الصّلاة خير من النوم شرعة أم بدعة

السيد علي الشهرستاني

الصّلاة خير من النوم شرعة أم بدعة

المؤلف:

السيد علي الشهرستاني


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مؤسسة المؤمل الثقافية
الطبعة: ٠
الصفحات: ٤٨٠

وإذا قبلنا بأنّ الصبح وقت غفلة ونوم ، فالظهر وقت غفلة وتجارة أيضاً ، وقد ترك الصحابة رسول الله يوم الجمعة وانفضّوا إلى اللهو وإلى التجارة (١) ، فلماذا لم يأمر عمر مناديه أن يقول في صلاة الظهر أو صلاة الجمعة «الصلاة خير من اللهو ومن التجارة» مثلاً؟ فلو وُضعت الأولى لايقاظ النائمين وتنبيه الغافلين فالثانية كذلك.

وهل هناك ترابط عقدي بين رفع الحيعلة الثالثة ووضع «الصلاة خير من النوم» مكانها ، أم جاء الأمر عفوياً؟ وإذا كان عفوياً ، فلماذا نرى أنّ من يقول بشرعية «حيّ على خير العمل» لا يقول بشرعية «الصلاة خير من النوم» ، والعكس بالعكس؟

بل لماذا نرى الحكومات الشيعية عندما تحكم تسعى لتحكيم «حيّ على خير العمل» في الأذان وحذف «الصلاة خير من النوم» منها (٢) ، على خلاف الحكومات السنّية التي تفعل العكس فتضع «الصلاة خير من النوم» وتحذف الحيعلة الثالثة من

__________________

(١) في مناقب آل أبي طالب ١ : ٤٠٧ عن تفسير مجاهد وأبي يوسف يعقوب بن أبي سفيان في سبب نزول هذه الآية : فانفضّ الناس إلّا عليّاً والحسن والحسين وفاطمة عليهم‌السلام وسلمان وأبا ذر والمقداد وصهيب ، وتركوا النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله قائماً يخطب على المنبر ، فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله : لقد نظر الله يوم الجمعة إلى مسجدي ، فلولا الفئة الذين جلسوا في مسجدي لأُضرمت المدينة على أهلها ناراً ، وحُصبوا بالحجارة كقوم لوط! ونزل في الجالسين قوله تعالى : (رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ) [النور : ٣٧].

وفي منتخب مسند عبد بن حميد : ٣٣٥ / ح ١١١١ عن جابر بن عبدالله : قَدِمَت عِير فانفضوا إليها ، فلم يبق إلّا اثنا عشر رجلاً. وهو في صحيح ابن خزيمة ٣ : ١٦١.

(٢) انظر في ذلك : أخبار بني عبيد ١ : ٥٠ ، ٨٤ ، الخطط للمقريزي ٢ : ٣٤٠ ، ٣٤٢ ، وَفَيات الأعيان ١ : ٣٧٥ ، سِير أعلام النبلاء ١٥ : ١٦٠ ، تاريخ ابن خلدون ٤ : ٦٠ ، ٤٨٠ ، الكامل لابن الأثير ٧ : ٣١ ، ٨ : ٨٣ ، المنتظم ١٦ : ٣٢ ـ حوادث سنة ٤٥٠ هـ ، تاريخ بغداد ٩ : ٤٠١.

٣٦١

الأذان (١) ، فماذا يعني فعلهم هذا وعلى أيّ شيء يدل؟ ألا يدلّ على أنّ الأمر أكبر مما يقولونه ويفسرونه في معنى الخيرية بين «الصلاة» و «النوم»؟

في اعتقادنا أنّ هناك ترابطاً عقائدياً كبيراً بين عقيدة الولاية و «حي على خير العمل» ، وبين حكومات «الخلافة الانتخابية» و «الصلاة خير من النوم».

