الصّلاة خير من النوم شرعة أم بدعة

السيد علي الشهرستاني

الصّلاة خير من النوم شرعة أم بدعة

المؤلف:

السيد علي الشهرستاني


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مؤسسة المؤمل الثقافية
الطبعة: ٠
الصفحات: ٤٨٠

المسلمين في الصدر الأول ، وكان المسلمون قد انقسموا في الخليفة هل هو الإمام علي أو أبو بكر ، ولأجل عمق هذا الصراع ترى الأمويين ينتحلون كلّ ما هو للإمام علي عليه‌السلام لأبي بكر ظلماً وعدواناً وكذباً وزوراً.

فقد لقبوا أبا بكر بـ «الصديق» وعمر بـ «الفاروق» وعائشة بـ «الصدّيقة»! في حين أنّ الصديق والفاروق هو الإمام علي عليه‌السلام ، والصديقة هي فاطمة الزهراء عليها‌السلام حسب اتفاق الفريقين.

ففي (سنن ابن ماجة) عن الإمام عليّ عليه‌السلام أنّه قال : أنا عبد الله ، وأخو رسوله ، وأنا الصدّيق الأكبر ، لا يقولها بعدي إلّا كذّاب ، صلّيتُ قبل الناس بتسع سنين.

وفي (الزوائد) : هذا إسناد صحيح ، رجاله ثقات ، رواه الحاكم في : المستدرك عن المنهال وقال : صحيح على شرط الشيخين (١).

وفي (تاريخ دمشق) وغيره : انّ أباذر وسلمان قالا : أخذ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بيد عليٍّ فقال : أَلاَ إنّ هذا أوّل من آمن بي ، وهذا أوّل من يصافحني يوم القيامة ، وهذا الصديق الأكبر ، وهذا الفاروق يفرق بين الحقّ والباطل (٢).

وعن ابن عباس أنّه قال : سمعت رسول الله وهو آخذ بيد عليّ ... وهو فاروق هذه الأمّة ، يفرق بين الحقّ والباطل ... وهو الصدّيق الأكبر (٣).

__________________

(١) سنن ابن ماجة ١ : ٤٤ ، مصباح الزجاجة ١ : ٢٢ ، السيرة النبوية لابن كثير ١ : ٤٣١ ، المصنف لابن أبي شيبة ٧ : ٤٩٨ ، الآحاد والمثاني للضحاك ١ : ١٤٨ ، السنّة لابن أبي عاصم : ٥٨٤ ، السنن الكبرى للنسائي ٥ : ١٠٦ ، تهذيب الكمال ٢٢ : ٥١٤ ، شرح النهج ١٣ : ٢٠٠.

(٢) تاريخ دمشق ٤٢ : ٤١ ، ٤٢ المعجم الكبير ٦ : ٢٦٩ / ح ٦١٨ ، مسند البزّار ٩ : ٣٤٢ / ح ٣٨٩٨ ـ عن أبي ذر.

(٣) تاريخ دمشق ٤٢ : ٤٣ ، واقرأ كتابنا (مَن هو الصدّيق ومَن هي الصدّيقة) أيضاً.

٣٨١

كما أنّهم نسبوا إلى رسول الله أنّه قال في أبي بكر : لو كنت متخذاً خليلاً لاتّخذتُ أبابكر خليلاً! قبالاً لأحاديث مؤاخاة رسول الله لعليّ الثابتة عند الفريقين (١).

وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : سدّوا الأبواب إلّا خوخة أبي بكر (٢) ، في مقابل قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : سدّوا الأبواب إلّا باب عليّ (٣).

ومن تلك الموضوعات روايتهم حديث : لو أُتي بأبي بكر فوُضِع في كفّة ، وجيء بجميع أمّتي فوُضِعوا في كفّة رجح أبو بكر (٤) قبالاً لما ثبت عن رسول الله من قوله في عليّ : لَمبارزة عليّ يوم الخندق أفضل من أعمال أمّتي إلى يوم القيامة (٥).

__________________

(١) صحيح البخاري ١ : ١٧٧ ـ كتاب الصلاة ، باب الخوخة والممر في المسجد / ح ٤٥٤ و ٣ : ١٣٣٧ ـ كتاب بدء الخلق ، باب قول النبيّ : سدّوا الأبواب إلّا باب أبي بكر / ح٣٤٥٤ ، وهو أيضاً في ٣ : ١٣٣٨ / ح ٣٤٥٧ و ٣ : ١٤١٧ / ح ٣٦٩١ عن صحيح البخاري ، صحيح مسلم ٤ : ١٨٥٤ ـ ١٨٥٦ كتاب فضائل الصحابة ـ باب من فضائل أبي بكر / ح ٢٣٨٢ ، ٢٣٨٣ ، سنن ابن ماجة ١ : ٣٦ / ح ٩٣ ، سنن الترمذي ٥ : ٦٠٦ / ح ٣٦٥٥.

(٢) صحيح البخاري ١ : ١٧٨ / ح ٤٥٥ ، ٣ : ١٤١٧ / ح ٣٦٩١ ، ٣ : ٣٣٧ / ح ٣٤٥٤ ، صحيح مسلم ٤ : ١٨٥٤ / ح ٢٣٨٢ ، سنن الترمذي ٥ : ٦٠٨ / ح ٣٦٦٠.

(٣) سنن الترمذي ٥ : ٦٤١ ، باب ١ / ح ٣٧٣٢ ٧ مسند أحمد ١ : ١٧٥ / ح ١٥١١ ، ١ : ٣٣٠ / ح ٣٠٦٢ ، المستدرك على الصحيحين ٣ : ١٣٥ / ح ٤٦٣١ ، ومن وجه آخر في ٣ : ١٤٣ / ح ٤٦٥٢ ، وقال عنهما : صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وانظر : مجمع الزوائد ٩ : ١٢٠ ، قال : رجال أحمد رجال الصحيح غير أبي بلج الفزاري وهو ثقة فيه لين ، وانظر : توضيح الأفكار ١ : ١٩١ ، والقول المسدد في الذبّ عن مسند أحمد ١ : ١٧ ، ١٨ ، وقد ذكرا فيه طرق الحديث وردَّا من ضعفه.

(٤) فضائل الصحابة ١ : ١٩٤ / ح ٢١١ ، مسند الحارث ٢ : ٨٩٠ / ح ٩٦٢ ، وانظر : مجمع الزوائد ٩ : ٥٩ حيث ذكر طرق هذا الحديث واعلها بالضعف ، وكذا في : الموضوعات لابن الجوزي : ٣٢٨ ، وتنزيه الشريعة ٢ : ١٥.

