الصّلاة خير من النوم شرعة أم بدعة

السيد علي الشهرستاني

الصّلاة خير من النوم شرعة أم بدعة

المؤلف:

السيد علي الشهرستاني


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مؤسسة المؤمل الثقافية
الطبعة: ٠
الصفحات: ٤٨٠

المؤمنين وفجعتهم بقتل عثمان وما ارتكبه جارُه [يعني علي] بغياً وحسداً ، وامتناعه عن نصرته وخذلانه إيّاه.

فأجابه عمرو : أما علمتَ أنّ أبا الحسن بذل نفسه بين يَدَي رسول الله وبات على فراشه ، فهو صاحب السَّبق إلى الإسلام والهجرة ، وقال فيه رسول الله : هو منّي وأنا منه ، وهو منّي بمنزلة هارونَ مِن موسى إلّا أنّه لا نبيَّ بعدي. وقال فيه يوم الغدير : من كنت مولاه فعليٌّ مولاه ... (وذكر جملةً من الأحاديث النبوية في فضائل الإمام عليّ عليه‌السلام ، ثمّ قال :) وكتابك يا معاويةُ الذي هذا جوابه ، ليس مما ينخدع به مَن له عقل ودين ، والسلام (١).

وحين جاء سبعة رهط إلى ابن عباس ووقعوا في عليّ عليه‌السلام قام ابن عباس ينفض ثيابه ويقول : أن وُتّف! وقعوا في رجل له عشرة.

ثمّ ذكر حديث الراية ، وتبليغ براءة ، وحديث بيعة العشيرة ، وكونَه أُوّلَ من أسلم ، وآية التطهير ، وأنّه شرى نفسه ولبس ثوب النبي ثم نام مكانه ، فكان المشركون يرون أنّه رسول الله ، فجاء أبو بكر وعلي نائم ، وكان أبو بكر يحسب أنّه رسول الله ، فقال له علي : إن نبي الله قد انطلق نحو بئر ميمون فأدرِكْه ، فانطلق أبو بكر فدخل معه الغار ... وذكر حديث المنزلة ، وحديث : أنت وليُّ كلِّ مؤمن بعدي ، وسدّ الأبواب إلّا بابه ، وحديث الغدير (٢).

فلا يُستبعَد أن يكون عمر ـ ثمّ من بعده معاوية وأتْباعه ـ أرادوا بهذه الجملة الإشارة إلى فضليتَي الصلاة والغار في الأذان معاً كي يربطوا أوّل الادّعاء بنهايته ، أو قل : أرادوا أن يربطوا ما نقلوه من فضائل لأبي بكر ـ قبالاً لما ورد من أخبار

__________________

(١) بحار الأنوار ٣٣ : ٥١ ـ ٥٣ / ٩٥٤ ، كشف الغمة ١ : ٢٥٨.

(٢) المستدرك على الصحيحين ٣ : ١٤٣ / ح ٤٦٥٢ ، مسند أحمد ١ : ٣٣٠ / ح ٣٠٦٢ ، السنن الكبرى للنسائي ٥ : ١١٣ / ح ٨٤٠٩ ، المناقب للخوارزمي : ١٢٦ ، ذخائر العقبى : ٨٧ ـ ٨٨.

٤٢١

الإمام علي ـ في أوّل الدعوة بما استدلوا به من الصلاة مكان رسول الله على خلافته في آخر الدعوة ، والقول بأنّ فضيلة الغار عندهم هي أهم من فضيلة المبيت على فراش رسول الله لعلي عليه‌السلام.

وكذا أنّ صلاة أبي بكر مكان رسول الله هي أهم مما يُستدَل به على إمامة علي عليه‌السلام أمثال قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله لعلي يوم الغدير «مَن كنت مولاه فهذا عليّ مولاه».

أي : يمكن أن يكون عمر ـ ومِن خلفه الأمويّون ـ قد أرادوا أن يقولوا بأنّ صلاة أبي بكر خير من نوم علي على فراش رسول الله.

وهذا الاحتمال قد يترجّح ويتأكد فيما نقدّمه من نصوص وشواهد لاحقاً.

وهو الذي احتمله ابن شهرآشوب المازندراني في «مثالب النواصب» بقوله : وسمعت أنّهم يَعْنون لذلك أنّ صلاة أبي بكر بقول عائشة في المسجد خير من نوم عليٍّ عليه‌السلام على فراش النبي وقت الهجرة (١).

استدلال عمر بصلاة أبي بكر على خلافته

ثالثاً : أخرجت كتب التاريخ والطبقات عن زِرّ بن حُبَيش عن عبدالله بن مسعود أنّه قال :

لمّا قُبض رسول الله ، قالت الأنصار : منّا أمير ومنكم أمير.

قال : فأتاهم عمر فقال : يا معشر الأنصار ، ألستم تعلمون أنّ رسول الله أمر أبابكر أن يصلّي بالناس؟

__________________

(١) مثالب الوصية (مخطوط) : القسم الثاني ، فصل في (بدع هامان) وقيل أنه موجود في المنضود والمعد للطبع : ٥ : ١٠٢.

٤٢٢

قالوا : بلى.

قال : فأيكم تطيب نفسه أن يتقدَّم أبابكر؟

قالوا : نعوذ بالله أن نتقدم أبابكر (١).

