وهو العلم بالأحاديث المتعلقة بالأحكام وقد جعله ثامن الأمور المتوقفة عليها الاجتهاد وهكذا العلم بمواقع الإجماع ليتحرز عن مخالفته وقد جعله عاشر الأمور المتوقفة عليها الاجتهاد.

(وقد جمع الفصول) بين الكل في عبارته المتقدمة وأضاف إليها العقل كما تقدم (ثم قال) بعد الفراغ عن بيان مقدار اللازم من معرفة الكتاب والسنة ومواقع الإجماع (ما لفظه) وعلى هذا القياس الأدلة العقلية إلا ان مواضع بيانها علم الأصول (انتهى) وكأن مقصوده ان معرفة الأدلة العقلية ليست هي أمراً آخر غير معرفة علم الأصول فمعرفتها هي حاصلة في ضمن معرفته.

١٨٩

(قوله وعمدة ما يحتاج إليه هو علم الأصول ... إلخ)

وقد أفاد المصنف في وجه كون الأصول هي عمدة ما يحتاج إليه انه ما من مسألة إلا ونحن نحتاج في استنباط حكمها إلى قاعدة أو قواعد برهن عليها في الأصول وهو حق لا ننكره غير أن الاحتياج إلى جميع المباحث الأصولية غير معلوم فكل مسألة فقهية وإن توقف استنباط حكمها على قاعدة أو قواعد أصولية ولكن ليس كل مسألة أصولية هو مما يتوقف عليه مسألة فقهية (ومن هنا قيدها صاحب الفصول) بالمباحث المحتاج إليها (فقال) ومنها العلم بالمباحث المحتاج إليها من علم الأصول وهي أكثر مسائله (انتهى) موضع الحاجة من كلامه رفع مقامه.

(ثم ان صاحب الفصول) (وهكذا المحقق القمي) أعلى الله مقامهما قد ذكرا فيما يتوقف عليه الاجتهاد أشياء أخر غير الأمور المذكورة.

(منها) معرفة ما يبتني عليه صورة الاستدلال من المباحث المنطقية.

(ومنها) معرفة ما يتوقف عليه حجية الأدلة من علم الكلام كوجوده تعالى وعلمه وحكمته وتعاليه عن فعل القبيح والخطاب بما لا يفهم منه المراد مع عدم البيان ورسالة الرسول وخلافة أوصيائه وعصمتهم وحجية أقوالهم.

(ومنها) معرفة أحوال الرّجال ولو بالرجوع إلى النقلة في الكتب المعتمدة

(ومنها) أن يكون له قوة يتمكن بها من ردّ الفروع إلى الأصول على وجه يعتد به عند أهل الصناعة من الفقهاء الماهرين وهي المعبّر عنها بالقوة القدسية.

(أقول)

(أما علم المنطق وعلم الرّجال) فهما وان كانا مما يتوقف عليه الاجتهاد في الجملة (ولكن علم الكلام) مما لا يتوقف عليه الاجتهاد أبداً فإن معرفة الله جل وعلا ومعرفة الرسول وأوصيائه وعصمتهم وحجية أقوالهم وان كانت هي لازمة في حد ذاتها ولكنها مما لا ربط لها باستنباط الأحكام الشرعية من أدلتها الخاصة إذ من الجائز حصول ذلك ولو مع فقد الإيمان بالله فضلا عن الرسول والأئمة الأطهار.

١٩٠

(وأما قوة ردّ الفروع على الأصول) فإن كان المقصود من الاجتهاد هو ذلك الفعل الخارجي الّذي قد أشير إليه غير مرة وهو استفراغ الوسع كما استظهرناه فنعم ان الاجتهاد هو مما يتوقف على تلك القوة (وأما إذا كان) المراد من الاجتهاد هو نفس الملكة أي ملكة يقتدر بها على استنباط الأحكام الشرعية فالاجتهاد هو نفس تلك القوة عيناً أي قوة ردّ الفروع على الأصول لا هو مما يتوقف عليها وجوداً وخارجاً (وعليه) فما حاوله المحقق القمي أعلى الله مقامه في تنبيه مستقل من تصحيح توقف الاجتهاد عليها حتى على القول بكون الاجتهاد هي الملكة بدعوى ان الملكة التي هي عبارة عن الاجتهاد هي الملكة الخاصة المترتبة على مجموع شرائط الفقه التي من جملتها الملكة العامة أعني تمكن ردّ مطلق الجزئيات إلى الكليات والفروع إلى الأصول لا ردّ جزئيات الفقه إلى كلياته مما لا يخلو عن تكلف بل هو عجيب جداً.

