الرسائل الأربع - ج ٢

عدّة من الأفاضل

الرسائل الأربع - ج ٢

المؤلف:

عدّة من الأفاضل


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
المطبعة: الإعتماد
الطبعة: ٠
الصفحات: ٢٠٤

هذا ما وجدناه مذيّلاً بهذه الكلمة ، وأمّا غير المذيّل فكثير مرّ بعضه وإليك موارد أُخر :

١٥ ـ ما رواه القاضي النعمان بن محمّد التميمي المغربي في دعائم الإسلام قال : روينا عن أبي جعفر عن أبيه عن آبائه على عليّ (عليهم‌السلام) أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : «لا ضرر ولا إضرار». (١)

١٦ ـ ما رواه عن جعفر بن محمّد أنّه قيل له : فإن كان الجدار لم يسقط ولكن هدمه أو أراد هدمه إضراراً بجاره لغير حاجة منه إلى هدمه؟ قال : «لا يترك وذلك انّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : «لا ضرر ولا ضرار» ، فإن هدمه ، كُلّف أن يبنيه». (٢)

وروى المحدّث النوري كلا الحديثين الأخيرين في مستدركه. (٣)

وعلى كلّ تقدير فلعلّ الإمام (عليه‌السلام) استند إلى ما ورد في قضيّة سمرة أو إلى حديث الشفعة أو غيرهما باعتبار أنّها قاعدة كلّية.

وأمّا ما ورد من طرق العامّة سوى ما نقلناه عن نهاية ابن الأثير فكما يلي :

١٧ ـ ما رواه مالك بن أنس المتوفى عام ١٧٩ ه‍ ـ في موطئه عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه : أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : «لا ضرر ولا ضرار». (٤)

١٨ ـ روى أحمد بن حنبل في مسنده وقال : حدّثنا عبد الله : حدثنا أبو كامل الجحدري : حدثنا الفضيل بن سليمان : حدثنا موسى بن عقبة عن إسحاق بن يحيى بن الوليد بن عبادة بن الصامت عن عبادة ، قال :

إنّ من قضاء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّ المعدن جبّار ، والبئر جبّار ، والعجماء جرحها

__________________

(١) دعائم الإسلام ج ٢ / ٤٩٩ ، كتاب القسمة والبنيان ، الحديث (١٧٨١) وفي الهامش رمز الى النسخة الأصلية ب ـ (س) وفيها «لا ضرر ولا ضرار».

(٢) دعائم الإسلام ج ٢ ص ٥٠٤ ، الحديث (١٨٠٥).

(٣) المستدرك ج ٣ ص ١٥٠.

(٤) الموطّأ ، كتاب القضاء ، باب القضاء في المرفق ، الحديث ٣٦ ، ص ٦٣٨.

٢١

جبّار والعجماء : البهيمة من الأنعام وغيرها ، والجبّار : الهدر الذي لا يغرم.

وقضى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الركاز الخمس.

وقضى أنّ تمر النخل لمن أبرّها إلّا أن يشترط المبتاع.

وقضى أنّ مال المملوك لمن باعه إلّا أن يشترط المبتاع.

وقضى أنّ الولد للفراش وللعاهر الحجر.

وقضى بالشفعة بين الشركاء في الأرضين والدور.

وقضى لحمل ابن مالك الهذلي بميراثه عن امرأته التي قتلتها الأُخرى.

وقضى في الجنين المقتول بغرّة عبد أو أمة فورثها بعلها وبنوها قال : وكان له من امرأتيه كلتيها ولد. قال : فقال أبو القاتلة المقضى عليه : يا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كيف أغرم من لا صاح له ولا استهلّ ولا شرب ولا أكل. فمثل ذلك بطل. فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : هذا من الكهان.

قال : وقضى في الرحبة تكون بين الطّريق ثمّ يريد أهلها البنيان فيها فقضى أن يترك للطريق فيها سبع أذرع قال : وكان تلك الطريق سمى الميتاء.

وقضى في النخلة أو النخلتين أو الثلاث ، فيختلفون في حقوق ذلك فقضى أنّ لكلّ نخلة من أولئك مبلغ جريدتها حيّز لها.

وقضى في شرب النخل من السيل أنّ الأعلى يشرب قبل الأسفل ويترك الماء إلى الكعبين ، ثمّ يرسل الماء إلى الأسفل الذي يليه فكذلك تنقضي حوائط أو يفنى الماء.

وقضى أنّ المرأة لا تعطي من مالها شيئاً إلّا بإذن زوجها.

وقضى للجدّتين من الميراث بالسدس بينهما بالسواء.

وقضى أنّ من أعتق مشركاً في مملوك فعليه جواز عتقه إن كان له مال.

وقضى أن لا ضرر ولا ضرار.

وقضى أنّه ليس لعرق ظالم حق.

٢٢

وقضى بين أهل البادية أنّه لا يمنع فضل ماء ليمنع فضل الكلاء.

وقضى في الدية الكبرى المغلظة ثلاثين ابنة لبون وثلاثين حقة وأربعين خلفة.

وقضى في الدية الصغرى ثلاثين ابنة لبون وثلاثين حقة وعشرين ابنة مخاض وعشرين بني مخاض ذكور.

ثمّ غلت الابل بعد وفاة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهانت الدّراهم فقوّم عمر بن الخطّاب إبل المدينة ستّة آلاف درهم حساب أوقية لكل بعير.

ثمّ غلت الابل وهانت الورق فزاد عمر بن الخطاب ألفين حساب أوقيتين لكل بعير.

ثمّ غلت الابل وهانت الدراهم فأتمّها عمر اثني عشر ألفاً حساب ثلاث أواق لكل بعير قال : فزاد ثلث الدية في الشهر الحرام وثلث آخر في البلد الحرام. قال : فتمّت دية الحرمين عشرين ألفاً ، قال : فكان يقال : يؤخذ من أهل البادية من ماشيتهم لا يكلّفون الورق ولا الذهب ويؤخذ من كل قوم مالهم قيمة العدل من أموالهم. (١)

وقد جمع عُبادة بن الصّامت (٢) في هذا الحديث من أقضية النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما

__________________

(١) مسند أحمد ، الجزء الخامس ، ص ٣٢٦ ، وراجع رسالة لا ضرر لشيخ الشريعة الاصفهاني ص ١٧ ـ ١٨ قال فيه بعد نقل رواية عبادة بن الصامت : أقول : وهذه الفقرات كلّها أو جلّها مروية من طرقنا موزعة على الأبواب وغالبها برواية عقبة بن خالد وبعضها برواية غيره وجملة منها برواية السكوني ، والذي اعتقده انّها كانت مجتمعة في رواية عقبة بن خالد عن أبي عبد الله (عليه‌السلام) كما في رواية عبادة بن الصّامت إلّا أنّ أئمّة الحديث فرّقوها على الأبواب.

