عناية الأصول في شرح كفاية الأصول - ج ٦

السيد مرتضى الفيروزآبادي

عناية الأصول في شرح كفاية الأصول - ج ٦

المؤلف:

السيد مرتضى الفيروزآبادي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: منشورات فيروزآبادي
الطبعة: ٤
الصفحات: ٣٠٠

(قوله إلّا إذا كانت النسبة بعده على حالها ... إلخ)

كما إذا قال يجب إكرام العلماء ويحرم إكرام فساق العلماء ويستحب إكرام زيد العالم العادل فإن العلماء بعد ما خرج عنهم فساقهم وانحصر وجوب الإكرام بعدولهم خاصة كانت النسبة بين العلماء العدول وبين زيد العالم العادل عموماً مطلقاً كما كانت كذلك قبل خروج الفساق عنهم.

(قوله وفيه ان النسبة انما هي بملاحظة الظهورات وتخصيص العام بمخصص منفصل ولو كان قطعياً لا ينثلم به ظهوره وإن انثلم به حجيته ولذلك يكون بعد التخصيص حجة في الباقي ... إلخ)

(وحاصل جواب) المصنف عن التوهم المذكور ان النسبة بين الدليلين المتعارضين أو الأدلة المتعارضة إنما هي بملاحظة ظهوريهما أو ظهوراتها وقد حققنا في العام والخاصّ في الفصل الثالث عند التكلم حول حجية العام المخصص مطلقاً ولو بمنفصل في الباقي ان المخصص المنفصل مما لا يصادم أصل ظهور العام في العموم وإنما يصادم حجيته بالنسبة إلى مورد الخاصّ تحكيما للنص أو الأظهر عليه (وعليه) فإذا قال مثلا أكرم العلماء ثم قال ولا تكرم فساق العلماء ثم قال ولا تكرم النحويين فظهور العام في العموم محفوظ على حاله لا يكاد ينثلم بقوله ولا تكرم فساق العلماء وان انثلم به حجيته بالنسبة إلى فساقهم فإذا كان ظهوره محفوظاً على حاله ولو بعد تخصيصه بلا تكرم فساق العلماء كانت النسبة بينه وبين لا تكرم النحويين عموماً مطلقاً كما في السابق فيعامل معهما معاملة العام والخاصّ لا معاملة العامين من وجه وهذا واضح (هذا كله) حاصل جواب المصنف عن التوهم المذكور.

(واما الشيخ) أعلى الله مقامه فله جواب طويل عريض وقد عرفت قبلا ان كلام المتوهم هو مفروض فيما إذا كان أحد الخاصّين لبياً والآخر لفظياً وإن لم يؤشر إليه المصنف أصلا (وملخص جوابه عنه بطوله) أن العام المذكور بعد تخصيصه باللبي (إن لوحظ) بالنسبة إلى ظهوره الوضعي في العموم مع قطع النّظر

١٢١

عن تخصيصه به فكل من المخصص اللبي واللفظي سواء في المانعية عن ظهوره في العموم فيرفع اليد عن الموضوع له بهما لا بأحدهما دون الآخر (وإن لوحظ) ظهوره فيما سوى القدر المخرج باللبي أي في الباقي فلا ظهور له فيه الا بعد نفي احتمال مخصص آخر بأصالة العدم وإلا فيجمل العام ويردد بين تمام الباقي وبعضه ومن المعلوم انه لا يكاد يجري في المقام أصالة العدم بعد فرض ورود مخصص آخر لفظي (وبالجملة إن لوحظ) ظهور العام في العموم وضعاً فهو على حد سواء بالنسبة إلى كل من المخصص اللبي واللفظي فنسبته إلى كل منهما عموم مطلق (وإن لوحظ) ظهوره في الباقي بعد تخصيصه باللبي فلا ظهور له فيه كي تكون النسبة بينه وبين اللفظي عموماً من وجه وذلك لتوقفه على أصالة عدم مخصص آخر ولا يكاد تجري في المقام أصالة عدمه مع ورود مخصص آخر لفظي.

(أقول)

والحق في الجواب هو ما أجاب به المصنف من عدم انثلام ظهور العام في العموم بمخصص منفصل أصلا وانه يبقى الظهور محفوظاً على حاله وإن انثلم به حجيته بالنسبة إلى مورد الخاصّ وعليه فالنسبة بينه وبين المخصص الثاني هي العموم المطلق كما في السابق قبل تخصيصه بالأول.

(وأما جواب الشيخ) أعلى الله مقامه فهو مبتن على أمرين :

(أحدهما) كون المخصص مصادماً لأصل ظهور العام في العموم كما يظهر ذلك من قوله المتقدم فكل من المخصص اللبي واللفظي سواء في المانعية عن ظهوره في العموم ... إلخ.

(وثانيهما) انه ينعقد للعام ظهور في الباقي بوسيلة أصالة عدم مخصص آخر غير انه لا يجري هذا الأصل في المقام بعد فرض ورود مخصص آخر لفظي وفي كلا الأمرين ما لا يخفى.

(اما الأول) فلما حققناه في مبحث العام والخاصّ من ان العام المخصص

١٢٢

ولو بمنفصل هو مستعمل في معناه الحقيقي من العموم وان ظهوره فيه محفوظ حتى بعد ورود المخصص وإن سقط حجيته بمقدار مورد الخاصّ تحكيما للنص أو الأظهر على الظاهر.

(واما الثاني) فلأنه لو سلم ان العام ينعقد له ظهور في الباقي بوسيلة أصالة عدم مخصص آخر فما المانع عن انعقاده في المقام عند ورود المخصص الأول فيجري أصالة عدم مخصص آخر نظراً إلى عدم وروده بعد فينعقد الظهور في الباقي فإذا ورد المخصص الثاني كانت النسبة بينه وبين الباقي عموم من وجه كما زعم بعض معاصري الشيخ أعلى الله مقامه ويتم دعواه (فالصحيح إذا) في الجواب عنه هو ما أجاب به المصنف دون ما أجاب به الشيخ.