(وأعجب منه) ما ذكره الفصول في آخر الأمور المتوقفة عليه الاجتهاد (قال) ومنها أن يكون عالماً بجملة يعتد بها من الأحكام علما فعلياً بحيث يسمى في العرف فقيهاً كما في النحوي والصرفي فإنهما لا يصدقان عرفاً بمجرد حصول الملكة بل لا بد معها من الفعلية المعتدة بها عند أهل الصناعة (قال) وهذا الشرط قد ذكره بعض أفاضل متأخري المتأخرين.

(ثم قال) والتحقيق ان الملكة المعتبرة في الاجتهاد المطلق أعني الملكة الكلية لا يحصل غالباً إلا بالممارسة المستلزمة للفعلية المذكورة (انتهى) موضع الحاجة من كلامه رفع مقامه.

(أقول)

إن الاجتهاد سواء كان عبارة عن ملكة يقتدر بها على الاستنباط أو كان عبارة عن ذلك الفعل الخارجي الخاصّ وهو استفراغ الوسع في تحصيل الأحكام الشرعية ليس هو مما يتوفق على العلم بجملة يعتد بها من الأحكام أبداً بل العلم بتلك الجملة

١٩١

هو مما يتوقف على الاجتهاد فلو لا تلك الملكة أو استفراغ الوسع الخارجي لم يحصل العلم بتلك الجملة أصلا.

(نعم) إن العلم بجملة يعتد بها من الأحكام الشرعية هو مما يعتبر في صدق عنوان الفقهية على المجتهد فما لم يعلم من الأحكام الشرعية بمقدار يعتد به لم يصدق عليه انه فقيه ولكن لا ربط لذلك بتوقف الاجتهاد عليه قطعاً فتأمل جيداً.

(قوله وتدوين تلك القواعد المحتاج إليها على حدّه لا يوجب كونها بدعة وعدم تدوينها في زمانهم عليهم‌السلام لا يوجب ذلك ... إلخ)

إشارة إلى بعض ما استند إليه جماعة من الأخباريين رحمهم‌الله في وجه عدم الحاجة إلى علم الأصول.

(قال في الفصول) في ذيل التكلم حول علم الأصول وانه من جملة ما يحتاج إليه في الاجتهاد (ما لفظه) وزعم جماعة من قاصري الدراية من الفرقة الموسومة بالأخبارية ان العلم المذكور مما لا حاجة إليه ولا طائل يترتب عليه وتمسكوا بشبه ضعيفة أقواها أمران ثم ذكر الأول (إلى أن قال) الثاني ان هذا العلم لم يكن بين أصحاب الأئمة وإنما أحدثه علماء العامة ثم تسرى منهم إلى أصحابنا الإمامية في زمن الغيبة وخفاء الحجة فهو إما من البدع المستحدثة والطرق المخترعة التي يجب التجنب عنها في امر الشريعة أو انه مما لا حاجة إليه في معرفة الأحكام وإلّا لما أهمل بيانه من أهل العصمة (انتهى) كلامهم غفر الله لهم.

(ثم إن المصنف) قد أجاد في جوابهم (فأورد عليهم) بالنقض بتدوين الفقه والنحو والصرف فإن تدوين الاخبار وإن كان في زمن الأئمة الأطهار ولكن تدوين الفقه مثلا بهذا النحو المتعارف الآن عند الأصولي والاخباري جميعاً لم يكن في زمن الأئمة عليهم‌السلام.