(٢) عُبادة بن الصّامت من أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومن النقباء الاثنى عشر ومن السابقين الذين رجعوا إلى أمير المؤمنين (عليه‌السلام) ومن الذين مضوا على منهاج نبيّهم ولم يغيّروا ولم يبدّلوا. وكانت له مواقف بطوليّة في الشام ضد معاوية ابن أبي سفيان فابعد من جرّاء ذلك بأمر من عثمان إلى المدينة وتوفّي في زمانه وكان من المعترضين عليه.

انظر : معجم رجال الحديث ٩ / ٢٢٢ ـ السبعة من السلف للفيروزآبادي ص ١٣١ نقلاً عن مسند أحمد بن حنبل ٥ / ٣٢٥ ـ الغدير ١٠ / ١٧٩ و ١٨٠ نقلاً عن تاريخ ابن عساكر ٧ / ٢١١.

٢٣

يقارب العشرين قضاءً.

١٩ ـ وقال أحمد بن حنبل أيضاً : حدّثنا عبد الله : حدّثني أبي : حدثنا عبد الرزاق : أنا معمر عن جابر عن عكرمة عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «لا ضرر ولا إضرار ، وللرجل أن يجعل خشبة في حائط جاره والطريق الميتاء سبعة أذرع». (١)

٢٠ ـ ما رواه ابن ماجة في سننه عن عبادة بن الصامت انّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قضى أن «لا ضرر ولا ضرار». (٢)

٢١ ـ ما رواه هو أيضاً عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «لا ضرر ولا ضرار». (٣)

هذا ما وقفنا عليه من هذا القسم ولعلّ هناك ما لم نقف عليه.

القسم الثالث : ما يشتمل على لفظة «الضرار» فقط :

٢٢ ـ روى الشيخ عن هارون بن حمزة الغنوي ، عن أبي عبد الله (عليه‌السلام) في رجل شهد بعيراً مريضاً وهو يباع فاشتراه رجل بعشرة دراهم ، وأشرك فيه رجلاً بدرهمين بالرأس والجلد ، وقضى انّ البعير برئ ، فبلغ ثمنه [ثمانية خ ل] دنانير قال : فقال لصاحب الدرهمين خمس ما بلغ ، فان قال : أُريد الرأس والجلد فليس له ذلك ، هذا الضرار ، وقد أُعطي حقّه إذا أُعطي الخمس. (٤)

المراد أنّ البعير علت قيمته بسبب برئه ، فلو نحر يتضرر المشتري ، ولأجل

__________________

(١) مسند أحمد بن حنبل ١ / ٢١٣ ط : دار الفكر بيروت.

(٢ ـ ٣) سنن ابن ماجة ٢ / ٥٧ ، باب من بنى في حقه ما يضر بجاره ، وسنن أبي داود ٣ / ٣١٥ في أبواب القضاء.

(٤) الوسائل ج ١٣ ، ب ٢٢ ، من أبواب بيع الحيوان ، الحديث ١.

٢٤

ذلك ليس للشريك الإصرار على النحر ليأخذ الرأس والجلد ، بل يباع ويكون للشريك الخمس ، والحديث يعطي قاعدة في مورد الشركة وأنّه ليس للطرف الآخر الإصرار على اعمال الحق إذا استلزم الإضرار بالغير ، بل يجب أن يكون النيل به على وجه غير مضر بالآخر.

القسم الرابع : ما يدلّ على تحريم الاضرار بالغير :

والتحريم المستفاد من روايات هذا القسم على نوعين :

الف : التحريم المباشر.

ب : التحريم غير المباشر.

الف ـ التحريم المباشر :

ونعني به ما عبّر عنه بصيغة النهي أو بمادته أو بما فيه توعّد وتهديد أو تصريح بالحرمة أو أنّه من الكبائر. وهذا ما يستفاد من الأحاديث التالية :

٢٣ ـ روي في مجمع البيان في تفسير قوله تعالى : (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ) قال : «وجاء في الحديث : إنّ الضرار في الوصية من الكبائر». (١)

٢٤ ـ روى الصدوق ، عن الحسن بن زياد ، عن أبي عبد الله (عليه‌السلام) قال : «لا ينبغي للرجل أن يطلّق امرأته ثمّ يراجعها وليس له فيها حاجة ثمّ يطلّقها ، فهذا الضرار الذي نهى الله عزوجل عنه إلّا أن يطلق ثمّ يراجع وهو ينوي الإمساك». (٢)

٢٥ ـ روى الكليني عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه‌السلام) قال : سألته عن

__________________

(١) مجمع البيان ج ٢ ، ص ١٨.

(٢) الوسائل ج ١٥ ، ٣٤ ، من أبواب أقسام الطلاق ، الحديث ١.

٢٥

قول الله عزوجل : (وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا) ، قال : «الرجل يطلّق حتى كادت أن يخلو أجلها راجعها ثمّ طلّقها يفعل ذلك ثلاث مرّات ، فنهى الله عزوجل عن ذلك». (١)

٢٦ ـ وروى الكليني ، عن زرارة وحمران ابني أعين ومحمد بن مسلم ، عن أبي جعفر ، وأبي عبد الله (عليهما‌السلام) قالوا : سألناهما عن قوله : (وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا) ، قال : «هو الرجل يطلّق المرأة تطليقة واحدة ، ثمّ يدعها حتّى إذا كان آخر عدّتها راجعها ثمّ يطلّقها أُخرى فيتركها مثل ذلك فنهى الله عن ذلك». (٢)