(٥) تاريخ بغداد ١٣ : ١٨ / ت ٦٩٧٨ ، ترجمة أبو محمّد القيصري ، لؤلؤ بن عبدالله ، الفردوس بمأثور الخطاب ٣ : ٤٥٥ / ح ٥٤٠٦ ، عن معاوية بن حيدة ، المستدرك على الصحيحين ٣ : ٣٤.

٣٨٢

وفي مقابل حديث ردّ الشمس لعليّ عليه‌السلام (١) قالوا : إنّ الشمس توسَّلت بأبي بكر (٢) ، وجاءوا أمام حديث الطائر المشوي (٣) بخبر الكبد المشوي لأبي بكر (٤).

وفي (مصنّف عبد الرزّاق) و (فضائل الصحابة) لأحمد (والنصّ عن الثاني) ، عن معمَّر قال : سألت الزهريَّ مَن كان كاتب الكتاب يوم الحديبية؟ فضحك وقال : هو علي ، ولو سألتَ هؤلاء ـ يعني بني أُميّة ـ قالوا : عثمان! (٥)

وأشار الحاكم النيسابوري في (المستدرك) إلى التحريف الواقع في قاتل عمرو بن عبد وَدّ مع اشتهاره بين المسلمين بأنّه علي بن أبي طالب (٦) ، فقال : قد ذكرت في مقتل عمرو بن عبدّ ود من الأحاديث المسندة عن عروة بن الزبير وموسى بن عقبة ومحمّد بن إسحاق بن يسار ما بلغني ، ليقرّر عند المنصف من أهل العلم أنّ عمرو

__________________

(١) المعجم الكبير ٢٤ : ١٢٤٤ / ح ٣٨٢ ، و ٢٤ : ١٥٢ / ح ٣٩١ ، الذرية الطاهرة : ٩١ / ح ١٦٤ ، مجمع الزوائد ٨ : ٢٩٧ ، قال : رواه الطبراني كله باسانيد ورجال أحدهم رجال الصحيح.

(٢) ذكره الأميني في الغدير ٧ : ٢٣٧ ـ عن : كتاب عمدة التحقيق في بشائر آل الصدّيق ، للشيخ إبراهيم العبيدي المالكي ٢ : ١٨٤ ، وانظر : هامش صفحة ١٨٤ لروض الرياحين لليافعي المطبوع بمصر سنة ١٣١٥ هـ.

(٣) سنن الترمذي ٥ : ٦٣٦ / ح ٣٧٢١ ، المستدرك على الصحيحين ٣ : ١٤١ / ح٤٦٥٠ قال : حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ، المطالب العالية ١٦ : ١٠٨ / ح٣٩٣٥ ، الخصائص للنسائي : ٢٩ ، مجمع الزوائد ٩ : ١٢٥ ، مسند أبي حنيفة : ٢٣٤ ، معرفة علوم الحديث : ٦.

(٤) الرياض النضرة ٢ : ١٣٥ ، مرآة الجنان ١ : ٦٨ / أحاديث السنة الثالثة عشرة.

(٥) مصنّف عبد الرزاق ٥ : ٣٤٣ / ٩٧٢٢ ، فضائل الصحابة ٢ : ٥٩١.

(٦) صحيح مسلم ٣ : ١٤٣٣ / ١٨٠٧.

٣٨٣

بن عبد ود لم يقتله ولم يشرك في قتله غير أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، وإنّما حملني على هذا الاستقصاء فيه قول من قال من الخوارج : أنّ محمد بن سلمة أيضاً ضربه ضربة وأخذ بعض السلب ، وواللهِ ما بلَغَنا هذا عن أحد من الصحابة أو التابعين ، وكيف يجوز هذا وعلي رضي الله عنه يقول ما بلغنا : إنّي ترفّعتُ عن سلب ابن عمّي فتركته ، وهذا جوابه لأمير المؤمنين عمر بن الخطّاب بحضرته (١).

وقال الحاكم أيضاً ـ بعد أن نقل قول مصعب بن عبد الله المنكر لولادة غير حكيم بن حزام في الكعبة! ـ :

وهم مصعب في الحرف الأخير ، فقد تواترت الأخبار أنّ فاطمة بنت أسد ولدت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في جوف الكعبة (٢).

وقد روى ابن عساكر بسنده إلى الهيثم بن عَدِي خلافاً للمتواتر بين المسلمين بأنّ المقصود من آية المباهلة هم أهل بيت رسول الله ، قال : سمعتُ جعفر بن محمّد عن أبيه في هذه الآية (فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) ، قال : فجاء بأبي بكر ووُلده وبعُمر وولده وبعثمان وولده وبعليٍّ وولده!! (٣)

إلى عشرات الروايات والأخبار الموضوعة ، المذكورة في كتب الموضوعات لأبناء العامّة.

__________________

(١) المستدرك على الصحيحين ٣ : ٣٦ / الرقم ٤٣٣١ ، وانظر : ٣ : ٣٤٩ / ٥٨٧٥.

(٢) المستدرك للحاكم ٣ : ٥٥ / ٦٠٤٤.

(٣) تاريخ دمشق ٣٩ : ١٧٧.

٣٨٤

فلنا أن نحتمل ـ بحسب هذا المنهج التحريفي ـ عدم اكتفاء عمر بن الخطاب برفع الحيعلة الثالثة ، بل سعىٰ لوضع «الصلاة خير من النوم» مكانها انطلاقاً من أنّه رائد مدرسة الاجتهاد في مقابل النص ، وانطلاقاً من أنّه اتّهم النبيَّ بالهَجْر في مرض موت الرسول = رزية الخميس ، لأنّه أراد ان يصرّح باسم الإمام علي خليفةً له من بعده ، إلى غير ذلك مما هو معروف عنه ..

ثمّ كان استمرار سياسة التحريف والتحكيم في العهد الأموي ودعوة معاوية إلى الرواية في فضائل عثمان (١).

ولمّا فشا وضع الحديث في فضل عثمان ، كتب معاوية إليهم : فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأوّلين ، ولا تتركوا خبراً يرويه أحد من المسلمين في أبي تُراب إلّا وتأتوني بمناقض له في الصحابة ، فإنّ هذا أحبّ إليّ وأقرّ لعيني ، وأَدحضُ لحجّة أبي تراب وشيعته وأشدّ عليهم من مناقب عثمان وفضله (٢).

