عناية الأصول في شرح كفاية الأصول - ج ٦

السيد مرتضى الفيروزآبادي

عناية الأصول في شرح كفاية الأصول - ج ٦

المؤلف:

السيد مرتضى الفيروزآبادي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: منشورات فيروزآبادي
الطبعة: ٤
الصفحات: ٣٠٠

١

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وعترته المعصومين الطيبين واللعنة الدائمة على أعدائهم ومعادي أوليائهم وموالي أعدائهم أجمعين من الآن إلى يوم الدين (اما بعد) فهذا هو الجزء السادس من كتابنا الموسوم بعناية الأصول في شرح كفاية الأصول أسأل الله تعالى أن يوفقني لإتمامه كما وفقني للأجزاء المتقدمة انه سميع مجيب يجيب دعوة الداعي إذا دعاه ولا يخيّب رجاء من رجاه انه أجود مسئول وأكرم من أعطى.

في التعادل والتراجيح وبيان تعريف التعارض

(قوله المقصد الثامن في تعارض الأدلة والأمارات فصل التعارض هو تنافي الدليلين ... إلخ)

قد أشرنا في بحث الاجتماع إلى الفرق بين التعارض والتزاحم (وأن التعارض) هو تنافي الدليلين في مرحلة الجعل والتشريع على نحو يعلم إجمالا بكذب أحدهما من أصله وان الشارع لم يجعل أحدهما أبداً كما إذا قال أحد الدليلين تجب صلاة الجمعة وقال الآخر تحرم صلاة الجمعة فهاهنا نعلم إجمالا بكذب أحدهما بلا شبهة ولو في خصوص ما إذا كانا قطعيين دلالة وجهة لا مطلقاً وإلا فيحتمل صدور كليهما جميعاً وان يكون المراد من أحدهما خلاف ما هو ظاهره أو انه قد صدر تقية لا لبيان الواقع (وان التزاحم) هو تنافي الدليلين في مرحلة الامتثال والإتيان على

٢

نحو لا قدرة للمكلف على رعايتهما جميعاً كما إذا قال أحد الدليلين يجب إنقاذ العالم وقال الآخر يجب إنقاذ الهاشمي وقد غرقا دفعة واحدة ولم يتمكن المكلف من إنقاذهما جميعاً.

(قوله أو الأدلة ... إلخ)

كما إذا قال أحدها تجب صلاة الجمعة وقال الآخر تحرم صلاة الجمعة وقال الثالث تستحب صلاة الجمعة أو تكره أو تباح.

(قوله بحسب الدلالة ومقام الإثبات ... إلخ)

عدول عن تعريف الشيخ أعلى الله مقامه للتعارض حيث جعله عبارة عن تنافي الدليلين بحسب مدلولهما لا بحسب دلالتهما (قال) أعلى الله مقامه وغلب يعني التعارض في الاصطلاح على تنافي الدليلين وتمانعهما باعتبار مدلولهما (قال) ولذا ذكروا ان التعارض تنافي مدلولي الدليلين على وجه التناقض أو التضاد.

(قوله على وجه التناقض أو التضاد ... إلخ)

فالأوّل مثل ما إذا قال أحدهما يجب صلاة الجمعة وقال الآخر لا يجب صلاة الجمعة والثاني مثل ما إذا قال أحدهما يجب صلاة الجمعة وقال الآخر تحرم صلاة الجمعة.

(قوله حقيقة أو عرضاً ... إلخ)

الظاهر ان هذا التشقيق راجع إلى خصوص التضاد فقط (فالتضاد الحقيقي) هو مثل ما إذا امر أحدهما بصلاة الجمعة ونهى الآخر عن إتيانها (والتضاد العرضي) هو مثل ما إذا امر أحدهما بصلاة الجمعة وأمر الآخر بصلاة الظهر في يوم الجمعة فإن وجوب كل من الظهر والجمعة وإن لم يمتنع اجتماعهما مع الآخر ذاتاً ولكن حيث نعلم من الخارج انه لا يجب في يوم واحد صلاتين أي الظهر والجمعة جميعاً بالإجماع والضرورة فيتنافيان الدليلان قهراً ويتضادان بالعرض وهذا واضح.

٣

(قوله وعليه فلا تعارض بينهما بمجرد تنافي مدلولهما إذا كان بينهما حكومة رافعة للتعارض والخصومة ... إلخ)

تفريع على كون التعارض هو تنافي الدليلين أو الأدلة بحسب الدلالة ومقام الإثبات لا بحسب مدلولهما (وبعبارة أخرى) شروع في الثمرة التي تظهر بين تعريف المصنف للتعارض وتعريف الشيخ له فعلى تعريف المصنف إذا كان بين الدليلين المتنافيين حكومة أو ورود أو توفيق عرفي أو تخصيص أو تقييد وقد تقدم شرح كل من الحكومة والورود والتخصيص في آخر الاستصحاب كما تقدم شرح التوفيق العرفي في آخر الاشتغال فالدليلان خارجان عن تعريف التعارض موضوعاً لعدم تنافيهما بحسب الدلالة ومقام الإثبات بخلافهما على تعريف الشيخ أعلى الله مقامه فهما داخلان فيه لتنافيهما بحسب المدلول والمعنى وسيأتي تصريح المصنف بذلك (فيقول) وبالجملة الأدلة في هذه الصور وإن كانت متنافية بحسب مدلولاتها إلا انها غير متعارضة لعدم تنافيها في الدلالة وفي مقام الإثبات بحيث تبقى أبناء المحاورة متحيرة (انتهى)

(أقول)

والظاهر انه لا ثمرة بين التعريفين أصلا فإن الدليلين في الموارد المذكورة كما انه لا تنافي بينهما بحسب الدلالة ومقام الإثبات وإن كان بينهما تناف بدوي يزول بأدنى تأمل فكذلك لا تنافي بينهما بحسب المدلول والمعنى أيضاً فكما ان أبناء المحاورة إذا لم يبقوا متحيرين فيهما بل عرفوا المقصود منهما لباً التأم الدلالتان بعضهما مع بعض فكذلك التأم المدلولان أيضاً بعضهما مع بعض وهذا أيضاً واضح.