٢٧ ـ روى الصدوق ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد الله (عليه‌السلام) قال : سمعته يقول : «المطلّقة الحبلى ينفق عليها حتى تضع حملها وهي أحقّ بولدها أن ترضعه بما تقبله امرأة أُخرى. يقول الله عزوجل : (لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ) ، لا يضار بالصبي ، ولا يضار بأُمه في إرضاعه ، وليس لها أن تأخذ في رضاعه فوق حولين كاملين. فإذا أراد الفصال عن تراض منهما كان حسناً والفصال هو الفطام». (٣)

٢٨ ـ روى الكليني ، عن محمّد بن الحسين قال : كتبت إلى أبي محمّد (عليه‌السلام) : رجل كانت له رحى على نهر قرية والقرية لرجل ، فأراد صاحب القرية أن يسوق إلى قريته الماء في غير هذا النهر ويعطّل هذا الرحى أله ذلك أم لا؟ فوقع (عليه‌السلام) : «يتّقي الله ويعمل في ذلك بالمعروف ولا يضر أخاه المؤمن». (٤)

٢٩ ـ روى الكليني ، عن طلحة بن زيد ، عن أبي عبد الله عن أبيه (عليهما‌السلام) قال : «قرأت في كتاب لعلي (عليه‌السلام) إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كتب كتاباً بين المهاجرين

__________________

(١) الوسائل ج ١٥ ، الباب ٣٤ من أبواب أقسام الطلاق ، الحديث ٢ ـ ٣.

(٢) الوسائل ج ١٥ ، الباب ٣٤ من أبواب أقسام الطلاق ، الحديث ٢ ـ ٣.

(٣) الوسائل ج ١٥ ، الباب ٧٠ من أبواب أحكام الأولاد ، الحديث ٧ ، ويقرب منه في نفس المصدر الحديث ٣.

(٤) الوسائل ج ١٧ ، الباب ١٥ من كتاب احياء الموات ، الحديث ١.

٢٦

والأنصار ومن لحق بهم من أهل يثرب انّ كل غازية بما يعقب ... وانّ الجار كالنفس غير مضار ولا آثم وحرمة الجار على الجار كحرمة أُمّه وأبيه ، لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلّا على عدل وسواء». (١)

والظاهر أنّ المراد من الجار في الحديث ، من أعطى له الأمان ، بقرينة كون الموضوع هو الغازي وإنّما فسّر بجار البيت بسبب التقطيع الذي ارتكبه الكليني فرواه في كتاب المعيشة بلا صدر. (٢)

٣٠ ـ روى الصدوق في عقاب الأعمال عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حديث قال : «ومن أضر بامرأة حتى تفتدي منه نفسها لم يرض الله له بعقوبة دون النار ... ـ إلى أن قال : ـ ومن ضار مسلماً فليس منا ولسنا منه في الدنيا والآخرة ... إلّا وانّ الله ورسوله بريئان ممّن أضر بامرأته حتى تختلع منه». (٣)

٣١ ـ محمد بن يعقوب عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن حماد عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه‌السلام) في حديث : «أنّه نهى أن يضار بالصبي أو تضار أُمّه في رضاعه». (٤)

٣٢ ـ محمد بن يعقوب ، عن محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد ، عن محمد بن إسماعيل والحسين بن سعيد جميعاً ، عن محمّد بن الفضيل ، عن أبي الصباح الكناني عن أبي عبد الله (عليه‌السلام) : سألته عن قول الله عزوجل : (لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ) ، فقال : «كانت المراضع ممّا تدفع إحداهنّ الرجل إذا أراد الجماع ، تقول : لا أدعك ، إنّي أخاف أن أحبل ، فأقتل ولدي هذا الذي أرضعه. وكان الرجل تدعوه المرأة فيقول : إنّي أخاف أن اجامعك فأقتل ولدي ،

__________________

(١ ـ ٢) الوسائل ج ١١ ، الباب ٢٠ من أبواب جهاد العدو ، الحديث ٥ ، ولاحظ الكافي ج ٥ ، ص ٢٩٢ كتاب المعيشة ، باب الضرار ، الحديث ١.

(٣) الوسائل ج ١٥ ، الباب ٢ من أبواب الخلع والمباراة ، الحديث ١.

(٤) الوسائل ج ١٥ ، الباب ٧٠ من أبواب أحكام الأولاد ، الحديث ٣.

٢٧

فيدفعها فلا يجامعها ، فنهى الله عزوجل عن ذلك أن يضار الرجل المرأة ، والمرأة الرجل».

وروى بأسانيد أُخرى صحيحة. (١)

٣٣ ـ علي بن إبراهيم في تفسيره ، عن محمد بن الفضيل ، عن أبي الصباح الكناني ، عن أبي عبد الله (عليه‌السلام) قال : «لا ينبغي للرجل أن يمتنع من جماع المرأة فيضار بها إذا كان لها ولد مرضع ، ويقول لها : لا أقربك فإنّي أخاف عليك الحبل فتغيلي [فتقتلي خ ل] ، [فتغيلين خ ل] ولدي وكذلك المرأة لا يحل لها أن تمتنع على الرجل فتقول : إنّي أخاف أن أحبل فأغيل [فأقتل خ] ولدي. وهذه المضارة في الجماع على الرجل والمرأة ، وعلى الوارث مثل ذلك. قال : لا يضار المرأة التي يولد لها ولد [لا تضار المرأة التي لها ولد خ ل] وقد توفي زوجها ولا يحل للوارث أن يضار أُمّ الولد في النفقة فيضيق عليهما. (٢)

٣٤ ـ قال عليّ (عليه‌السلام) في خطبة يصف فيها المتّقين : ... ولا ينسى ما ذكّر ، ولا ينابز بالألقاب ، ولا يضارّ بالجار ...». (٣)

وانّ قوله (عليه‌السلام) : «ولا يضارّ بالجار» وإن كان جملةً خبريّة إلّا أنّها تتضمّن نهياً عن الاضرار بالجار بنحو أبلغ ممّا لو قال : «لا تضارّ بالجار» بصورة جملة انشائيّة كما لا يخفى على أهل العلم.

٣٥ ـ محمّد بن يعقوب عن محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد ، عن عليّ بن الحكم ، عن عبد الله بن يحيى الكاهلي قال : قيل لأبي عبد الله (عليه‌السلام) : إنّا ندخل على أخ لنا في بيت أيتام ومعه خادم لهم فنقعد على بساطهم ونشرب من مائهم

__________________

(١) الوسائل ج ١٥ ، الباب ٧٢ من أبواب أحكام الأولاد ، الحديث ١.