(واما الجواب عنهم) بالحلّ فهو ظاهر واضح فإن السرّ في عدم تدوين أصحاب الأئمة عليهم‌السلام علم الأصول في زمانهم هو عدم احتياجهم إليه في ذلك

١٩٢

الزمان لتمكنهم من استعلام حكم المسألة من أئمة الهدى شفاهاً أو كتباً كما لم يحتاجوا إلى تدوين علم الرّجال أيضا ولكن حيث تأخر عصرنا عن عصرهم بكثير واشتدت الحاجة إلى تمهيد قواعد كلية متخذة عن الآيات والروايات المأثورة عن الأئمة الأطهار أو من العقل الصريح الّذي به عرفنا الله ورسوله وحججه المعصومين المبتنية عليها استنباط الأحكام الشرعية فمهدها أصحابنا الإمامية رضوان الله عليهم وأفردوها في الذّكر اهتماماً بحالها وسموها بعلم الأصول وهو عمدة ما يحتاج إليه المجتهد وأهم ما يتوقف عليه الاجتهاد والاستنباط كما هو ظاهر لدى المصنف وإن كان غير واحد من مسائلها مما لا حاجة إليه ولا يتوقف عليه الاجتهاد كما أشرنا قبلا ولكن ذلك مما لا يوجب عدم الحاجة إلى علم الأصول رأساً.

في التخطئة والتصويب

(قوله فصل اتفقت الكلمة على التخطئة في العقليات واختلفت في الشرعيات فقال أصحابنا بالتخطئة ... إلخ) الظاهر ان الاختلاف الواقع بيننا وبين مخالفينا في مسألة التخطئة والتصويب في الشرعيات مختص بما إذا لم يكن عليها دليل قاطع (وبعبارة أخرى) كانت المسألة من المسائل الاجتهادية التي هي محل إعمال الأمارات الظنية دون القطعية.

(قال في الفصول) فصل لا خلاف في عدم تصويب المختلفين في العقليات مطلقاً بمعنى عدم مطابقة آرائهم جميعاً للواقع لأدائه إلى وقوع المتناقضين أو المتنافيين في الواقع ولا فرق في ذلك بين ما تعلق منها بالشريعة وبين ما لا يتعلق بها (إلى ان قال) وأما المختلفون في الأحكام الشرعية الفرعية من التكليفية

١٩٣

والوضعيّة فإن كان عليها دليل قاطع فلا خلاف في تخطئة المخالف فيها وإن لم يكن عليها دليل قاطع بل كانت المسألة اجتهادية فقد أطبق أصحابنا على عدم إصابة الكل فيها أيضا وخالف فيها جماعة من مخالفينا فقالوا بإصابة الجميع (انتهى) موضع الحاجة من كلامه رفع مقامه.

(قوله ولا يخفى انه لا يكاد يعقل الاجتهاد في حكم المسألة إلّا إذا كان لها حكم واقعاً ... إلخ)

هذا شروع من المصنف في تمهيد مقدمة يبطل بها تصويب المخالفين القائلين بأن له تعالى أحكاماً بعدد آراء المجتهدين (وحاصل المقدمة) انه لا يكاد يعقل الاجتهاد في حكم مسألة إلا إذا كان لها حكم واقعاً من قبل أن يجتهد فيه المجتهد ويتفحص عنه المتفحص وإلّا ففي أي شيء يجتهد وعما يتفحص وإلى أي شيء يؤدي ظنه ويستقر عليه رأيه (وعليه فإن كان مراد) المخالفين من تصويبهم هو ان الله سبحانه وتعالى قد أنشأ أحكاماً واقعية بعدد آراء المجتهدين من قبل اجتهادهم على طبق ما يؤدي إليه ظنهم ويستقر عليه رأيهم (فهذا وإن كان) أمراً معقولا ثبوتاً لا استحالة فيه أصلا (ولكنه باطل قطعاً) لتواتر الاخبار وإجماع الأصحاب على ان لله تعالى في كل واقعة حكما يشترك فيه الكل يصيبه قوم ويخطئه آخرون لا ان له تعالى في كل واقعة أحكاماً عديدة بعدد آراء المجتهدين لكل واحد منهم حكم يختص به (وإن كان مرادهم) ان الله تبارك وتعالى ينشأ أحكاماً واقعية بعدد آراء المجتهدين من بعد اجتهادهم على طبق ما أدى إليه ظنهم واستقر عليه رأيهم (فان كان ذلك) من دون أن يكون هناك حكم قبل الاجتهاد واقعاً (فهذا مضافاً) إلى بطلانه لما تقدم من تواتر الأخبار وإجماع الأصحاب (هو أمر غير معقول) كما أشير آنفاً إذ لو لم يكن قبل اجتهاد المجتهد حكم واقعي ففيم يجتهد المجتهد وعما يتفحص المتفحص وعلام يستقر رأيه ويؤدي إليه ظنه وهذا واضح ظاهر.