هذه الثوابت تقوّي احتمال أن يكون عمر بن الخطاب لم يرفع الحيعلة الثالثة دفعاً لولاية علي فحسب ، بل كان يريد أن يضع مكانها شيئاً آخر.

خاصّة وأنّ جوهر الصراع بين عُمَر وأهل البيت عليهم‌السلام كان في الخلافة والإمامة وقد جاء عمر هذا برفع «حي على خير العمل» والمنع من تدوين السنّة الصحيحة ـ خاصّة تلك الروايات الدالة على إمامة علي وفضائله وأهل البيت وفضائلهم عليهم‌السلام ـ فكان لا يكتفي

__________________

(١) شرح نهج البلاغة ١١ : ٤٤ ـ في ذكر ما مُنيَ به آل البيت من الأذى والاضطهاد ، الاحتجاج ٢ : ١٧.

(٢) شرح نهج البلاغة ١١ : ٤٥.

٣٨٥

بهذا الرفع والمنع ، بل سعى إلى إثبات مدّعيات عقائدية أخرى تعارضها ، أهمّها هي خلافة أبي بكر ، وترسيخ قواعدها ، وهذا الأمر ثابت غير قابل للإنكار ؛ فإنّ ذلك يساهم مساهمة فعالة في تهميش ولاية الإمام علي تماماً ، وفي الجملة : فهذا ما حصل بالفعل كما ينطق به تراث عمر وفكر أصحابه.

فمنهج عمر في خطّه العام لا يكتفي بالرفع فقط ، بل يريد أن يؤصّل للمنهج الآخر ، فبعد ثبوت معنى الولاية في الأذان من خلال جملة «حي على خير العمل» سعى لإبدال شعارية الحيعلة بشعارية أخرى للآخرين ، وهذا ما نلاحظه في الحكومات المتعاقبة على البلدان الاسلامية ، واتّخاذ «الصلاة النومية» شعاراً لهم مقابل «الحيعلة الثالثة» ، فهذا يضع (الصلاة خير من النوم) والآخر يرفعها ، وهكذا العكس في (حي على خير العمل).

وكلّنا يعلم أنّ الخلاف العقائدي كان متأصّلاً بين الفريقين ، وأنّ القوم كانوا يستصغرون الإمام عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام في عمره وكفاءته ولا يرتضونه إماماً عليهم بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله.

حتّى جاء في كلام أبي عبيدة بن الجرّاح لعليٍّ يوم السقيفة : يا ابنَ العمّ ، إنّك حَدَث السن ، وهؤلاء مشيخة قريش قومك ، ليس لك مِثلُ تجربتهم ومعرفتهم بالأُمور ، ولا أرى أبابكر إلّا أقوى على هذا الأمر منك وأشدّ احتمالاً واطّلاعاً ، فسلّمْ لأبي بكر هذا الأمر وارضَ به ، فإنّك إن تعش ويطل عمرك فأنت لهذا الأمر خليق وحقيق في فضلك ودينك وعلمك وفهمك وسابقتك ونسبك وصهرك (١).

__________________

(١) شرح نهج البلاغة ٢ : ٥.

٣٨٦

وجاء عن عمر قوله لابن عباس : أما والله ما فعلنا عن عداوة ، ولكن استصغرناه وخشينا أن لا تجتمع عليه العرب وقريش لِما وَترَها.

قال ابن عباس : فأردتُ أن أقول له : كان رسول الله يبعثه في الكتيبة فينطح كبشها فلم يستصغره ، أفتستصغره أنت وصاحبك؟ (١)

كما أنّهم لم يرتضوا إمامة أسامة بن زيد في الجيش لصغره ، وفي المقابل كانوا يؤكّدون على لزوم التمسك بسنّة الشيخين رغم مخالفة بعضها للقرآن الكريم والحديث الصحيح عندهم.

وكلّنا يعرف أنّ الخلافة زُوِيَت عن أمير المؤمنين في شورى عمر؛ لأنّهم أرادوا إجباره على أن يعمل بسنة الشيخين ، فرفض هو وقَبِل عثمان.

ولو تدبّرت الخلاف الدائر بين الفريقين ـ على مرّ التاريخ ـ لعرفت بأنّه لم يقتصر على الصراع السياسي أو الكلام فيمن هو الأَولى بالخلافة ، بل كانت سمات الاختلاف ترجع في كثير من الأحيان إلى ما اجتهده أبوبكر وعمر أو ما قاله الإمام عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام في العقائد والأحكام.

حتّى إنّ الاختلاف مع اجتهادات الشيخين كان يرجع إلى عدم معرفتهما بسنّة رسول الله واصرار أتباع الشيخين على الأخذ بقولهما وإن خالف سنة رسول الله ، وهذا ما كان لا يقبله بعض الصحابة والتابعين.

فترى بعضَ الصحابة يقول : «لا أترك سنة أبي القاسم لقول أحد ـ ويعني به

__________________

(١) الغدير ٧ : ٣٨٩ ـ عن : المحاضرات للراغب الاصفهاني ٢ : ٢١٣ ، وقريب منه في : شرح نهج البلاغة ٢ : ١٨ و ٢٠ : ١١٥.

٣٨٧

عمر ـ» (١) ، والآخر يقول : «أفسُنّة عمر تُتَّبَع أم سنّة رسول الله؟!» (٢) ، ويقول ثالث : «فَعَلَها أبو القاسم وهو خير من عمر» (٣).

وهكذا الحال بالنسبة إلى مخالفي الإمام عليّ عليه‌السلام : كمعاوية وابن الزبير ، فإنّهم سعوا إلى مخالفة سنة رسول الله بغضاً لعلي بن أبي طالب ولتحكيم سيرة الشيخين في الأحكام ، لكنّ بعض الصحابة ـ وعلى رأسهم ابن عباس ـ كان يصر على الأخذ بما أتى به الإمام علي؛ لأنّه عليه‌السلام هو التابع الأوّل والمخلص لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله.