(قوله بأن يكون أحدهما قد سيق ناظراً إلى بيان كمية ما أريد من الآخر ... إلخ)

سعة وضيقاً وقد تقدم شرح أقسام الحكومة من الحكومة المعممة والمخصصة والحكومة الواقعية والظاهرية إلى غير ذلك من الأقسام في أو آخر الاستصحاب مفصلا عند بيان وجه تقدم الأمارات على الاستصحاب فتذكر.

٤

(قوله مقدماً كان أو مؤخراً ... إلخ)

تضعيف لما اعتبره الشيخ أعلى الله مقامه في الحكومة من لزوم تأخر الحاكم عن المحكوم وتفرعه عليه (قال) في صدر التعادل والتراجيح (ما لفظه) وضابط الحكومة ان يكون أحد الدليلين بمدلوله اللفظي متعرضاً لحال الدليل الآخر ورافعاً للحكم الثابت بالدليل الآخر عن بعض افراد موضوعه فيكون مبيناً لمقدار مدلوله مسوقاً لبيان حاله متفرعاً عليه نظير الدليل على انه لا حكم للشك في النافلة أو مع كثرة الشك أو مع حفظ الإمام أو المأموم أو بعد الفراغ من العمل فإنه حاكم على الأدلة المتكفلة لأحكام الشكوك فلو فرض انه لم يرد من الشارع حكم الشكوك لا عموماً ولا خصوصاً لم يكن مورد للأدلة النافية لحكم الشك في هذه الصور (انتهى)

(أقول)

قد عرفت منا في أواخر الاستصحاب ان الحكومة هي عبارة عما إذا كان أحد الدليلين ناظراً إلى الآخر ومتصرفاً فيه وقد اعترف المصنف هناك وهاهنا أيضاً باعتبار النّظر في الحكومة (فقال) هناك في تضعيف كلام الشيخ واما حديث الحكومة فلا أصل له أصلا فإنه لا نظر لدليلها إلى مدلول دليله (وقال) هاهنا في تعريف الحكومة كما تقدم آنفاً بأن يكون أحدهما قد سيق ناظراً إلى بيان كمية ما أريد من الآخر (وقال أيضاً) فيما سيأتي في تضعيف كلام الشيخ وليس وجه تقديمها حكومتها على أدلتها لعدم كونها ناظرة إلى أدلتها بوجه ... إلخ (وعلى هذا كله) فلا محيص على الظاهر من اعتبار لزوم التقدم في المحكوم وتفرع الحاكم عليه وتأخره عنه صدوراً وإلا فإلى أيّ شيء يكون الحاكم ناظراً وكيف يعقل النّظر إلى المحكوم بدون تحقق المنظور إليه أوّلا وهذا لدى التدبر واضح فتدبر.

(قوله أو كانا على نحو إذا عرضا على العرف وفق بينهما ... إلخ)

بحمل أحدهما على الاقتضاء والآخر على العلية التامة وقد تقدم شرح التوفيق العرفي كما أشير آنفاً في آخر بحث الاشتغال في ذيل قاعدة لا ضرر ولا ضرر فراجع.

٥

(قوله بالتصرف في خصوص أحدهما ... إلخ)

هذا مناف لما ظهر منه في ذيل قاعدة لا ضرر ولا ضرار من كون التوفيق العرفي عبارة عن كون الدليلين على نحو إذا عرضا على العرف وفق بينهما بحمل أحدهما على الاقتضاء والآخر على العلية التامة فإن ظاهر ذلك هو التصرف في كليهما جميعاً لا في خصوص أحدهما (هذا مضافاً) إلى أنه لو قلنا بأن التوفيق العرفي عبارة عن كون الدليلين على نحو إذا عرضا على العرف وفق بينهما بالتصرف في خصوص أحدهما لم يبق فرق بينه وبين حمل الظاهر على الأظهر كما في العام والخاصّ ونحوهما فإنهما ليسا إلا كذلك أي يتصرف في خصوص أحدهما أي الظاهر بقرينة الأظهر فيحمل عليه وسيأتي الإشارة إلى ذلك بقوله أو في أحدهما المعين لو كان الآخر أظهر ... إلخ وإن كان الأولى ان يقول هكذا لو كان الآخر نصاً أو أظهر (اللهم) إلا ان يقال أن كلا من التوفيق العرفي وحمل الظاهر على الأظهر وإن كان تصرفاً في خصوص أحد الدليلين لا في كليهما ولكن في التوفيق العرفي يكون الأقوى ملاكاً هو القرينة على التصرف في الآخر وانه بنحو الاقتضاء وفي حمل الظاهر على الأظهر يكون الأظهر هو القرينة على التصرف في الآخر وان المراد منه ما لا ينافي الأظهر

