الصّلاة خير من النوم شرعة أم بدعة

السيد علي الشهرستاني

الصّلاة خير من النوم شرعة أم بدعة

المؤلف:

السيد علي الشهرستاني


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مؤسسة المؤمل الثقافية
الطبعة: ٠
الصفحات: ٤٨٠

الجانب الفقهي والحديثي

٤١
٤٢

ويقع الكلام فيه في أربعة فصول :

الفصل الأول : التعريف بالتثويب وبمفاهيم أخرى مرتبطة به

الفصل الثاني : في بيان جملة «الصلاة خير من النوم» هل هي رواية عن رسول الله ، أم هو رأي لبعض الصحابة؟

وكيف يكون هناك أذانان ومؤذّنان وإمامان لصلاةٍ واحدة؟

الفصل الثالث : بيان الخلفيات العقائدية عند النهجين وارتباطها بمسألة الصلاة خير من النوم

الفصل الرابع : بيان السير الفقهي والتاريخي لاختلاق هذه المقولة وكيفية تعامل المذاهب الأربعة معها بين الأمس واليوم

٤٣
٤٤

الفصل الأوّل :

التعريف بالتثويب

وبمفاهيم أخرى مرتبطة به

• التثويب لغةً

• التثويب اصطلاحاً

• وقت التثويب ومحلّه

• التثويب القديم والتثويب المحدث

• الأذان الأوّل والأذان الثاني في الفجر

• المذاهب الإسلامية والتثويب

٤٥
٤٦

التعريف بالتثويب

ما هو التثويب لغة؟ وعلى أي شي يطلق اصطلاحاً؟

وهل هو قول المؤذّن في أذان الفجر «الصلاة خير من النوم» ، أم أنّه قوله : «حيَّ على خير العمل» في الفجر وغيره؟

وهل يصح أن ندّعي أنّ قول المؤذن أو المقيم : «حيَّ على الصلاة» ، أو «قد قامت الصلاة» هو التثويب ، أم أن التثويب هو جملة «الصلاة خير من النوم» فقط؟

وهل التثويب هو جزء الأذان داخلٌ فيه ، أم أنّه يأتي بعده قبل الاقامة؟

وهل هو مختصّ بأذان الفجر ، أم يتجاوزه إلى العصر والعشاء كذلك؟

بل متى شُرّع التثويب؟

هل في عهد رسول الله ، أم من بعده؟

وإذا كان من بعده ، فمن كان وراءه؟

هل كان وراءه أبو بكر ، أم عمر بن الخطاب ، أم الأمويون ، أم بنو العباس؟!

٤٧

وهل تشريعه إلهي ورد نصه في الكتاب العزيز ، أم أنّه بيانٌ نبوي تواتر النقل عنه صلى‌الله‌عليه‌وآله؟ أم أنّه رأي قد شُرّع في عهد الشيخين ثمّ تبنّته جهات سياسيّة أخرى دعماً لتوجّهات الخلفاء؟ أم أنّه غير هذا وذاك؟

هذه تساؤلات ـ ومعها غيرها ـ طرحناها في هذه الدراسة ؛ لنرفع الستار عنها وعن مسائل أخرى تنطوي عليها هذه المسألة ، وإليك الكلام عنها في نقاط :

معنى التثويب لغة

هو العود إلى الإعلام بعد الإعلام ، وهو مأخوذ من ثاب إلى الأمر إذا رجع إليه؛ كأنّ المؤذن أو المقيم لما يقول «الصلاة خير من النوم» أو «قد قامت الصلاة» مثلاً ، قد رجع إلى ما كان قد دعا إليه من جُملٍ في الأذان سابقاً بقوله : «حيَّ على الصلاة ، حي على الصلاة» ، والمثابة : هي الموضع الذي يثاب إليه مرة بعد أخرى ومنه سُمِّي المنزل (مَثاب) ، ومنه جاء قوله تعالى : (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ) أي يترددون ويرجعون إليه (١).