(نعم) حيث ان جواب المصنف ليس فيه إشارة إلى ما فرضه المتوهم من كون المخصص الأول لبياً فالأصح الأتم في الجواب عنه أن يقال إن المخصص اللبي ليس هو بمنزلة المخصص المتصل كي يوجب انعقاد ظهور العام في الباقي وتنقلب النسبة بينه وبين المخصص الثاني المنفصل ويكون المدار على النسبة المنقلبة بل العام ظاهر في الجميع وبعد تخصيصه باللبي باق على ظهوره في العموم وإن انثلم حجيته بالنسبة إلى مورد اللبي فإذا ورد المخصص الثاني اللفظي لوحظ ظهور العام في للعموم مع هذا المخصص الثاني الجديد والنسبة بينهما عموم مطلق فيخصص العام به كما خصص باللبي من قبل وهذا واضح (اللهم) إلّا إذا فرض أن يكون المخصص اللبي من الوضوح والضرورة بمثابة عدّ هو من المخصص المتصل فيوجب ذلك ظهور العام في الباقي وتنقلب نسبته مع المخصص الثاني إلى العموم من وجه إلا ان ذلك نادر جداً بل مجرد فرض كما لا يخفى.

(قوله لا يقال ان العام بعد تخصيصه بالقطعي لا يكون مستعملا في العموم قطعاً فكيف يكون ظاهراً فيه ... إلخ)

الظاهر ان وجه التخصيص بالقطعي في نظر المستشكل هو ان المخصص إذا كان

١٢٣

قطعياً فيحصل القطع حينئذ بعدم كون العام مستعملا في العموم فكيف يكون ظاهراً فيه ولا ينثلم بالمخصص ظهوره (وحاصل الجواب) ان المخصص المنفصل لا يكاد يكون قرينة على أكثر من عدم إرادة العموم لباً في مقام الثبوت وفي عالم الواقع من دون أن يكون قرينة على عدم استعماله فيه بل الممكن استعماله فيه لإفادة القاعدة الكلية ليعمل بها عند الشك في التخصيص.

(وقد أشار المصنف) إلى ذلك كله في مبحث العام والخاصّ (فقال) واما في المنفصل فلأن إرادة الخصوص واقعاً لا تستلزم استعماله فيه وكون الخاصّ قرينة عليه بل من الممكن قطعاً استعماله معه في العموم قاعدة وكون الخاصّ مانعاً عن حجية ظهوره تحكيما للنص أو الأظهر على الظاهر لا مصادماً لأصل ظهوره (إلخ) بل قد تقدم منا تقريب الدليل على استعماله في العموم مضافاً إلى دعوى إمكانه قطعاً فراجع.

(قوله وإلا لم يكن وجه في حجيته في تمام الباقي لجواز استعماله حينئذ فيه وفي غيره من المراتب ... إلخ)

أي ولو كان المعلوم عدم استعمال العام في العموم لم يكن وجه في حجية العام في تمام الباقي بعد ما خصص وخرج منه مقدار مخصوص وذلك لجواز استعماله في تمام الباقي أو في غيره من مراتب الخصوصات كما استدل به النافي وتقدم شرحه في مبحث العام والخاصّ.

(فقال المصنف) هناك واحتج النافي بالإجمال لتعدد المجازات حسب مراتب الخصوصات وتعين الباقي من بينها بلا معين ترجيح بلا مرجح ... إلخ.

(قوله وأصالة عدم مخصص آخر لا يوجب انعقاد ظهور له لا فيه ولا في غيره من المراتب لعدم الوضع ولا القرينة المعينة لمرتبة منها كما لا يخفى ... إلخ)

تعريض لما تقدم من الشيخ أعلى الله مقامه واستفيد من مجموع كلامه في المقام من

١٢٤

انعقاد الظهور للعام في الباقي بوسيلة أصالة عدم مخصص آخر.

(قوله نعم ربما يكون عدم نصب قرينة مع كون العام في مقام البيان قرينة على إرادة التمام ... إلخ)

أي نعم إذا كان العام في مقام البيان وكان خروج بعض الافراد منه متيقناً معلوماً فحينئذ عدم نصب قرينة معينة لمرتبة من مراتب الخصوصات هو قرينة واضحة على إرادة تمام الباقي دون بعضه.

(قوله فانقدح بذلك انه لا بد من تخصيص العام بكل واحد من الخصوصات مطلقاً ولو كان بعضها مقدماً أو قطعياً ... إلخ)

أي فانقدح بجميع ما تقدم إلى هنا انه لو كان هناك عام وخصوصات فلا بدّ حينئذ من تخصيص العام بكل واحد من الخصوصات ولو كان بعضها مقدماً زماناً أو كان قطعياً موجباً للقطع بعدم كون العام مستعملا في العموم لباً لا انه يخصص ببعضها أولا فإذا انقلبت النسبة بينه وبين باقي الخصوصات كان المدار على النسبة المنقلبة فتأمل جيداً.

(قوله ما لم يلزم منه محذور انتهائه إلى ما لا يجوز الانتهاء إليه عرفاً ولو لم يكن مستوعبة لأفراده فضلا عما إذا كانت مستوعبة لها ... إلخ)

إشارة إلى ما أشرنا إليه وأشار إليه الشيخ أيضا في كلامه المتقدم من انه إذا كانت النسبة بين الأدلة عموماً مطلقاً فاللازم هو تخصيص العام بكلا الخاصّين جميعاً ما لم يلزم منه محذور بقاء العام بلا مورد وقد تقدم التمثيل له بما إذا قال يجب إكرام العلماء ويحرم إكرام فساق العلماء ويستحب إكرام عدول العلماء غير ان المصنف قد ألحق بهذا المحذور أمراً آخر وهو ما إذا لزم من تخصيص العام بكلا الخاصّين جميعاً محذور انتهاء التخصيص إلى ما لا يجوز الانتهاء إليه عرفاً كتخصيص الأكثر وهو جيد.