(قوله كما هو مطرد في مثل الأدلة المتكفلة لبيان أحكام الموضوعات بعناوينها الأوّلية مع مثل الأدلة النافية للعسر والحرج والضرر والإكراه والاضطرار مما يتكفل لأحكامها بعناوينها الثانوية ... إلخ)

وقد أشار المصنف إلى هذا كله قبلا في ذيل قاعدة لا ضرر ولا ضرار (فقال) بعد ما حكم بتقدم أدلة الضرر على أدلة الأحكام الثابتة للأفعال بعناوينها الأوّلية بالتوفيق العرفي (ما لفظه) كما هو الحال في التوفيق بين ساير الأدلة المثبتة أو النافية لحكم الأفعال بعناوينها الثانوية والأدلة المتكفلة لحكمها بعناوينها الأولية ... إلخ) غير انه ذكر هناك أمراً آخر لم يؤشر إليه هاهنا وهو انه قد ينعكس الأمر فيقدم الحكم الثابت للفعل بعنوانه الأوّلي على الحكم الثابت للفعل بعنوانه الثانوي وقد مثلنا له

٦

بحرمة قتل المؤمن المقدمة على كل من الحرج والضرر والاضطرار والإكراه ونحو ذلك إلا الخطأ والنسيان وما لا يعلمون.

(نعم) نحن لم نختر هناك في وجه تقدم أدلة الحرج والضرر والإكراه والاضطرار وأخوات الإكراه والاضطرار من الخطأ والنسيان وما لا يعلمون على أدلة الأحكام الثابتة للأفعال بعناوينها الأولية التوفيق العرفي بل قلنا هناك بتقدم كل منها عليها بالحكومة إلا أدلة الضرر إن كانت هي لتحريم الضرر لا لرفع الأحكام الضررية فتقدم عليها بالتوفيق العرفي غير أن أدلة الحرج وهكذا أدلة الضرر بناء على كونها لنفي الأحكام الضررية هي حاكمة على أدلة الأحكام الأولية حكومة واقعية أي ترفع الأحكام من أصلها نظير حكومة قوله عليه‌السلام لا شك لكثير الشك على الأدلة المتكفلة لحكم الشكوك وفي البقية تكون الحكومة ظاهرية أي ترفع الأحكام في الظاهر برفع تنجزها فقط لا حكومة واقعية ترفعها من أصلها وقد تقدم شرح كل من الحكومة الواقعية والظاهرية في آخر الاستصحاب مفصلا وأشير إليه في بحث الإجزاء مختصراً فراجع الموضعين ولا نعيد الكلام هاهنا ثانياً

(قوله ويتفق في غيرهما كما لا يخفى ... إلخ)

أي وقد يتفق التوفيق العرفي في غير الأدلة المتكفلة لبيان أحكام الموضوعات بعناوينها الأولية مع الأدلة المتكفلة لبيان أحكامها بعناوينها الثانوية كما إذا اتفق ذلك بين دليلي العنوانين الثانويين كدليل نفي العسر ودليل نفي الضرر وقد تقدم ذلك من المصنف في ذيل قاعدة لا ضرر ولا ضرار ومثلنا له بما إذا دار الأمر بين لزوم الضرر أو الحرج فإن حفر المالك بالوعة في ملكه تضرر بها الجار ولا ضرر ولا ضرار وإن لم يحفرها وقع المالك بنفسه في الحرج الشديد وما جعل عليكم في الدين من حرج (وقد يتفق ذلك) بين دليلي العنوانين الأوليين كما إذا أمر بإنقاذ زيد العامي وأمر أيضاً بإنقاذ عمرو العالم وقد غرقا دفعة واحدة ولم يتمكن المكلف من الجمع بين إنقاذيهما جميعاً.

٧

(وبالجملة) إن التوفيق العرفي الّذي قد صرّحنا في ذيل قاعدة نفي الضرر أن مرجعه إلى ترجيح أحد الدليلين بأقوائية المناط وأهمية المقتضي (قد يكون) بين العنوانين الأوليين (وقد يكون) بين العنوانين الثانويين (وقد يكون) بين العنوان الأولي والثانوي وفي الأخير.

(تارة) يقدم الثانوي على الأوّلي كما هو الأغلب.

(وأخرى) يقدم الأوّلي على الثانوي وهو النادر وقد مثلنا له فيما تقدم كما أشير آنفاً بحرمة قتل المؤمن المقدمة على الحرج والضرر وأخواتهما من العناوين الثانوية جميعاً إلا الخطأ والنسيان وما لا يعلمون.

(قوله أو بالتصرف فيهما فيكون مجموعهما قرينة على التصرف فيهما إلى آخره)

عطف على قوله بالتصرف في خصوص أحدهما ... إلخ أي كانا على نحو إذا عرضا على العرف وفق بينهما بالتصرف فيهما ... إلخ غير ان مراده من التوفيق بينهما بالتصرف في خصوص أحدهما كان هو التوفيق العرفي المصطلح كما عرفت ومراده من التوفيق بينهما بالتصرف فيهما ... إلخ لو تم هو أحد مصاديق حمل الظاهر على الأظهر (وعلى كل حال) ان التصرف فيهما على نحو كان مجموعهما قرينة على التصرف فيهما هو (كما في قوله عليه‌السلام) في رواية يعقوب بن شعيب ثمن العذرة سحت (وقوله عليه‌السلام) في رواية محمد بن المصادف لا بأس ببيع العذرة.