فعن سعيد بن جبير قال : كنّا مع ابن عباس بعرفة ، فقال لي : يا سعيد ، ما لي لا أسمع الناس يلبّون ، فقلت : يخافون من معاوية ، قال : فخرج ابن عباس من فسطاطه فقال : لبيك اللّهمَّ لبيك وإن رَغُم أنفُ معاوية! اللّهمَّ العنْهم فإنّهم تركوا السنّة مِن بغض عليّ بن أبي طالب!! (٤)

وقال الفخر الرازي في تفسيره : إنّ علياً كان يبالغ في الجهر بالتسمية] أي البسملة [في الصلاة ، فلمّا وصلت الدولة إلى بني أميّة بالغوا في المنع من الجهر سعياً في إبطال آثار عليّ! ... (٥).

__________________

(١) انظر قول أبي بن كعب في تهذيب الكمال ٢ : ٢٧٦ ، وتاريخ دمشق ٧ : ٣٢٥.

(٢) انظر البداية والنهاية ٥ : ١٤١ ، مسند أحمد ٢ : ٩٥ ح٥٧٠٠ ، السنن الكبرى للبيهقي ٥ : ٢١ ح٨٦٥٨.

(٣) انظر سنن الدارمي ٢ : ٥٥ ح١٨١٤ ، ومسند البزار ٤ : ٦٥ / ح١٢٣٢.

(٤) السنن الكبرى للبيهقي ٥ : ١١٣ / ح٩٢٣٠ ، وانظر : مستدرك الحاكم ١ : ٤٦٤ / ح١٧٠٦ قال : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ، الأحاديث المختارة ١٠ : ٣٧٨ / ح٤٠٣ ، صحيح ابن خُزَيمة ٤ : ٢٦٠ / ح٢٨٣٠ ، سنن النسائي ـ المجتبى ٥ : ٢٥٣ / ح٣٠٠٦.

(٥) التفسير الكبير للرازي ١ : ١٦٩.

٣٨٨

وجاء عن ابن أبي هريرة (١) : إنّ الجهر بالتسمية إذا صار في موضعٍ شعاراً للشيعة فالمستحب هو الإسرار بها مخالفةً لهم! (٢)

وقال ابن الزبير لابن عباس : انّي لأكتم بُغضكم أهلَ هذا البيت منذ أربعين سنة! (٣)

وروى المسعودي وغيره أنّ ابن الزبير مكث أيّام حكومته أربعين جمعة لا يصلي فيها على النبيّ ويقول : لا يمنعني ذِكرُه إلّا أن تشمخ رجال بآنافها ، وفي رواية : إنّ له أُهَيلَ سوء ينغضون رؤوسهم عند ذكره (٤).

وفي (علل الشرايع) عن أبي إسحاق الأرجائي رفعه عن الصادق عليه‌السلام انّه قال : أتدري لم أُمِرتُم بالأخذ بخلاف ما تقول العامة؟ فقلت : لا أدري.

فقال : إنّ عليّاً عليه‌السلام لم يكن يَدين اللهَ بِدينٍ إلّا خالف عليه الأمّةُ إلى غيره ، إرادةً لإبطال أمره ، وكانوا يسألون أمير المؤمنين عليه‌السلام عن الشيء الذي لا يعلمونه ، فإذا افتاهم جعلوا له ضداً من عندهم لِيَلبِسوا على الناس! (٥)

وعن الإمام الصادق عليه‌السلام : واللهِ إنّ بني هاشم] أي العباسيين [وقريشاً لَتَعرفُ ما أعطانا الله ، ولكنّ الحسد أهلكهم كما أهلك إبليس ، وإنّهم لَيأتوننا إذا اضطُرّوا

__________________

(١) هو أبو علي الحسن بن الحسين بن أبي هريرة ، فقيه شافعي انتهت إليه إمامة العراقيين ، وكان معظَّماً عند السلاطين والرعايا إلى أنّ تُوفّي سنة ٣٤٥ هـ. أُنظر : وفيات الأعيان ٢٥ : ٧٥.

(٢) انظر : فتح العزيز ٥ : ٢٣٣ ـ ٢٣٤.

(٣) شرح نهج البلاغة ٤ : ٦٢ و ٢٠ : ١٤٨ ، وسمط النجوم العوالي ٣ : ٢٣٧ ، ٢٣٩.

(٤) تاريخ اليعقوبي ٢ : ٢٦١ ، شرح نهج البلاغة ٤ : ٦٢ والمتن منه ، وانظر فيه أيضاً : ١٩ : ٩٢ و ٢٠ : ١٢٧ ، ومروج الذهب ٣ : ٧٩ وغيرها.

(٥) علل الشرائع : ٢ : ٥٣١ / ح١ ـ عنه : وسائل الشيعة ٢٧ : ١١٦ / ح ٢٤.

٣٨٩

وخافوا على أنفسهم ، فيسألونا فنوضح لهم ، فيقولون : نشهد أنكم أهل العلم ، ثم يخرجون فيقولون : ما رأينا أضلَّ ممّن تَبِع هؤلاء ويَقبل مقالتهم (١).

فقد يكون في قوله تعالى : (وَأَنَّ هذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَتَتَّبِعُوا السُّبُلَ) ، إشارةٌ إلى لزوم الاقتداء بالمنهج العلوي النبوي دون غيره من السبل ، وذلك لتأكيده صلى‌الله‌عليه‌وآله على جملة «الضلال» في أخباره ، والتي تعني الابتعاد عن جادة الصراط.

وقد مرّ عليك قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله في حديث الثقلين : «إنّي تارك فيكم الثقلين : كتابَ الله وعترتي ، ما إن أخذتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً» ، والتي قالها صلى‌الله‌عليه‌وآله في أكثر من مورد منها حجة الوداع (٢) ، وقوله : «أُذكّركم في أهل بيتي ، أُذكّركم في أهل بيتي ، أُذكّركم في أهل بيتي» والذي مر تخريجه أيضاً.

وكذا فيما قاله رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في رزيّة الخميس : «ائْتُوني بدواة أكتبْ لكم كتاباً لن تضلّوا بعدي أبداً» (٣) ، وفيما قالوه عليهم‌السلام في لزوم ترك موافقة العامة جاء كل ذلك لإصرارهم على مخالفة الحق في كلّ شيء.

نتساءل : ما ارتباط تلبية الحج ، والبسملة ، والصلاة على محمّد وآله ، بل كلّ شيء من الشرع الأصيل بعليّ بن أبي طالب؟

__________________

(١) كامل الزيارات : ٥٤٣ / ضمن الحديث ٨٣٠ ـ الباب ١٠٨.

(٢) الأنعام : ١٥٣.

