عناية الأصول في شرح كفاية الأصول - ج ٦

السيد مرتضى الفيروزآبادي

عناية الأصول في شرح كفاية الأصول - ج ٦

المؤلف:

السيد مرتضى الفيروزآبادي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: منشورات فيروزآبادي
الطبعة: ٤
الصفحات: ٣٠٠

موارد الجمع العرفي وان كانت متنافية بحسب مدلولاتها إلا انها غير متعارضة لعدم تنافيها في الدلالة وفي مقام الإثبات بحيث تبقى أبناء المحاورة متحيرة ... إلخ (وقد عرفت أيضا) ان ما تقتضيه القاعدة الأولية في الخبرين المتعارضين من التساقط في الجملة على التفصيل المتقدم لك شرحه في الفصل الثاني هو مما لا يعم موارد الجمع العرفي بل هو يختص بغير موارد الجمع العرفي (ولكن هل التخيير أو الترجيح) المستفاد من الأخبار العلاجية هو يختص أيضا بغير موارد الجمع العرفي أو هو مما يعمها ويشملها (قولان).

(أولهما) المشهور بل يظهر من الشيخ أعلى الله مقامه تبعاً لبعض مشايخه المعاصرين له انه مما لا خلاف فيه.

(وثانيهما) المحكي عن شيخ الطائفة رضوان الله عليه وبعض من تأخر عنه.

(قال الشيخ) أعلى الله مقامه في صدر المقام الرابع من مقامات التراجيح بعد ما أشار إلى المرجح الصدوري والجهتي والمضموني (ما لفظه) وهذه الأنواع الثلاثة كلها متأخرة عن الترجيح باعتبار قوة الدلالة فإن الأقوى دلالة مقدم على ما كان أصح سنداً وموافقاً للكتاب ومشهور الرواية بين الأصحاب لأن صفات الرواية لا يزيده على المتواتر وموافقة الكتاب لا يجعله أعلى من الكتاب وقد تقرر في محله تخصيص الكتاب والمتواتر بأخبار الآحاد فكل ما يرجع التعارض إلى تعارض الظاهر والأظهر فلا ينبغي الارتياب في عدم ملاحظة المرجحات الأخر (إلى ان قال) وما ذكرناه كأنه مما لا خلاف فيه كما استظهره بعض مشايخنا المعاصرين ويشهد له ما يظهر من مذاهبهم في الأصول وطريقتهم في الفروع (قال) نعم قد يظهر من عبارة الشيخ في الإستبصار خلاف ذلك بل يظهر منه ان الترجيح بالمرجحات يلاحظ بين النص والظاهر فضلا من الظاهر والأظهر (ثم ذكر عبارته) في الإستبصار (ثم عبارته) في العدة (ومحصلهما) الرجوع أولا إلى مرجحات الرواية ثم الرجوع إلى مرجحات الدلالة (ثم قال) وهذا كله كما ترى يشمل حتى تعارض

١٠١

العام والخاصّ مع الاتفاق فيه على الأخذ بالنص (قال) وقد صرح في العدة في باب بناء العام على الخاصّ بأن الرجوع إلى الترجيح والتخيير انما هو في تعارض العامين دون العام والخاصّ بل لم يجعلهما من المتعارضين أصلا (قال) واستدل على العمل بالخاص بما حاصله ان العمل بالخاص ليس طرحاً للعام بل حمله على ما يمكن أن يريده الحكيم وان العمل بالترجيح والتخيير فرع التعارض الّذي لا يجري فيه الجمع (ثم قال) وهو مناقض لما ذكره هنا يعني به في الإستبصار وفي العدة في غير باب بناء العام على الخاصّ (إلى أن قال) وقد يظهر ما في العدة من كلام بعض المحدثين حيث أنكر حمل الخبر الظاهر في الوجوب أو التحريم على الاستحباب والكراهة لمعارضة خبر الرخصة زاعماً انه طريق جمع لا إشارة إليه في أخبار الباب بل ظاهرها تعين الرجوع إلى المرجحات المقررة (قال) وربما يلوح هذا أيضاً من كلام المحقق القمي في باب بناء العام على الخاصّ فانه بعد ما حكم بوجوب البناء قال وقد يستشكل بأن الأخبار قد وردت في تقديم ما هو مخالف للعامة أو موافق للكتاب أو نحو ذلك وهو يقتضي تقديم العام لو كان هو الموافق أو المخالف للعامة أو نحو ذلك وفيه ان البحث منعقد لملاحظة العام والخاصّ من حيث العموم والخصوص لا بالنظر إلى المرجحات الخارجية إذ قد يصير التجوز في الخاصّ أولى من التخصيص في العام من جهة مرجح خارجي وهو خارج عن المتنازع (قال) انتهى أي كلام المحقق القمي.

(قوله وقصارى ما يقال في وجهه ان الظاهر من الاخبار العلاجية سؤالا وجواباً هو التخيير أو الترجيح في موارد التحير ... إلخ)

أي وقصارى ما يقال في وجه المشهور ... إلخ (والظاهر) انه إشارة إلى ما أفاده الشيخ أعلى الله مقامه في وجه ما ذهب إليه المشهور من اختصاص التخيير أو الترجيح بغير موارد الجمع العرفي (فإنه قال أعلى الله مقامه) بعد قوله المتقدم فكل ما يرجع التعارض إلى تعارض الظاهر والأظهر فلا ينبغي الارتياب في عدم