(ثم إن مرجع) هذا النحو من التصويب هو إلى النحو الأول من السببية

١٩٤

المتقدمة شرحها في بحث إمكان التعبد بالأمارات الغير العلمية غير ان السببية هناك كانت في قيام الأمارات وهاهنا تكون في اجتهاد المجتهد وقد أشرنا هناك إلى عدم تعقل هذا النحو من السببية فتذكر.

(وأما إذا كان ذلك) مع الاعتراف بأن هناك حكماً واقعاً من قبل الاجتهاد يشترك فيه الكل غير أنه لا يكون فعلياً عند أداء الاجتهاد على خلافه وأن الحكم الفعلي المنجز هو خصوص ما أنشأه الله تعالى على طبق الاجتهاد (فهذا ليس تصويباً باطلا) ولا هو أمر غير معقول بل تصويب جائز ثبوتاً غير انه لا دليل عليه إثباتاً ومرجع هذا النحو من التصويب إلى النحو الثاني من السببية المتقدمة في إمكان التعبد بالأمارات وقد أشار إليه المصنف هاهنا بقوله الآتي إلا أن يراد التصويب بالنسبة إلى الحكم الفعلي وأن المجتهد وإن كان يتفحص عما هو الحكم واقعاً وإنشاءً إلا أن ما أدى إليه اجتهاده يكون هو حكمه الفعلي حقيقة ... إلخ.

(وبالجملة) ان الالتزام بإنشاء أحكام واقعية بعدد آراء المجتهدين على أنحاء ثلاثة.

(فتارة) يلتزم بإنشائها من قبل اجتهاد المجتهدين على طبق ما يؤدي إليه ظنهم ويستقر عليه رأيهم (وهذا النحو) من التصويب باطل جداً لتواتر الاخبار والإجماع المنعقد من الأصحاب على الحكم المشترك بين الكل لا على الأحكام العديدة بعدد آراء المجتهدين لكل واحد منهم حكم يختص به.

(وأخرى) يلتزم بإنشائها من بعد اجتهاد المجتهدين على طبق ما أدى إليه ظنهم واستقر عليه رأيهم من دون أن يكون هناك حكم واقعاً من قبل الاجتهاد (وهذا النحو) من التصويب مضافاً إلى بطلانه كما تقدم هو أمر غير معقول ومرجعه لدى الحقيقة إلى النحو الأول من السببية كما أشرنا.

(وثالثة) يلتزم بإنشائها من بعد اجتهاد المجتهدين على طبق ما أدى إليه ظنهم واستقر عليه رأيهم مع الاعتراف بأن هناك حكم واقعاً من قبل الاجتهاد

١٩٥

يشترك فيه الكل (وهذا النحو) من التصويب ليس بباطل ولا هو أمر غير معقول ومرجعه إلى النحو الثاني من السببية كما نبهنا عليه آنفاً غير انه كما تقدم في بحث إمكان التعبد بالأمارات هو أمر لا دليل عليه إثباتاً فراجع.

(قوله فلو كان غرضهم من التصويب هو الالتزام بإنشاء أحكام في الواقع بعدد الآراء ... إلخ)

إشارة إلى النحو الأول من أنحاء التصويب فلا تغفل.

(قوله أحكاماً واقعية كما هي ظاهرية ... إلخ)

(أما كونها واقعية) فواضح إذ المفروض هو الالتزام بإنشاء أحكام واقعية بعدد آراء المجتهدين من قبل اجتهادهم على طبق ما أدى إليه ظنهم واستقر عليه رأيهم (واما كونها ظاهرية) فكذلك إذ المفروض انها قد أداها اجتهاد المجتهد فهي مجعولة له في ظرف الشك وعدم انكشاف الواقع وان كان جعله من قبل ومن المعلوم ان كل حكم مجعول في ظرف الشك هو حكم ظاهري سواء كان الشك مأخوذاً في لسان الدليل كما في أدلة الأصول العملية أم لم يؤخذ فيه ولكن قد علم من الخارج أن وعاء جعله هو ظرف الشك وعدم إحراز الواقع بالعلم الوجداني كما في أدلة الأمارات الظنية المعتبرة بالخصوص جميعاً.