(٢) الوسائل ج ١٥ ، الباب ٧٢ من أبواب أحكام الأولاد ، الحديث ٢.

(٣) نهج البلاغة ، خطبة ١٩٣ (همام).

٢٨

ويخدمنا خادمهم وربما طعمنا فيه الطعام من عند صاحبنا وفيه من طعامهم فما ترى في ذلك؟ فقال : «إن كان في دخولكم عليهم منفعة لهم فلا بأس ، وإن كان فيه ضرر فلا ، وقال (عليه‌السلام) : (بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ) فأنتم لا يخفى عليكم وقد قال الله عزوجل : (وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ)» ورواه الشيخ باسناده عن أحمد بن محمّد مثله. (١)

٣٦ ـ محمّد بن عليّ بن الحسين باسناده ، عن عليّ بن سويد ، عن أبي الحسن الماضي (عليه‌السلام) قال : قلت له : يشهدني هؤلاء على إخواني قال : «نعم ، أقم الشهادة لهم وإن خفت على أخيك ضرراً». قال الصدوق : وفي نسخته أُخرى : وإن خفت على أخيك ضرراً فلا.

وقال الشيخ الحرّ العاملي : أقول : «حمل الصدوق الرواية الأُولى على غير المعسر والثانية على المعسر». (٢)

٣٧ ـ رواية تحف العقول حول المكاسب المحلّلة والمحرّمة : روى الحسن بن علي بن شعبة في (تحف العقول) عن الصادق (عليه‌السلام) انّه سئل عن معائش العباد فقال : «... كذلك السكّين والسيف والرمح والقوس وغير ذلك من وجوه الآلة الّتي تصرف إلى جهات الصلاح وجهات الفساد ، وتكون آلة ومعونة عليهما فلا بأس بتعليمه وتعلّمه وأخذ الأجر عليه والعمل به وفيه لمن كان له فيه جهات الصلاح من جميع الخلائق ، ومحرّم عليهم فيه تصريفه إلى جهات الفساد والمضارّ ...». (٣)

__________________

(١) الوسائل ج ١٢ ص ١٨٣ كتاب التجارة باب ... حديث ١ ؛ لاحظ : فروع الكافي ج ١ ، ص ٣٦٤ ، والتهذيب ح ٢ / ١٠٣ ؛ وتفسير العياشي ١ / ١٠٧.

(٢) الوسائل ج ١٨ / ٢٤٩ ، الباب ١٩ من أبواب الشهادات ، ح ٢ ؛ لاحظ أيضاً : الفقيه ج ٣ ص ٤٢ ، ح ٢.

(٣) الوسائل ج ١٢ ص ٥٤ ـ ٥٧ ، الباب ... من أبواب ... ح ١ ؛ لاحظ : رسالة المحكم والمتشابه للسيد المرتضى ؛ وتحف العقول ص ٨٠ ـ ٨٣ من الطبعة الأُولى وص ٣٣١ ـ ٣٣٨ من الطبعة الثانية.

٢٩

٣٨ ـ محمّد بن عليّ بن الحسين باسناده عن عبد الله بن المغيرة عن السّكوني عن جعفر بن محمّد ، عن أبيه (عليهما‌السلام) قال : «قال علي (عليه‌السلام) : ما أبالي أضررتُ بولدي أو سرقتهم ذلك المال». ورواه الشيخ باسناده عن محمّد بن أحمد بن يحيى عن بنان بن محمّد عن عبد الله بن المغيرة مثله إلّا أنّه قال : «أضررت بورثتي». (١)

٣٩ ـ وعن محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد عن محمّد بن سنان ، عن العلاء ابن الفضيل عن أبي عبد الله (عليه‌السلام) قال : «كان أبو جعفر (عليه‌السلام) يقول : عظّموا أصحابكم ووقّروهم ، ولا يتهجّم بعضكم على بعض ، ولا تضارّوا ولا تحاسدوا ، وإيّاكم والبخل وكونوا عباد الله المخلصين». (٢)

٤٠ ـ وعن أبي الصباح قال : سئل أبو عبد الله (عليه‌السلام) عن قول الله : (وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ) قال : «لا ينبغي للوارث أن يضارّ المرأة فيقول : لا أدع ولدها يأتيها يضارّ ولدها إن كان لهم عنده شيء ولا ينبغي أن يقتّر عليه». (٣)

٤١ ـ وبالاسناد ، عن الحلبي ، عن أبي عبد الله (عليه‌السلام) قال : «لا يضارّ الرجل امرأته إذا طلّقها فيضيّق عليها قبل أن تنتفل ، قبل أن تنقضي عدّتها ، فانّ الله قد نهى عن ذلك فقال : (وَلا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَ)». (٤)

٤٢ ـ وباسناده عن الحسن بن محمّد بن سماعة ، عن غير واحد ، عن أبان بن عثمان ، عن إسماعيل بن الفضل الهاشمي قال : سألت أبا عبد الله (عليه‌السلام) عن رجل اكترى أرضاً من أرض أهل الذمّة من الخراج وأهلها كارهون ، وإنّما يقبلها السلطان بعجز أهلها عنها أو غير عجز؟ فقال : «إذا عجز أربابها عنها فلك أن

__________________

(١) الوسائل ج ١٣ / ٣٥٦ ، الباب ٥ من أبواب أحكام الوصايا ، الحديث ١.

(٢) الوسائل ج ٨ / ٤٠٦ ، الباب ٥ من أبواب أحكام العشرة ، الحديث ٢ ؛ لاحظ : الأُصول ص ٦٠٩ باب حسن المعاشرة.

(٣) الوسائل كتاب النكاح ج ١٥ / ٢٣٨ و ٢٣٩ ، الباب ١٢ من أبواب النفقات ، ح ٤.

(٤) الوسائل ج ١٥ / ٤٣٤ ، الباب ١٨ من أبواب العِدَد ، الحديث ٢.