(٣) مسند أحمد ٣ : ٥٩ / ح ١١٥٧٨ ، سنن الترمذي ٥ : ٦٦٢ ـ باب مناقب أهل البيت / ح٣٧٨٦ ، المعجم الأوسط ٥ : ٨٩ / ح ٤٧٥٧ ، المستدرك على الصحيحين ٣ : ١١٨ / ح ٤٥٧٧.

(٤) صحيح البخاري ٤ : ١٦١٢ ـ باب مرض النبي ووفاته / ح ٤١٦٨ ، صحيح مسلم ٣ : ١٢٥٩ ـ باب ترك الوصية / ح ١٦٣٧.

٣٩٠

بل لماذا سَعَوا لإبطال آثار الإمام عليّ حتى في صغريات الأمور الشرعية ، ومخالفة آرائه؟

ألا تدلّ كل هذه المخالفات على أنّ كل شيء مرتبط بالإمامة ، وأنّهم لا يرتضون أن يستحكم منهج الإمام علي بن أبي طالب في الفقه والعقائد قبال منهج الشيخين وما اصطلحوا عليه بسنّة الشيخين؟! ألا يرشدنا قول رسول الله في حديث الثقلين إلى أنّ مَن يخالف نهج العترة في الأحكام والعقائد يعدّ ضالاً عن الطريق لقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : «ما إن أخذتم بهما لن تضلّوا : كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي».

وعليه ، فمفردة «حي على خير العمل» و «الصلاة خير من النوم» ما هما إلّا نافذتــان من تلــك النوافذ الكـــثيرة في الشريعة ، شــأنهما في ذلك : شــأن التكبير على الجنــائز خمساً أو أربعاً (١) ، وشأن حكم الأرجل في وصلاة الضحى وصلاة الوضوء المسح أو الغسل (٢) ، وجواز

__________________

(١) مسند أحمد ٤ : ٣٧٠ ، شرح معاني الآثار ١ : ٤٩٤ وفيه : قال زيد بن أرقم : صلّيتُ خلف أبي القاسم خليلي فكبّر خمساً فلا أتركها أبداً. وفي مسند أحمد ٥ : ٤٠٦ / ح ٢٣٤٩٥ ، شرح معاني الآثار ١ : ٤٩٤ ، تاريخ بغداد ١١ : ١٤٢ ـ ترجمة عيسى البزاز المدني / الرقم ٥٨٤٠ ، مجمع الزوائد ٣ : ٣٤ : صلّيتُ مع عيسى مولى حُذَيفة بن اليمان على جنازة فكبر عليها خمساً ، ثمّ التفت إلينا فقال : ما وهمتُ ولا نسيت ، ولكن كبرت كما كبر مولاي ووليّ نعمتي ـ يعني حذيفة بن اليمان ـ صلى على جنازة فكبر عليها خمساً ثم التفت إلينا فقال : ما وهمت ولا نسيت ولكني كبرت كما كبر رسول الله ، وفي تاريخ ابن خلدون ٤ : ٦٠ حكى عن الحاكم بأمر الله العبيدي في مصر بأنّه كتب سجلاً قُرئ على المنبر فيه : يصوم الصائمون على حسابهم ويفطرون ، ولا يعارض أهل الروية فيما هم عليه صائمون ومفطرون ...

(٢) انظر كتابنا (وضوء النبي) بمجلداته الخمس.

٣٩١

المسح على الخُفَّين ـ دون برد ومطر ـ وعدمها (١) ، والقول بمشـــروعية المتعة وعدمه (٢) ، والإرسال والقصر في الصلاة (٣) ، والتختّم باليمين أو الشمال (٤) ، والجهر بالبسملة أو إخفاتها (٥) ، وعدم شرعية صلاة التراويح والضحى أو

__________________

(١) المصنف لابن أبي شيبة ١ : ١٦٥ / ح ١٨٩٢ ، ١٨٩٤٤ و ١ : ١٦٤ / ح ١٨٨٣ و ١٨٨٨ و ١٨٩٠ و ١ : ١٦٩ / ح ١٩٤٦ قول الإمام علي وح ١٩٤٧ ، ١٩٤٩ قول ابن عباس ، مسند الإمام زيد : ٧٤ ، التهذيب ١ : ٣٦١ / ح ١٠٨٩ ، المصنف لعبدالرزاق ١ : ٢٠٧ / ح ٧٩٩ ، زوائد الهيثمي ١ : ١٥٦ ، المعجم الكبير للطبراني ١١ : ٤٣٦ / ح ١٢٢٣٧.

(٢) انظر كلام المُجيزين مثل : ابن عباس في : مسند أحمد ١ : ٣٢٧ ، زاد المعاد ١ : ١٢١ ـ ٢١٣ ، سنن الترمذي ٢ : ٢٩٥. وابن عمر في : سنن الترمذي ٢ : ١٥٩ / ح ٨٢٣ ، إرشاد النقّاد للصنعاني : ٢٥. وسعد بن أبي وقاص في : السنن الكبرى للبيهقي ٥ : ١٧ ، زاد المعاد ١ : ١٧٩ ، سنن الدارمي ٢ : ٣٥. وأبي موسى الأشعري في صحيح مسلم ٢ : ٨٩٦ / ح ١٥٧ ، مسند أحمد ١ : ٥٠ ، سنن النسائي المجتبى ٥ : ١٥٣ ، السنن الكبرى للبيهقي ٥ : ٢٠ ، سنن ابن ماجة ٣ : ٩٩٢ / ح ٢٩٧٩ ، تيسير الوصول ١ : ٣٤٠ / ح ٣٠. وعمران بن الحصين في : صحيح مسلم ٢ : ٨٩٩ / ح ١٦٩ ، وشرح مسلم للنووي ٧ ـ ٨ : ٤٥٦.

وكلام المانعين ، مثل : عمر بن الخطاب في : أحكام القرآن للجصّاص ٢ : ١٥٢ ، وعثمان بن عفان في : سنن النسائي (المجتبى) ٥ : ١٥٢ ، المستدرك على الصحيحين ١ : ٤٧٢ ، مسند أحمد ١ : ٥٧ ، الموطّأ ١ : ٣٣٦.

(٣) انظر ما كتبناه حول القبض والارسال في كتاب مستقل سيطبع لاحقاً إن شاء الله تعالى.

(٤) كشف الأسرار ٤ : ٥٥ ، التمهيد لابن عبدالبر ٦ : ٨١ ، فيض القدير ٥ : ٢٠١.