١٠٢

ملاحظة المرجحات الأخر (ما لفظه) والسرّ في ذلك ما أشرنا إليه سابقاً من أن مصب الترجيح بها هو ما إذا لم يمكن الجمع بوجه عرفي يجري في كلامي مقطوعي الصدور على غير جهة التقية بل في جزئي كلام واحد لمتكلم واحد (قال) وبتقرير آخر إذا أمكن فرض صدور الكلامين على غير جهة التقية وصيرورتهما كالكلام الواحد على ما هو مقتضى دليل وجوب التعبد بصدور الخبرين فيدخل في قوله عليه‌السلام أنتم أفقه الناس إذا عرفتم معاني كلامنا إلى آخر الرواية المتقدمة وقوله عليه‌السلام إن في كلامنا محكماً ومتشابهاً فردوا متشابهها إلى محكمها ولا يدخل ذلك في مورد السؤال عن علاج المتعارضين بل مورد السؤال عن العلاج مختص بما إذا كان المتعارضان لو فرض صدورهما بل اقترانهما تحير السائل فيهما ولم يظهر المراد منهما إلا ببيان آخر لأحدهما أو لكليهما (انتهى) (ومحصله) ان موارد السؤال في الاخبار العلاجية هي مختصة بما إذا كان المتعارضان على نحو يوجبان تحير السائل ولم يظهر المراد منهما إلا ببيان آخر لأحدهما أو لكليهما وهو في غير موارد الجمع العرفي.

(أقول)

إن عنوان التعارض وإن كان مما يصدق في كل من موارد الجمع العرفي وغيرها جميعاً (غير ان التعارض) في موارد الجمع العرفي وهي التخصيص والتقييد والحكومة بل مطلق الظاهر والأظهر أو النص والظاهر وهكذا في الورود والتوفيق العرفي على ما تقدم لك الإشارة إلى الكل في الفصل الأول (هو يكون) بدوياً يزول بأدنى تأمل كما سيأتي التصريح به من المصنف (فيقول) لأجل ما يتراءى من المعارضة وإن كان يزول عرفاً بحسب المآل ... إلخ وعليه ينزل كلامه في أول هذا الفصل (قد عرفت سابقاً انه لا تعارض في موارد الجمع والتوفيق العرفي ... إلخ) أي لا تعارض يبقى إلى الآخر (وفي غير موارد الجمع العرفي) يكون التعارض باقياً إلى الآخر على نحو لا يزول من العرف تحيرهم وترددهم إلا إذا ورد دليل من

١٠٣

الخارج على بيان المراد في المتعارضين (ولكن لا ينبغي التأمل) في أن الأخبار العلاجية سؤالا وجواباً هي منصرفة عن التعارض البدويّ الغير الموجب لتحير السائل إلى الآخر وتكون بأجمعها ظاهرة في التعارض الموجب لتحيره إلى الآخر كما هو ظاهر قوله كيف يصنع أو كيف نصنع أو لا نعلم أيهما الحق أو فبأيهما آخذ إلى غير ذلك من التعبيرات الواقعة في الأسئلة (وعلى هذا) كله فلا يبقى وجه لتعميم التخيير أو الترجيح المستفاد من الأخبار العلاجية إلى موارد الجمع العرفي التي لا تحير لأهل العرف فيها إلا بدواً بل يختص التخيير أو الترجيح بغير موارد الجمع العرفي مما لا شاهد فيه على الجمع ولا سبيل فيه إلى التوفيق أبداً بل يبقى أهل العرف متحيرين مترددين إلى الآخر.

(قوله ويشكل بأن مساعدة العرف على الجمع والتوفيق وارتكازه في أذهانهم على وجه وثيق لا يوجب اختصاص السؤالات بغير موارد الجمع لصحة السؤال بملاحظة التحير في الحال ... إلخ)

(هذا الإشكال) مما لا وجه له أصلا فان مساعدة العرف على الجمع والتوفيق وارتكازه في أذهانهم على وجه وثيق مما يوجب انصراف الأخبار العلاجية سؤالا وجواباً إلى غير موارد الجمع العرفي مما فيه الحيرة والتردد إلى الآخر (ومجرد صحة السؤال) في موارد الجمع العرفي بملاحظة التعارض البدوي الزائل بأدنى تأمل مما لا يمنع عن انصراف الاخبار العلاجية إلى غير موارد الجمع العرفي ولا يكاد يوجب تعميمها إلى موارد الجمع العرفي أبداً.

(قوله أو التحير في الحكم واقعاً وإن لم يتحير فيه ظاهراً ... إلخ)

(هذا وجه ثاني) لصحة السؤال في موارد الجمع العرفي.

(فالوجه الأول) هو التحير في الحال لأجل ما يتراءى من المعارضة وان كان يزول عرفاً بحسب المآل كما صرح به آنفاً في الكتاب.

(والوجه الثاني) هو التحير في الحكم واقعاً وإن لم يكن تحير فيه ظاهراً (وفيه

١٠٤

ما لا يخفى) فإن التحير في الحكم الواقعي مما لا يكاد يصحح السؤال أصلا لا في موارد الجمع العرفي ولا في غيرها أبداً إذا الحكم الواقعي مما ليس له ضابط معين كي يمكن الجواب عنه بنحو كلي وأنه في الطرف الأقوى دلالة أو في الطرف الأرجح سنداً وذلك لجواز كونه أحياناً في الطرف الأضعف دلالة أو في الطرف الأضعف سنداً بل ويجوز أن لا يكون في شيء منهما أصلا بل الظاهر من الأخبار العلاجية كلها هو السؤال عما هو الوظيفة الفعلية بعد تعارض الخبرين وتنافيهما بحسب الدلالة ومقام الإثبات ظاهراً فتأمل جيداً.

(قوله مع إمكان أن يكون لاحتمال الرّدع شرعاً عن هذه الطريقة المتعارفة بين أبناء المحاورة ... إلخ)

(هذا وجه ثالث) لصحة السؤال في موارد الجمع العرفي وهو وجه صحيح ولكنه مع ذلك مما لا يمنع عن انصراف الأخبار العلاجية كلها سؤالا وجواباً إلى غير موارد الجمع العرفي (وذلك) لما تقدم من أن مساعدة العرف على الجمع والتوفيق وارتكازه في أذهانهم على وجه وثيق هو مما يوجب انصراف الأخبار العلاجية جميعاً إلى غير موارد الجمع العرفي.