وفي هذا دليل أيضاً على أنّ عمر بن الخطاب كان يستدلّ على خلافة أبي بكر بتلك الصلاة بجنب استدلاله بفضيلة الغار.

لحاظ السِّنْخِية بين الرفع والوضع

رابعاً : إنّ السنخية ـ في مثل هذه الأمور العقدية ـ مضافاً لما قدمناه من نصوص عن علماء الجمهور وأهل البيت ، تدعونا للقول بأنّ عمر بن الخطاب كان وراء وضع جملة (الصلاة خير من النوم) بدل (حيّ على خير العمل) النصّ الثابت تشريعه على عهد رسول الله ، والتي أذّن بها الصحابة (٢) ، ثمّ حرّفه ومحاه وأبدله بـ «الصلاة خير من النوم» ليدلّ على خلافة ابن أبي قحافة بدل إمامة الإمام عليّ عليه‌السلام وأهل بيته.

وقد مرّ عليك كلام القوشجي والتفتازاني وعلماء الزيدية والإسماعيلية والإمامية في أنّ عمر بن الخطاب كان وراء منع جملة «حيّ على خير العمل».

كما جاء في كتبنا وكتب الزيدية والإسماعيلية أنّه هو الذي جعل مكانها جملة «الصلاة خير من النوم» ، كي لا يكون دعاءٌ إليها وحثٌّ عليها.

__________________

(١) أنساب الأشراف ٢ : ٢٦٠ ، طبقات ابن سعد ٢ : ٢٢٣ ، شرح نهج البلاغة ٦ : ٣٩ ، الأحاديث المختارة ١ : ٣٣٦ / ح٢٢٩ قال : اسناده حسن.

(٢) انظر : السنن الكبرى للبيهقي ١ : ٤٢٤ / ح١٨٤٢ و ١ : ٤٢٥ / ح١٨٤٤ ، مصنف ابن أبي شيبة ١ : ١٩٥ / ح٢٢٣٩ و ١ : ١٩٦ / ح٢٢٤٠ وانظر : كتابنا «حيّ على خير العمل الشرعية والشعارية».

٤٢٣

ويؤيّد ذلك نصّ الإمام مالك والذي فيه :

أنّه بلغه أنّ المؤذن جاء إلى عمر بن الخطاب يؤذنه لصلاة الصبح فوجده نائماً فقال : الصلاة خير من النوم ، فأمره عمر أن يجعلها في نداء الصبح (١).

وبعد هذا البيان ، ليس من المستهجن التأكيد على ما ادّعيناه من أن جملة : «الصلاة خير من النوم» وُضعت مقابلةً لجملة «حي على خير العمل» الدالة على إمامة أهل البيت عليهم‌السلام ، لأنّ عمر بن الخطاب على أَثر بغضه لأهل البيت سعى لتضعيف إمامتهم الإلهيّة ، وذلك برفع الحيعلة الثالثة من الأذان واضعاً مكانها جملة «الصلاة خير من النوم» حباً بأبي بكر وتقويةً لخلافته ، لأنّه من خلال هذه الخلافة ستستحكم خلافته بعد أبي بكر لا محالة.

ونحن قد رسمنا خارطة هذه الفكرة وأصولها على ضوء أقوال الإمام الكاظم عليه‌السلام وبيانه لأسباب منع عمر من الحيعلة الثالثة ، وقد وضحنا سابقاً دواعي (الرفع) و (الوضع) وأنّهما متلازمان ، لكونهما وجهَين لعملة واحدة ، فلا يمكن أن نقتصر على رأي فئة دون النظر إلى آراء الفئة الأخرى بل علينا أن ندرسهما معاً ، فكانت حصيلة ذلك هذه الأُطروحة.

__________________

(١) الموطأ ١ : ٧٢ ـ باب ما جاء في النداء للصلاة / ح١٥٤.

٤٢٤

الصلاة خير من النوم ليست بسُنّة

خامساً : نحن شككنا في الفصل الثاني من هذا المجلّد في كون هذه الجملة سنَّةً نبوية ، ثمّ توصّلنا إلى أنّها رأي تبنّته مجموعة بعد رسول الله على رأسها عمر بن الخطاب ، ثمّ نشره بنو أميّة في الزمن المتأخر ، مؤيدين كلامنا بنقل تشكيك بعض القدماء والمعاصرين في كونها سنة لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله.

فقد سأل رجل طاووسَ بن كيسان (ت ١٠٦ هـ) فقال : يا أبا عبد الرحمن ، متى قيل الصلاة خير من النوم؟

فقال طاووس : أما إنّها لم تُقَل على عهد رسول الله ، ولكنّ بلالاً سمعها في زمان أبي بكر بعد وفاة رسول الله يقولها رجل غير مؤذّن فأخذها منه فأذّن ، فلم يمكث أبوبكر إلّا قليلاً حتّى إذا كان عمر قال : لو نهينا بلالاً عن هذا الذي أحدث ، وكأنّه نسيه فأذّن به الناس حتّى اليوم (١).

وفي (مصنّف ابن أبي شيبة) عن محمّد بن سيرين : ليس من السنّة أن يقول في صلاة الفجر : الصلاة خير من النوم (٢).

وفي (مصنّف عبد الرزاق) عن ابن جريج قال : سألت عطاء بن أبي رباح (ت ١١٧ هـ) : متى قيل : الصلاة خير من النوم؟ قال : لا أدري (٣).