١٢٥

(قوله فلا بدّ حينئذ من معاملة التباين بينه وبين مجموعها ومن ملاحظة الترجيح بينهما وعدمه ... إلخ)

تفريع على لزوم المحذور من تخصيص العام بكل واحد من الخصوصات أو الخاصّين وقد أشرنا وأشار الشيخ أيضاً إلى حصول التعارض حينئذ بين العام وبين مجموع الخاصّين كما في الدليلين المتعارضين عيناً غير أن المصنف قد شرح ذلك بنحو أبسط (فقال ما حاصله) انه بعد ما وقعت المعارضة بين العام وبين مجموع الخصوصات لا بد من الترجيح أو التخيير فإن رجحنا الخصوصات أو قدمناها تخييراً فيطرح العام ولا يعمل به أصلا وإن رجحنا العام أو قدم تخييراً فلا يطرح من الخصوصات إلا بمقدار يندفع به المحذور من بقاء العام بلا مورد أو لزوم تخصيص الأكثر ومن هنا تقع المعارضة حينئذ بين نفس الخصوصات أيضا فلا بدّ من تقديم بعضها على بعض إما ترجيحاً أو تخييراً.

(قوله فلا يطرح منها إلا خصوص ما لا يلزم مع طرحه المحذور إلى آخره)

ولو قال فلا يطرح منها إلا خصوص ما يندفع به المحذور كان أوضح وأجلى.

(قوله من التخصيص بغيره ... إلخ)

بيان لطرح ما لا يلزم مع طرحه المحذور فإن طرحه عبارة عن التخصيص بغيره أي عبارة عن جعل الغير مخصصاً للعام دونه.

(قوله وقد ظهر منه حالها فيما كانت النسبة بينها متعددة كما إذا ورد هناك عامان من وجه مع ما هو أخص مطلقاً من أحدهما وأنه لا بد من تقديم الخاصّ على العام ومعاملة العموم من وجه بين العامين ... إلخ)

قد أشرنا في صدر البحث ان الأدلة المتعارضة قد تكون النسبة بينها مختلفة وانه سيأتي الكلام فيها عند قول المصنف وقد ظهر منه حالها فيما كانت النسبة بينها متعددة ... إلخ فها هو موضع ذلك (وحاصله) انك قد عرفت الحال فيما إذا

١٢٦

كانت النسبة بين الأدلة متحدة وأما إذا كانت النسبة بينها مختلفة كما إذا ورد عام ثم خاص ثم ورد ثالث بينه وبين الأول عموم من وجه فيخصص الأول بالثاني ويجري معاملة الترجيح أو التخيير بين الأول والثالث في مادة الاجتماع وإن انقلبت النسبة بينهما إلى عموم مطلق بعد التخصيص بالثاني.

(وهذا هو معنى قول المصنف) كما إذا ورد هناك عامان من وجه مع ما هو أخص مطلقاً من أحدهما وانه لا بد من تقديم الخاصّ على العام ومعاملة العموم من وجه بين العامين من الترجيح والتخيير بينهما وإن انقلبت النسبة بينهما إلى العموم المطلق بعد تخصيص أحدهما ... إلخ (فإذا قال) مثلا يجب إكرام العلماء ويحرم إكرام فساق العلماء ويستحب إكرام العدول وجب تقديم الثاني على الأول لأخصيته منه فيختص وجوب الإكرام في الأول بالعلماء العدول ولا يقدم الأول على الثالث وإن انقلبت النسبة بينهما بعد التخصيص إلى عموم مطلق وذلك لما تقدم من ان التعارض بين الأدلة إنما هو بملاحظة ظهوراتها وأن المخصص المنفصل مما لا يصادم أصل الظهور وإن صادم حجيته بالنسبة إلى مورد الخاصّ (وعليه) فظهور قوله يجب إكرام العلماء في العموم محفوظ على حاله حتى بعد تخصيصه بقوله يحرم إكرام فساق العلماء فإذا كان ظهوره محفوظاً على حاله فالنسبة بينه وبين قوله يستحب إكرام العدول هي العموم من وجه كما في السابق عيناً.

(وهذا معنى قول المصنف) لما عرفت من أنه لا وجه إلا لملاحظة النسبة قبل العلاج ... إلخ (هذا كله) بناء على ما حققه المصنف وحققناه في انقلاب النسبة (وأما الشيخ) أعلى الله مقامه فيظهر منه هاهنا رعاية النسبة المنقلبة فإذا انقلبت النسبة بين العامين من وجه بعد تخصيص أحدهما بمخصص إلى عموم مطلق يجب ملاحظة النسبة الجديدة المتأخرة فنقدم الأخص بالعرض على الأعم (قال) أعلى الله مقامه (ما لفظه) وان كانت النسبة بين المتعارضات مختلفة فإن كان فيها ما يقدم على بعض آخر منها إما لأجل الدلالة كما في النص والظاهر أو الظاهر

١٢٧

والأظهر وإما لأجل مرجح آخر قدم ما حقه التقديم ثم لوحظ النسبة مع باقي المعارضات فقد تنقلب النسبة ويحدث الترجيح كما إذا ورد أكرم العلماء ولا تكرم فساقهم ويستحب إكرام العدول فإنه إذا خصَّ العلماء بعدولهم يصير أخص مطلق من العدول فيخصص العدول بغير علمائهم (قال) والسر في ذلك واضح إذ لو لا الترتيب في العلاج لزم إلغاء النص أو طرح الظاهر المنافي له رأساً وكلاهما باطل (انتهى) موضع الحاجة من كلامه (وفيه ما لا يخفى) فإنه مضافاً إلى كونه خلاف التحقيق لما عرفت من بقاء ظهور العام في العموم على حاله حتى بعد تخصيصه بالثاني فلا وجه لرعاية النسبة المنقلبة بينه وبين الثالث.