(قال الشيخ) أعلى الله مقامه في المسألة الثانية من مسائل الاكتساب بالأعيان النجسة (ما لفظه) وقد جمع الشيخ بينهما يعني به الطوسي رضوان الله عليه بين الروايتين بحمل الأول على عذرة الإنسان والثاني على عذرة البهائم (ثم قال) ولعله لأن الأول نصّ في عذرة الإنسان ظاهر في غيرها بعكس الخبر الثاني فيطرح ظاهر كل بنص الآخر (انتهى).

٨

(أقول)

ليس الأول نصاً في عذرة الإنسان ولا الثاني نصاً في عذرة البهائم كي يؤخذ في كل منهما بنصه وبه يرفع اليد عن ظاهر الآخر ويندرج ذلك تحت حمل الظاهر على النص ويكون من الجمع العرفي المقبول.

(ولعل من هنا قال الشيخ) أعلى الله مقامه أخيراً بعد ما ذكر وجوهاً أخر للجمع بين الروايتين من غير واحد من الأعلام (ما لفظه) والأظهر ما ذكره الشيخ لو أريد التبرع بالحمل لكونه أولى من الطرح (انتهى) ومقصوده ان الجمع بينهما لو أريد به التبرع نظراً إلى كونه أولى من الطرح فما ذكره الطوسي رضوان الله عليه هو أظهر مما ذكره غيره وإلا فلا يمكن الاستناد إلى هذا الجمع والاعتماد عليه في مقام العمل والفتوى فإنه بلا شاهد عليه ولا دليل كما لا يخفى.

في الجمع بين الدليلين المتنافيين وبيان

الجمع العرفي المقبول

(وكيف كان) ليس الجمع بين الدليلين المتنافيين المتوقف على التصرف في كليهما هو من الجمع العرفي المقبول الّذي يرتضيه أهل اللسان وأبناء المحاورة (فإذا تعلق الأمر والنهي) بطبيعة واحدة فورد مثلا أكرم العالم وورد أيضاً لا تكرم العالم لم يمكن الجمع بينهما بحمل أحدهما على صنف من الطبيعة والآخر على صنف آخر منها أو بحمل الأمر في أحدهما على الجواز والنهي في الآخر على الكراهة

(وهكذا ليس الجمع بين الدليلين المتنافيين) المتوقف على التصرف في

٩

أحدهما الغير المعين من الجمع العرفي المقبول (فإذا تعارض عامان من وجه) في مادة الاجتماع لم يمكن الجمع بينهما بالتصرف في أحدهما الغير المعين بإخراج مادة الاجتماع عن تحت أحدهما وإبقائها تحت الآخر (وإذا تعارض أمران) متعلقان بشيء واحد أحدهما ظاهر في الوجوب والآخر ظاهر في الاستحباب لم يمكن الجمع بينهما برفع اليد إما عن ظهور هذا في الوجوب أو عن ظهور ذاك في الاستحباب.

(وإنما الجمع العرفي المقبول) هو ما إذا توقف الجمع بين الدليلين المتنافيين على التصرف في أحدهما المعين بأن كان الآخر نصاً أو أظهر فيكون قرينة عرفاً على التصرف في الظاهر وذلك (كما في العام والخاصّ) (والمطلق والمقيد) (والحاكم والمحكوم) (أو فيما كان الدليلان) أحدهما أقوى مناطاً فيكون قرينة على التصرف في الآخر الأضعف وأنه بنحو الاقتضاء والأول بنحو العلية التامة على التفصيل المتقدم لك سابقاً في قاعدة لا ضرر ولا ضرار في ذيل التوفيق العرفي (أو فيما كان الدليلان) على نحو يزيل أحدهما موضوع الآخر ويعدمه من أصله إما وجداناً أو تعبداً على التفصيل المتقدم لك شرحه في أواخر الاستصحاب في ذيل بيان حقيقة الورود وماهيته (ويطلق) على كل من التخصيص والتقييد والحكومة الجمع الدلالي (ويطلق) على مجموع الخمسة أي على التخصيص والتقييد والحكومة والتوفيق العرفي والورود الجمع العرفي (وأما التخصص) فليس فيه الدليلان متنافيين كي يجمع بينهما العرف ويطلق عليه الجمع العرفي بل هو خارج عن المقام تخصصاً (ثم إنه إذا فرض) في القسم الأول من الجمع الّذي قد قلنا انه غير مقبول وهو المتوقف على التصرف في كليهما جميعاً أن كلا من الدليلين كان أظهر من صاحبه عرفاً بالنسبة إلى صنف خاص من الطبيعة اندرج الدليلان حينئذ في الظاهر والأظهر ودخلا في الجمع العرفي المقبول (والظاهر) ان مقصود المصنف في المقام من قوله أو بالتصرف فيهما فيكون مجموعهما قرينة على التصرف فيهما ... إلخ هو هذا النحو من الجمع بين الدليلين أي فيما كان كل منهما أظهر من صاحبه عرفاً في صنف