وقال ابن رشد المالكي (ت٥٩٥ هـ) في كتابه (بداية المجتهد) :

__________________

(١) مصنّف عبد الرزاق ١ : ٤٧٤ / ح ١٨٢٧.

(٢) مصنّف ابن أبي شيبة ١ : ١٨٩ / ح ٢١٦٩.

(٣) مصنّف عبد الرزّاق ١ : ٤٧٤ / ح ١٨٢٨.

٤٢٥

«وسبب اختلافهم : هل ذلك قيل في زمان النبي ، أو إنّما قيل في زمان عمر؟!» (١).

وقريب من هذا رأي الشيخ ناصر الدين الألباني في كتابه (تمام المنة في التعليق على فقه السنّة) ـ وذلك بعد أن أورد كلام السيد سابق ورواية أبي محذورة ـ قال :

«قلت : إنّما يُشرَّع التثويب في الأذان الأول للصبح الذي يكون قبل دخول الوقت بنحو ربع ساعة تقريباً ، لحديث ابن عمر ، قال : «كان في الأذان الأول بعد : حيّ على الفلاح : «الصلاة خير من النوم ـ مرّتين» (٢) ، وإسناده حسن ، كما قال الحافظ ، وحديث أبي محذورة مطلق وهو يشمل الأذانين ، لكنّ الأذان الثاني غير مراد لأنّه جاء مقيداً في رواية أخرى بلفظ : «وإذا أذّنتَ بالأول من الصبح فقل : الصلاة خير من النوم ، الصلاة خير من النوم» (٣) ، فاتّفق حديثه مع حديث ابن عمر ، ولهذا قال الصنعاني في (سبل السلام ١ : ١٦٧ ـ ١٦٨) عقب لفظ النسائي : وفي هذا تقييد لما أطلقته الروايات ، قال ابن رسلان : وصحَّحَ هذه الرواية ابنُ خُزَيمة.

قال : فشرعية التثويب إنّما هي في الأذان الأول للفجر ، لأنه لإيقاظ النائم ، وأما الأذان الثاني فإنّه إعلام بدخول الوقت ودعاء إلى الصلاة. انتهى من تخريج الزركشي لأحاديث الرافعي ، ومثل ذلك

__________________

(١) بداية المجتهد ١ : ٧٧.

(٢) رواه البيهقي في السنن الكبرى ١ : ٤٢٣ ، وكذا الطحاوي في : شرح المعاني ١ : ٨٢.

(٣) أخرجه : أبو داود والنسائي والطحاوي وغيرهم ، وهو مخرَّج في : صحيح أبي داود : ٥١٠ ـ ٥١٦.

٤٢٦

في (سنن البيهقي الكبرى) عن أبي محذورة : أنّه كان يثوّب في الأذان الأول من الصبح بأمره صلى‌الله‌عليه‌وآله.

قلت : وعلى هذا ليس «الصلاة خير من النوم» من ألفاظ الأذان المشروع للدعاء إلى الصلاة ، والإخبار بدخول وقتها ، بل هو من الألفاظ التي شُرِّعت لإيقاظ النائم ، فهو كألفاظ التسبيح الأخير الذي اعتاده الناس في هذه الأعصار المتأخرة عوضاً عن الأذان الأول.

قلت] والكلام للألباني [: وإنما أطلتُ الكلام في هذه المسألة لجريان العمل من أكثر المؤذنين في البلاد الإسلامية على خلاف السنة فيها أوّلاً ، ولقلة مَن صرّح بها من المؤلِّفين ثانياً ، فإنّ جمهورهم ـ ومن ورائهم السيّد سابق ـ يقتصرون على إجمال القول فيها ولا يُبيّنون أنّه في الأذان الأول من الفجر كما جاء ذلك صراحة في الأحاديث الصحيحة خلافاً للبيان المتقدم من ابن رسلان والصنعاني.

ومما سبق يتبيّن أنّ جعل التثويب في الأذان الثاني بدعة مخالفة للسنّة ، وتزداد المخالفة حين يعرضون عن الأذان الأول بالكلّيّة ويصرّون على التثويب في الثاني ، فما أحراهم بقوله تعالى : (أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِى هُوَ خَيْرٌ) (١).

وقال الأمير الصنعاني : «قلت : وعلى هذا ليس «الصلاة خير من النوم» من ألفاظ الأذان المشروع للدعاء إلى الصلاة والإخبار بدخول وقتها ، بل هو من الألفاظ التي

__________________

(١) تمام المنة في التعليق على فقه السنة ١ : ١٤٦ ـ ١٤٨.

٤٢٧

شُرّعت لإيقاظ النائم ؛ فهو كألفاظ التسبيح الأخير الذي اعتاده الناس في هذه الأعصار المتأخرة عوضاً عن الأذان الأوّل ، ثمّ قال : وإذا عرفت هذا هان عليك ما اعتاده الفقهاء من الجدال في التثويب : هل هو من ألفاظ الأذان أو لا ، وهل هو بدعة أو لا؟!» (١).

وقال الشوكاني نقلاً عن «البحر الزخار» : أحدثه عمر ، فقال ابنه : هذه بدعة! وعن عليّ حين سمعه : لا تزيدوا في الأذان ما ليس منه٢ (٢).