(قوله ولو كان غرضهم منه الالتزام بإنشاء الأحكام على وفق آراء الأعلام بعد الاجتهاد ... إلخ)

إشارة إلى النحو الثاني من أنحاء التصويب وقد ذكرنا نحن ان مرجعه إلى النحو الأول من السببية فتذكر.

١٩٦

(قوله إلّا أن يراد التصويب بالنسبة إلى الحكم الفعلي وان المجتهد وإن كان يتفحص عما هو الحكم واقعاً وإنشاءً إلا ان ما أدى إليه اجتهاده يكون هو حكمه الفعلي حقيقة ... إلخ)

إشارة إلى النحو الثالث من أنحاء التصويب وقد ذكرنا نحن ان مرجعه إلى النحو الثاني من السببية فلا تغفل.

(قوله فلا استحالة في التصويب بهذا المعنى بل لا محيص عنه في الجملة بناء على اعتبار الأخبار من باب السببية والموضوعية ... إلخ)

أي فلا استحالة في التصويب بالنحو الثالث وهو الالتزام بإنشاء أحكام واقعية بعدد آراء المجتهدين من بعد اجتهادهم على طبق ما أدى إليه ظنهم واستقر عليه رأيهم مع الاعتراف بوجود الحكم المشترك بين الكل وإن لم يكن فعلياً عند أداء الاجتهاد إلى خلافه بل لا محيص عن التصويب في الجملة بناء على السببية غايته ان التصويب على النحو الثاني مرجعه إلى النحو الأول من السببية أي الّذي ليس فيه اعتراف بوجود الحكم المشترك بين الكل والتصويب على النحو الثالث مرجعه إلى النحو الثاني من السببية أي الّذي فيه اعتراف بوجود الحكم المشترك وقد أشرنا إلى هذا كله آنفاً فتدبر.

(قوله وربما يشير إليه ما اشتهرت بيننا ان ظنية الطريق لا تنافي قطعية الحكم ... إلخ)

أي وربما يشير إلى التصويب بالمعنى الثالث ما اشتهرت بيننا من ان ظنية الطريق لا ينافي قطعية الحكم (ولكن فيه ما لا يخفى) إذ العبارة المذكورة كما انها مما تلائم التصويب بالمعنى الثالث الّذي مرجعه إلى النحو الثاني من السببية فكذلك هي تلائم القول بجعل الأحكام الظاهرية الطريقية على طبق مؤديات الأمارات الظنية لأجل الوصول بها إلى الأحكام الواقعية في قبال القول بجعل الحجية للأمارات الظنية

١٩٧

أي المنجزية لها عند الإصابة والعذرية لها عند الخطأ كما اختاره المصنف في بحث إمكان التعبد بالأمارات الغير العلمية فتذكر.

(قوله نعم بناء على اعتبارها من باب الطريقية ... إلخ)

أي نعم بناء على اعتبار الأخبار من باب الطريقية كما هو كذلك على ما تقدم لك شرحه في بحث إمكان التعبد بالأمارات فمؤديات الطرق والأمارات ليست هي أحكاماً حقيقية نفسية ناشئة عن مصلحة أو مفسدة حادثة في المتعلقات بسبب قيام الأمارات كما على القول بالسببية والموضوعية بل هي أحكام ظاهرية طريقية أي مقدمية قد شرّعت لأجل الوصول بها إلى الأحكام الواقعية.

(بل تقدم من المصنف) ان المجعول في الطرق والأمارات هو مجرد جعل الحجية أي المنجزية عند الإصابة والعذرية عند الخطأ وقد مرّ تفصيل هذا كله في محله مبسوطاً فلا نعيد.