٣٠

تأخذها إلّا أن يضارّوا ، وإن أعطيتهم شيئاً فسخت أنفسهم بها لكم فخذوها». (١)

ويظهر من هذا الحديث أنّ حرمة الاضرار بالغير لا تختصّ بالمؤمنين بل تشمل كل من كان دمه أو ماله أو عرضه محترماً من أهل الذمّة وغيرهم ، وبذلك يفهم أنّ الحديث الذي جاء فيه «لا ضرر ولا ضرار على مؤمن» لا يفيد تخصيصاً لعموم حرمة الاضرار بالغير بل يفيد تأكيداً على حرمته بالنسبة إلى المؤمنين.

٤٣ ـ وعن محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد ، عن محمّد بن إسماعيل ، عن محمد بن الفضيل عن أبي الصباح الكناني ، عن أبي عبد الله (عليه‌السلام) قال : «إذا طلّق الرجل المرأة وهي حبلى أنفق عليها حتّى تضع حملها وإذا وضعته أعطاها أجرها ولا يضارّها إلّا أن يجد من هو أرخص أجراً منها ، فإن هي رضيت بذلك الأجر فهي أحقّ بابنها حتّى تفطمه». (٢)

٤٤ ـ الحسن بن عليّ العسكري (عليه‌السلام) في تفسيره عن أبان ، عن علي بن الحسين (عليهما‌السلام) قال : «(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى) يعني المساواة وأن يسلك بالقاتل في طريق المقتول المسلك الّذي سلكه به من قتله (الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى) تقتل المرأة بالمرأة إذا قتلتها (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ) فمن عفا له القاتل ورضى هو وليّ المقتول أن يدفع الدّية عفا عنه بها (فَاتِّباعٌ) من الوليّ مطالبة (بِالْمَعْرُوفِ) وتقاصّ (وَأَداءٌ) من المعفوّ له القاتل (بِإِحْسانٍ) لا يضارّه ولا يماطله لقضائها (ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ)». (٣)

٤٥ ـ وباسناده عن حمّاد عن حريز انّ أبا عبد الله (عليه‌السلام) قال : «كان علي

__________________

(١) الوسائل كتاب الجهاد ، ج ١١ / ١٢١ ، الباب ٧٢ من أبواب جهاد العدو ، الحديث ٤ ؛ ومثله في الوسائل ج ١٢ / ٢١٥ ، الباب ٢١ من أبواب عقد البيع وشروطه ، الحديث ١٠.

(٢) الوسائل ، كتاب النكاح ، ج ١٥ / ١٩١ ، الباب ٨٢ من أبواب أحكام الأولاد ، ح ٢.

(٣) الوسائل ، كتاب القصاص ، ج ١٩ / ٣٨ و ٣٩ ، ب ١٩ من أبواب قصاص النفس ، ح ٨.

٣١

(عليه‌السلام) إذا ساق البدنة ومرّ على المشاة حملهم على البدنة ، وإن ضلّت راحلة راجل ومعه بدنة ركبها غير مضرّ ولا مثقل». (١)

٤٦ ـ وباسناده عن منصور بن حازم عن أبي عبد الله (عليه‌السلام) قال : «كان عليّ (عليه‌السلام) يحلب البدنة ويحمل عليها غير مضرّ». (٢)

٤٧ ـ وعن عدّة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد ، عن الحسين بن سعيد ، عن النضر بن سويد ، عن هشام بن سالم ، عن سليمان بن خالد ، عن أبي عبد الله (عليه‌السلام) قال : «إن نتجت بدنتك فاحلبها ما لم يضرّ بولدها ثمّ انحرهما جميعاً ، قلت : أشرب من لبنها وأسقي؟ قال : نعم». (٣)

ويستفاد من الأحاديث الثلاثة الأخيرة مرجوحيّة الاضرار ـ على الأقلّ ـ حتى بالنسبة إلى الدّوابّ ، فضلاً عن بني آدم.

٤٨ ـ روى الشيخ أبو محمّد الحسن بن علي بن الحسين بن شعبة الحرّاني أنّه قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «خصلتان ليس فوقهما من البرّ شيء : الإيمان بالله والنّفع لعباد الله ، وخصلتان ليس فوقهما من الشرّ شيء : الشرك بالله والضرّ لعباد الله.» (٤)

٤٩ ـ عن الشيخ الصدوق في الخصال قال : حدّثني محمّد بن علي ماجيلويه ـ رضي الله عنه ـ ، قال : حدثنا محمّد بن يحيى العطار ، قال : حدثني سهل بن زياد الآدمي ، عن يعقوب بن يزيد ، عن محمّد بن إبراهيم النوفلي رفعه إلى (الإمام الصادق) جعفر بن محمّد (عليهما‌السلام) انّه ذكر عن آبائه (عليهم‌السلام) أنّ أمير المؤمنين (عليه‌السلام) كتب إلى عمّاله :

«أدِقُّوا أقْلامَكُمْ ، وَقارِبُوا بَينَ سُطورِكُمْ ، وَاحذِفُوا عنّي فُضُولَكُم ، واقْصدُوا

__________________

(١) الوسائل ، كتاب الحج ، ج ١٠ / ١٣٣ ـ ١٣٤ ، الباب ٣٤ من أبواب الذبح ، الحديث ٢.

(٢) المصدر ، الحديث ٤.

(٣) المصدر ، الحديث ٦.

(٤) تحف العقول ص ٣٥ ط دار الكتب الإسلامية طهران سنة ١٣٧٦ ه‍ ـ.

٣٢

قَصدَ المَعاني ، وَإيّاكُم والإكثارَ فإنّ أموالَ المُسلمينَ لا تحتَمِلُ الإضرارَ». (١)

هذا كلّه ممّا ورد في كتب الخاصّة وقد عثرنا على أحاديث توافق هذا المضمون في كتب العامّة وهي كما يلي :

٥٠ ـ روى البخاري : وقال الله تعالى : (وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ ـ إلى قوله : ـ ﴿ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) ، وقال : (وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً) ، وقال : (وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى * لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ ـ إلى قوله : ـ ﴿ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً).