وقال المعدّ لكتاب «الصلاة خير من النوم حقيقة أم اتهام» المطبوع حديثاً :

إنّ الأذان للفجر (٣) في زمن الرسول كان يُنادى به مرَّتَين ، إحداها قبل الوقت والآخر للوقت ، ولذلك ذهب جمهور من العلماء إلى جواز النداء والأذان للفجر قبل دخول وقته ، وهو ما يسمى بأذان الفجر الأوّل ، يكون امتداد شرعيته وجواز النداء به بعد منتصف الليل وحتى طلوع الفجر ، وأما الغرض من هذا الأذان فإنما كان للتنبيه وإشعار الناس بقرب حلول الفجر ، فيتحضروا له ويستعدوا لأدائه. إلى أن يقول :

وعلى هذا فالصلاة خير من النوم فقط مشروع في الأذان للفجر ، ومحله في الأذان الأول ، وهو أذان مشروع من الرسول ، ولمّا لم يعد هناك أذان أوّل في بعض البلدان استُعمِل هذا اللفظ في الأذان الثاني للدلالة على التنبيه والتحذير (٤).

__________________

(١) سبل السلام ١ : ١٢٠.

(٢) نيل الاوطار ٢ : ١٨.

(٣) أي أنّه يريد أن يقول بأنّها لم تُشرَّع في أذان الفجر ، بل وُضعت في الأذان للفجر وهو الأذان الأول ، فتأمّل.

(٤) الصلاة خير من النوم حقيقة أم اتهام ، لعلاء الدين البصير.

٤٢٨

الدور الحكومي في أخبار التثويب والترجيع

سادساً : إنّ اختصاص روايات الترجيع (١) والتثويب عند الجمهور بسعد القرظ وأبي محذورة ، بل وجود روايات مكذوبة على لسان بلال الحبشي في التثويب ، لَيُرشدنا إلى وجود اتّجاه حكوميّ تبنّىٰ مسألة التثويب ، لأنّه لو صحّ قول رسول الله : إنّ بلالاً ينادي بليل ، فكُلُوا واشربوا حتّى ينادي ابن أم مكتوم. والذي رواه البخاري ومسلم (٢).

لَدلّ على أنّ بلالاً كان يؤذّن بالليل ، ومن المعلوم بأنّ أذان الليل ـ اليوم ـ ليس فيه : الصلاة خير من النوم ، وما يُراد أن يُستدَلَّ به هو كونها في أذان الفجر ، وهذا ما لا يستفاد من هذه الأخبار. يضاف إليه أنّ «الصلاة خير من النوم» غير موجودة في أذان ابن أم مكتوم وعبد الله بن زيد الأنصاري ، ولا في الأذان المشرّع في السماع والذي أذّن به جبرئيل.

كما عرفت بأنّ رواية أبي محذورة المستدلّ بها على التثويب قد شكّ الشافعي فيها ، وأخبر مالك في (موطّأه) : بأنّ عمر بن الخطّاب هو الذي قال لمؤذّنه : اجعلها في أذانك ، ومعناه أنّها لم تكن قبل عهده.

وبذلك فقد اختصت أحاديث التثويب بسعد القرظ ، ذلك الرجل الذي بقي مؤذّناً هو ووُلده إلى زمان الحجّاج بن يوسف الثقفي ، وهذا يدعونا إلى القول بوجود أصابع أُموية في ترسيخ التثويب والترجيع.

__________________

(١) الترجيع في الأذان هو تكرير الشهادتين جهراً بعد إخفاتهما ، هكذا فسّره الصاغاني ، تاج العروس ٢١ : ٧٦.

(٢) صحيح البخاري ١ : ٢٢٤ باب الأذان بعد الفجر / ح ٥٩٥ ، صحيح مسلم ٢ : ٧٦٨.

٤٢٩

إنّ عدم وجود التثويب في أحاديث عبد الله بن زيد وبلال الحبشي ، واختصاصه بسعد القرظ وأبي محذورة ، أو قل : بأولاد الأخيرَين دون الأولَّين ، لأنّ هؤلاء كانوا ضمن المؤذّنين في العهدين الأموي والعباسي ، ليدلّ على أنّ أذان هؤلاء المؤذّنين بتوجّهاتهم الفقهية والعقائدية يختلف عن أذان النهج الحكومي الممتد إلى زمان وضعها في عهد عمر بن الخطّاب ، ثمّ امتداد ذلك إلى عصر الحجاج بن يوسف الثقفي.

كما يشير إلى أنّ عدم رواية أبناء عبدالله بن زيد ، وبلال ، وابن أم مكتوم : «الصلاة خير من النوم» عن آبائهم فيه دلالة على عدم ارتضاء الآباء بأذان الحكام؟ ولهذا أُقصي الأولاد من مهمّة الأذان.