١٠

خاص ليدخلا في الظاهر والأظهر لا ان مطلق الجمع بين الدليلين بالتصرف في كليهما جمع عرفي مقبول ولو لم يكونا كذلك (ويشهد لذلك) ما سيأتي منه في آخر الفصل الثاني (فيقول) بعد الفراغ عن بيان مقتضي القاعدة الأوّلية في المتعارضين وهو التساقط في الجملة على التفصيل الآتي (ما لفظه) هذا هو قضية القاعدة في تعارض الأمارات لا الجمع بينها بالتصرف في أحد المتعارضين أو في كليهما كما هو قضية ما يتراءى مما قيل من أن الجمع مهما أمكن أولى من الطرح إذا لا دليل عليه فيما لا يساعد عليه العرف مما كان المجموع أو أحدهما قرينة عرفيّة على التصرف في أحدهما بعينه أو فيهما كما عرفته في الصور السابقة يعني بها هذا المقام (انتهى) (وهكذا إذا فرض) في القسم الثاني الّذي قد قلنا أيضاً انه جمع غير مقبول وهو المتوقف على التصرف في أحدهما الغير المعين ان أحد العامين من وجه كان أظهر من صاحبه عرفاً في مادة الاجتماع أو فرض ان أحد الأمرين المتعلقين بشيء واحد كان أظهر عرفاً في الاستحباب من صاحبه في الوجوب أو بالعكس اندرج الدليلان أيضاً في الظاهر والأظهر ودخلا في الجمع العرفي المقبول.

(وبالجملة) ان المعيار في الجمع العرفي المقبول بين الدليلين المتنافيين (ان يكون) أحدهما نصاً أو أظهر ويكون الآخر ظاهراً فتكون النصوصية أو الأظهرية قرينة عرفية على التصرف في الظاهر (أو كان) أحدهما أقوى ملاكاً وأشد مناطاً وكان الآخر أضعف فتكون الأقوائية في الملاك قرينة عرفية على التصرف في الآخر وانه بنحو الاقتضاء دون العلية التامة (أو كان) أحدهما مزيلا معدماً لموضوع الآخر إما وجداناً وإما تعبداً على نحو لا يبقى للثاني مع الأول موضوع أصلا فإن كان أحد هذه الأمور الثلاثة موجوداً بين الدليلين المتنافيين فالجمع بينهما قبول مقبول مرضيّ عرفاً وإلا فلا جمع ولا التئام بين الدليلين أبداً ولا بد من المعاملة معهما معاملة المتعارضين (هذا كله إذا) لم نؤخذ بظاهر القضية المشهورة من أن الجمع بين الدليلين مهما أمكن أولى من الطرح وإلا فلا بد من الجمع بينهما مهما

١١

أمكن وان لم يساعده فهم العرف ولا يوافقه أبناء المحاورة كما في القسم الأول والثاني من الجمع بين الدليلين المتنافيين مع عدم وجود أحد الأمور الثلاثة المذكورة بينهما وسيأتي الكلام في القضية المشهورة في آخر الفصل الثاني إن شاء الله تعالى فانتظر يسيراً.

(قوله أو في أحدهما المعين ... إلخ)

عطف على قوله أو بالتصرف فيهما ... إلخ فالمعطوف عليه إشارة إلى القسم الأول من الجمع بين الدليلين المتنافيين والمعطوف إشارة إلى القسم الثالث من الجمع بين الدليلين المتنافيين واما القسم الثاني وهو المتوقف على التصرف في أحدهما الغير المعين فلم يؤشر إليه هاهنا وسيأتي الإشارة إليه في آخر الفصل الثاني بقوله لا الجمع بينها بالتصرف في أحد المتعارضين يعني به أحدهما الغير المعين فانتظر.

(قوله لو كان الآخر أظهر ... إلخ)

قد أشرنا قبلا أن الأولى كان ان يقول لو كان الآخر نصاً أو أظهر فتذكر.

في وجه تقدم الأمارات على الأصول الشرعية

(قوله ولذلك تقدم الأمارات المعتبرة على الأصول الشرعية ... إلخ)

أي ولأجل توفيق العرف بينهما تقدم الأمارات المعتبرة على الأصول الشرعية فان أهل العرف لا يتحيرون بينهما فيقدمون الأول على الثاني نظراً إلى انه (إن أخذنا بالأمارة) فلا يلزم منه شيء سوى ارتفاع موضوع الأصول وهو الشك بسببها وهذا ليس بمحذور (وإن أخذنا بالأصول) فإن كان رفع اليد عن الأمارات بلا مخصص لها يخرجها عن تحت أدلة اعتبارها فهو تخصيص بلا وجه وان كان لأجل

١٢

مخصصية الأصول لها فهو دور فإن مخصصيتها للأمارات يتوقف على اعتبارها معها واعتبارها معها يتوقف على مخصصيتها لها وإلا لكانت الأمارة رافعة لموضوعها وكل من التخصيص بلا وجه والتخصيص على نحو دائر محال باطل (وقد تقدم) شرح هذا كله في وجه تقدم الأمارات على الاستصحاب والأصل السببي على المسببي بل وتقدم الاستصحاب على القرعة على ما سبق من المصنف في جواب لا يقال المتقدم في آخر الاستصحاب حيث ان ظاهره فيه هو العدول عن التخصيص إلى الورود فراجع (بقي شيء) وهو ان المصنف قد صرح في آخر الاستصحاب ان وجه تقدم الأمارات على الاستصحاب هو الورود وظاهر قوله في المقام ولذلك تقدم الأمارات ... إلخ هو الإشارة إلى التوفيق العرف وهما لا يخلو ان عن التنافي ولكن الظاهر ان مراده من ذلك هو الإشارة إلى التوفيق العرفي بمعنى عام الشامل للورود أيضاً فإن لفظ التوفيق العرفي وهكذا الجمع العرفي كلمة جامعة تطلق على الكل جميعاً ويؤيده انه قدس‌سره بعد ما اختار هناك ورود الأمارات على الاستصحاب وأبطل الحكومة قال وأما التوفيق فان كان بما ذكرنا يعني به الورود فنعم الاتفاق وان كان بتخصيص دليله بدليلها فلا وجه له فراجع وتدبر.