(٥) انظر : تفسير الفخرالرازي ١ : ٢٠٦ وأحكام البسملة للرازي : ٤٥ ، ٧٦ ، والأُمّ ١ : ١٠٨ ، وتاريخ طبرستان لابن اسفنديار الكاتب : ٢٣٩ وفي الخطط المقريزية ٢ : ٣٣٤ (ومنع أرجون صاحب شَرَطة مزاحم بن خاقان أمير مصر من الجهر بالبسملة في الصلوات بالمسجد الجامع ، وانظر أيضاً : شذرات الذهب ٣ : ١٠٠ ـ حوادث ٣٥٩ هـ ، اعتقاد أهل السنة للالكائي ١ : ١٥٤ / ح ٣١٤ ، دعائم الإسلام ١ : ٢٦٠ ، مصباح المتهجد : ٧٨٨ ، الأُمّ ١ : ١٠٨ ، سنن الدارقطني ١ : ٣١١ / ح ٣٣ و ٣٤ ، السنن الكبرى للبيهقي ٢ : ٤٩ / ح ٢٢٣٩ و ٢٢٣٧ ، التدوين في أخبار قزوين ١ : ١٥٤ ، فتح الباري ٢ : ٢٧٠ ، ٤٥٧ ، وعون المعبود ٣ : ٤٥ ، نيل الأوطار ٢ : ٢٦٦ ،

٣٩٢

شرعيتها (١) ، وحرمة شرب الفُقاع وأكل السمك الذي لا قشر له أو حلّيتهما (٢) ، وجواز لبس السواد في محرم والاحتفال بعيد الغدير أو بدعيّتهما (٣) ، وإجراء أحكام المواريث (٤) والمناكح والعَوْل والتعصيب أو بطلانهما ، وما شابه ذلك من الأمور

__________________

مسند أحمد ٤ : ٩٤ ، مجمع الزوائد ٢ : ١٥٦ ، المستدرك على الصحيحين ١ : ٣٥٧ / ح ٨٥١ ، مصنف عبدالرزاق ٣ : ٢٥٩ ، ٢ : ٩٢ / ح ٢٦١٨ ، وَفَيات الأعيان ١ : ٣٧٥ ، الخطط المقريزية ٢ : ٣٤٠ ، أخبار بني عبيد ١ : ٥٠.

(١) مصنف ابن أبي شيبة ٢ : ٣٤ / ح ٦١٤٩ ، الطبقات الكبرى ٢ : ٢٨١ ، تاريخ الطبري ٢ : ٥٧٠ ، فتح الباري ٤ : ٢٥٣ ، تنوير الحوالك ١ : ١٠٥ ، تهذيب الأحكام ٣ : ٧١ / ح ٢٢٧ ، كتاب سُلَيم : ٢٦٢ ، وعن سُلَيم في : الكافي ٨ : ٥٩ / ح ٢١ ، وانظر : نهج البلاغة ١ : ٩٩ / الخطبة ٥ ، احتجاج الطبرسي ١ : ٣٩٢. وفي كتاب : أخبار بني عبيد ١ : ٥٠ ـ في ترجمة عبيدالله (٣٢٢ هـ) مؤسس الدولة العبيدية في مصر ـ : ... وكان مما أحدث عبيدالله أن قطع صلاة التراويح في شهر رمضان وأمر بصيام يومين قبله ، وقنت في صلاة الجمعة قبل الركوع ، وجهر بالبسملة في الصلاة المكتوبة ، وأسقط من أذان صلاة الصبح : «الصلاة خير من النوم» ، وزاد : «حيّ على خير العمل» ....

(٢) في المواعظ والاعتبار = الخطط المقريزية ٢ : ٣٤١ قرأ الحاكم بأمر الله العبيدي في سنة٣٩٥ سجلاً فيه : المنع من عمل الفقاع وبيعه في الاسواق لما يُؤْثَر عن علي بن أبي طالب من كراهية شرب الفقاع ... ولا يباع شيء من السمك بغير قشر ولا يصطاده أحد من الصيّادين ، وفي جمادى من سنة ٤٠١ ضُرب جماعة وشُهِروا بسبب بيع الملوخيا والسّمك الذي لا قشر له وشرب المسكرات ، وتتبّع السكارى وضيق عليهم. أنظر أحاديث النهي في : تهذيب الأحكام ٩ : ٥ / ح ١٢ ، الاستبصار ٤ : ٥٩٠ / ح ٥ ، غوالي اللآلي ٣ : ٤٦٤ / ح ٩.

(٣) ذكر ابن الأثير في الكامل ٨ : ٥٣ ـ حوادث سنة ٤٤١ ـ ٤٤٢ : وفيها مُنع أهل الكرخ من النَّوح وفعل ما جرت عادتهم بفعله يوم عاشوراء ، فلم يقبلوا وفعلوا ذلك ، فجرى بينهم وبين السنة فتنة عظيمة قُتل فيها وجرح كثير من الناس. وانظر حوادث مشابهة لهذه القضية في مصر وغيرها ، النجوم الزاهرة ٤ : ٥٧ ـ حوادث ٥٣٦ هـ ، العبر في خبر من غبر ٢ : ٣١٦.

(٤) الخطط المقريزية ٢ : ٣٤٠ ـ حوادث سنة ٣٥٦ ، المنتظم ١٤ : ١٩٧٠ ـ حوادث سنة ٣٥٨ هـ ، و ١٥ : ٣٢٥ سير أعلام النبلاء ١٥ : ١٦٠ ، النجوم الزاهرة ٤ : ٥٧ ، الكامل ٨ : ٥٣.

٣٩٣

الدالّة على توجه والتزام هذا المذهب أو ذاك.

وقد جاء في مقدمة كتاب (تذكرة الحفاظ) عن شعيب بن جرير أنّه طلب من سفيان الثوري أن يحدّثه بحديث السنّة ، فقال : اكتب : بسم الله الرحمن الرحيم ، القرآن كلام الله غير مخلوق .. إلى أن قال : يا شعيب ، لا ينفعك ما كتبتَ حتّى ترى المسح على الخفَّين ، وحتى ترى أنّ اخفاء بسم الله أفضل من الجهر به ، وحتى تؤمن بالقدر ، وحتى ترى الصلاة خلف كلّ بَرٍّ وفاجر ... (١).