(قوله وجلّ العناوين المأخوذة في الأسئلة لو لا كلها يعمها ... إلخ)

نعم جلّ العناوين المأخوذة في الأسئلة مثل قوله تجيئنا الأحاديث عنكم مختلفة أو يجيئنا الرجلان وكلاهما ثقة بحديثين مختلفين أو يأتي عنكم الخبران أو الحديثان المتعارضان إلى غير ذلك من العناوين المأخوذة في الاخبار العلاجية هو مما يعم موارد الجمع العرفي ولكن مجرد عمومه لها مما لا يجدي شيئاً بعد انصراف الاخبار بأسرها سؤالا وجواباً إلى غير موارد الجمع العرفي لما أشير إليه غير مرة (ثم إن الظاهر) ان قوله هذا هو تتميم لقوله السابق ويشكل بأن مساعدة العرف على الجمع والتوفيق وارتكازه في أذهانهم على وجه وثيق لا يوجب اختصاص السؤالات بغير موارد

١٠٥

الجمع ... إلخ فذاك بمنزلة دفع ما يقتضي الاختصاص وهذا بمنزلة إثبات ما يقتضي التعميم فلا تغفل.

(قوله ودعوى ان المتيقن منها غيرها مجازفة ... إلخ)

بل عرفت منا دعوى انصراف الاخبار العلاجية سؤالا وجواباً إلى غير موارد الجمع العرفي فضلا عن كون المتيقن منها هو ذلك فلا تنس.

(قوله غايته انه كان كذلك خارجاً لا بحسب مقام التخاطب ... إلخ)

قد عرفت الفرق بين المتيقن بحسب مقام التخاطب والمتيقن بحسب الخارج عن مقام التخاطب في المطلق والمقيد في ذيل مقدمات الحكمة مفصلا فلا نعيد.

(قوله وبذلك ينقدح وجه القول الثاني ... إلخ)

أي وبما تقدم من الإشكال في وجه المشهور حيث قال ويشكل بأن مساعدة العرف إلى آخره ينقدح وجه القول الثاني وهو عدم اختصاص التخيير أو الترجيح بغير موارد الجمع العرفي بل هو مما يعمها (وملخص وجهه) هو عدم الموجب لاختصاص السؤالات بغير تلك الموارد وشمول جلّ العناوين المأخوذة في الأسئلة لموارد الجمع العرفي جميعاً ولكنك قد عرفت منا المناقشة في الوجهين المذكورين جداً وأن الأوجه هو ما قاله المشهور من اختصاص التخيير أو الترجيح بغير موارد الجمع العرفي.

(قوله اللهم إلا أن يقال إن التوفيق في مثل الخاصّ والعام والمقيد والمطلق كان عليه السيرة القطعية ... إلخ)

هذا شروع في تصحيح قول المشهور لكنه من غير الطريق الّذي نحن سلكناه من انصراف الاخبار العلاجية سؤالا وجواباً إلى غير موارد الجمع العرفي بل هو من طريق آخر لا يخلو عن مناقشة واضحة (وحاصل التصحيح) هو تسليم الإشكال المتقدم من عدم الموجب لاختصاص السؤالات بغير موارد الجمع العرفي وأن جل العناوين المأخوذة في الأسئلة لو لا كلها هو مما يعم موارد الجمع العرفي ولكن

١٠٦

السيرة القطعية من لدن زمان الأئمة عليهم‌السلام كانت هي قائمة على الجمع بين العام والخاصّ والمطلق والمقيد وغيرهما من موارد الجمع العرفي فهي تكشف إجمالا عن وجود ما يوجب تخصيص أخبار العلاج بغير موارد الجمع العرفي (وفيه) ان بعد الاعتراف بعموم الاخبار العلاجية سؤالا وجواباً لموارد الجمع العرفي وعدم انصرافها عنها أبداً لا يكاد تصح السيرة القطعية أصلا وذلك لكون الاخبار حينئذ بعمومها رادعة عن السيرة وهذا بخلاف ما إذا أنكرنا شمولها لموارد الجمع العرفي وادّعينا انصرافها إلى غير موارد الجمع العرفي فتكون السيرة حينئذ مما لا رادع عنها فتكون معتبرة جداً فتأمل جيداً.

(قوله ولا ينافيها مجرد صحة السؤال لما لا ينافى العموم ما لم يكن هناك ظهور انه لذلك فلم يثبت باخبار العلاج ردع عما هو عليه بناء العقلاء ... إلخ)

أي ولا ينافي السيرة القطعية مجرد صحة السؤال عما لا ينافي العموم والشمول لموارد الجمع العرفي ما لم يكن هناك ظهور في ان السؤال هو لذلك أي كان عما لا ينافي العموم والشمول (وعليه) فلم يثبت بأخبار العلاج ردع عما استقر عليه سيرة العقلاء من الجمع والتوفيق في الموارد الخاصة (وفيه) انه اعترف آنفاً في ذيل تقرير الإشكال بقوله ويشكل ... إلخ بعموم الاخبار العلاجية وشمولها لموارد الجمع العرفي تماماً وانه لا موجب لاختصاص السؤالات بغير موارد الجمع أصلا وأن جلّ العناوين المأخوذة في الأسئلة لو لا كلها مما يعمها ومع هذا الاعتراف بالعموم كيف لا تكون الاخبار هي رادعة عن السيرة العقلائية وهذا واضح.

(قوله فتأمل ... إلخ)

الظاهر أنه إشارة إلى ما أشكلناه عليه آنفاً من أنه مع الاعتراف في ذيل تقرير الإشكال بقوله ويشكل ... إلخ بعموم الاخبار العلاجية وشمولها لموارد الجمع العرفي كيف لا تكون الاخبار هي رادعة عن السيرة العقلائية فتأمل جيداً.