وقال يونس عن الزّهري : نهى الله أن تضارّ والدة بولدها ، وذلك أن تقول الوالدة : لستُ مرضعته ، وهي أمثل له غذاءً وأشفق عليه وأرفق به من غيرها ، فليس لها أن تأبى بعد أن يُعطيها من نفسه ما جعل الله عليه ، وليس للمولود أن يضارّ بولده والدته ، فيمنعها أن تُرضعه ضراراً لها إلى غيرها ، فلا جناح عليهما أن يسترضعا عن طيب نفس الوالد والوالدة ...». (٢)

٥١ ـ روى أبو داود : حدثنا عبدة بن عبد الله ، قال : أخبرنا عبد الصمد : حدثنا نصر بن علي الحدّاني : حدثنا الأشعث بن جابر : حدثني شهر بن حوشب أنّ أبا هريرة حدّثه أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : «إنّ الرجل ليعمل أو المرأة بطاعة الله ستّين سنة ، ثمّ يحضرهما الموت فيضارّان في الوصيّة فتجب لهما النار» فقال : وقرأ عَلَيّ أبو هريرة من هاهنا (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ) حتّى بلغ (وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)». (٣)

٥٢ ـ روى الإمام مالك : عن ثور بن زيد الدِّيلي : أنّ الرجل كان يطلّق امرأته

__________________

(١) نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة ج ٤ ، باب الكتب ص ٣٠.

(٢) صحيح البخاري ج ٧ ص ٨٣ ، كتاب النفقات ، ط : مطابع الشعب سنة ١٣٧٨.

(٣) سنن أبي داود ج ٢ / ١٠٢ ، كتاب الوصايا ، باب ما جاء في كراهية الاضرار في الوصيّة ، ط : الأُولى سنة ١٣٧١ ه‍ ـ ، مصطفى البابي بمصر.

٣٣

ثمّ يراجعها ، ولا حاجة له بها ، ولا يريد إمساكها ، كيما يطوِّل بذلك عليها العدّة ليضارّها. فأنزل الله تبارك وتعالى : (وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) يعظهم الله بذلك. (١)

٥٣ ـ روى أبو دواد عن أبي صرمة صاحب النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال : «من ضارّ أضر الله به ، ومن شاقّ شاق الله عليه».

ورواه الترمذي وابن ماجة وابن حنبل باختلاف يسير ، فقد روى الترمذي «ضارّ الله» مكان «أضرّ الله» وروى الأخيران «شقّ الله عليه» مكان «شاق الله عليه». (٢)

٥٤ ـ روى الترمذي عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : «ملعون من ضارّ مؤمناً أو مكر به». (٣)

* * *

ب ـ التحريم غير المباشر :

ونعني به ما يستفاد من الأحاديث الآتية التي قد عبّر عنه بشيء يلزم منه التحريم أو بما يكون فيه أمراً مفروغاً عنه وما إلى ذلك.

٥٥ ـ روى الكليني عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه‌السلام) قال : سألته عن الشيء يوضع على الطّريق فتمرّ الدابّة فتنفر بصاحبها فتعق ـ فتعقره والعقر هو الجرح ـ؟ فقال : «كلّ شيء يضرّ بطريق المسلمين فصاحبه ضامن لما يصيبه». (٤)

__________________

(١) موطأ الإمام مالك ص ٤٠٣ ، ط : العاشرة سنة ١٤٠٧ ، دار النفائس بيروت.

(٢) سنن أبي داود ، ج ٣ ، ص ٣١٥ ، كتاب الأقضية ، الحديث ٣٦٣٥ ؛ وصحيح الترمذي ، ج ٤ ص ٣٣٢ ، الباب ٢٧ ، من كتاب البر والصّلة ، الحديث ١٩٤٠ ؛ وسنن ابن ماجة ج ٢ ص ٧٨٤ ، ط : دار احياء التراث العربي ، الحديث ٢٣٤٢ ؛ ومسند أحمد بن حنبل ج ٣ / ٤٥٣.

(٣) صحيح الترمذي ج ٤ ، ص ٣٣٢ ، الباب ٢٧ ، من تاب البر والصدقة ، الحديث ١٩٤١.

(٤) الوسائل ج ١٩ ، الباب ٩ ، من أبواب موجبات الضمان ، الحديث ١.

٣٤

٥٦ ـ روى الشيخ بسنده عن أبي الصباح الكناني قال : قال أبو عبد الله (عليه‌السلام) «من أضرّ بشيء من طريق المسلمين فهو له ضامن». (١)

٥٧ ـ ما رواه الكليني مرسلاً عن أبي عبد الله (عليه‌السلام) قال : سألته عن قوم لهم عيون في أرض قريبة بعضها من بعض فأراد رجل أن يجعل عينه أسفل من موضعها الذي كانت عليه ، وبعض العيون إذا فعل بها ذلك أضرّ بالبقية من العيون وبعضها لا يضر من شدة الأرض. قال : فقال : «ما كان في مكان شديد فلا يضر ، وما كان في أرض رخوة بطحاء فانّه يضر» وإن عرض رجل على جاره أن يضع عينه كما وضعها وهو على مقدار واحد؟ قال : «إن تراضيا فلا يضر ، وقال : يكون بين العينين ألف ذراع». (٢)

والحديث بصدد إعطاء ضابطة كلية وهي أنّ الاضرار بالغير ، غير جائز ، وأنّ المقياس في التصرف في العيون عدم الاضرار بالغير. وما ذكره من كونه ألف ذراع في الأراضي الرخوة ، وخمسمائة ذراع في الصلبة محمول على الغالب ، ويؤيد ذلك الأحاديث الآتية :

٥٨ ـ روى الكليني عن محمد بن الحسن [الحسين خ ل] قال : كتبت إلى أبي محمّد (عليه‌السلام) : رجل كانت له قناة في قرية فأراد رجل أن يحفر قناة أُخرى إلى قرية له ، كم يكون بينهما في البعد حتى لا تضر إحداهما بالأُخرى في الأرض إذا كانت صلبة أو رخوة؟ فوقّع (عليه‌السلام) : «على حسب أن لا تضر إحداهما بالأُخرى إن شاء الله». (٣)

٥٩ ـ روى الكليني عن عقبة بن خالد عن أبي عبد الله (عليه‌السلام) : في رجل أتى جبلاً فشقّ فيه قناة جرى ماؤها سنة ثمّ إنّ رجلاً أتى ذلك الجبل فشقّ فيه قناة

__________________

(١) الوسائل ج ١٩ ، الباب ٨ ، من أبواب موجبات الضمان ، الحديث ٢.

(٢) الوسائل ج ١٧ ، الباب ١٣ ، من أبواب احياء الموات ، الحديث ١.