في اضمحلال الاجتهاد السابق

(قوله فصل إذا اضمحل الاجتهاد السابق بتبدل الرّأي الأول بالآخر أو بزواله بدونه ... إلخ)

(المقصود من عقد هذا الفصل) انه إذا اضمحل الاجتهاد السابق وتبدل إلى اجتهاد جديد أو إلى الحيرة في المسألة والتردد فيها (فلا كلام) بالنسبة إلى الأعمال اللاحقة فيعمل فيها إما بالاجتهاد الجديد أو بالاحتياط (ولكن الأعمال السابقة) فهل يعامل معها معاملة البطلان على نحو إذا كانت هي عبادة فتحتاج إلى الإعادة أو القضاء وإن كانت معاملة من عقد أو إيقاع فلا بدّ من تكرار السبب أم لا يعامل

١٩٨

معها معاملة البطلان بل يرتب عليها آثار الصحة والتمامية بلا إعادة ولا قضاء ولا تكرار السبب.

(ثم إن الظاهر) ان الفرق بين مسألتنا هذه ومسألة إجزاء الأمر الظاهري وعدمه أن مسألة الإجزاء هي مما تعم الشبهة الموضوعية والحكمية جميعاً فإذا قامت الأمارة أو الأصل على تحقق جزء أو شرط للمأمور به كالسورة أو طهارة الثوب أو البدن ونحوهما للصلاة ثم انكشف الخلاف وبان عدم تحققه في الخارج أو قامت الأمارة أو الأصل على وجوب صلاة الجمعة ثم انكشف الخلاف وأن الواجب كان هو الظهر مكان الجمعة فيقع الكلام حينئذ في أن المأتي به هل هو يجزي عن الواقع أم لا بخلاف مسألتنا هذه فتختص هي بالشبهات الحكمية فقط إذ الاجتهاد لا يكاد يكون الا فيها دون الشبهات الموضوعية (كما ان) مسألتنا هذه هي مما تعم العبادات والمعاملات جميعاً ومسألة الإجزاء على الظاهر هي مما تختص بالواجبات فقط أي بما إذا كان هناك تكليف واقعاً فيقع الكلام في ان ما أتى به مما قام عليه أمر ظاهري هل هو يجزي عن الواقعي عند كشف الخلاف أم لا.

(قوله ولزوم اتباع اجتهاد اللاحق مطلقاً ... إلخ)

أي سواء كان الاجتهاد اللاحق عن علم ويقين أو عن طريق معتبر شرعي أو عن أصل عملي شرعي أو عقلي.

١٩٩

في بيان مقتضى القاعدة الأولية في الأعمال

السابقة المطابقة للاجتهاد الأول

(قوله وأما الأعمال السابقة الواقعة على وفقه المختل فيها ما اعتبر في صحتها بحسب هذا الاجتهاد فلا بدّ من معاملة البطلان معها ... إلخ)

(وحاصل كلام المصنف) في الأعمال السابقة المطابقة للاجتهاد الأول ان مقتضي القاعدة الأولية فيها هو معاملة البطلان معها في صورتين ومعاملة الصحة معها في صورتين آخرتين.

(اما الصورة الأولى) من صورتي البطلان فهي ما إذا كان مدرك الاجتهاد الأول هو القطع بالحكم.

(وقد أشار إليها المصنف) بقوله الآتي وذلك فيما كان بحسب الاجتهاد الأول قد حصل القطع بالحكم وقد اضمحل واضح ... إلخ (ووجه البطلان) في هذه الصورة انه لا حكم مجعول شرعاً في مورد القطع بالحكم كي يجزي هو عن الإتيان بالواقعي ويكفي عنه وهذا واضح.

(واما الصورة الثانية) من صورتي البطلان فهي ما إذا كان مدرك الاجتهاد الأول هو الطريق المعتبر شرعاً وقد بنينا على اعتبار الأمارات من باب الطريقية كما اخترنا ذلك وتقدم تفصيله في بحث إمكان التعبد بالأمارات الغير العلمية.

(وقد أشار المصنف) إلى هذه الصورة بقوله الآتي وكذلك فيما كان هناك طريق معتبر شرعاً عليه بحسبه وقد ظهر خلافه ... إلخ (ووجه البطلان) في هذه

٢٠٠