أما عند الشيعة الإمامية فالأمر واضح ، فقد ورد في أخبارنا المعتبرة من أنّ «حيّ على خير العمل» تعني الولاية ، لكنّ ، ما ينبغي التأكيد عليه وإماطة اللثام عنه هو غفلة أبناء العامة عن بيان البعد العقائدي لجملة «حي على خير العمل» وجملة «الصلاة خير من النوم» مكتفين في تسليط الضوء على أنّ الثاني شُرِّع لإيقاظ النائمين وتنبيه الغافلين فحسب ، ولم يشيروا إلى الدوافع العقائدية التي حدت بعمر بن الخطاب وغيره إلى الإصرار على رفع الحيعلة الثالثة!

وعليه فالبحث في «الصلاة خير من النوم» أو «حي على خير العمل» لا يقتصر على البعد الفقهي الخلافي ، بل فيه الإشارة إلى تأسيس اتجاه خاص بالخلفاء يقابل مدرسة أهل البيت ، وهذا ما تفرضه تداعيات الصراع بين النهجين ، وهو ما نصطلح عليه هنا بـ «الوضع» بعد «الرفع» ، فغالباً ما يُستعاض عن الشرع الصحيح بما هو بدعة ، وقد جاء هذا صريحاً في كلام ابن عباس الذي قال : تركوا السنة من بغض علي! (٢)

__________________

(١) الخطط للمقريزي ٢ : ٢٧١ وفيه : وقرا أبو علي العباسي سجلاً فيه بترك «حي على خير العمل» في الأذان وأن يقال في صلاة الصبح «الصلاة خير من النوم» ، وفي النجوم الزاهرة ٤ : ٢٢٢ ، ٥ : ٥٩ : وغُيِّر الأذان وجُعل مكان «حي على خير العمل» «الصلاة خير من النوم» ، الكامل ٨ : ٥٩ ـ حوادث سنة ٤٤٣ هـ ، وفي ٨ : ٧٩ ، ١٠٧ ـ حوادث سنة ٤٦٢ هـ ، المنتظم ١٥ : ٣٣١ ، تاريخ أبي الفداء ٢ : ١٧٠ ، تاريخ الإسلام ٣٠ : ٩ ، البداية والنهاية ١٢ : ٧٣ ، السيره الحلبية ٢ : ٣٠٥.

(٢) الأحاديث المختارة ١٠ : ٣٧٨ / ح ٤٠٣ ، المستدرك على الصحيحين ١ : ٦٣٦ / ح ١٧٠٦ قال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط الشيخيين ولم يخرجاه.

٣٦٢

كما جاء هذا المفهوم في كلام عمر بن الخطاب نفسه ، وقد ذكره له سعد التفتازاني (ت ٧٩٣ هـ) في (شرح المقاصد) في علم الكلام وفي (حاشيته على شرح العضد) ، وكذا القوشجي (ت ٧٨٩ هـ) في (شرح التجريد) في مبحث الإمامة ، حيث قالوا :

«إنّ عمر بن الخطاب خطب الناس فقال : أيّها الناس ، ثلاث كُنَّ على عهد رسول الله أنا أنهى عنهنّ وأحرّمهنّ وأعاقب عليهنّ ، وهي : متعة النساء ، ومتعة الحجّ ، وحيّ على خير العمل» (١).

فماذا ، يعني هذا التقارن والترابط؟! ولماذا نرى أنّ الذي يدّعي شرعية «الصلاة خير من النوم» لا يقول بوجود النص على إمامة عليّ بن أبي طالب ، ومن يقول بـ «حيّ على خير العمل» يرى النصّ على ولاية عليّ بن أبي طالب وخلافته؟

ثمّ على أيّ شيء يدلّ قول الإمام الصادق عليه‌السلام : «ليس منا من لم يؤمن بكرَّتنا ، و [لم] يستحلَّ متعتنا» (٢) ، أو قوله : «مَن لم يستيقن أنّ واحدة من الوضوء تُجزيه لم يُؤجَر على الثنتين» (٣).