١٠٧

في ذكر جملة من المرجحات النوعية للدلالة

(قوله فصل قد عرفت حكم تعارض الظاهر والأظهر وحمل الأول على الآخر فلا إشكال فيما إذا ظهر أن أيّتهما ظاهر وأيّهما أظهر وقد ذكر فيما اشتبه الحال لتمييز ذلك ما لا عبرة به ... إلخ)

المقصود من عقد هذا الفصل هو ذكر جملة من المرجحات النوعية للدلالة (وتوضيحه ان الشيخ) أعلى الله مقامه قد عقد المقام الرابع من مقامات التراجيح لذكر المرجحات.

(فشرع فيه أولا) في تقدم مرجحات الدلالة على مرجحات الرواية.

(وعقد له المصنف) الفصل السابق فتكلم فيه ان التخيير أو الترجيح المستفاد من الاخبار العلاجية هل هو يختص بغير موارد الجمع العرفي فيكون الجمع العرفي مقدماً على غيره أم لا يختص به بل يعم موارد الجمع العرفي كما قبل.

(ثم شرع الشيخ) في ذكر جملة من المرجحات النوعية للدلالة وقال ولنشر إلى جملة من هذه المرجحات النوعية لظاهر أحد المتعارضين في مسائل ... إلخ.

(وعقد لها المصنف) هذا الفصل الّذي نحن فيه فعلا.

(ثم شرع الشيخ) في بحث انقلاب النسبة.

(وعقد له المصنف) الفصل الآتي بعد هذا الفصل.

(ثم شرع الشيخ) في المقصد الأصلي من عقد المقام الرابع وهو بيان مرجحات الرواية من الجهات الأخر غير الدلالة من الداخلية والخارجية بأقسامهما.

(وعقد لهما المصنف) الفصلين الأخيرين من هذا المقصد الثامن وسيأتي

١٠٨

تفصيل كل منها واحداً بعد واحد إن شاء الله تعالى فانتظر.

(قوله منها ما قيل في ترجيح ظهور العموم على الإطلاق وتقديم التقييد على التخصيص فيما دار الأمر بينهما من كون ظهور العام في العموم تنجيزيا ... إلخ)

(القائل هو الشيخ) أعلى الله مقامه (قال) ومنها تعارض الإطلاق والعموم فيعارض تقييد المطلق وتخصيص العام ولا إشكال في ترجيح التقييد على ما حققه سلطان العلماء من كونه حقيقة لأن الحكم بالإطلاق من حيث عدم البيان والعام بيان فعدم البيان للتقييد جزء من مقتضى الإطلاق والبيان للتخصيص مانع عن اقتضاء العام للعموم فإذا دفعنا المانع عن العموم بالأصل والمفروض وجود المقتضي له ثبت بيان التقييد وارتفع المقتضي للإطلاق فالمطلق دليل تعليقي والعام دليل تنجيزي فإن العمل بالتعليقي موقوف على طرح التنجيزي لتوقف موضوعه على عدمه فلو كان طرح التنجيزي متوقفاً على العمل بالتعليقي ومسبباً عنه لزم الدور بل هو يتوقف على حجة أخرى راجحة عليه نعم إذا استفيد العموم الشمولي من دليل الحكمة كانت الإفادة غير مستندة إلى الوضع كمذهب السلطان في العموم البدلي (انتهى) موضع الحاجة من كلامه رفع مقامه (ومحصله) انه إذا تعارض الإطلاق مع العموم (فقال) مثلا أكرم عالماً (وقال) أيضاً لا تكرم الفساق وتنافيا في العالم الفاسق فالتقييد راجح لأن الإطلاق تعليقي أي معلق على عدم بيان التقييد بحيث كان عدم البيان جزءا من مقتضي الإطلاق والعموم تنجيزي مستند إلى الوضع بحيث كان المقتضي للعموم موجودا حتى مع المانع أي مع بيان التخصيص فإذا دفعنا المانع بالأصل ثبت العموم قهراً وكان بياناً للتقييد ورافعاً لمقتضي الإطلاق من أصله (ومن هنا) يتضح ان العمل بالإطلاق التعليقي موقوف على طرح العام التنجيزي لتوقف موضوع الإطلاق على عدم العام فلو كان طرح العام التنجيزي لأجل العمل بالإطلاق لزم الدور (هذا محصل) كلام الشيخ أعلى الله مقامه.

١٠٩

(وقد أجاب عنه المصنف) بما حاصله ان الإطلاق وان كان هو معلقا على عدم البيان لكن لا إلى الأبد بل على عدمه في مقام التخاطب كما تقدم تحقيقه في المطلق والمقيد فإذا انتفى البيان في مقام التخاطب وتحقق موضوع الإطلاق خارجاً فقد عارض العموم بلا شبهة.

(أقول)

قد تقدم في مقدمة الواجب عند دوران أمر القيد بين الرجوع إلى الهيئة أو المادة ان المناط في تقدم إطلاق الهيئة على إطلاق المادة في نظر الشيخ أعلى الله مقامه على ما يظهر من تقريرات بحثه الشريف هو شمولية إطلاق الهيئة وبدلية إطلاق المادة ويظهر منه في المقام ان المناط في تقدم العموم على الإطلاق هو كون الإطلاق تعليقيا معلقا على عدم البيان والعموم تنجيزيا مستندا إلى الوضع لا كون العموم شمولياً والإطلاق بدلياً وهو غريب جداً (ونظير ذلك) في الغرابة بل وهو أغرب منه ما صدر من المصنف فإنه رأي هناك ان المناط في تقديم أحد الإطلاقين على الآخر هو الوضع لا الشمولية وهاهنا لا يرى العبرة بذلك بل يرى العبرة بأظهرية أحدهما من الآخر وانها مما تختلف فلا بد في كل قضية من ملاحظة خصوصياتها الموجبة لأظهرية أحدهما من الآخر كما اخترنا ذلك هناك ونختاره في المقام أيضا فتأمل جيداً

(قوله بخلاف العكس فإنه موجب لتخصيصه بلا وجه إلا على نحو دائر ... إلخ)

ويعني بالعكس تقديم الإطلاق على العام فإنه موجب لتخصيص العام إما بلا وجه أي بلا مخصص أو على نحو دائر إذا كان المخصص نفس الإطلاق فإن مخصصية الإطلاق للعام يتوقف على تحققه مع العام وتحققه معه يتوقف على مخصصيته له وإلّا فلا يتحقق معه لارتفاعه بسبب العام (وقد تقدم) ما يقرب من ذلك في وجه تقدم الأمارات على الاستصحاب وانه لو قدم دليل الأصل على دليل الأمارة لزم اما التخصيص بلا مخصص أو على وجه دائر فتذكر (ومن هنا) يتضح ان الدور

١١٠

الّذي قد أفاده المصنف هو غير الدور الّذي قد أفاده الشيخ أعلى الله مقامه.