مع علمنا بأن روايات عبدالله بن زيد وابن أم مكتوم ليس فيها : «الصلاة خير من النوم»! فعلى أي شيء يدل هذا الإقصاء إذن إن لم يصحَّ ما قلناه؟

ولماذا تختص روايات التثويب بأولاد سعد وأبي محذورة الذين عُيِّنُوا من قِبل الحكومات المتعاقبة؟

وماذا كان في أذان هؤلاء ، ولم يكن في أذان أولئك؟

بل لماذا نرى الجمهور يأخذون بأخبار التثويب المروية عن أبي محذورة وسعد القرظ ولا يأخذون بأخبار الترجيع الواردة عنهما؟

ولماذا نرى الترجيع متروكاً في الأذان عندهم إلى اليوم ، بخلاف التثويب الذي يصرّون على الإتيان به رغم كل الظروف والملابسات؟

وعلى أيّ شيء يدلّ إصرارهم على الأخذ بهذا والسماح بترك ذاك؟

ألم يكن الإصرار على الأخذ بـ «الصلاة خير من النوم» وجعلها سنّةً هو لكونها

٤٣٠

صارت على مر العصور والأزمان شعاراً سياسياً وعقائدياً للحكام ، ثمّ ظلَّ سارياً إلى يومنا هذا؟

وهكذا الحال بالنسبة إلى التسليم على الامراء بعد الأذان ، فلماذا يختصّ بأبي محذورة ، وسعد القرظ؟ وعلى أيّ شيء يدلّ كلّ هذا؟ إنّها أسئلة تبحث عن إجابات؟

السياسة وتحريف الأحاديث

سابعاً : ذكرنا في الصفحات السابقة دور الأمويين في ترسيخ فقه الشيخين وعثمان والمخالفة لفقه الإمام عليّ ونقل فضائله عليه‌السلام ، كما أشرنا إلى دور الحكومات السنيّة في ترسيخ شعارية «الصلاة خير من النوم» بدل «حيّ على خير العمل» وهذا ليدلّ على كونهما مؤشِّرَين إلى خلافة وإمامة الطرفين.

وفي اعتقادي أنّ الخبر الآتي عن عبدالله بن رسته عن مشايخه ـ والمذكور في (المعجم الأوسط) ـ ليشير إلى جمع الراوي بين المُدَّعيَـيَنِ في خبر واحد ، أي أنّهم أرادوا في القرنين الثالث والرابع الهجريَّين التأكيد على خلافة أبي بكر من خلال جملتي «مروا أبابكر فليصلّ بالناس» واقترانها مع «الصلاة خير من النوم» في الأذان.

الخلاصة

كان هذا ملخّص كلامنا بهذا الصدد ، فهم أبدلوا الألف واللام في «الصلاة» من الجنس إلى العهدية ، مريدين بذلك أن يُذكّروا المسلمين بصلاة أبي بكر لا بكلّ صلاة يصلّونها ، لتزامن هذه الصلاة مع صلاة الفجر.

٤٣١

ولكون المشركين قد قرروا الهجوم على رسول الله عند الفجر ، وكان مبيت الإمام علي على فراشه صلى‌الله‌عليه‌وآله من الليل حتّى الفجر.

وبسبب تزامن هذين الحادثين قرروا تصويب هذا الشعار للإشارة إلى الواقعتين ، أي أنّهم أرادوا أن يُدْخِلوها من الأذان الأوّل (١) إلى أذان الفجر ، وهذا يعني أنّ هذه الجملة كانت تقال في الليل على عهد رسول الله لإيقاظ النائمين لا على أنّها سنة رسول الله ، بل إنّها مِثل المناجاة التي يناجي بها المؤمنون في بعض البلدان الإسلامية قبل الفجر.

لكنّها وبعد وفاة رسول الله أخذت منحىً آخر ، واستُغلّت استغلالاً مخطَّطاً له ، فصار لها بُعْدٌ عقديٌّ ، ووضعت الأخبار الدالة عليها.

ولو تأملت فيما يرويه الطبراني في (الأوسط) لوافقتنا على مدّعانا ، فهم أرادوا أن يجمعوا بين شرعيّتها على عهد رسول الله وارتباطها بخلافة أبي بكر في آن واحد ، والتعليق على هذا الخبر قد يفيدنا لتقريب الفكرة ، فإليك النصّ :

قال الطبراني : حدثنا عبدالله بن رسته ، ثنا عبدالله بن عمران ، ثنا عبدالله بن نافع ، حدثني معمَّر بن عبدالرحمن ، عن ابن قسيط ، عن أبي هريرة ، قال : جاء بلال إلى النبي يؤذنه بصلاة الصبح ، فقال : مروا أبا بكر فليصلِّ بالناس. فعاد إليه فرأى منه ثقلة ، فقال : مروا أبا بكر فليصل بالناس. فذهب فأذّن فزاد في أذانه «الصلاة خير من النوم» ، فقال] له [النبيّ : ما هذا الذي زدت في أذانك؟! قال : رأيتُ

__________________

(١) والذي كان يقال قبل ربع ساعة من الفجر ـ حسب قول الألباني الآنف ـ.

٤٣٢

منك ثقلة فأحببت أن تنشط ، فقال : اذهب فزِدْه في أذانك ، ومر أبا بكر فليصلِّ بالناس (١).

ولا أُريد أن أتعامل مع هذه الرواية أو تلك من الجانب الدرائي والرجالي فقط ، وأنّ في هذه الرواية مجهول ، أو أنّ رواة تلك الرواية جميعها ثقات.

وأنّ ما في (موطّأ) مالك من خبر عمر : هل هو مسند أو مرسل؟ لأنّ فيه كلمة «بَلَغَه» الدالة على الإرسال ، إذ لا نعلم من هو الذي أبلغ مالكاً بمقولة عمر؟ أو ما شابه ذلك من بحوث صناعية مخصوصة.