(أن ما ذكره الشيخ) من لزوم إلغاء النص أو طرح الظاهر المنافي له انما هو يلزم على تقدير واحد لا على كل تقدير فإنا إذا خالفنا الترتيب في العلاج ولاحظنا النسبة بين الأول والثالث أي بين أكرم العلماء وبين يستحب إكرام العدول فإن قدمنا الثالث في مادة الاجتماع ترجيحاً أو تخييراً وبقي لأكرم العلماء فساق العلماء فقط فحينئذ إن تركنا قوله ولا تكرم فساقهم لزم طرح النص وإن تركنا أكرم العلماء لزم طرح الظاهر المنافي للنص وأما إذا قدمنا الأول في مادة الاجتماع ترجيحاً أو تخييراً ثم خصصناه بالثاني لم يلزم شيء من المحذورين أصلا بل تكون النتيجة وجوب إكرام العالم العادل وحرمة إكرام العالم الفاسق واستحباب إكرام العادل من غير العلماء وهذا لدى التدبر واضح فتدبر جيداً.

(قوله نعم لو لم يكن الباقي تحته بعد تخصيصه إلا ما لا يجوز أن يجوز عنه التخصيص أو كان بعيداً جداً ... إلخ)

فإذا قال مثلا يجب إكرام العلماء ويحرم إكرام فساق العلماء ويستحب إكرام الهاشميين وقدمنا الثاني على الأول لأخصيته منه وفرضنا انه لم يبق للعلماء بعد إخراج الفساق عنهم إلا مقداراً قليلا لو جعلنا مادة الاجتماع بينه وبين الهاشميين تحت قوله ويستحب إكرام الهاشميين لبلغ التخصيص في العلماء إلى ما لا يجوز الانتهاء إليه كما

١٢٨

في تخصيص الأكثر أو كان بعيداً جداً كما في تخصيص المساوي لقدمنا الأول على الثالث لكن ذلك لا لانقلاب النسبة بل لصيرورة لفظ العلماء بعد التخصيص كالنص بالنسبة إلى الهاشميين لقلة أفراده وضيق دائرته فيجعل مورد الاجتماع تحت لفظ العلماء لأظهريته من لفظ الهاشميين.

(وهذا معنى قول المصنف) بل لكونه كالنص فيه فيقدم على الآخر الظاهر فيه بعمومه كما لا يخفى.

(أقول)

ان المخصص المنفصل كما انه مما لا يوجب انعقاد ظهور جديد للعام في الباقي بل العام باق على ظهوره الأوّلي فكذلك مما لا يوجب أظهريته بالنسبة إلى عام آخر (وعليه) ففي المثال كما ان قوله يجب إكرام العلماء من قبل تخصيصه بيحرم إكرام فساق العلماء كان معارضاً لقوله ويستحب إكرام الهاشميين في مادة الاجتماع ولم يكن أحدهما أظهر من الآخر بل كان يجب الترجيح بينهما أو التخيير على الخلاف المتقدم في الدليلين المتعارضين فكذلك بعد تخصيصه به بلا شبهة.

في بيان كون المرجحات على أنحائها

كلها من مرجحات السند

(قوله فصل لا يخفى ان المزايا المرجحة لأحد المتعارضين الموجبة للأخذ به وطرح الآخر بناء على وجوب الترجيح وان كانت على أنحاء مختلفة ... إلخ)

(الشيخ أعلى الله مقامه) في صدر المقام الرابع من مقامات التراجيح قسّم مجموع

١٢٩

المرجحات من غير تقييد بكونها من المنصوصات أو غيرها على قسمين (داخلية) (وخارجية).

(أما الداخلية) أعني كل مزية غير مستقلة في نفسها فهي على أقسام (فقد تكون) راجعة إلى الصدور سواء كان موردها السند كأعدلية الراوي أو المتن كأفصحية اللفظ وقد ذكر تفصيل هذا القسم بعد الفراغ عن بعض الكلام في المرجحات من حيث الدلالة (وقد تكون) راجعة إلى جهة الصدور كمخالفة العامة وقد ذكر تفصيل هذا القسم بعد الفراغ عن القسم الأول (وقد تكون) راجعة إلى المضمون وقد مثّل لهذا القسم في صدر المقام الرابع بالمنقول باللفظ بالنسبة إلى المنقول بالمعنى.

(وأما المرجحات الخارجية) أعني كل مزية مستقلة في نفسها ولو لم يكن هناك خبر أصلا (فهي على قسمين) كما ذكرها بعد الفراغ عن المرجحات الداخلية بأقسامها الثلاثة وأشار إليها قبلا في صدر المقام الرابع مختصراً (فقد تكون) غير معتبرة في نفسها كالشهرة في الفتوى ونحوها وهذا القسم من الخارجي معاضد لمضمون الخبر ومؤثر في أقربيته إلى الواقع (وقد تكون) معتبرة في نفسها وهذه أيضاً على قسمين (فقد تكون) معاضدة لمضمون أحد الخبرين ومؤثرة في أقربيته إلى الواقع كالكتاب والسنة (وقد تكون) غير معاضدة لمضمون أحد الخبرين ولا مؤثرة في أقربيته إلى الواقع كالأصل بناء على عدم اعتباره من باب الظن وأن مضمونه حكم الله الظاهري المحض من دون كونه طريقاً إلى حكم الله الواقعي.