(فالشيخ قد ادعى) ان العمل بالإطلاق التعليقي موقوف على طرح العموم التنجيزي فلو كان طرح العموم التنجيزي مستنداً إلى العمل بالإطلاق التعليقي لدار

(والمصنف يدعي) ان مخصصية الإطلاق للعموم يتوقف على تحققه معه وتحققه معه يتوقف على مخصصيته له وهو دور محال فتدبر جيداً.

(قوله ومن ان التقييد أغلب من التخصيص ... إلخ)

هذا وجه آخر لترجيح التقييد على التخصيص وإن شئت قلت لترجيح ظهور العموم على الإطلاق غير ان الوجه الأول كان على تقدير وهذا الوجه على تقدير آخر.

(قال الشيخ) أعلى الله مقامه في قبال قوله المتقدم ولا إشكال في ترجيح التقييد على ما حققه سلطان العلماء من كونه حقيقة ... إلخ (ما لفظه) واما على القول بكونه مجازاً فالمعروف في وجه تقديم التقييد كونه أغلب من التخصيص وفيه تأمل (انتهى).

(وقد أجاب عنه المصنف) بأن أغلبية التقييد مع كثرة التخصيص بمثابة حتى قيل ما من عامّ الا وقد خص غير مفيد.

(أقول)

هذا مضافاً إلى أن أغلبية التقييد من التخصيص غير معلومة من أصلها (ولعله) إليه أشار الشيخ أعلى الله مقامه بقوله وفيه تأمل.

(قوله ومنها ما قيل فيما إذا دار بين التخصيص والنسخ كما إذا ورد عام بعد حضور وقت العمل بالخاص حيث يدور بين أن يكون الخاصّ مخصصاً أو يكون العام ناسخاً أو ورد الخاصّ بعد حضور وقت العمل بالعامّ حيث يدور بين أن يكون الخاصّ مخصصاً للعام أو ناسخاً له ... إلخ)

(قد عرفت) في بحث العام والخاصّ في الفصل الآخران العام والخاصّ المتخالفين المنفصل بعضهما عن بعض على صور أربع.

١١١

(الأولى) أن يكون الخاصّ بعد العام قبل حضور وقت العمل به.

(الثانية) أن يكون الخاصّ بعد العام وبعد حضور وقت العمل به.

(الثالثة) أن يكون العام بعد الخاصّ قبل حضور وقت العمل به.

(الرابعة) أن يكون العام بعد الخاصّ وبعد حضور وقت العمل به.

(وقد عرفت أيضاً) انه لا خلاف يعتد به في كون الخاصّ مخصصاً فيما إذا كان بعد العام قبل حضور وقت العمل به وهكذا فيما إذا كان العام بعد الخاصّ قبل حضور وقت العمل به (ولعل من هنا) لم يؤشر المصنف هاهنا إلى هاتين الصورتين أصلا (وإنما الخلاف) في الصورتين الآخرتين وهما ما إذا كان الخاصّ بعد العام وبعد حضور وقت العمل به أو كان العام بعد الخاصّ وبعد حضور وقت العمل به.

(ففي الأولى) يدور الأمر بين كون الخاصّ المتأخر مخصصاً أو ناسخاً.

(وفي الثانية) يدور الأمر بين كون الخاصّ المتقدم مخصصاً أو العام المتأخر ناسخاً.

(وقد اختار المصنف) هناك في الأولى تبعاً للتقريرات كون الخاصّ المتأخر ناسخاً إذا كان العام المتقدم وارداً لبيان الحكم الواقعي لئلا يلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة وإلا كان مخصصاً.

(واختار في الثانية) كون الخاصّ المتقدم مخصصاً نظراً إلى شيوع التخصيص وندرة النسخ وأن ذلك مما يوجب ان يكون ظهور الخاصّ في الدوام والاستمرار الزماني وإن كان بمقدمات الحكمة هو أقوى من ظهور العام في العموم الأفرادي وان كان بالوضع (ولكن في المقام) يظهر منه خلاف ذلك كما سيأتي فانتظر.

(قوله من غلبة التخصيص وندرة النسخ ... إلخ)

يظهر من كلام الشيخ أعلى الله مقامه ان هذا الوجه هو المعروف عندهم في تعليل

١١٢

تقديم التخصيص على النسخ (ولكن) قول المصنف ومنها ما قيل ... إلخ هو مما يشعر بأنه وجه غير معروف.

(قال الشيخ) أعلى الله مقامه في المقام الرابع من مقامات التراجيح بعد ذكر تقدم مرجحات الدلالة على مرجحات الرواية (ما لفظه) ولنشر إلى جملة من هذه المرجحات النوعية لظاهر أحد المتعارضين في مسائل الأولى لا إشكال في تقديم ظهور الحكم الملقى من الشارع في مقام التشريع في استمراره باستمرار الشريعة على ظهور العام في العموم الأفرادي ويعبّر عن ذلك بأن التخصيص أولى من النسخ من غير فرق بين ان يكون احتمال المنسوخية في العام أو في الخاصّ والمعروف تعليل ذلك بشيوع التخصيص وندرة النسخ (انتهى) موضع الحاجة من كلامه رفع مقامه.