هكذا هو إصرار بعضهم على الأخذ بسنّة الشيخين ، وهو يعني جعل تلك الأحكام شعاراً لهم ، ليمتاز مُشايعهم عن الشيعي الذي يأخذ بكلام الإمام عليّ عليه‌السلام ، ولهذا تراهم يُرجِعون علة الأخذ والرد بأنّ هذا صار شعاراً للروافض فيجب تركه ، ولو تأملنا قليلاً وجدنا أنّ مرد كلّ هذا الصراع إلى الموقف من الإمامة.

إذن أُخضعت عقيدة الإمامة لمعترك الصراع الفقهي من زاوية التأكيد على فقه هذا أو ذاك ، كما أنّ منعهم من نشر فضائل أهل البيت جاء للحدّ من اتّباع الأمّة للإمامة والأخذ برأي الأئمّة عليهم‌السلام ، لأنّ نقل الفضائل مقدّمة للأخذ بأقوالهم والسير على هداهم والدعوة إلى امامتهم ، وهذا ما لا يرتضيه الآخرون.

وبهذا فقد اتّضح ـ ولحدّ ما ـ هدفنا من الكتابة في هذا الجانب من البحث ، وهو فهم جذور الصراع العقائدي في الإمامة من خلال المفردات الفقهية عموماً ومفردة «الصلاة خير من النوم» على وجه الخصوص ، وهذا ما لم يبحث في الدراسات المقارنة.

__________________

(١) تذكرة الحفاظ ١ : ٢٠٦ ، اعتقاد أهل السنة ١ : ١٥٢ ، تحفة الأحوذي ٢ : ٤٨.

٣٩٤

فالباحثون سنة وشيعة ـ ولحدّ هذا اليوم ـ كانوا يتعاملون مع مفردة «الصلاة خير من النوم» على أنّها مسألة فقهية خلافية تُدرَس في عالم الفقه فحسب.

وهذا ـ وإن كان صحيحاً دون شك ـ إلّا أنّه اتّضح أنّ لهذه المفردات أبعاداً عقائدية خطيرة جداً ، وذلك لدخولها ساحة الصراع العقائدي بين المدرستين من أوسع الأبواب.

٣٩٥

رؤيتنا

بعد أن انتهينا من بيان كليات البحث ، وأنّ الإمامة هي إمامة إلهية ، وأنّها تُعيَّن من قبل الله لا من قبل الأمّة ، وأنّ الله أخبر في كتابه بأنّه رفع ذكر النبيّ وآله ، وأنّ الرسول قد نهانا عن الصلاة عليه وحده دون ذكر آله ، تأكيداً على إمامتهم.

كما ذكرنا أيضاً وجود أحكام مختصة بأهل البيت : كالخُمس ، وحرمة الصدقة عليهم ، ووجوب مودّتهم ، وغيرها ، وكلّها تشير إلى منزلتهم العظيمة.

وقد أسلفنا أيضاً أنّ أبابكر وعمر كانا يعلمان هذه الأمور واختصاصها بأهل البيت عليهم‌السلام ، وأنّ بيت عليّ وفاطمة من البيوت التي أذن الله أن تُرفع ويُذكر فيها اسمه ـ كما رواه أئمّة الحديث والذي نقلناه عن السيوطي سابقاً ـ وأنّ أبابكر بعد اختلافه مع الصدّيقة الزهراء فاطمة عليها‌السلام في قصة فدك وغيرها خاف أن يموت وفاطمة الزهراء واجدة عليه وغاضبة منه ، فطلب من الإمام عليّ أن يلتقي بها ليستلّ غضبها في قصة معروفة ، فالتقى بها فلم ترضَ عنها وماتت وهي واجدة عليه كما أنّ عمر عرف بأنّ النبيّ أراد في رزية الخميس أن ينصّ على الإمام عليّ ، فمنعه ، وعرفنا أنّ عمر أبدل جملة «حيّ على خير العمل» بـ «الصلاة خير من النوم» كي لا يكون حثٌ على الولاية ودعوة إليها ـ كما جاء في رواية الإمام الكاظم عليه‌السلام.

٣٩٦

وقد وضّحنا سابقاً سبب تأكيدهم على جملة «الصلاة خير من النوم» في الصبح لا غير ، فلو كان للتنبيه والإشعار لإيقاظ الهمّة للنهوض فيجب أن يكون عامّاً وليبدلوها بـ «حيّ على القيام للصلاة» أو «هيا إلى العبادة» أو ما شابه ذلك.

كما أنّ هذا التعليل منهم يمكن أن يرد بأنّ القول في صلاة الظهر أو الجمعة «الصلاة خير من اللهو ومن التجارة» مثلاً هو الأهم ، لأنّه وقت اللهو بالتجارة أخذاً بمفهوم الآية الشريفة.

هذا ، مع التأكيد على أنّ الإنسان لو كان نائماً فلا يستيقظ بجملة أو جملتين سواء قال فيها المؤذّن «الصلاة خير من النوم» أو «حيّ على الصلاة» أو أيّ شيء آخر.

أمّا لو كان منتبهاً ـ أو كسلاناً ـ فيفيق بسماعه أقلّ شيء؟

إذن فما المعنى المراد من «الصلاة خير من النوم»؟ هل هو المعنى السطحي الذي يعرفه الجميع ، أم كان لواضعها قصد آخر؟

الظاهر أنّه قصد معناها الظاهري المأنوس فهمه للجميع ، وهو الاستيقاظ لصلاة الفجر خير من المكوث في فراش النوم ، لكن لو ضُمَّت هذه الجملة الصادرة عن عمر إلى ما عرفناه من سيرته وأهدافه في رفع الحيعلة الثالثة وسعيه لإزواء الإمام عليّ عن الإمامة ، ودوره في تحكيم خلافة أبي بكر ، واتّخاذه الاجتهاد مقابل النص منهجاً ، فلا يُستبعَد أن يكون مقصودُه شيئاً آخر ، إذ إنّ القضايا الخلافية والمصيرية لا يمكن دراستها من وجهة نظر واحدة بعيداً عن ملابساتها ، بل يجب على الباحث أن يقف ـ مع ما عنده ـ على أقوال الآخرين وما بحوزتهم من مستندات وأدلّة.