(قوله وليس وجه تقديمها حكومتها على أدلتها لعدم كونها ناظرة إلى أدلتها بوجه ... إلخ)

جواب عن الشيخ أعلى الله مقامه حيث اختار في المقام حكومة الأمارات على الأصول الشرعية كما اختار في آخر الاستصحاب حكومتها على الاستصحاب نظراً إلى كون الاستصحاب أحد أفراد الأصول الشرعية وقد ذكرنا هناك كلماته الشريفة في كلا المقامين جميعاً فلا نعيدها هاهنا ثانياً (وحاصل جواب المصنف) عنه ان الحكومة كما تقدم شرحها مفصلا هي مما تحتاج إلى شرح ونظر وأدلة الأمارات مما لا نظر لها بوجه إلى أدلة الأصول أصلا كي تكون حاكمة عليها وقد

١٣

تقدم عين ذلك في جوابه عن الشيخ أيضاً عند دعواه حكومة الأمارات على الاستصحاب فأنكر نظر دليل الأمارات إلى مدلول دليل الاستصحاب وإن اعترف هناك بدلالته يعني عقلا لا لفظاً على إلغاء الاستصحاب مع الأمارة ثبوتاً وواقعاً لمنافاة لزوم العمل بها مع العمل به لو كان على خلافها ولكن هذا المعنى كما انه موجود في طرف الأمارة فكذلك موجود في طرف الاستصحاب أيضاً لمنافاة لزوم العمل به مع العمل بها قطعاً لو كانت هي على خلافه.

(قوله وتعرضها لبيان حكم موردها لا يوجب كونها ناظرة إلى أدلتها وشارحة لها ... إلخ)

إشارة إلى ما أفاده الشيخ أعلى الله مقامه في المقام بقوله وضابط الحكومة أن يكون أحد الدليلين بمدلوله اللفظي متعرضاً لحال الدليل الآخر.

(فيقول المصنف) إن أدلة الأمارات مما لا تعرض لها لحال أدلة الأصول سوى انها تتعرض بإطلاقها لبيان حكم مورد الاجتماع ومجرد ذلك مما لا يوجب كونها ناظرة إلى أدلتها حاكمة عليها وإلا فأدلة الأصول أيضاً تتعرض بإطلاقها لبيان حكم مورد الاجتماع فتكون ناظرة إلى أدلة الأمارات حاكمة عليها.

(وبالجملة) ملخص جواب المصنف فيما تقدم عن حكومة الأمارات على الاستصحاب وفي المقام عن حكومتها على الأصول الشرعية ان دليل الأمارة مما لا دلالة له لفظاً على نفي ما هو قضية الأصل في مورد الاجتماع كي يكون ناظراً إليه وحاكماً عليه ضرورة عدم دلالة نفس الأمارة ولا دليل اعتبارها على ذلك بل له دلالة عقلا على نفي ما هو قضية الأصل في مورد الاجتماع لمنافاة وجوب العمل بها مع العمل به لو كان على خلافها وهذا المعنى بعينه موجود في طرف الأصل أيضاً كما لا يخفى.

(قوله وإلا كانت أدلتها أيضاً دالة ولو بالالتزام ... إلخ)

ومحصله انه كما يقال إن أدلة الأمارات دالة بالمطابقة على حكم مورد الاجتماع

١٤

وبالالتزام على نفي ما هو قضية الأصول وهذا هو معنى حكومة أدلة الأمارات على أدلة الأصول فكذلك يقال إن أدلة الأصول أيضاً دالة بالمطابقة على حكم مورد الاجتماع وبالالتزام على نفي ما هو قضية الأمارات وهذا هو معنى حكومة أدلة الأصول على أدلة الأمارات وكما يقال في الثاني انه ليست فيه دلالة التزامية لفظية كي يتم النّظر والحكومة بل عقلية فلا نظر ولا حكومة فكذلك يقال في الأول حرفاً بحرف فلا تغفل.

(قوله هذا مع احتمال أن يقال أنه ليس قضية الحجية شرعاً إلا لزوم العمل على وفق الحجة عقلا وتنجز الواقع مع المصادفة وعدم تنجزه في صورة المخالفة ... إلخ)

هذا في قبال قوله المتقدم وقضية حجيتها ليست إلا لزوم العمل على وفقها شرعاً المنافي عقلا للزوم العمل على خلافها ... إلخ والمجموع إشارة إلى الخلاف المتقدم في بحث إمكان التعبد بالأمارات من أن قضية حجية الأمارات شرعاً هل هي جعل أحكام ظاهرية ووجوب العمل على طبق مؤدياتها شرعاً أو ان مقتضي حجيتها شرعاً هو وجوب العمل على طبقها عقلا ومنجزيتها عند الإصابة وعذريتها عند الخطأ كما في العلم عيناً فراجع.

(قوله وكيف كان ليس مفاد دليل الاعتبار هو وجوب إلغاء احتمال الخلاف تعبداً ... إلخ)

جواب عما أفاده الشيخ أعلى الله مقامه في أو آخر الاستصحاب في وجه حكومة الأمارات على الاستصحاب وقد ذكرنا هناك كلماته الشريفة مفصلا (فقال) في جملتها (ما لفظه) ففيما نحن فيه إذا قال الشارع اعمل بالبينة في نجاسة ثوبك والمفروض ان الشك موجود مع قيام البينة على نجاسة الثوب فالشارع جعل الاحتمال المخالف للبينة كالعدم فكأنه قال لا تحكم على هذا الشك بحكمه المقرر في قاعدة الاستصحاب وافرضه كالمعدوم (انتهى).