(ثم ان المرجحات المذكورة) على أنحائها بناء على الترجيح والتعدي من المزايا المنصوصة إلى غيرها هي كلها لدى المصنف من مرجحات السند فانها لدى النتيجة موجبة لتقديم أحد السندين وحجيته فعلا ووجوب الأخذ به وطرح الآخر رأساً وهو حسن جيد متين جداً.

١٣٠

(قوله ومواردها متعددة من راوي الخبر ونفسه ووجه صدوره ومتنه ومضمونه ... إلخ)

وسيأتي التمثيل لكل واحد منها على حدة فانتظر.

(قوله مثل الوثاقة والفقاهة ... إلخ)

هذان المثالان هما للمرجح الّذي مورده راوي الخبر.

(قوله والشهرة ... إلخ)

أي الشهرة في الرواية وهي مثال للمرجح الّذي مورده نفس الخبر.

(قوله ومخالفة العامة ... إلخ)

مثال للمرجح الّذي مورده وجه صدور الخبر بناء على الوجه الرابع من الوجوه الأربعة التي احتملها الشيخ أعلى الله مقامه في الترجيح بمخالفة العامة وقد تقدم تفصيلها في مبحث التعدي وعدم التعدي من المرجحات المنصوصة والاحتمالات الأربعة بحسب ترتيب الشيخ هكذا.

(أولها) أن يكون الترجيح لمجرد التعبد.

(وثانيها) أن يكون الترجيح لكون الرشد والحق في خلافهم.

(وثالثها) أن يكون الترجيح لمجرد حسن المخالفة لهم.

(ورابعها) أن يكون الترجيح للحكم بصدور الموافق للعامة تقية (وقد عرفت) هناك ضعف الوجه الأول والثالث وان المتعين من بينها إما الوجه الثاني كما هو ظاهر التعليل في المقبولة ما خالف العامة ففيه الرشاد أو في المرفوعة خذ بما خالفهم فإن الحق فيما خالفهم وظاهر غيرهما من الأخبار كرواية علي بن أسباط ورواية أبي إسحاق الأرجاني ورواية أبي بصير المتقدمات كلها هناك أو الوجه الرابع كما دل عليه رواية عبيد بن زرارة ما سمعته مني يشبه قول الناس ففيه التقية وما سمعت مني لا يشبه قول الناس فلا تقية فيه (وعرفت) أيضاً أن المصنف قد احتمل هذه الاحتمالات بعينها سوى الأول منها.

١٣١

(وبالجملة) ان في الترجيح بمخالفة العامة احتمالات أربعة والمتعين من بينها اثنان إما احتمال كون الترجيح لأجل كون الرشد والحق في خلافهم والغيّ والباطل في وفاقهم وعلى هذا الاحتمال تكون مخالفة العامة هي من المرجحات المضمونية كالشهرة في الفتوى ونحوها وإما احتمال كون الترجيح لأجل أن الموافق لهم صادر تقية وعلى هذا الاحتمال تكون مخالفة العامة هي من المرجحات الجهتية وقول المصنف في المقام ومخالفة العامة ... إلخ هو مبنى على هذا الاحتمال الأخير الرابع فلا تغفل.

(بقي شيء) وهو ان مخالفة العامة هل هي من المرجحات الداخلية أو الخارجية ظاهر الشيخ أعلى الله مقامه بل صريحه أنه (إن كان) وجه الترجيح بها هو الوجه الرابع من الوجوه المتقدمة من كون الموافق صادراً تقية فهي من المرجحات الداخلية الجهتية (وان كان) وجه الترجيح بها هو الوجه الثاني منها من كون الرشد في خلافهم فهي من المرجحات الخارجية المضمونية كل ذلك يظهر من مراجعة مجموع كلماته الشريفة في صدر المقام الرابع من مقامات التراجيح وعند التعرض للمرجحات الخارجية وهو كما ترى ضعيف لا يخلو عن مناقشة فإن مخالفة جمهور العامة كموافقة مشهور الأصحاب هي من المرجحات الخارجية لا محالة فإنها مزية مستقلة بنفسها ولو لم يكن هناك خبر أصلا وقد عرّف هو بنفسه المزية الخارجية بذلك غايته انه إن كان وجه الترجيح بها هو كون الموافق لهم صادراً تقية فهي من المرجحات الخارجية الجهتية وإن كان وجه الترجيح بها هو كون الرشد والحق في خلافهم فهي من المرجحات الخارجية المضمونية فهي على كل حال مرجح خارجي لا داخلي فتأمل جيداً.

(قوله والفصاحة ... إلخ)

مثال للمرجح الّذي مورده متن الخبر.

١٣٢

(قوله وموافقة الكتاب والموافقة لفتوى الأصحاب ... إلخ)

مثالان للمرجح الّذي مورده مضمون الخبر كمخالفة العامة بناء على الوجه الثاني من الوجوه الأربعة المتقدمة وهو كون الترجيح بها لأجل كون الرشد والحق في خلافهم والغيّ والباطل في وفاقهم.

(قوله خصوصاً لو قيل بالتعدي من المزايا المنصوصة ... إلخ)

بل أصل هذا البحث هو مبني على التعدي كما أشرنا قبلا وإلّا فلا وجه لتمثيله بالفصاحة وبالموافقة لفتوى الأصحاب فإنهما ليستا من المزايا المنصوصة في شيء من الاخبار العلاجية أصلا بل ولا وجه لتمثيله بالفقاهة أيضاً فإنها وإن كانت من مرجحات الحكمين كما في المقبولة ولكنها لم تكن من مرجحات الخبرين قطعاً.