ومن هذا الباب سُمّي الثواب ثواباً؛ لأنّ منفعة عمل المكلف تعود إليه. ويقال : ثاب إلى المريض نَفَسُه ، إذا برئ ، فهو عود إلى الإعلام بعد الإعلام الأول (٢).

ومنه : ثاب إلى السكران عقله ، إذا صحا من سُكره ورجع إلى ما كان عليه (٣).

__________________

(١) فتح الباري في شرح صحيح البخاري لابن رجب الحنبلي ٣ : ٤٢٥ ـ الباب ٤ ، فصل التأذين / الرقم ٦٠٨. والآية في سورة البقرة : ١٢٥.

(٢) أُنظر : المبسوط للسرخسي ١ : ١٣٠ ـ باب الأذان.

(٣) أُنظر : معجم لغة الفقهاء : ١٢١.

٤٨

وفي (النهاية) لابن الاثير : ... والأصل في التثويب أن يجيءَ الرجل مستصرخاً فيلوّح بثوبه ليُرى ويشتهر ، فسُمّي الدعاء تثويباً لذلك ، وكلُّ داعٍ مُثوّبٌ.

وقيل : إنّما سُمّي تثويباً مِن ثاب يثوب إذا رجع ، فهو رجوع إلى الأمر بالمبادرة إلى الصلاة ، وأنّ المؤذّن إذا قال «حيَّ على الصلاة» فقد دعاهم إليها ، وإذا قال بعدها «الصلاة خير من النوم» فقد رجع إلى كلامٍ معناه المبادرة إليها (١).

والراجح عند أغلب العلماء أنّ معنى التثويب هو الرجوع والعود للإعلام بعد الإعلام (٢) ، لا الاستغاثة ـ كما ادّعاه ابن الأثير بأنّه الأصل فيه ـ كما لا يصحّ قول الآخر : وأنّ الرجل يلوّح بثوبه عند الفزع لِيُعلِم أصحابَه ، لأنّه لو صحّ [كونه بهذا المعنى] لكان تسمية الأذان تثويباً أحقّ من الإقامة (٣).

وقد قيل بأنّ التثويب هو الأذان والإقامة؛ لأنّهما أوّل دعوة وصرخةٍ للصلاة ، وفيها تكرار التكبير والشهادتين والحيعلات ، ومعناه أنّها إعلام بعد إعلام.

التثويب اصطلاحاً

اختلف العلماء في المعنيّ بالتثويب اصطلاحاً على عدة أقوال :

الأول : هو قول المؤذن في أذان الفجر خاصة «الصلاة خير من النوم» ، وهو قول ابن المبارك وأحمد والخطّابي وغيرهم (٤). وهذا القول أشهر الأقوال وهو المعتمد عندهم.

__________________

(١) النهاية ١ : ٢٢٦ ـ باب الثاء مع الواو ، وعون المعبود ٢ : ١٧٠ ـ عن : النهاية.

(٢) أُنظر على سبيل المثال : تحفة الأحوذي ١ : ٥٠٥ ـ الباب ٣٢ ، البحر الرائق ١ : ٢٧٤ ، ٣ : ١٢٥ ، الهداية شرح البداية ١ : ٤١ ، شرح فتح القدير ١ : ٣٤٦.

(٣) أُنظر : فتح الباري لابن رجب الحنبلي ٣ : ٤٢٦.

(٤) أُنظر : عون المعبود ٢ : ١٧٠ ـ باب في التثويب الرقم ٥٣٨ ، فتح الباري لابن حجر ٢ : ٨٦.

٤٩

قال ابن الأنباري : «الصلاة خير من النوم» سُمّي تثويباً ؛ لأنّه دعاءٌ ثانٍ إلى الصلاة ، وذلك أنّه لما قال : «حي على الصلاة» دعاهم إليها ، ثمّ لما قال «الصلاة خير من النوم» دعا إليها مرة أخرى (١).