٣٩٧

وبما أنّ مستندات هذه المسألة منقسمة وموجودة عند مجموعتين من المسلمين ، فلابدّ من النظر فيهما معاً ، وعدم الاكتفاء بالنظر إلى أدلّة بعض دون أدلّة البعض الآخر ، إذ إنّ النظرة الضيّقة وعدم الانفتاح على أدلة الآخرين يوصدان أبواب التفاهم وتلاقح الأفكار ، فنُحرَم في النهاية من الاستنتاج الموضوعي السليم.

مع العلم بأنّ أحد محوري النزاع يرتبط بالتراث الشيعي ـ بفرقه الثلاث : الإمامية والزيدية والإسماعيلية ـ فهؤلاء جميعاً يذهبون إلى أنّ جملة «حيّ على خير العمل» كانت في الأذان وقد أذّن بها الرسول والصحابة ولا يؤمنون بنسخها ، مفنّدين ما قدّمته مدرسة الخلفاء من أدلة ، ومعتقدين بأنّ عمر بن الخطاب هو الذي قطعها وحذفها معلِّلاً فعله بعلة ظاهرية ، وهو خوفه من اتّكال المسلمين على الصلاة وتركهم للجهاد ، وهو تعليل باطل (١).

لكن هناك علة مكنونة في هذا الأمر لم يَبُحْ بها عمر بن الخطاب في حين أنّ أئمة أهل البيت كشفوها لنا ، فقالوا بانّه كان لا يحبّ سماع الدعوة إلى الولاية في الأذان من خلال الحيعلة الثالثة ، أي أنّ الأئمّة كانوا يريدون أن يقولوا لنا بأنّ الحذف من قِبَل عمر كان لغرض سياسيّ عقائديّ مهمّ عنده ، ولم يكن بالأمر السطحي الذي يصوِّره الناس اليوم ، إذ لو اتّضح هدفه في الحيعلة الثالثة لاتّضح هدفه النهائي في «الصلاة خير من النوم» أيضاً.

وثاني محورَي النزاع : يرتبط بتراث الجمهور ، حيث إنّهم سعوا إلى اعتبار جملة «الصلاة خير من النوم» سنة نبويّة ، وقد مرّ عليك في الفصل الثاني من هذه

__________________

(١) وضحنا ذلك في كتابنا «حيّ على خير العمل» فراجع.

٣٩٨

الدراسة أنّها ليست بسنّة نبويّة ، بل إنّها رأي لعمر بن الخطاب ووافقه من هو على نهجه ، فوضعوها قبالاً لما عرفوه من سنّة النبيّ في الحيعلة الثالثة.

والملاحظ في نصّ (موطّأ) مالك (ت ١٧٩ هـ) أنّ جملة «الصلاة خير من النوم» وُضعَت من قِبل عمر في أيّام حكومته ، وبعد رفع الحيعلة الثالثة ، إذ إنّه قال لمؤذنه : اجعلها بعد «حيّ على الفلاح» ، وهذا يُفهِمُ بأنّه وضعها في عهده ، ولم يكن لها أثر قبل هذا التاريخ ، بخلاف «حيّ على خير العمل» التي مرّت بمراحل كانت نهايتها على عهد عمر بن الخطاب.

الهدف من الرفع والوضع

والآن نتساءل : هل يُعقَل أن يضع عمر شيئاً مكان شيء ، بدون هدف أو قصد؟

كلّا ، ليس من المعقول أنّ عمر لم يكن قاصداً وهادفاً من فعله ذاك ، أو أنّه عنى المعنى السطحي للكلمة ، وأنّها وُضعت لتنبيه الغافلين ولإيقاظ النائمين فقط كما يقولون.

فالذي يعرف خلفيات مسألة الإمامة وإرهاصاتها ، وما عنت جملة «حيّ على خير العمل» في الأذان ، والأهداف التي دعت عمر لحذفها ، لا يمكنه أن يقبل صدور جملة «الصلاة خير من النوم» من قبل عمر دون أيّ قصد عقائديّ.

على أنّ حصر معنى «الصلاة خير من النوم» عند القوم بمعناها الساذج السطحيّ ، وعدم ذكرهم لاحتمالاتها الأخرى ، يشكّك الباحثَ الناقد في الأهداف والمقاصد الكامنة وراء ذلك ، ويدعوه لدراسة تلك النصوص بروح تحقيقية عالية ،

٣٩٩

ومن هنا جاءت دراساتنا تهدف إلى تسليط الضوء على مثل هذه الأمور الخطيرة في الشريعة ، ونحن على علم بأنّ دراسة قضية مهمّة كهذه تحتاج إلى مثابرة وجهد لكشف المجهول ، لأنّها تارة ترتبط بالفقه ، وأخرى بالعقائد ، وثالثة بالتاريخ ، ورابعة بالتفسير ، وخامسة باللغة ، وسادسة بالنحو و ....

فإنّ دراسة كلّ هذه الأمور تحتاج إلى تَأَنٍّ وصبر ومثابرة ، خصوصاً حينما نرى وحدة تسلسل حلقات القضية عند الطرفين ، ووحدة الحدث المختلف فيه ، وهو الأذان برفع الحيعلة الثالثة منه ووضع الصلاة خير من النوم مكانها ، ووحدة مبتدع ذلك وهو عمر بن الخطاب في كلا الطرفين.

فالنصوص الموجودة بين أيدينا بعضها واضح ، وبعضها الآخر مبهم يمكن استنطاقه ، وهذا يدعونا إلى الموضوعية والشمولية في الاستقراء والبحث أكثر.

غير مكتفين بنقل وجهة نظر واحدة وإهمال وجهات النظر الأخرى ، لأنّ التراث الإسلامي هو مِلك للجميع ، وأنّ بعضه يفسّر بعضه الآخر ، فلا يمكن إهمال نصوص بعض المسلمين لعدم اعتبارها عند الآخرين ، لأنّ القول بهذا المنهج الضيقِّ يحدّدنا ويخرجنا من الموضوعية والشمولية في البحث ، إلى دراسة الأمور بنظرة ضيقة ، وهذا ما نتحاشاه ونخشاه.

فنحن انطلاقاً من هذه الكلية التي رسمناها سندرس الأهداف التعويضية عند عمر وما قيل عنه بهذا الصدد في كتب الفريقين ، آخذين بنظر الاعتبار كلّ ما قالوه ، سواء وافَقَنا أم خالفنا.

فأحد وجهَي العملة يرتبط بما تقوله الشيعة في أسباب المنع من «حيّ على خير العمل» وهو موجود في كتبهم ، وقد مرّ على القارئ ما فيه الكفاية فلا نعيده.

٤٠٠