وهل صدرت هذه الأقوال من قبلهم عليهم‌السلام للوقوف أمام ما سنّه الخلفاء من الأمور الباطلة وسعيهم في إماتة السُّنّة الصحيحة الثابتة عن رسول الله؟

بل لماذا تتوجّه أصابع الاتّهام إلى عمر بن الخطاب على وجه الخصوص؟

__________________

(١) شرح المقاصد ٢ : ٢٩٤.

(٢) من لا يحضره الفقيه ٣ : ٤٥٨ / ح ٤٥٨٣ ـ عنه : وسائل الشيعة ٢١ : ٨ ـ باب إباحة المتعة / ح ١٠ وفيه : ولم يستحل متعتنا ، وكذا في مستدرك الوسائل ١٤ : ٤٥١ ، باب اباحة المتعة / ح ٤ ، رواه عن الهداية للصدوق : ٢٦٦.

(٣) الاستبصار ١ : ٧١ / ح ٢١٨ ، تهذيب الأحكام ١ : ٨١ / ح ٢١٣ ، وسائل الشيعة ١ : ٤٣٦ ـ باب إجزاء الغرفة الواحدة في الوضوء وحكم الثانية والثالثة / ح ٤.

٣٦٣

عمر وموضوع الإمامة في الأذان

جاء في (علل الشرائع) عن عِكْرِمة قال : قلت لابن عباس : أخبرْني لأيّ شيء حُذف من الأذان «حيّ على خير العمل»؟ قال : أراد عمر بذلك ألّا يتّكل الناس على الصلاة ويَدَعُوا الجهاد ، فلذلك حذفها من الأذان (١).

وفي كتاب (الأحكام) ـ من كتب الزيدية ـ قال يحيى بن الحسين :

وقد صحّ لنا أنّ «حيّ على خير العمل» كانت على عهد رسول الله يؤذَّن بها ، ولم تُطرَح إلّا في زمن عمر بن الخطاب ، فإنّه أمر بطرحها وقال : أخاف أن يتّكل الناس عليها. وأمَرَ باثبات «الصلاة خير من النوم» مكانها (٢).

وعن الإمام الباقر عليه‌السلام عن أبيه عليّ بن الحسين أنّه قال : كانت في الأذان الأوّل ، فأمرهم عمر فكفّوا عنها مخافة أن يتثبط الناس عن الجهاد ويتّكلوا على الصلاة (٣).

وعن الإمام زيد بن عليّ أنّه قال : ممّا نَقَم المسلمون على عمر أنّه نحّى من النداء في الأذان «حيّ على خير العمل» ، وقد بَلَغَ العلماءَ أنّه كان يُؤذَّن بها لرسول الله حتّى قبضه الله عزّوجلّ ، وكان يؤذَّن بها لأبي بكر حتّى مات ، وطرفاً من ولاية عمر حتّى نهى عنها (٤).

وعن أبي جعفر الباقر عليه‌السلام : كان الأذان بـ «حيّ على خير العمل» على عهد

__________________

(١) علل الشرائع للصدوق ٢ : ٣٦٨ ـ الباب ٨٩ نوادر علل الصلاة / ح ٣.

(٢) الأحكام ليحيى بن الحسين ١ : ٨٤.

(٣) الأذان بحي على خير العمل للعلوي : ٧٩ / ح ٨٤.

(٤) الأذان بحيّ على خير العمل للعلوي : ٢٩ ، وانظر هامش : مسند زيد : ٩٣.

٣٦٤

رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وبه أُمروا في أيّام أبي بكر ، وصدراً من أيّام عمر ، ثمّ أمر عمر بقطعه وحذفه من الأذان والإقامة ، فقيل له في ذلك ، فقال : إذا سمع الناس أنّ الصلاة خير العمل تهاونوا بالجهاد وتخلّفوا عنه». وروينا مثل ذلك عن جعفر بن محمّد ، والعامّة تروي مثل هذا (١).