الثاني : هو قول المؤذن بين الأذان والإقامة : «قد قامت الصلاة ، حي على الصلاة ، حي على الفلاح» (٢). من جهة التذكير وحثَّ الناس على المبادرة للصلاة.

وزعم بعض الكوفيين أنّ المراد بالتثويب هذا لا غير ، حكى ذلك ابن المنذر عن أبي يوسف عن أبي حنيفة ، وزعم أنّه تفرّد به ، لكن في (سنن أبي داود) عن ابن عمر أنّه كره التثويب بين الأذان والإقامة ، وهذا يدلّ على أنّ له سلفاً في الجملة (٣).

وهو الذي عرّفه بعض فقهاء الجمهور بالسلام على الأمراء بعد الأذان وقبل الإقامة ، «وهذا يسمّى نداء الأمراء ، وبعضهم يسمّيه التثويب ، ورخص فيه بعضهم ، وكرّهه أكثر العلماء» (٤).

الثالث : قيل هو الإقامة ؛ لأنّ التثويب مِن ثاب إذا رجع ، ومقيم الصلاة راجع إلى الدعاء إليها ، فإنّ الأذان دعاء إلى الصلاة والإقامة دعاء إليها ، فهو رجوع إلى الصلاة بعد أن دعاهم إليها في الأذان بـ «حي على الصلاة» ، أي إنّه إعلام بإقامة الصلاة بقوله : «قد قامت الصلاة ، قد قامت الصلاة». ومنه ما رُوي عن أبي هريرة أنّ رسول الله قال : إذا نُودي للصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع

__________________

(١) البخاري بشرح الكرماني ٥ : ٧.

(٢) عون المعبود ٢ : ١٧٠ ـ باب في التثويب / الرقم ٥٣٨.

(٣) فتح الباري لابن حجر ٢ : ٨٦. وانظر : سنن أبي داود ١ : ١٤٨ ـ الباب ٤٥ في التثويب / ح ٥٣٨.

(٤) أُنظر : منهاج السنة النبوية لابن تيمية ٦ : ٢٩٤ ، الإنصاف للمرداوي ١ : ٤١٤ ـ باب الأذان.

٥٠

التأذين ، فإذا قُضيَ النداء أقبَل ، حتّى إذا ثُوّب بالصلاة أدْبَرَ ، حتّى إذا قُضيَ التثويب أقبل ... (١).

وأخرج مالك بسنده أنّ أبا هريرة قال : إذا ثُوّب بالصلاة فلا تأتوها وأنتم تَسعَون وائتوها وعليكم السكينة ، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا ، فإنّ أحدكم في صلاة ما كان يعمد إلى الصلاة (٢).

وقال الجمهور : المراد بالتثويب في الحديثين الإقامة ، وبذلك جزم أبو عوانة في صحيحه ، والخطّابي والبيهقي ، وغيرهم (٣).

الرابع : قيل : إنّه قول المؤذن «حيَّ على خير العمل» (٤) ، لأنّ الدعوة إلى الصلاة قد تمت بـ «حيَّ على الصلاة» ، ولما دُعِيَ بـ «حيَّ على خير العمل» فالمراد منها حيَّ إلى تلك الصلاة التي دُعيتَ إليها قبل قليل.

وقيل : إنّ تكرار التكبير والشهادتين والحيعلات هو مما يُسمّى تثويباً ، لأنّها إعلام بعد إعلام.

__________________

(١) البخاري بشرح الكرماني ٥ : ٧ ، وفتح الباري للعسقلاني ٢ : ٨٦ ، وتنوير الحوالك ١ : ٦٧ / ح ١٥٠ ، و ٦٩ / ح ١٥٢ ، شرح الزرقاني ١ : ٢٠٤ ، ٢٠٩ ، عون المعبود ٢ : ١٥٠ ، عمدة القارئ ٥ : ١١٢ ، التمهيد لابن عبدالبر ١٨ : ٣٠٨ ، ٣١٠ ، و ٢٠ : ٢٣١ ، شرح النووي على مسلم ٤ : ٩٢ ـ باب فضل الأذان و ٥ : ١٠٠ ، والكل فسّروا التثويب في هذا الحديث بالإقامة.