(قوله حتى مخالفة الخبر للتقية ... إلخ)

أي حتى أن مخالفة الخبر للتقية التي هي من المرجحات الجهتية عند المشهور تكون هي من المرجحات السندية وذلك لكونها لدى النتيجة كما يستفاد من اخبار العلاج هي مما يوجب ترجيح أحد السندين وحجيته فعلا ووجوب الأخذ به وطرح الآخر رأساً.

(قوله وكونها في مقطوعي الصدور متمحضة في ترجيح الجهة لا يوجب كونها كذلك في غيرهما ... إلخ)

(دفع لما قد يتوهم) من ان مخالفة الخبر للتقية في مقطوعي السند متمحضة في ترجيح الجهة بلا كلام فكما انها متمحضة فيهما لذلك فليكن كذلك في مظنوني السند أيضا بعد كون الأصل فيهما الصدور بمقتضى إطلاق دليل اعتبارهما (وحاصل الدفع) ان كونها في مقطوعي السند متمحضة في ذلك هو مما لا يوجب كونها كذلك في مظنوني السند أيضا إذ لا معنى في مظنوني السند للتعبد بصدور كليهما جميعاً ثم حمل أحدهما الموافق للعامة على التقية فإن التعبد بصدور المخالف وان كان مما له وجه وجيه ولكن التعبد بصدور الموافق ليحمل على التقية مما لا محصل له

١٣٣

فقهراً يقع التعارض في مرحلة السند دون الجهة ويدور الأمر بين التعبد بسند هذا أو بسند ذاك فتكون المخالفة للعامة حينئذ مرجحة سنداً لا جهة (وقد تقدم) في آخر الفصل الأول من مباحث التعارض ان الدليلين الظنيين إذا تنافيا فلا يكاد يتعارضان إلا بحسب السند سواء كانا قطعيين دلالة وجهة أو كانا ظنيين دلالة وجهة.

(أما في الأول) فواضح (وأما في الثاني) فلأنه لا معنى للتعبد بصدور كليهما جميعاً بمقتضى إطلاق دليل اعتبارهما ليقع الإخلال في دلالتهما أو جهتهما على نحو لا ينتفع بهما أصلا فقهراً يقع التعارض في سندهما وفي الدرج تحت دليل اعتبارهما لا في دلالتهما أو جهتهما فراجع وتدبر.

لا وجه لمراعاة الترتيب بين المرجحات

لو قيل بالتعدي من المزايا المنصوصة

(قوله ثم إنه لا وجه لمراعاة الترتيب بين المرجحات لو قيل بالتعدي وإناطة الترجيح بالظن أو بالأقربية إلى الواقع ... إلخ)

(وحاصل الكلام) ان بناء على القول بالتعدي من المزايا المنصوصة (إما إلى) كل مزية موجبة للظن الشأني بمعنى انه لو فرض العلم بكذب أحدهما كان احتمال مطابقة ذي المزية أرجح من الآخر (أو إلى) كل مزية موجبة للظن الفعلي على الخلاف المتقدم بين الشيخ أعلى الله مقامه وبين بعضهم وقد عبّر المصنف عن الأول بالأقربية إلى الواقع وعن الثاني بالظن (لا وجه) لمراعاة الترتيب بين المرجحات وملاحظة أن أيهما يقدم وأيهما يؤخر إذ المناط حينئذ حصول الظن الشأني أو الفعلي

١٣٤

فإن حصل في جانب فهو المقدم وإن حصل في كلا الطرفين جميعاً إذ حصوله كذلك أمر ممكن حتى في الظن الفعلي كما إذا كان المتعارضان كلاهما مظنوني الصدور وكان الخلل مظنوناً في دلالتهما أو في جهتهما فاللازم حينئذ التخيير.

(أقول)

هذا مضافاً إلى ان جميع المرجحات على ما حققه المصنف آنفاً هو من مرجحات السند دون غيره (وعليه) فعدم ملاحظة الترتيب بينها حينئذ يكون أظهر وأوضح جداً.

(قوله فلا وجه لإتعاب النّفس في بيان أن أيّهما يقدم أو يؤخر ... إلخ)

كما فعل الوحيد البهبهاني وفعل الشيخ الأنصاري أيضاً وبعض أعاظم تلاميذه أعلى الله تعالى مقامهم فأتعبوا أنفسهم الزكية في سبيل ذلك جداً وفي البحث عن أن أيهما يقدم وأيهما يؤخر وسيأتي تفصيل ذلك كله قريباً فانتظر.

(قوله وأما لو قيل بالاقتصار على المزايا المنصوصة فله وجه ... إلخ)

أي فلمراعاة الترتيب بين المرجحات وجه (قال) في المتن لما يتراءى من ذكرها مرتباً في المقبولة والمرفوعة.

(قوله مع إمكان أن يقال إن الظاهر كونهما كسائر أخبار الترجيح بصدد بيان أن هذا مرجح وذاك مرجح ... إلخ)

بل لا يمكن القول بذلك جداً فإن الظاهر من المقبولة والمرفوعة بل كاد أن يكون صريحهما هو الترتيب بين المرجحات فإن مقتضى أمره عليه‌السلام بالترجيح بالشهرة مثلا هو أن المناط في تقديم أحدهما شهرته رواية سواء كان موافقاً للكتاب أم لا كما ان مقتضى فرض الراوي كليهما مشهورين وأمره عليه‌السلام بالترجيح بموافقة الكتاب هو أن المعيار في التقديم حينئذ موافقة أحدهما للكتاب سواء كان مخالفاً للعامة أم لا وهكذا إلى آخر المرجحات وهذا هو عين الترتيب بلا شبهة (واما كون) ساير أخبار الترجيح بصدد بيان ان هذا مرجح وذاك مرجح فهو ليس مربوطاً

١٣٥

بالمقبولة والمرفوعة أصلا (كما ان اقتصار) غير واحد من الأخبار على ذكر مرجح واحد لا أكثر مما لا يشهد بعدم الترتيب في المقبولة والمرفوعة أبداً ولزوم تقييد جميع أخبار الترجيح على كثرتها بما في المقبولة على القول بالترتيب وان كان هو بعيداً جداً ولكنه مع ذلك مما لا ينافي ظهور المقبولة في الترتيب كما لا يخفى.