وقد روى الصدوق في (علل الشرائع) بسنده عن ابن أبي عُمَير أنّه سأل أبا الحسن الكاظم عليه‌السلام عن سبب ترك «حيّ على خير العمل» فقال : أمّا العلّة الظاهرة فلِئلّا يَدَعَ الناس الجهاد اتّكالاً على الصلاة ، وأمّا الباطنة فإنّ خير العمل الولاية ، فأراد مَن أمر بترك حيّ على خير العمل من الأذان [عمر] أن لا يقع حثّ عليها ودعاءٌ إليها (٢).

وقال ابن أبي عبيد : «إنّما أَسقط «حيّ على خير العمل» مَن نهى عن المتعتين ، وعن بيع أمّهات الأولاد ، خشية أن يتّكل الناس بزعمه على الصلاة ويَدَعُوا الجهاد ، قال : وقد رُوي أنّه نهى عن ذلك كلّه في مقام واحد» (٣).

وقال العلاّمة الشرفي (ت ١٠٥٥ هـ) من علماء الزيدية : وعلى الجملة فهو ـ أي الأذان بحيّ على خير العمل ـ إجماع أهل البيت ، وانّما قطعه عمر (٤).

__________________

(١) دعائم الإسلام ١ : ١٤٢ ـ عنه : بحار الأنوار ٨١ : ١٥٦ / ح ٥٤ ، وفي كتاب (الإيضاح) للقاضي نعمان (ت ٣٦٣ هـ) : فقد ثبت أنّه أُذِّن بها على عهد رسول الله حتّى توفّاه الله ، وأنّ عمر قطعه! ..

(٢) علل الشرائع ٢ : ٣٦٨ ـ الباب ٨٩ من نوادر علل الصلاة / ح ٤ ـ عنه : بحارالأنوار ٨١ : ١٤٠ ـ باب معنى الأذان / ح ٣٤.

(٣) البحر الزخار الجامع لمذهب علماء الأمصار ٢ : ١٩٢ ، ذكرى الشيعة ٣ : ٢١٥ ، وانظر : شرح الأزهار ١ : ٢٢٣ ، شرح العضدي على المختصر الأصولي لابن الحاجب بحاشية السعد التفتازاني ٢ : ٤١ ـ ٤٢.

(٤) ضياء ذوي الأبصار (مخطوط) ١ : ٦١.

٣٦٥

وفي (المنتخب) من كتب الزيدية : وأمّا «حيّ على خير العمل» فلم تزل على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله حتّى قبضه الله ، وفي عهد أبي بكر حتّى مات ، وإنّما تركها عمر وأمر بذلك ، فقيل له : لِم تركتَها؟ فقال : لئلّا يتّكل الناس عليها ويتركوا الجهاد (١).

فنتساءل : لِمَ قطَعَها ورفعها عمر من الأذان؟ وهل يصحّ ما علّله في هذا الأمر وهو خوف الاتكّال عليها وتقاعس الناس عن الجهاد؟!

الجواب : كلّا ، فإنّ التعليل عليل ، لأنّ الجهاد والغزوات والحروب كانت أعظم وأكبر على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهي أدعى إلى حذف الحيعلة الثالثة من قِبَلِ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلماذا لم يحذفها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وحذفها عمر؟

ثمّ إنّ تعليل عمر يشبه ما علّله عثمان في إتمام الصلاة بمنى ، وأنّه يخاف أن يَظنّ الناس أنّ صلاة القصر هي المفروضة ، فأجابه الصحابة بأنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله كان يقصّر الصلاة وينبّه على أنّ ذلك مخصوص بمنى.

فلو صحّ تعليل عمر لكان يمكنه أن يقرّ الحيعلة الثالثة وينبّه المسلمين على ضرورة الجهاد ، كما كان رسول الله يفعل ذلك ، هذا أوّلا.

وثانياً : لو قَبِلنا التعليل السابق تنزّلاً لصحّت مشروعيّة الحذف لفترة معيّنة لا أن يكون تشريعاً حتّى زماننا الحاضر!