(قوله ولا يخفى أن دلالة الخاصّ أو العام على الاستمرار والدوام إنما هو بالإطلاق لا بالوضع فعلى الوجه العقلي في تقديم التقييد على التخصيص إلى آخره)

شروع في اختيار عدم ترجيح التخصيص على النسخ في الصورتين المذكورتين في الكتاب من غير تفصيل فيهما أصلا على خلاف ما اختاره في العام والخاصّ كما أشير آنفاً فاختار هناك في أحدهما ترجيح التخصيص وفي الآخر التفصيل (وحاصل كلامه) في المقام ان بناء على الوجه العقلي المتقدم من الشيخ أعلى الله مقامه لتقديم التقييد على التخصيص يجب في هذا الدوران تقديم النسخ على التخصيص فإن الاستمرار الأزماني مستفاد من الإطلاق ومقدمات الحكمة وهو معلق على عدم البيان والعموم الأفرادي للعام تنجيزي مستند إلى الوضع فيكون بياناً له.

(ففي الخاصّ المتأخر) يدور الأمر بين استمرار حكم العام زماناً وبين عموم العام أفراداً.

(وفي العام المتأخر) يدور الأمر بين استمرار حكم الخاصّ زماناً وبين عموم

١١٣

العام أفراداً وفي كلتا الصورتين يقتضي ارتفاع الاستمرار الأزماني بالعموم الأفرادي (هذا حال الوجه العقلي) المتقدم من الشيخ أعلى الله مقامه.

(وأما الوجه المعروف) في ترجيح التخصيص على النسخ من غلبة الأول وندرة الثاني فهو مما لا يوجب أقوائية ظهور الكلام في الاستمرار الأزماني من ظهور العام في العموم الأفرادي إذ ليست غلبة التخصيص مرتكزة في أذهان أهل المحاورة بمثابة تعدّ من القرائن المكتنفة بالكلام وتوجب أقوائية الظهور كما لا يخفى (ثم ان) ظاهر المصنف في المقام بعد ما ناقش في هذا الوجه المعروف انه لا بد في كل قضية من ملاحظة خصوصياتها الموجبة لأظهرية أحدهما من الآخر كما تقدم ذلك في دوران الأمر بين التقييد والتخصيص آنفاً.

(أقول)

أما الوجه العقلي المتقدم من الشيخ أعلى الله مقامه فقد عرفت حاله وانه قد أنكره المصنف وأنكرناه فلا يكاد يوجب هو ترجيح النسخ على التخصيص أصلا.

(وأما الوجه المعروف) لترجيح التخصيص على النسخ فغلبة التخصيص وان لم تكن هي مرتكزة في أذهان أهل المحاورة بمثابة تعدّ من القرائن المكتنفة بالكلام كما أفاد المصنف عيناً ولكن مجرد غلبته خارجاً حتى قيل ما من عام إلا وقد خص وندرة النسخ جداً هو مما يوجب وهن عموم العام ولو كان بالوضع بالنسبة إلى ظهور الكلام في الاستمرار والدوام ولو كان بالإطلاق ومقدمات الحكمة وهو مما يكفي في تقديم التخصيص على النسخ وترجيح ظهور الكلام في الاستمرار الأزماني على ظهور العام في العموم الأفرادي.

(وقد اعترف المصنف) في العام والخاصّ كما أشير في المقام بأن غلبة التخصيص وندرة النسخ هي مما توجب أقوائية ظهور الكلام في الاستمرار من ظهور العام في العموم فراجع.

١١٤

(قوله وان غلبة التخصيص ... إلخ)

عطف على قوله ان دلالة الخاصّ أو العام ... إلخ أي ولا يخفى ان غلبة التخصيص إلى آخره.

(قوله ثم إنه بناء على اعتبار عدم حضور وقت العمل في التخصيص لئلا يلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة يشكل الأمر في تخصيص الكتاب أو السنة بالخصوصات الصادرة عن الأئمة عليهم‌السلام ... إلخ)

(وحاصل الكلام) ان بناء على جواز التخصيص بعد حضور وقت العمل بالعامّ لا إشكال ولا كلام (وأما بناء على عدم جواز التخصيص) بعد حضور وقت العمل بالعامّ لئلا يلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة يقع الإشكال حينئذ في تخصيص الكتاب أو السنة بالأخبار الصادرة عن الأئمة الطاهرين عليهم‌السلام نظراً إلى صدورها بعد حضور وقت العمل بالعامّ ولزوم تأخير البيان عن وقت الحاجة (وعليه) فيدور الأمر في المخصصات الواقعة في أخبارهم على ما أفاد الشيخ أعلى الله مقامه بين وجوه ثلاثة.

(الأول) أن يكون الخاصّ ناسخاً بمعنى أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد أودع عندهم علم أجل الحكم وانتهائه فهم يبينون غاية الحكم وأمده بعد حلول أجله.

(الثاني) ان يكون الخاصّ الصادر بعد حضور وقت العمل بالعامّ كاشفاً عن وجود قرينة مع العام على التخصيص قد خفيت علينا فلا يلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة.

(الثالث) ان يكون تأخير المخصص عن وقت العمل بالعامّ لمصلحة أهم فيكون تكليف السابقين هو العمل بالعموم ظاهراً مع إرادة الخصوص واقعاً.

(وقد اختار الشيخ) أعلى الله مقامه في حل الإشكال هذا الوجه الثالث الأخير وتبعه المصنف في الكتاب غير انه لم يؤشر إلى الوجه الثاني.