(قوله وعليه فمتى وجد في أحدهما مرجح وفي الآخر آخر منها كان المرجع هو إطلاقات التخيير ... إلخ)

تفريع على قوله مع إمكان أن يقال إن الظاهر ... إلخ (وحاصله) ان بناء على عدم الترتيب في المزايا المنصوصة متى وجد في أحد المتعارضين مرجح من المرجحات المنصوصة وفي الآخر آخر منها كان المرجح هو إطلاقات التخيير لتساويهما حينئذ في المزية وليس كذلك على القول بالترتيب بل لا بد حينئذ من ملاحظة الرتبة فإذا وجد في أحدهما مرجح وفي الآخر آخر فلا عبرة بأحد المرجحين لعدم كونه في عرض الآخر.

(نعم) إذا تساوي الطرفان في تمام المزايا المنصوصة فحينئذ يرجع إلى التخيير وإن كان في آخر المقبولة قد أمر بالإرجاء إلى لقاء الإمام عليه‌السلام ولكنه مختص بزمان الحضور قطعاً.

(قوله وانقدح بذلك أن حال المرجح الجهتي حال ساير المرجحات إلى آخره)

أي وانقدح بما تقدم من قوله ثم انه لا وجه لمراعاة الترتيب بين المرجحات لو قيل بالتعدي وإناطة الترجيح بالظن أو بالأقربية إلى الواقع ... إلخ ان حال المرجح الجهتي هو كحال ساير المرجحات عيناً فإذا كان مرجح جهتي في جانب ومرجح صدوري في جانب آخر فلا بدّ من ملاحظة ان أيهما موجب للظن الفعلي أو الشأني أي الأقربية إلى الواقع بالمعنى المتقدم فيقدم هو دون الآخر وإذا تساويا في المناطين فنتخير بينهما بمقتضى إطلاقات التخيير (وعليه) فلا وجه لتقديم المرجح الجهتي

١٣٦

على غيره كما عن الوحيد البهبهاني قدس‌سره على ما سيأتي التصريح به من المصنف في المتن (ثم قال) وبالغ فيه بعض أعاظم المعاصرين أعلى الله درجته يعني به صاحب البدائع (قال) ولا لتقديم غير الجهتي أي الصدوري عليها كما اختاره الشيخ أعلى الله مقامه وسيأتي أيضاً من المصنف نقل عبارته الشريفة بطولها فانتظر.

(قوله فلا وجه لتقديمه على غيره ... إلخ)

أي فلا وجه لتقديم المرجح الجهتي على غيره.

فيما أفاده الشيخ لتقديم المرجح الصدوري

على الجهتي وتضعيفه

(قوله كما يظهر من شيخنا العلامة أعلى الله مقامه قال أما لو زاحم الترجيح بالصدور الترجيح من حيث جهة الصدور ... إلخ)

(وحاصل كلام الشيخ) أعلى الله مقامه بطوله في وجه تقديم المرجح الصدوري على الجهتي ان جهة الصدور متفرع على أصل الصدور (فإذا كان) الخبران المتعارضان مقطوعي الصدور كما في المتواترين فتصل النوبة حينئذ إلى المرجح الجهتي (وهكذا إذا كان) الخبران بحكم مقطوعي الصدور يعني بهما المتكافئين من حيث الصدور على نحو لا يمكن التعبد بصدور أحدهما دون الآخر بعد تساويهما من تمام الجهات فحينئذ تصل النوبة أيضاً إلى المرجح الجهتي (واما إذا كانا) متفاضلين من حيث الصدور فيجب التعبد حينئذ بالراجح صدوراً ولا يكاد تصل النوبة إلى المرجوح صدوراً كي يلاحظ رجحانه جهة هذا ملخص كلامه أعلى الله تعالى مقامه.

١٣٧

(قوله بناء على تعليل الترجيح بمخالفة العامة باحتمال التقية في الموافق إلى آخره)

أي بناء على الوجه الرابع من الوجوه الأربعة التي احتملها الشيخ أعلى الله مقامه في الترجيح بمخالفة العامة وهو كون الترجيح بها لأجل الحكم بصدور الموافق للعامة تقية كما دل عليه قوله عليه‌السلام ما سمعته مني يشبه قول الناس ففيه التقية ... إلخ واما بناء على الوجه الثاني وهو كون الترجيح بها لأجل كون الرشد والحق في خلافهم فهي من المرجحات المضمونية كما أشرنا قبلا دون الجهتية.

(قوله فإن قلت إن الأصل في الخبرين الصدور فإذا تعبدنا بصدورهما اقتضى ذلك الحكم بصدور الموافق تقية ... إلخ)