بل نريد أن نتعامل مع هذه النصوص على أنّها نصوص تاريخيّة صادرة في القرون المتقدِّمة ، أي لا خلاف في صدور هذه الأخبار في تلك الفترة ووجودها في (موطّأ) مالك الذي كُتب في القرن الثاني الهجري.

أو هو موجود في (المعجم الأوسط) للطبراني (ت ٣٦٠ هـ).

أو في سنن الدارقطني (ت ٣٨٥ هـ) ، أو في التمهيد لابن عبدالبر (ت ٤٦٣ هـ) ، أو في كتب محدّثي الشيعة الإمامية أو الزيدية أو الإسماعيلية القائلين بأنّ عمر حذف الحيعلة الثالثة ووضع مكانها «الصلاة خير من النوم» ، بصرف النظر عمّن هو الذي أبلغ مالكاً ، أو الذي نقل الخبر السابق عن أبي هريرة ، أو ما شابه ذلك.

فإنّ ما رواه الطبراني يرشدنا إلى وجود من يقول بقولنا من رواة وعلماء الجمهور ، وأنّه لم يكن من متفرداتنا ، إذ إنّ التأليف والجمع بين الجملتين «مُروا أبابكر فليصلِّ بالناس» و «الصلاة خير من النوم» في خبر واحد يرويه عبدالله بن

__________________

(١) المعجم الأوسط ٧ : ٢٩٠ / ح٧٥٢٤ ، مجمع الزوائد ١ : ٣٣٠.

٤٣٣

رسته ، عن عبدالله بن عمران ، عن عبدالله بن نافع ، عن معمر بن عبدالرحمن ، عن ابن قسيط ، عن أبي هريرة ، وله دلالة على استدلالهم بـ «الصلاة خير من النوم» على خلافة أبي بكر.

وذلك لمجيء جملة : «مروا أبابكر فليصل بالناس» ثلاث مرات في الخبر ، في أوّله وفي وسطه وفي آخره ، وهذا له دلالاته ، خصوصاً عندما نقف على أنّ الزيادة ادُّعِيَ أنَّها كانت من قِبل بلال ، وأنّه زادها بعد سماعه من رسول الله قوله «مروا أبابكر فليصل بالناس» ، وأنّ النبيّ أقرّ «الصلاة خير من النوم» في الأذان ثمّ قال : «مروا أبابكر فليصل بالناس».

إذن ما نريد قوله يمكن أن نراه عند الآخرين ، بفارق أنّ أولئك يريدون أن ينسبوا تشريع «الصلاة خير من النوم» إلى رسول الله لا إلى عمر.

أمّا نحن فنعتقد أنّ «الصلاة خير من النوم» لم تكن في الأذان الشرعي على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، بل وُضِعت من بعده حسبما وضحناه.

ثمّ أحدث بعدها آخرون التثويت الثاني الذي ذهب الجميع إلى بِدعيّته ، وهذا ما قاله الأمير الصنعاني والشوكاني وناصر الدين الألباني ، وعلاء الدين البصير ، وغيرهم.

كما نعتقد أنَّ عين الرسول الأكرم تنام وقلبه لا ينام (١) وأنَّ وجوده المبارك

__________________

(١) وهو ما رواه كثير من العامّة ، فقد قال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله لليهود حين سألوه عن علامات النبي : تنام قبله. مسند أحمد ١ : ٢٧٤. وانظر صحيح مسلم ١ : ٥٢٨ / ح ٧٦٢ ، الأحاديث المختارة ١٠ : ٦٧٠ / ح ٦٠ ، ٦١.

وفي صحيح البخاري ٤ : ١٦٨ قول أنس بن مالك عن حديث الاسراء : والنبي نائمة عيناه ولا ينام قلبه ، وكذلك الأنبياء تَنام أعينهم ولا تنام قلوبهم.

٤٣٤

متفانٍ في ذات الله ، فكيف والحال هذه يمكننا تصوّر وقبول حكاية الثقلة أو نومه المزعومة ومجيء بلال إليه ... إلى آخر ما في القصّة من مفارقات تتعارض مع ما نعتقده في الرسول والرسالة ، كلّ ذلك مع أخذنا بنظر الاعتبار سعي الأمويين في استنقاص رسول الله ، وجعلهم تشريع الأذان منامياً ، كل ذلك مضادةً مع الرؤيا التي راها رسول الله فيهم.

إذن ، ما نقول به له جذور في كتب القوم ، ويمكن البحث عن خيوطه عندهم في القرون الأولى ، لكنّهم يخافون التصريح به وربطه بالإمامة ، مدّعين أنّهم يقصدون بكلامهم ما قلناه عنهم ، لأنّه سيدعوهم إلى القول بما اتّهمونا من البدعية في الأذان وأخذنا بالتأويلات البعيدة ، فهم قد فعلوا ما نحن بُرآء منه إذ أوّلوا أخبار الأذان وقالوا بكذا وكذا فيه. وعرض هذه المسألة على بساط النقاش سيكشف عن عمق نوايا عمر ومدرسة الخلفاء ومضادّتهم مع النهج النبويّ العلويّ.

مع الأخذ بنظر الاعتبار أنّهم لو قالوا بما قلناه لأقرّوا بصحّة أخبارنا ومقاربتها للواقع ، فهم تحاشياً من كلّ ذلك لم يصرحوا بالبعد العقائدي لهذه الجملة في كتبهم ، ولم يكشفوا المكنون فيها ، بل أشاروا إلى معناها الظاهري فقط ، وهذا مما دعا بعضهم لأن يستهجن تفسيرهم لجملة «الصلاة خير من النوم» لعدم تناغمها مع الفصول الأخرى في الأذان.