(٢) موطَّأ مالك ١ : ٦٨ / ح ١٥٠. وانظر : التمهيد ٢٠ : ٢٣١ ، وفيه أنّ التثويب المذكور في الحديث هو الإقامة ، وأمّا قوله : فلا تأتوها وانتم تسعون ، فالسعي هاهنا في هذا الحديث المشي بسرعة والاشتداد فيه والهرولة.

(٣) عون المعبود ٢ : ١٥٠.

(٤) مواهب الجليل ١ : ٤٣٢ ، وفيه : وقيل : إنّ التثويب هو قول المؤذن (حيّ على خير العمل) ؛ لأنّها كلمة زادها مَن خالف السنّة من الشيعة.

٥١

ثم إنّ التثويب في كل بلدة تكون على ما يتعارفونه : إمّا بالتنحنح ، أو بقوله : «الصلاة ، الصلاة» ، أو : «قامت ، قامت» ، أو : «با يك نماز با يك» كما يفعل أهل بُخارى ؛ لأنه إعلام ، والإعلام إنما يحصل بما يتعارفونه (١).

ولا تَنسَ أنّ البعض أطلق على الترجيع (٢) اسم التثويب (٣) ، لأنه مأخوذ من ثاب إذا رجع ، وهو تكرار الشهادتين دفعتين.

قال ابن إدريس ـ وهو من علماء الشيعة الإماميّة ـ في (السرائر) : اختلف أصحابنا في التثويب ، ما هو؟ فقال قوم منهم : هو تكرار الشهادتين دفعتين ، وهذا هو الأظهر ، لأنّ التثويب مشتقّ من ثاب الشيء إذا رجع ، وأنشد المبرَّد لما سُئل عن التأكيد فقال :

لو رأينا التأكيدَ خطةَ عجزٍ

ما شفَعْنا الأذانَ بالتثويبِ (٤)

هذه هي أهم الأقوال في التثويب ، وهناك أقوال أخرى تركناها لكونها أقوالاً لا يُعتدّ بها ، ونحن في مطاوي بحوثنا سنشير إلى ما نختاره من هذه الأقوال.

__________________

(١) بدائع الصنائع ١ : ١٤٩. وما نراه اليوم في بعض البلدان الإسلامية من قولهم بعد الأذان (عجِّلوا

بالصلاة) ، هو ضرب من التثويب لغة لا في اصطلاح الفقهاء.

(٢) الترجيع في الأذان : تكرار الفصول زيادة على الموظَّف ، وقيل : هو تكرار التكبير والشهادتين في أول الأذان ، وهو مخرج تمسك به بعض الشافعية للجمع بين قولَي الشافعي في القديم والجديد مجمع البحرين ٤ : ٣٣٤ ، اعانة الطالبين ١ : ٢٣٦ ، السـراج الوهّاج للغمراوي ١ : ٣٧ ، قال : الترجيع وهو أن يأتي بالشهادتين سرّاً قبل أن يأتي بهما جهراً.

(٣) قال الوحيد البهبهاني في (مصابيح الظلام ٦ : ٥٤٢) : وظاهر «النهاية» كون التثويب هو الترجيع المشهور ، أي تكرير التكبير والشهادتين. أُنظر : نهاية الإحكام للعلّامة ١ : ٤١٤.

(٤) السرائر ، لابن إدريس ١ : ٢١٢ ، والشعر لأبي تمام كما في المنتظم لابن الجوزي ١١ : ١٣٣ / ت ١٣٠٥.

٥٢

وقته ومحله

اختلف الأعلام في محلّ التثويب ووقته ، فقال بعضهم : إنّه شُرّع في الصبح خاصة دون العصر والعشاء (١) ، وأكّد النووي في (المجموع) أنّ التثويب في الأخيرين بدعة (٢).

وذهب آخرون إلى أنّه ليس بمستحب ، لكنهم لم يقولوا ببدعيّته (٣).