١٥

(فيقول المصنف) ليس مفاد دليل الاعتبار هو وجوب إلغاء احتمال الخلاف تعبداً كي يختلف الحال في الأمارات والأصول ويكون مفاد دليل الاعتبار في الأمارة نفي حكم الأصل نظراً إلى ان حكم الأصل هو حكم الاحتمال أي الشك فإذا ألغي الاحتمال بدليل الأمارة فقد ألغي الحكم المترتب عليه بخلاف مفاد دليل الاعتبار في الأصل فلا ينفي حكم الأمارة لأن حكم الأمارة هو الحكم الواقعي والواقعي ليس حكم الاحتمال كي إذا ألغي بدليل الأصل ألغي الحكم المترتب عليه بل حكم الأصل هو حكم الاحتمال أي الشك فإذا الغي بدليل الأمارة الغي الحكم المترتب عليه وهذا واضح

(ثم إن مراد المصنف) من عدم كون مفاد دليل الاعتبار هو وجوب إلغاء احتمال الخلاف تعبداً هو عدم دلالته لفظاً كي يختلف الحال ويكون دليل الأمارة حاكماً على دليل الأصل دون العكس لا عدم دلالته عقلا فإن دلالته عقلا مما لا ريب فيه.

(ولذا قال المصنف) ونحن أيضاً قد قلنا بورود الأمارات على الأصول العملية لارتفاع موضوع الأصول أي الشك بها ولو ارتفاعاً تعبدياً لا وجدانياً لبقاء الشك على حاله غالباً حتى مع قيام الأمارة كما لا يخفى.

(قوله فانقدح بذلك انه لا يكاد ترتفع غائلة المطاردة والمعارضة بين الأصل والأمارة إلا بما أشرنا سابقاً وآنفاً ... إلخ)

تفريع على ما حققه المصنف في المقام من أن وجه تقدم الأمارات على الأصول الشرعية هو الورود ودوران الأمر بين التخصيص والتخصص على التقريب المتقدم لك شرحه آنفاً وسابقاً لا حكومة أدلة الأمارات على أدلة الأصول كما أفاد الشيخ أعلى الله مقامه فإنه قد دفع غائلة المعارضة بين الأمارات والأصول الشرعية بالحكومة لا بالورود وإن اعترف بورود الأمارات على الأصول العقلية (قال) في صدر التعادل والتراجيح (ما لفظه) وكيف كان فلا يتحقق يعني التعارض إلا بعد اتحاد الموضوع وإلا لم يمتنع اجتماعهما يعني الدليلين ومنه يعلم انه لا تعارض

١٦

بين الأصول وما يحصله المجتهد من الأدلة الاجتهادية لأن موضوع الحكم في الأصول الشيء بوصف أنه مجهول الحكم وفي الدليل نفس ذلك الشيء من دون ملاحظة ثبوت حكم له فضلا عن الجهل بحكمه فلا منافاة بين كون العصير المتصف بجهالة حكمه حلالا على ما هو مقتضى الأصل وبين كون نفس العصير حراماً كما هو مقتضي الدليل الدال على حرمته (إلى ان قال) فإن كان الأصل مما كان مؤداه بحكم العقل كأصالة البراءة العقلية والاحتياط والتخيير العقليين فالدليل أيضاً وارد عليه ورافع لموضوعه (إلى ان قال) وإن كان مؤداه من المجعولات الشرعية كالاستصحاب ونحوه كان ذلك الدليل حاكماً على الأصل بمعنى انه يحكم عليه بخروج مورده عن مجرى الأصل (انتهى) موضع الحاجة من كلامه رفع مقامه وقد ذكرنا في آخر الاستصحاب كلماته الشريفة هناك حول حكومة الأمارات على الاستصحاب خاصة وكلماته الشريفة في المقام حول حكومتها على الأصول الشرعية عامة بنحو أبسط فراجع.

(قوله هذا ولا تعارض أيضا إذا كان أحدهما قرينة على التصرف في الآخر كما في الظاهر مع النص أو الأظهر ... إلخ)

قد تقدم الإشارة إلى ذلك بقوله أو في أحدهما المعين وكأن الإعادة لزيادة التوضيح والبيان فإنا قد قسمنا الجمع بين الدليلين المتنافيين إلى أقسام ثلاثة.

(الأول) ما يتوقف على التصرف في كليهما جميعاً (وقد أشار) إليه هناك بقوله أو بالتصرف فيهما فيكون مجموعهما قرينة على التصرف فيهما ... إلخ.

(الثاني) ما يتوقف على التصرف في أحدهما الغير المعين (ولم يؤشر إليه) في هذا الفصل وسيأتي الإشارة إليه في آخر الفصل الثاني بقوله لا الجمع بينها بالتصرف في أحد المتعارضين ... إلخ يعني به أحدهما الغير المعين.