(وحاصل الإشكال) انه كما في مقطوعي الصدور وما بحكمهما من المتكافئين من حيث الصدور مما لا يمكن التعبد بصدور أحدهما دون الآخر تصل النوبة إلى المرجح الجهتي فكذلك في المتفاضلين من حيث الصدور بعد اقتضاء الأصل صدورهما جميعاً بمقتضى إطلاق دليل اعتبارهما شرعاً فإذا عبدنا الشارع بصدورهما جميعاً كانا كمقطوعي الصدور وما بحكمهما عيناً فيؤخذ بالراجح جهة دون الآخر (وهذا نظير) ما إذا كان المتعارضان بينهما جمع عرفي مقبول بان كان أحدهما ظاهراً والآخر أظهر فكما ان مقتضى الأصل فيهما صدورهما جميعاً فيؤخذ بالأقوى دلالة ويحمل الآخر عليه فكذلك في المقام يقتضي الأصل صدورهما جميعاً فيؤخذ بالأقوى جهة دون الآخر فيكون حال المرجح الجهتي هو كحال المرجح الدلالي عيناً أي يكون مقدماً على غيره ومع فقده تصل النوبة إلى غيره (وحاصل الجواب) انه فرق عظيم بين المقامين فإن المتعارضين إذا كان بينهما جمع عرفي مقبول يعقل التعبد بصدورهما جميعاً فيؤخذ بالأظهر ويحمل الظاهر عليه كما في العام والخاصّ والمطلق والمقيد ولا يطرح الظاهر إلى الآخر بخلاف ما إذا لم يكن بينهما جمع عرفي وكانا متفاضلين من حيث الصدور فلا يعقل التعبد بصدورهما جميعاً إذ لا محصل

١٣٨

للتعبد بصدورهما ليحمل الموافق منهما للعامة على التقية فإنه إلغاء له رأساً وهذا واضح

(قوله وفيه مضافاً إلى ما عرفت ان حديث فرعية جهة الصدور على أصله إنما يفيد إذا لم يكن المرجح الجهتي من مرجحات أصل الصدور ... إلخ)

أي وفيه مضافاً إلى ما عرفت من انه لا وجه لمراعاة الترتيب بين المرجحات وملاحظة ان أيّهما يقدم وأيّهما يؤخر بعد ان كان المناط على القول بالتعدي هو حصول الظن الشأني بالمعنى المتقدم أو الظن الفعلي فإن حصل في جانب فهو المقدم وإن حصل في كليهما فنتخير.

(أن ما ذكره الشيخ) أعلى الله مقامه من تفريع جهة الصدور على أصل الصدور انما يتم إذا لم نقل برجوع تمام المزايا إلى المرجحات السندية أي الصدورية كما حققناه في صدر هذا الفصل وإلا فلا وجه لمراعاة الترتيب بين المرجحات أصلا إذا لا فرق حينئذ بين مرجح ومرجح كما لا يخفى (وقد أشرنا) نحن إلى هذين الوجهين عند التعليق على قوله ثم انه لا وجه لمراعاة الترتيب ... إلخ فتذكر.

(قوله ومع عدم الدلالة ولو لعدم التعرض لهذه الصورة فالمحكم هو إطلاق التخيير ... إلخ)

أي مع عدم دلالة أخبار العلاج على الترجيح بين المرجحين أي الصدوري والجهتي فالمحكم هو إطلاق التخيير.

(أقول)

قد أشرنا قبلا في ذيل التعليق على قوله مع إمكان أن يقال ... إلخ ان ظاهر المقبولة والمرفوعة بل كاد صريحهما هو الترتيب بين المرجحات فإنهما قد أمرتا أولا بالترجيح ببعض المرجحات الصدورية ثم في فرض الراوي تساويهما في ذلك قد أمرتا بالترجيح بالمرجح الجهتي وهذا كالصريح في تقديم الصدوري على الجهتي (اللهم) إلّا ان يقال إن الكلام مع الشيخ في لزوم الترتيب بين الصدوري والجهتي وعدمه ليس هو في المزايا المنصوصة بل في غيرها على التعدي وليس فيهما دلالة على تقديم

١٣٩

كل صدوري على الجهتي ولو لم يكن الصدوري من المنصوصة.

(قوله وقد أورد بعض أعاظم تلاميذه عليه بانتقاضه بالمتكافئين من حيث الصدور ... إلخ)

الظاهر ان المراد من بعض أعاظم تلاميذ الشيخ هو صاحب البدائع الّذي عبّر عنه المصنف فيما تقدم ببعض أعاظم المعاصرين (وكيف كان) حاصل ما أورده بعض الأعاظم على الشيخ انه لو لم يعقل التعبد بصدور المتفاضلين من حيث الصدور نظراً إلى أنه لا معنى للتعبد بصدورهما جميعاً ليحمل الموافق منهما للعامة على التقية فإنه إلغاء له رأساً كما تقدم آنفا في جواب (ان قلت) لم يعقل التعبد بالخبرين المتكافئين أيضا من حيث الصدور لعين هذا المحذور.

(وقد أجاب عنه المصنف) بما حاصله ان بعض الأعاظم تخيل ان الشيخ أعلى الله مقامه قد اعتبر في الترجيح بحسب الجهة ان يكون المتعارضان إما مقطوعي الصدور كما في المتواترين أو مما وقع التعبد بصدورهما فعلا كما في المتكافئين فأورد عليه النقض المذكور (ولم يتفطن) أن غرض الشيخ ليس أن المتكافئين مما وقع التعبد بصدورهما فعلا كما يوهمه قوله فمورد هذا الترجيح تساوي الخبرين من حيث الصدور إما علما كما في المتواترين أو تعبداً كما في المتكافئين ... إلخ بل وقوله السابق لأن هذا الترجيح ملحوظ في الخبرين بعد فرض صدورهما قطعاً كما في المتواترين أو تعبداً كما في الخبرين ... إلخ (بل غرضه) ان المتكافئين متساويان بحسب دليل التعبد بالصدور فلا يمكن التعبد بصدور أحدهما دون الآخر كما صرح به في صدر عبارته المتقدمة (فقال) أو تعبداً كما في الخبرين بعد عدم إمكان التعبد بصدور أحدهما وترك التعبد بصدور الآخر ... إلخ فإذا لم يمكن التعبد بصدور أحدهما دون الآخر كانا قهراً كمقطوعي الصدور في كونهما مورداً للترجيح الجهتي خاصة دون الصدوري فتأمل جيداً.

١٤٠