(٣) الوسائل ج ١٧ ، الباب ١٤ ، من أبواب احياء الموات ، الحديث ١.

٣٥

أُخرى ، فذهبت بماء قناة الأوّل؟ قال : «فقال : يتقاسمان [يتقايسان] بحقائب البئر ليلة ليلة فينظر أيتها أضرّت بصاحبتها فإن رأيت الأخيرة أضرّت بالأُولى فلتعور». (١)

وذكر المعلّق على الوسائل أنّ الصحيح «بعقائب البئر» والعقيب : كل شيء أعقب شيئاً ، والمراد هنا النوبة بأن يمسك كل واحد منهما عن إجراء الماء ، ليلة هذا وليلة ذاك ، فإن أوجب سدّ مجرى إحداهما كثرة ماء الأُخرى تبين اضرارها بها.

ولو كانت النسخة «الحقائب» فالمراد منها الظروف ، قال الشاعر : (٢)

أكارم يروي الغيث والليث عنهم

إذا وهبوا ملء الحقائب أوهبوا

وفسّره في المجمع ب ـ «اعجاز البئر».

٦٠ ـ الكليني عن محمد بن يحيى عن أحمد (ابن خالد أو ابن عيسى) عن ابن فضال عن ابن بكير عن عبيد بن زرارة قال : قلت لأبي عبد الله (عليه‌السلام) : الجارية يريد أبوها أن يزوّجها من رجل ، ويريد جدّها أن يزوّجها من رجل آخر؟ فقال : «الجد أولى بذلك ما لم يكن مضاراً ، إن لم يكن الأب زوّجها قبله». (٣)

ولا يخفى أنّ الإمام (عليه‌السلام) في مقام بيان عدم نفوذ ولاية الجد على الجارية إذا كان مضارّاً بها وليس في مقام بيان حرمة الاضرار.

إلّا أنّه يفهم من الحديث أنّ حرمة الاضرار أمر مفروغ عنه ، ولو لم يكن الاضرار بالجارية حراماً لما وجد وجه لعدم نفوذ ولاية الجدّ عليها ، إن لم يكن الأب زوّجها قبله.

__________________

(١) الوسائل ج ١٧ ، الباب ١٦ ، من كتاب احياء الموات ، الحديث ١.

(٢) هو العلامة الاريب الشيخ مصطفى التبريزي (قدس‌سره).

(٣) الوسائل ، ج ١٤ ، الباب ١١ ، من أبواب عقد النكاح ، الحديث ٢.

٣٦

٦١ ـ روى السكوني عن جعفر بن محمّد عن أبيه (عليهما‌السلام) قال : «قال علي (عليه‌السلام) : من أوصى ولم يحف ولم يضار ، كان كمن تصدّق به في حياته». (١)

٦٢ ـ في البحار عن أمالي الطوسي عن المفيد ، عن عليّ بن الحسين البصريّ ، عن أحمد بن عليّ بن مهدي ، عن أبيه ، عن الرّضا (عليه‌السلام) عن آبائه (عليهم‌السلام) قال : «قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : حبّنا أهل البيت يكفّر الذنوب ويضاعف الحسنات ، وإنّ الله ليتحمّل عن محبّينا أهل البيت ما عليهم من مظالم العباد ، إلّا ما كان منهم فيها على إضرار وظلم للمؤمنين». (٢)

وهذا الحديث لا يدلّ على عدم حرمة الاضرار بغير المؤمنين من العباد ، بل يدلّ على أنّ الله يتحمّل عن المحبّ لأهل البيت تبعة إضراره بهم ، ولو كان الاضرار بهم حلالاً ، لما كان له تبعة حتّى يلزم أن يتحمّلها الله عنهم ، مضافاً إلى أنّ قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «يكفّر الذنوب» قرينة على أنّ ذلك الاضرار ذنب كفّره الله عنهم وأمّا الإضرار بالمؤمنين فهو حرام للغاية بحيث لا يضمن الله تحمّل تبعته عن المحبّين.

٦٣ ـ وروى الكليني بالاسناد عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه‌السلام) أنّه سئل عن رجلين كان بينهما عبد فأعتق أحدهما نصيبه؟ فقال : «إن كان مضارّاً كلّف أن يعتقه كلّه وإلّا استسعى العبد في النصف الآخر». ورواه الصدوق باسناده عن حمّاد. ورواه الشيخ باسناده عن محمّد بن يعقوب مثله. (٣)

٦٤ ـ روى الشيخ باسناده عن محمّد بن مسلم قال : قلت لأبي عبد الله (عليه‌السلام) : رجل ورث غلاماً وله فيه شركاء فأعتق لوجه الله نصيبه؟ فقال : «إذا أعتق نصيبه مضارّة وهو موسر ضمن للورثة ، وإذا أعتق لوجه الله كان الغلام قد أعتق

__________________

(١) الوسائل ج ١٣ ، الباب ٥ ، من أبواب الوصايا ، الحديث ٢.

(٢) بحار الأنوار ، ج ٦٥ ص ١٠٠.

(٣) الوسائل ، كتاب العتق ، ج ١٦ / ٢١ ح ٢.

٣٧

من حقّه من أعتق ويستعملونه على قدر ما أعتق منه له ولهم ، فإن كان نصفه عمل لهم يوماً وله يوماً ، وإن أعتق الشّريك مضارّاً وهو معسر فلا عتق له لأنّه أراد أن يفسد على القوم ويرجع القوم على حصصهم».

قال الحر العاملي : أقول : هذا ظاهره عدم قصد القربة بالكلّية ، وقد تقدّم ما يدلّ على بطلان هذا العتق. (١)

وترتيب الأحكام الوضعية ـ في الحديثين الأخيرين ـ على الذي أعتق نصيبه من العبد مضارّة ، من قبيل تكليفه بعتق العبد كلّه وضمانه للورثة ، يدلّ على أنّ العتق المقرون بالمضارّة عمل حرام وإلّا لا وجه لمعاقبته بترتيب تلك الأحكام.

٦٥ ـ روى الكليني باسناده عن يحيى بن عبد الله بن الحسن عن أبي عبد الله (عليه‌السلام) قال : سمعته يقول : ... قال : «وإنّما الطّلاق ما أُريد به الطّلاق من غير استكراه ولا إضرار على العدّة والسنّة على طهر بغير جماع وشاهدين ، فمن خالف هذا فليس طلاقه ولا يمينه بشيء ، يردّ إلى كتاب الله عزوجل».