أجل ، إنّ المؤذّن حينما يقول «الصلاة خير من النوم» لا يعرف تفسيرها ومعناها وإلى أي شيء ترمز هذه الجملة ، فهو يرددها كالببغاء ، لكننا وبتحليلنا لهذه المسألة قد وضحنا أهدافهم ، وما ارادو به من مفاهيم لهذه الجملة.

وكلامنا جاء وفقاً للقرائن والشواهد التي وقفنا عليها وقدّمناها بين يدي

٤٣٥

القارئ.

المهم أنّ هذه المسألة لم تُبحَث في كتبنا وكتب غيرنا قبلنا ، بصورة واضحة وعميقة ، وأنّ الشواهد والقرائن التي قدمناها تخرجنا من التفرّد بالرأي.

إذ إنّ علماءهم وفقهاءهم لم يدّعوا بأنّهم عرفوا كل الأشياء ووقفوا على جذور جميع الأمور وملابساتها.

فهم يعلمون بأنّ مجهولاتهم أكثر من معلوماتهم ، وأنّهم لم يوضّحوا كثيراً من الأُمور للناس ، مع علمهم بأنّ الأيام ستكشف ما هو مخبّأ ومجهول.

أمّا منهجنا ـ في هذا الكتاب كما هو في غيره ـ فهو السعي في الوقوف على الملابسات والعلل والأسباب الكامنة في الوقائع والأحداث ، وهذا هو المنهج الذي يجب أن نتبعه في أبحاثنا ، وقد اتبعناه بالفعل في أكثر من دراسة ، ومن خلاله كُشِفَت لنا بعض الخيوط الخفيّة في هذا الابداع أو ذاك (١) ، وهو يساعدنا أيضاً على كشف المجهول منه.

وبهذا فقد اتضح لنا بأنّ عمر كان يريد صرف الخلافة عن الإمام عليّ عليه‌السلام وفي المقابل أن يدعو إلى خلافة أبي بكر ، وهذا هو الذي عرفه أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام عنه وبيّنوه لنا ، كما أنّ عمر بن الخطاب عرف بأنّ أهل البيت يعرفون ذلك منه ، وللتأكّد سأل ابن عباس بقوله :

يا ابن عباس ، أتدري ما منع قومُكم منكم بعد محمّد؟ قال ابن عباس : فكرهت أن أُجيبه.

__________________

(١) مثل : تاريخ اختلاف المسلمين في الوضوء ، وقد بينّا الدواعي المنظورة فيه.

٤٣٦

فقلت : إن لم أكن أدري فأمير المؤمنين يُدْريني.

فقال عمر : كرهوا أن يجمعوا لكم النبوة والخلافة فتبَجّحوا على قومكم بجحاً بجحاً ، فاختارت قريش لأنفسها فأصابت ووُفِّقت.

فقلت : يا أمير المؤمنين ، إن تأذن لي في الكلام وتُمِطْ عنّي الغضب تكلّمت.

فقال : تكلم يا ابن عباس.

فقلت : أمّا قولك يا أمير المؤمنين : اختارت قريش لأنفسها فأصابت ووُفِّقت ، فلو أنّ قريشاً اختارت لأنفسها حيث اختار الله عزّ وجلّ لها لكان الصواب بيدها غير مردود ولا محسود ، وأمّا قولك : إنّهم كرهوا أن تكون لنا النبوة والخلافة ، فإنّ الله عزّ وجلّ وصف قوماً بالكراهية فقال : (ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهمْ).

فقال عمر : هيهات والله يا ابن عباس! قد كانت تبلغني عنك أشياءُ كنتُ أكره أن أُقرّك عليها فتُزيلَ منزلتك مني.

فقلت : وما هي يا أمير المؤمنين؟ فإن كانت حقّاً فما ينبغي أن تزيل منزلتي منك ، وإن كانت باطلاً فمِثلي أماط الباطل عن نفسه.

فقال عمر : بلغني أنّك تقول : إنّما صرفوها عنّا حسداً وظلماً.

فقلت : أما قولك يا أمير المؤمنين : (ظلماً) فقد تبين للجاهل والحليم ، وأمّا قولك (حسداً) فإن إبليس حسد آدم فنحن وُلدُه المحسودون.

فقال عمر : هيهات! أبَتْ واللهِ قلوبُكم يا بني هاشم إلّا حسداً ما يحول ، وضِغْناً وغِشّاً ما يزول.

فقلت : مهلاً يا أمير المؤمنين! لا تصفْ قلوب قوم أذهب الله عنهم الرجس

٤٣٧

وطهّرهم تطهيراً بالحسد والغِش ، فإنّ قلب رسول الله صلّى الله عليه] وآله [وسلّم من قلوب بني هاشم.

فقال عمر : إليك عنّي يا ابن عباس.

فقلت : أَفْعَل.

فلما ذهبت لأقوم استحيا منّي ، فقال : يا ابن عباس مكانَك ، فو الله إنّي لَراعٍ لحقك محبٌّ لما سَرَّك ، فقلت : يا أمير المؤمنين إنّ لي عليك حقاً ... (١).