وقال الحسن بن صالح بن حيّ : إنّه يستحب فيه [أي في العشاء] وفي الفجر على حدٍّ واحد (٤).

ومثل ذلك اختلافهم في محل التثويب ، فقال بعضهم : إنّ مَحِلّه وسط الأذان.

وقال بعض آخر : بعده قبل الإقامة.

وفصّل ثالث التثويب إلى أوّلٍ وثان ، فعنى بالأول الذي يأتي به المؤذن في وسط أذان الفجر خاصة ، وبالثاني ما يقوله المؤذن بعد الأذان قبل الإقامة (٤).

وقال رابع : إنّ التثويب الأوّل هو المشروع ، وكلّ ما أُحدث للعصر والعشاء وغيرهما فهو تثويب ثان بدعي لا يجوز العمل به.

__________________

(١) هذا هو القول المشهور بين فقهاء أهل السنة والجماعة.

(٢) المجموع للنووي ٣ : ١٠٥ ـ ١٠٦ ، قال : يُكرَه التثويب في غير الصبح ، وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور ، دليلنا حديث عائشة أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قال : من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رَدّ.

(٣) الهداية ١ : ٤١ ، قال : والتثويب في الفجر (حيَّ على الصلاة ، حيَّ على الفلاح) مرّتين بين الاذان والإقامة حسن ... وكُره في سائر الصلوات ، شرح فتح القدير ١ : ٣٤٦.

(٤) المجموع ٣ : ١٠٥ ، نيل الاوطار ٢ : ١٨ ، المحلى ٣ : ١٦١.

٥٣

أمّا وقته فقد اختلفوا في الوقت الذي يجوز فيه من الليل على خمسة أوجه :

الأوّل : من نصف الليل ، وهو قول أكثر الشافعية.

والثاني : قُبيل طلوع الفجر في السحر ، وهو المنقول عن بلال وابن أم مكتوم.

والثالث : يؤذن في الشتاء لسُبعٍ يبقى من الليل ، وفي الصيف لنصفِ سُبع.

والرابع : أن يؤذن بعد وقت العشاء ، وهو ثلث الليل في قولٍ ونصفُه في قول.

والخامس : جميع الليل وقت لأذان الصبح ، حكاه إمام الحرمين (١).

التثويب القديم والمُحدَث

فصّل فقهاء اهل السنة التثويب إلى قديم ومحدث ؛ فقالوا عن «الصلاة خير من النوم» في الصبح خاصة أنّه التثويب القديم وهو شرعي عندهم (٢) ؛ لأنّه جاء ـ حسب ادعائهم ـ في الروايات المأثورة عن النبي ، وقد عمل جمهورهم به من العصر الأول إلى يومنا هذا.

أمّا التثويب المحدث فهو الذي أحدثه الناس بين الأذان والإقامة ، وهو «بدعة وضلال» (٣) هذا ما قالوه ، لكنّ الروايات والنصوص المنقولة عن أئمّة المذاهب الأربعة تشير إلى شيء آخر حسبما سنفصّله لاحقاً.

__________________

(١) أُنظر : المجموع ٣ : ٨٨.

(٢) وكذا أُطلق على الاقامة تثويب قديم. أُنظر : تحفة الأحوذي ١ : ٥٠٥ ، عون المعبود ٢ : ١٧٠.

(٣) عون المعبود ٢ : ١٨٢.

٥٤

الأذان الأوّل والأذان الثاني في الفجر

الأذان الأوّل عند المذاهب الأربعة هو الذي يُؤذَّن به قبل الفجر لإيقاظ النائم وإرجاع الغائب ، أمّا الأذان الثاني فهو أذان الفجر.

واستدلّوا على شرعية الأذان الأوّل بما رووه عن النبي قوله : (لا يمنعنّ أحدَكم ـ أو واحداً منكم ـ أذانُ بلال من سحوره ، فإنه يؤذّن ـ أو ينادي بليل ـ ليرجع غائبكم ، ولينتبه نائمكم).