ورواه الشيخ باسناده عن عليّ بن الحسن بن فضال ، عن محمّد بن عليّ ، عن ابن محبوب مثله. (٢)

الظاهر أنّ المقصود من الاضرار على العدّة ، هو أن يطلّق الرجل زوجته فإذا دنا أجل العدّة يرجع بها ثمّ يطلّقها من جديد ، ويعمل ذلك مراراً للإضرار بالزوجة وهذا فعل حرام قد نهى الله عنه كما سبق البحث حوله في فصل «الضرر والضرار في الكتاب العزيز» ، وقد رتّب في هذا الحديث عدم صحّة الطّلاق الذي يوقع بذلك الشكل.

٦٦ ـ وباسناده عن سماعة قال : سألته (عليه‌السلام) عن رجل طلّق امرأته وهو

__________________

(١) الوسائل ، كتاب العتق ، ج ١٦ ص ٢٣ ح ١٢.

(٢) الوسائل ، ج ١٥ ص ٢٩٩ ، كتاب الطلاق.

٣٨

مريضاً قال : «ترثه ما دامت في عدّتها وإن طلّقها في حال إضرار فهي ترثه إلى سنة ، فإن زاد على السّنة يوماً واحداً لم ترثه وتعتد منه أربعة أشهر وعشراً عدّة المتوفّى عنها زوجها».

ورواه الشيخ باسناده عن الحسين بن سعيد ورواه الصدوق باسناده عن زرعة مثله إلى قوله : «لم ترثه». (١)

٦٧ ـ روى الكليني باسناده عن حمران في حديث قال : قال أبو جعفر (عليه‌السلام) : لا يكون ظهار في يمين ولا في اضرار ولا في غضب. الخ. (٢)

٦٨ ـ روى الصدوق باسناده عن عليّ بن الحسن بن عليّ بن فضّال ، عن أبيه قال : سألت الرضا (عليه‌السلام) عن العلّة الّتي من أجلها لا تحلّ المطلّقة للعدّة لزوجها حتّى تنكح زوجاً غيره؟ فقال : «إنّ الله عزوجل إنّما أذن في الطّلاق مرّتين فقال : (الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ) يعني في التطليقة الثالثة ، فلدخوله فيما كره الله عزوجل من الطّلاق الثالث حرّمها الله عليه ، فلا تحلّ له حتّى تنكح زوجاً غيره لئلا يوقع الناس الاستخفاف بالطّلاق ولا يضارّوا النّساء». (٣)

القسم الخامس : ما يدلّ على النهي عن الإضرار بالنّفس :

وإليك نموذجاً من أحاديث هذا القسم :

٦٩ ـ قال الصدوق : وقال (عليه‌السلام) : «كلّما أضرّ به الصوم فالافطار له واجب». (٤)

__________________

(١) الوسائل ، كتاب الطلاق ، ج ١٥ ، ص ٢٨٥ ، الحديث ٢٨٢٥٢.

(٢) الوسائل ، كتاب الطلاق ، ج ١٥ ، ص ٥٠٩ ، الحديث ٢٨٦٥٨.

(٣) الوسائل ، ج ١٥ ص ٣٥٩ ، كتاب الطلاق ، باب ٤ من أبواب الطلاق وأحكامه ، ح ٧.

(٤) الوسائل ، كتاب الصوم ، ج ٧ ص ١٥٦ ، الحديث ١٣٢٦٥.

٣٩

٧٠ ـ روى الشيخ باسناده عن عليّ بن جعفر (عليه‌السلام) في كتابه عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما‌السلام) قال : سألته عن حدّ ما يجب على المريض ترك الصّوم؟ قال : «كلّ شيء من المرض أضرّ به الصّوم فهو يسعه ترك الصّوم». (١)

٧١ ـ محمّد بن يعقوب ، عن محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد ، عن محمّد ابن يحيى ، عن طلحة بن زيد ، عن أبي عبد الله (عليه‌السلام) قال : «إنّ الجار كالنّفس غير مضارّ ولا إثم» ورواه الشيخ باسناده عن أحمد بن محمد مثله. (٢)

ففي هذا الحديث نهي عن الاضرار بالجار بجملة خبريّة ، ودلالتها على التحريم أبلغ من الجملة الانشائيّة كما جاء في علم الأُصول ، وشبّه هذا التحريم بتحريم الاضرار بالنّفس وجعل هذا المشبّه به أمراً مفروغاً عنه.

٧٢ ـ محمّد بن يعقوب عن عدّة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد وعن علي ابن إبراهيم ، عن أبيه جميعاً عن عمرو بن عثمان ، عن محمد بن عبد الله عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه‌السلام) وعن عدّة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد ابن خالد ، عن محمّد بن مسلم ، عن عبد الرحمن بن سالم ، عن مفضّل بن عمر قال : قلت لأبي عبد الله (عليه‌السلام) : أخبرني ـ جعلني الله فداك ـ لم حرّم الله الخمر والميتة والدم ولحم الخنزير؟ قال : «إنّ الله تبارك وتعالى لم يحرّم ذلك على عباده وأحلّ لهم ما سواه (ذلك ـ علل) من رغبة منه فيما حرّم عليهم (أُحِلَّ لَهُمْ ...) ولا زهد فيما أحلّ لهم (حرم عليهم ...) ولكنّه خلق الخلق فعلم ما تقوم به أبدانهم وما يصلحهم فأحلّه لهم وأباحه تفضّلاً منه عليهم به لمصلحتهم ، وعلم ما يضرّهم فنهاهم عنه ، وحرّم عليهم ثمّ أباحه للمضطر ، وأحلّه له في الوقت الذي لا يقوم

__________________

(١) الوسائل ج ٧ ص ١٥٨ ، كتاب الصوم ، الحديث ١٣٢٧٣.

(٢) وسائل الشيعة ج ١٧ باب ١٢ من أبواب احياء الموات ح ٢ ، أيضاً : الفروع ج ٥ ص ٢٩٢ ح ١ (باب الضرار) ؛ والتهذيب ج ٧ ص ١٤٦ ، ح ٣٥.

٤٠