(الثالث) ما يتوقف على التصرف في أحدهما المعين (وقد أشار إليه) قبلا وفي المقام أيضا لمزيد الاهتمام به وهو مورد الجمع الدلالي بأن يكون أحدهما ظاهراً

١٧

والآخر نصاً أو أظهر فيكون قرينة على التصرف في الظاهر كما في العام والخاصّ والمطلق والمقيد والحاكم والمحكوم (بل قد يتفق) ذلك في العامين من وجه أيضا فيكون أحدهما أظهر من صاحبه في مادة الاجتماع فيقدم عليه (أو يتفق) في الحكمين المتضادين إذا تعلقا بطبيعة واحدة فيكون أحدهما أظهر من صاحبه في بعض الأفراد والآخر أظهر منه في البعض الآخر فيتصرف في ظاهر كل بالأظهر (وقد أشرنا إلى هذا كله) فيما تقدم ومضى وبيّنا أن الجمع الدلالي مما يطلق على كل من التخصيص والتقييد والحكومة وأما الجمع العرفي المقبول فهي كلمة أوسع يطلق على كل من المذكورات الثلاثة وعلى التوفيق العرفي والورود جميعاً.

(قوله وبالجملة الأدلة في هذه الصور وان كانت متنافية بحسب مدلولاتها إلا انها غير متعارضة لعدم تنافيها في الدلالة وفي مقام الإثبات ... إلخ)

قد تقدم منا المناقشة في ذلك وان الأدلة إذا كان بينها جمع عرفي مقبول كما انه لا تنافي بينها بحسب الدلالة ومقام الإثبات فكذلك لا تنافي بينها بحسب المدلول أيضا بعد فرض عدم تحير أبناء المحاورة فيها بل يلتئم المدلولات بعضها مع بعض كما يلتئم الدلالات بعضها مع بعض عيناً (ومن هنا قلنا) في صدر البحث إنه لا تظهر الثمرة بين تعريف المصنف للتعارض وبين تعريف الشيخ له حيث عرّفه المصنف بتنافي الدليلين أو الأدلة بحسب الدلالة ومقام الإثبات وعرّفه الشيخ أعلى الله مقامه بتنافي الدليلين وتمانعهما باعتبار مدلولهما.

١٨

الدليلان الظنيان لا يتعارضان إلا بحسب السند

(قوله وإنما يكون التعارض بحسب السند فيما إذا كان كل واحد منها قطعياً دلالة وجهة أو ظنياً ... إلخ)

وحاصل الكلام ان الدليلين الظنيين إذا تنافيا فلا يتعارضان إلا بحسب السند فقط سواء كان كل واحد منهما قطعياً دلالة وجهة أو كان كل واحد منهما ظنياً من الجهتين أيضاً أي من حيث الدلالة والجهة.

(أما في الأول) فواضح فإن الدليلين المتنافيين إذا فرض كون الدلالة والجهة فيهما قطعيتين على نحو لا تقبلان الحمل والتصرف أبداً فيحصل القطع لا محالة بكذب أحدهما من أصله.

(واما في الثاني) فإن الدلالة والجهة فيهما وان كانتا ظنيتين تقبلان الحمل والتصرف بإرادة خلاف الظاهر في أحدهما أو بصدور أحدهما لا لبيان الواقع فلا يحصل العلم الإجمالي حينئذ بكذب أحدهما من أصله (ولكن لا معنى) في هذا الفرض للتعبد بصدور كليهما جميعاً بمقتضى إطلاق دليل اعتبارهما إذ الإخلال حينئذ يقع في دلالتهما أو جهتهما بمعنى انه يعلم حينئذ ان أحدهما إما قد أريد خلاف ظاهره وإما قد صدر لا لبيان الواقع لتقية أو لحكمة أخرى ومن المعلوم ان التعبد بصدور دليلين مجملين لخلل في أحدهما لا محالة إما في دلالته وإما في جهته على نحو لا يمكن الانتفاع بهما مما لا معنى له فيتعارضان قهراً بحسب السند ويتنافيان في الدرج تحت دليل الاعتبار بلا شبهة (هذا كله) في الدليلين الظنيين بحسب السند كخبري الثقة.

١٩

(وأما في الدليلين القطعيين) بحسب السند كآيتين أو روايتين متواترتين إذا تنافيا فالتعارض لا محالة يكون بحسب الدلالة أو الجهة بمعنى أنه يعلم حينئذ إجمالا بكذب إحدى الدلالتين أو الجهتين بلا شبهة وإذا فرض كونهما قطعيين أيضا بحسب إحدى الجهتين من الدلالة والجهة فالتعارض لا محالة يكون في الجهة الأخرى ولا يكاد يعقل فرض الدليلين المتنافيين قطعيين من تمام الجهات سنداً ودلالة وجهة بلا كلام.

(قوله فيما إذا لم يكن التوفيق بينها بالتصرف في البعض أو الكل ... إلخ)

هذا التقييد راجع إلى خصوص قوله أو ظنياً لا إلى مجموع قوله قطعياً دلالة وجهة أو ظنياً ثم إن وجه التقييد بذلك أي بأن لا يكون بينها التوفيق بالتصرف في البعض أو الكل انه لو كان بينها التوفيق كذلك لم تكن الأدلة متنافية حينئذ كي يقع الكلام في ان التعارض بينها هل هو بحسب السند أو بغيره وهذا واضح.

(قوله إما للعلم بكذب أحدهما ... إلخ)

هذا فيما إذا كان كل واحد من الأدلة الظنية المتنافية قطعياً دلالة وجهة.

(قوله أو لأجل انه لا معنى للتعبد بصدورها مع إجمالها ... إلخ)

هذا فيما إذا كان كل واحد من الأدلة الظنية المتنافية ظنياً من حيث الدلالة والجهة أيضاً.

٢٠