وشرعية الأذان الثاني نصوصه معلومة ، أهمُّها خبر عبد الله بن زيد الأنصاري الذي أُري الأذان عندهم.

كما أنّ المذاهب الأربعة اتفقت على عدم جواز الأذان قبل الوقت إلّا في الصبح خاصة ؛ لأنّه وقت غفلة ونوم ، ولنا لاحقاً وقفة مع الأخبار التي قالت بوجود أذانين للصبح خاصّة ومع ما حُكي عن بلال على وجه التحديد ، وهل أنّه أذّن للمسلمين الأذان الأول ، أم أنّه كان يؤذّن الأذان الثاني؟

فعلى مشهور رأي اهل السنة والجماعة أنّه رحمه ‏الله كان يؤذّن بليل ، وقد روى هذا البخاري ومسلم من رواية ابن عمر ، وهناك رواية لابن خزيمة والبيهقي وغيرهما من رواية عائشة وغيرها أنّ النبي قال : إنّ ابن أمّ مكتوم ينادي بليل ، فكلوا واشربوا حتّى ينادي بلال.

قال البيهقي وابن خزيمة : إن صحت هذه الرواية فيجوز أن يكون بين ابن أم مكتوم وبلال نُوَبٌ ، فكان بلال في نوبة يؤذن بليل ، وكان ابن أم مكتوم في نوبة يؤذن بليل.

٥٥

قال : وإن لم تصحَّ رواية من روى تقديم أذان ابن أم مكتوم فقد صحّ خبر ابن عمر وابن مسعود وسمرة وعائشة أنّ بلالاً كان يؤذن بليل ، والله أعلم (١). وبذلك يكون معنى كلامهم هو عدم نطق بلال بـ «الصلاة خير من النوم» في الأذان الشرعي للفجر ، لكنّ مدرسة الخلافة سَعَت أن تجعله هو الذي شرّع ذلك برأيه ، في حين قد خالفه في ذلك أبوبكر وعمر. فهم يجدّون أن يجعلوا هذه الجملة تقال في أذان الفجر لا في أذان الليل ، ومعنى كلامنا أنّ ما رووه في الأذان لا يُثْبت مدعاهم.

__________________

(١) المجموع ٣ : ٨٣.

٥٦

المذاهب الإسلاميّة والتثويب

التثويب عند الحنفية

للشافعي قولان : كرهه في (الأم) ، واستحبه في (مختصر البويطي) (١) والقديم.

فقال في (الأم) : ... ولا أحبّ التثويب في الصبح ولا غيرها ؛ لأنّ أبا محذورة لم يحكِ (٢) عن النبي أنّه أمره بالتثويب ، فأكره الزيادة في الأذان وأكره التثويب بعده (٣).

وقال المزني في (مختصره) : ... قد قال في القديم : يزيد في أذان الصبح التثويب وهو : «الصلاة خير من النوم» (٤) مرّتين ، ووراه عن بلال مؤذن النبي صلى الله عليه والهو عن

__________________

(١) هذا ما حكاه عنه الشيخ الطوسي في (الخلاف ١ : ٢٨٦) ، والمجموع ٣ : ١٠١.

(٢) إنّ جملة الشافعي (لأنّ أبا محذورة لم يحكِ عن النبي أنّه أمره بالتثويب) لَتشير إلى تشكيك الشافعي في نسبة التثويب إلى رسول اللّه‏ وإن كان أبو محذورة قد فعله ، فيكون معنى كلامه أنّ تشريع التثويب لم يكن شرعياً لعدم انتساب الفعل إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وإن فعل أبو محذورة ذلك ، لأنّ فعله ليس بملزم للآخرين ، وبذلك يكون التثويب عند الشافعي سيرة شُرِّعت من قبل اللاحقين ، لم تَرِد من قبل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، والشافعي لا يرى ضرورة اتّباع ما لم يأمر به رسول الله ، ولم تثبت حكاية أبي محذورة عنه صلى‌الله‌عليه‌وآله.