١١٥

(قال الشيخ) أعلى الله مقامه (ما لفظه) وكيف كان فلا إشكال في ان احتمال التخصيص مشروط بعدم ورود الخاصّ بعد حضور وقت العمل بالعامّ كما ان احتمال النسخ مشروط بورود الناسخ بعد الحضور فالخاص الوارد بعد حضور وقت العمل بالعامّ يتعين فيه النسخ (إلى ان قال) ومن هنا يقع الإشكال في تخصيص العمومات المتقدمة في كلام النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله أو الوصي عليه‌السلام أو بعض الأئمة عليهم‌السلام بالمخصصات الواردة بعد ذلك بمدة عن باقي الأئمة فإنه لا بد ان يرتكب فيه النسخ أو كشف الخاصّ عن قرينة مع العام مختفية أو كون المخاطبين بالعامّ تكليفهم ظاهراً العمل بالعموم المراد به الخصوص واقعاً (اما النسخ) فبعد توجيه وقوعه بعد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بإرادة كشف ما بيّنه النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله للوصي عليه‌السلام عن غاية الحكم الأول وابتداء الحكم الثاني مدفوع بأن غلبة هذا النحو من التخصيصات يأبى عن حملها على ذلك (إلى ان قال واما اختفاء المخصصات) فيبعده بل ويحيله عادة عموم البلوى بها من حيث العلم والعمل مع إمكان دعوى العلم بعدم علم أهل العصر المتقدم وعملهم بها بل المعلوم جهلهم بها.

(فالأوجه هو الاحتمال الثالث) فكما ان رفع مقتضى البراءة العقلية ببيان التكليف كان على التدريج كما يظهر من الاخبار والآثار مع اشتراك الكل في الأحكام الواقعية فكذلك ورود التقييد والتخصيص للعمومات والمطلقات فيجوز ان يكون الحكم الظاهري للسابقين الترخيص في ترك بعض الواجبات وفعل بعض المحرمات الّذي يقتضيه العمل بالعمومات وان كان المراد منها الخصوص الّذي هو الحكم المشترك (إلى ان قال) غاية الأمر ان الأول من قبيل عدم البيان والثاني من قبيل بيان العدم ولا قبح فيه بعد فرض المصلحة (إلى ان قال) والحاصل ان المستفاد من التتبع في الاخبار والظاهر من خلو العمومات والمطلقات عن القرينة ان النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله جعل الوصي عليه‌السلام مبينا لجميع ما أطلقه وأطلق في كتاب الله الكريم وأودعه علم ذلك وغيره وكذلك الوصي بالنسبة إلى من بعده من

١١٦

الأوصياء صلوات الله عليهم أجمعين فبيّنوا ما رأوا فيه المصلحة وأخفوا ما رأوا المصلحة في إخفائه (انتهى) موضع الحاجة من كلامه رفع مقامه.

(أقول)

(أما اشتراط احتمال التخصيص) بعدم ورود الخاصّ بعد حضور وقت العمل بالعامّ الّذي ادعاه الشيخ أعلى الله مقامه في صدر كلامه فقد عرفت حاله في ذيل كلامه ومحصله ان تأخير البيان عن وقت الحاجة وإن كان قبيحاً ولكن لا قبح فيه إذا كان لمصلحة أهم في تأخيره أو لمفسدة أهم في تعجيله كما أفاد المصنف في الكتاب (واما اشتراط احتمال النسخ) بورود الناسخ بعد حضور وقت العمل بالمنسوخ فقد أنكرنا ذلك في آخر العام والخاصّ وجوزنا النسخ قبل حضور وقت العمل بالمنسوخ وذكرنا وجهه هناك فلا نعيد ولو كان التخصيص غير جائز إلا قبل حضور وقت العمل بالعامّ وكان النسخ غير جائز الا بعد حضور وقت العمل بالمنسوخ لم يبق مجال للنزاع المعروف من انه إذا دار الأمر بين التخصيص والنسخ فأيّهما يقدم (إذا الخاصّ المتأخر) ان كان قبل حضور وقت العمل بالعامّ فهو مخصص وإن كان بعد حضور وقت العمل بالعامّ فهو ناسخ (وهكذا الأمر في العام المتأخر) فان كان قبل حضور وقت العمل بالخاص فالخاص مخصص وان كان بعد حضور وقت العمل بالخاص فالعام ناسخ (اللهم إلا أن يقال) ان للنزاع المذكور مجال واسع فيما إذا جهل التاريخ ولم يعلم الورود قبل حضور وقت العمل أو بعده ولكن الظاهر عدم اختصاص النزاع بهذه الصورة فقط على ما يظهر من كلماتهم في تعارض الأحوال فراجع.

(قوله ولأجله لا بأس بالالتزام بالنسخ بمعنى رفع اليد بها عن ظهور تلك العمومات بإطلاقها في الاستمرار والدوام أيضاً ... إلخ)

أي ولأجل عدم البأس بتخصيص عمومات الكتاب أو السنة بالخصوصات الصادرة عن الأئمة عليهم‌السلام واستكشاف أن مورد الخصوصات كان خارجا عن حكم

١١٧

العام واقعا وان كان داخلا فيه ظاهرا نظرا إلى ما تقدم من وجود مصلحة في إخفاء الخصوصات أو مفسدة في إبدائها (لا بأس) بالالتزام بنسخ تلك العمومات التي هي أحكام ظاهرية بصدور تلك الخصوصات التي هي أحكام واقعية فكما ان نسخ الأحكام الواقعية يكون بورود الناسخ فكذلك نسخ الأحكام الظاهرية يكون بورود الأحكام الواقعية.

(ثم إن مراد المصنف) من قوله عن ظهور تلك العمومات بإطلاقها في الاستمرار والدوام أيضا هو إطلاقها الأحوالي الأزماني فعمومها الأفرادي يكون بالوضع وعمومها الأحوالي يكون بالإطلاق ومقدمات الحكمة.