إذن التوجّه إلى أمر الإمامة كان ملحوظاً في أفعال وأقوال عمر بن الخطاب ، وإنّ الصراع بين بني هاشم وعمر ، والعلويين وبني أميّة كان ملحوظاً فيه ذلك.

إذ إنّ أدلة الإمامة موجودة في القرآن والسنّة النبوية ، لكنّ القوم أرادوا التغاضي عنها ، وكانوا يكرهون سماع ما أنزل الله في كتابه ودعا إليه رسولَه.

وضع عمر للتثويب حقيقة أم اتّهام

من المعلوم أنّ أهل البيت ـ والشيعة تبعاً لهم ـ لم يتّهموا عمر بن الخطاب جزافاً في وضعه لـ «الصلاة خير من النوم» في الأذان ، بل إنّهم نقلوا نصوصَ القوم في ذلك ، غير مكتفين بنقل نصٍّ صَدَر في القرن الثاني الهجري عن مالك بن أنس في (موطّئه) ، بل أَتَوْا بالنصوص الأخرى التي جاء بها الدار قطني (ت ٣٨٥ هـ) وغيره قال :

__________________

(١) تاريخ الطبري ٢ : ٥٧٨ ـ حوادث سنة ٢٣ ، الكامل في التاريخ ٢ : ٤٥٨. وفي شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١٢ : ٥٣ ـ ٥٤ توضيحٌ وتفسيرٌ أكثر ، فليراجع.

٤٣٨

حدثنا محمد بن مخلَّد ، ثنا محمد بن إسماعيل الحسّاني ، ثنا وكيع ، عن العَمْري ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن عمر.

ووكيع ، عن سفيان ، عن محمد بن عجلان ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن عمر أنّه قال لمؤذّنه : إذا بلغتَ «حيّ على الفلاح» في الفجر فقل «الصلاة خير من النوم ، الصلاة خير من النوم» (١).

والذي أخرجه ابن أبي شيبة (ت ٢٣٥ هـ) في مصنّفه :

قال : نا عبدة بن سليمان ، عن هشام بن عروة ، عن رجل يقال له إسماعيل ، قال : جاء المؤذنُ عمرَ بصلاة الصبح ، فقال : «الصلاة خير من النوم» ، فأُعجب به عمر وقال للمؤذن : أَقِرَّها في أذانك (٢).

كلّ هذه النصوص لَتؤكّد على أنّ الشيعة وعلماءهم لم يكونوا هم الذين اتهموا عمر بوضع «الصلاة خير من النوم» ، بل المحدِّثون من أبناء العامة ـ في القرون الأولى ـ هم الذين نقلوا لنا هذه النسبة إلى عمر.

وقد حاول بعض أولئك المحدثين والعلماء ـ بإتيانهم بتلك الأخبار ـ أن يدافعوا عن عمر ، ولكنّا من خلال مناقشاتهم فيما بينهم نفهم أنّ هذا الاتّهام كان موجوداً بينهم ، وأنّ بعضهم يقبل ورود هذه النسبة في حقّ عمر وبعضهم الآخر يردها.

قال الخطيب التبريزي (ت٧٤١ هـ) في كتاب (الإكمال في أسماء الرجال) : ما جاء عنه] أي عن عمر [في إحداثه في الدين :

__________________

(١) سنن الدار قطني ١ : ٢٤٣ / ح٤٠.

(٢) مصنف ابن أبي شيبة ١ : ١٨٩ / ح٢١٥٩.

٤٣٩

وفي الباب أحاديث صحيحة كثيرة ، منها ما رواه مالك في الصلاة : عن مالك أنّه بلغه أنّ المؤذّن جاء إلى عمر بن الخطاب يؤذنه لصلاة الصبح فوجده نائماً ، فقال : «الصلاة خير من النوم» ، فأمره عمر أن يجعلها في نداء الصبح ...

وقد جاء في كلام أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه أنّه قال : قد عَمِلتِ الولاة قبلي أعمالاً خالفوا فيها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله متعمّدين لخلافه ، ناقضين لعهده ، مغيّرين لسنّته (١).

أما الإمام القرطبي (ت ٦٧١ هـ) فإنّه أراد أن يردّ ما جاء في (موطّأ) مالك ، وذلك بعد أن نقل كلام أبي عمرو بن عبد البر (ت ٤٦٣ هـ) ، وما رواه عن ابن أبي شيبة (ت ٢٣٥ هـ) ، قال :

فما أعلم أنّ هذا رُويَ عن عمر من جهةٍ يُحتَجّ بها وتُعلم صحتها ، وإنّما فيه حديث هشام بن عروة عن رجل يقال له إسماعيل لا أعرفه ، قال : والتثويب محفوظ معروف في أذان بلال وأبي محذورة في صلاة الصبح للنبيّ (٢).

قلت : هذا أوّل الكلام ، فليس التثويبُ محفوظاً عن النبيّ ، إذ عرفتَ بأنّ الشافعي شكّك فيما نُسِب إلى أبي محذورة ، وكذّب ما نُسِب إلى بلال ، وأنا لا أريد هنا أن أدخل في سجال ونقاش مع القرطبي ومَن هو على شاكلته ، بل أريد أن أُؤكّد

__________________

(١) الإكمال في اسماء الرجال : ١٢٣.

(٢) الجامع لأحكام القرآن ٦ : ٢٢٨ ـ ٢٢٩.

٤٤٠