(٣) الأُم ، للشافعي ١ : ٨٥.

(٤) أجمل الشافعي مقصوده من التثويب ، لكن المزني جاء ووضحه بأنّه هو : «الصلاة خير من النوم»!! كما أنّ جملة (يزيد في أذان الصبح التثويب) تُفهَم انّ التثويب هي زيادة لم تكن في الأذان ، فلو كانت في جزء الأذان لم يقل (يزيد في أذان الصبح).

٥٧

علي عليه‌السلام (١) ، وكرهه في الجديد (٢) ، لأنّ أبا محذورة لم يحكه عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال المزني : وقياس قوليه أنّ الزيادة أولى به في الأخبار (٣) ، كما أخذ في التشهد بالزيادة وفي دخول النبي البيت بزيادة أنه صلى‌الله‌عليه‌وآله صلّى فيه وترك من قال لم يفعل ... (٤)

__________________

(١) انفرد المزني بهذا القول ، فلم ينقل أحد من المحدّثين والعلماء عن الإمام علي بن أبي طالب عليه‌السلام في تشريع التثويب رواية ، نعم ادعى ابن تيمية في (شرح العمدة ٤ : ١٠٩) بأنّ الشافعي رواه عن الإمام علي في القديم ، وكأن مستند كلامه قول المزني لا غير ، فافهم.

بلى توجد روايات عن بلال عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‏ في كتب السنن تشير إلى التثويب ، لكن طرقها ضعيفة حسبما ستقف عليه لاحقاً في الفصل الثاني من هذا الكتاب تحت عنوان : «الصلاة خير من النوم ، روايةٌ أم رأي».

(٢) من الثابت عند جميع العقلاء فضلاً عن المسلمين هو الأخذ بالرأي الأخير للشخص حينما يُنقَل عنه قولان ، والشافعي نُقل عنه قولان في هذه المسألة ، في حين نرى الشافعية يخالفون هذه القاعدة العقلية والشرعية في عدة مسائل أخذوها من الإمام الشافعي ـ منها مسألة التثويب ـ فيرجّحون رأيه القديم على الجديد ، لماذا؟ إنها مسألة تحتاج إلى بحث ودراسة!! أُنظر : فتاوى ابن الصلاح ١ : ٢٢٥ ، إعلام الموقّعين ٤ : ٢٣٩.

(٣) هذا الكلام غير صحيح من المزني أيضاً ، لأنّ الشافعي صرح بكراهته للزيادة في الأذان والتثويب بعده ؛ لقوله «فأكره الزيادة في الأذان وأكره التثويب بعده» ، ومعنى كلامه هو ردّه على ثبوت هذه الزيادة عن رسول اللّه‏ أو عن أبي محذورة!! بل في كلامه ما يشير إلى وقوفه على خيوط خفيّة في هذا الأمر لا يريد البوح عنها؛ لأن العدول عن رأي إلى رأي آخر لا يمكن تصوّره إلّا بعد تأنٍّ طويل واطمئنان راسخ.

وأما قوله «وقياس قوليه أن الزيادة أولى به في الأخبار ، كما أخذ في التشهد بالزيادة وفي دخول النبي البيت بزيادة ...» فهو غير صحيح أيضاً ، لأنّ الشافعي قال بالزيادة في تلك الموارد على أساس روايات كانت موجودة عنده دالة على ما ذهب إليه ، أما فيما نحن فيه فالأمر خلاف ذلك وحيث يختلف عنه اختلافاً جذريّاً.

(٤) مختصر المزني : ١٢.