في انقلاب النسبة

(قوله فصل لا إشكال في تعين الأظهر لو كان في البين إذا كان التعارض بين الاثنين وأما إذا كان بين الزائد عليهما فتعينه ربما لا يخلو عن خفاء ولذا وقع بعض الأعلام في اشتباه وخطأ حيث توهم انه إذا كان هناك عام وخصوصات ... إلخ)

المراد من بعض الاعلام الّذي وقع في اشتباه وخطأ هو بعض معاصري الشيخ أعلى الله مقامه (والظاهر) انه النراقي رحمه‌الله (وتوضيح المقام) انه إذا وقع التعارض بين أكثر من دليلين أي بين أدلة ثلاثة وما فوقها.

(فتارة) تكون النسبة بينها مختلفة وسيأتي الكلام فيها عند قول المصنف وقد ظهر منه حالها فيما كانت النسبة بينها متعددة ... إلخ.

(وأخرى) تكون النسبة بينها متحدة (فان كانت النسبة بينها هي التساوي)

١١٨

كما إذا قال أحدها يجب إكرام العلماء وقال الآخر يستحب إكرام العلماء وقال الثالث يحرم إكرام العلماء (أو كانت النسبة بينها هي العموم من وجه) كما إذا قال أحدها يجب إكرام العلماء وقال الآخر يستحب إكرام الشعراء وقال الثالث يحرم إكرام الفساق وجب الترجيح بينها ولو في مادة الاجتماع أو التخيير بينها على الخلاف المتقدم في تعارض الدليلين أو الأدلة (وأما إذا كانت النسبة بينها هي العموم المطلق) بمعنى انه كان هناك عام وخاصان (سواء كان بين الخاصي أيضاً عموم مطلق) كما في قوله يجب إكرام العلماء ويحرم إكرام فساق العلماء ويكره إكرام زيد العالم الفاسق (أو كان بينهما التباين) كما إذا قال يجب إكرام العلماء ويحرم إكرام فساق العلماء ويستحب إكرام عدول العلماء (أو كان بينهما العموم من وجه) كما إذا قال يجب إكرام العلماء ويحرم إكرام فساق العلماء ويكره إكرام النحويين (فإن لم يمكن) إخراج كلا الخاصّين جميعا من العام بأن استلزم المحذور وهو بقاء العام بلا مورد كما في المثال الثاني وقعت المعارضة بين العام وبين مجموع الخاصّين كما في الدليلين المتعارضين عيناً (وان أمكن) إخراج كلا الخاصّين من العام جميعا كما في المثال الأول والثالث أخرج الخاصان جميعا.

(وقد توهم بعض) معاصري الشيخ أعلى الله مقامه واشتبه عليه الأمر في المقام (فقال) إذا اخرج أحد الخاصّين وانقلبت النسبة بين العام والخاصّ الآخر إلى عموم من وجه لوحظت النسبة المنقلبة لكن مفروض كلامه هو فيما إذا كان أحد الخاصّين لبيا كإجماع ونحوه وإلا فلا وجه لتقديم أحد الخاصّين على الخاصّ الآخر كي تلحظ النسبة المنقلبة بين العام والخاصّ الآخر فإذا قال مثلا يجب إكرام العلماء وقام دليل لبي من إجماع ونحوه على حرمة إكرام فساق العلماء ثم قال يكره إكرام النحويين انقلبت النسبة بين العلماء بعد خروج الفساق منهم بإجماع ونحوه وبين النحويين إلى عموم من وجه.

(قال الشيخ) أعلى الله مقامه في المقام الرابع من مقامات التراجيح بعد الفراغ

١١٩

عن بيان تقدم مرجحات الدلالة على غيرها والفراغ عن الإشارة إلى جملة من المرجحات النوعية لظاهر أحد المتعارضين وبعض المرجحات الصنفية (ما لفظه) بقي في المقام شيء وهو ان ما ذكرنا من حكم التعارض من ان النص يحكم على الظاهر والأظهر على الظاهر لا إشكال في تحصيله في المتعارضين وأما إذا كان بين أزيد من دليلين فقد يصعب تحصيل ذلك (إلى ان قال) وقد وقع التوهم في بعض المقامات (فنقول) توضيحا لذلك أن النسبة بين المتعارضات المذكورة ان كانت نسبة واحدة فحكمها حكم المتعارضين (فان كانت) النسبة العموم من وجه وجب الرجوع إلى المرجحات مثل قوله يجب إكرام العلماء ويحرم إكرام الفساق ويستحب إكرام الشعراء فيعارض الكل في مادة الاجتماع (وان كانت) النسبة عموماً مطلقاً فإن لم يلزم محذور من تخصيص العام بهما خصص بهما مثل المثال الآتي وإن لزم محذور مثل قوله يجب إكرام العلماء ويحرم إكرام فساق العلماء وورد يكره إكرام عدول العلماء فإن اللازم من تخصيص العام بهما بقائه بلا مورد فحكم ذلك كالمتباينين لأن مجموع الخاصّين مباين للعام (قال) وقد توهم بعض من عاصرناه فلاحظ العام بعد تخصيصه ببعض الأفراد بإجماع ونحوه مع الخاصّ المطلق الآخر فإذا ورد أكرم العلماء ودل من الخارج دليل على عدم وجوب إكرام فساق العلماء وورد أيضا لا تكرم النحويين كانت النسبة على هذا بينه وبين العام بعد إخراج الفساق عموماً من وجه ولا أظن يلتزم بذلك فيما إذا كان الخاصان دليلين لفظيين إذ لا وجه لسبق ملاحظة العام مع أحدهما على ملاحظته مع العام الآخر وإنما يتوهم ذلك في العام المخصص بالإجماع أو العقل لزعم ان المخصص المذكور يكون كالمتصل فكأن العام استعمل فيما عدا ذلك الفرد المخرج والتعارض انما يلاحظ بين ما استعمل فيه لفظ كل من الدليلين لا بين ما وضع اللفظ له وإن علم عدم استعماله فيه فكأن المراد بالعلماء في المثال المذكور عدولهم والنسبة بينه وبين النحويين عموم من وجه (انتهى) موضع الحاجة من كلامه رفع مقامه.

١٢٠