٥٨

وقد فصّل الرافعي في (فتح العزيز) هذه المسألة وقال :

فيه قولان : ... القديم أنه يثوّب والجديد أنه لا يثوّب. والثاني : القطع بأنه يثوّب ، وبه قال مالك وأحمد لما روي عن بلال رضي‏الله‏عنه قال : قال رسول الله : لا تثوّبنّ في شيء من الصلاة إلّا في صلاة الفجر ... وإنما كرهه في الجديد معلّلاً بأن أبا محذورة لم يحكِه ، وقد ثبت عن أبي محذورة أنه قال : علّمني رسول الله الأذان وقال : إذا كنت في أذان الصبح فقلت «حي على الفلاح» فقل «الصلاة خير من النوم» مرتين. فيحتمل أنّه لم يبلغه عن أبي محذورة وبنى التثويب في القديم على رواية غيره (١) ، ويحتمل أنه بلغه في القديم ونسيه في الجديد ، وعلى كل حال فاعتماده في الجديد على خبر أبي محذوره وروايته فكأنه قال : مذهبي ما ثبت في حديثه (٢).

وقال النووي في (المجموع) : وأمّا التثويب في الصبح ففيه طريقان : الصحيح الذي قطع به المصنف والجمهور أنه مسنون قطعاً لحديث أبي محذورة. والطريق الثاني فيه قولان :

أحدهما هذا (٣) وهو القديم ، ونقله أبو الطيب وصاحب الشامل عن نص

__________________

(١) سنثبت لاحقاً أنّ كلّ ما استدلوا به على شرعية «الصلاة خير من النوم» في أذان الصبح الشرعي ضعيف ، سواء في ذلك ما ورد عن بلال أو ما ورد عن أبي هريرة ، وحتى ما نُقل عن أبي محذورة ، فالذي يجوز قوله فيه هو : أنّ أولاد أبي محذورة وسعد القرظ هم الذين وضعوا هذه الأخبار ونسبوها إلى آبائهم ، أما ما انفرد به المزني عن الإمام علي فلم نعثر عليه في المعاجم الحديثية رغم تتبّعنا الكثير له.

(٢) فتح العزيز ٣ : ١٦٩ ـ ١٧١.

(٣) أي ما حُكي عن الشافعي في القديم.

٥٩

الشافعي في البويطي ، فيكون منصوصاً في القديم والجديد ، ونقله صاحب التتمة عن نص الشافعي في عامة كتبه.

والثاني وهو الجديد أنه يكره ، وممن قطع بطريقة القولين الدارمي ، وادّعى إمام الحرمين أنها أشهر ، والمذهب أنّه مشروع ، فعلى هذا هو سنة لو تركه صح الأذان وفاتته الفضيلة ، هكذا قطع به الأصحاب (١).

وعليه فالسيرة جرت عند الشافعية على التأذين به في الفجر خاصة رغم رجوع الشافعي في الجديد عما كان يفتي به في القديم ، وهذا يدلّ على شيء مّا ، يجب تفصيله وبسط الكلام فيه.

التثويب عند الحنفية

قال محمّد بن الحسن الشيباني (ت ١٨٩ هـ) في كتاب (الآثار) : أخبرنا أبو حنيفة ، عن حماد ، عن إبراهيم ، قال : سألته عن التثويب ، قال : هو مما أحدثه الناس ، وهو حسن مما أحدثوا. وذكر أنّ تثويبهم كان حين يفرغ المؤذن من أذانه : (الصلاة خير من النوم) ، قال محمد : وبه نأخذ وهو قول أبي حنيفة (٢).

وقال في كتاب (الصلاة) ، قلت : أرأيت كيف التثويب في صلاة الفجر؟ قال :

__________________

(١) المجموق للنووي ٣ : ١٠١.

(٢) الآثار للشيباني ١ : ١٠١ / خ ٦٠ ، ولم يخرج هذا الخبر أبو يوسف في (آثاره) ، وقال الشيباني في (الجامع الصغير : ٨٣) : والتثويب في الفجر حيّ على الصلاة ، حيّ على الفلاح ، مرّتين بين الأذان والإقامة حسن ذِكرُه في سائر الصلوات ، فقال أبو يوسف : لا أرى بأساً أن يقول المؤذن : السلام عليك أيّها الأمير ورحمة الله وبركاته : حي ....

٦٠