__________________

(١) حي على خير العمل : ٣٦ ـ عن كتاب : المنتخب للإمام الهادي إلى الحق : ٣٠ ، الأحكام ١ : ٨٤ ، تحرير الأفكار : ٥٤١ ، وقد مرّت هذه النصوص في كتابنا «حي علي خير العمل».

٣٦٦

وثالثاً : إنّ ما علّله عمر لا يتّفق مع قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : «إنّ خير أعمالكم الصلاة» (١) ، وقوله : «الصلاة عمود الدين ، فمَن تركها فقد هدم الدين» (٢). فلو صحّ تعليل عمر لَلزِمه ضربُ كلّ هذه النصوص!

ورابعاً : إنّ التحزّب الموجود بين المسلمين في هذه المفردة إلى يومنا هذا

يرشدنا إلى تخالف فكريّ بين النهجين :

أحدهما ـ يصرّ على الإتيان بها على الرغم من كلّ المصاعب.

والآخر يجدّ لتضعيف الحيعلة الثالثة والقول بأنّها لم تكن على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، أو أنّ رسول الله أبدلها بجملة «الصلاة خير من النوم» ، وإنّ هذا ليشير إلى أنّ السبب ليس كما قالوه وعلّلوه ، بل يُومي إلى أنّ هناك هدفاً غير معلن سُتِرَ تحت مزعمة الخوف من اتكّال المسلمين على الصلاة وترك الجهاد.

وفي اعتقادي أنّ الأمر هو كما قال ابن عباس : تركوا السنة من بُغض عليّ (٣) ، فالأمر يعود إلى إمامة الإمام عليّ عليه‌السلام إذ كلّ الناس يعلمون أنّ عمر كان لا يرتضي اجتماع النبوة والخلافة في بني هاشم (٤) ، وقد ثبت عنه أنّه كان من الناهين عن تدوين ورواية شأن النزول مع التنزيل في المصاحف ، وكما أنّه كان ينهى عن كتابة حديث رسول الله بدعوى خوفه من اختلاطه بالقرآن (٥) ، ومعناه أنّه كان لا يرتضي ما جاء

__________________

(١) سنن ابن ماجة ١ : ١٠١ / ح ٢٧٧ ، سنن الدارمي ١ : ١٧٤ / ح ٦٥٥.

(٢) غوالي اللآلي ١ : ٣٢٢ / ح ٥٥ ، شرح نهج البلاغة ١٠ : ٢٠٦.

(٣) الأحاديث المختارة ١٠ : ٣٧٨ ، سنن النسائي (المجتبى) ٥ : ٢٥٣ / ح ٣٠٠٦.

(٤) المسترشد : ٦١٧ ، ٦٨٤ ، شرح نهج البلاغة ١ : ١٨٩ ، ١٢ : ٥٣.

(٥) انظر : مصنَّف عبد الرزاق ١١ : ٢٥٧ / ح ٢٠٤٨٤ ، تقييد العلم : ٤٩ ـ ٥١ ، المدخل إلى السنن الكبرى ١ : ٤٠٧ / ح ٧٣١.

٣٦٧

في مصاحف الصحابة أمثال : ابن مسعود ، وجابر بن عبدالله الأنصاري ، وأُبيّ بن كعب ، وغيرهم من القُراّء من أُمور تفسيرية وتوضيحية ، كما لم يكن يرتضي قراءاتهم الدالة على تلك الأُمور.

وخلاصة القول : أننا اذا أخذنا يميناً أو شمالاً فلن نجد إلّا ما قاله ابن عباس ، وهو أنّ علّة ترك السنة هو بغض عليّ أو بغض إمامته أو بغض خصائصه ومناقبه وأفضليّاته.

فعن مُرّة قال : كان عبدالله بن مسعود يقرأ : (وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ) بعليّ ، (وَكَانَ اللهُ قَوِيّاً عَزِيزاً) (١) ، فهل تتوقع أن يرضى خصوم علي بمثل ذلك؟!

وجاء عنه أيضاً أنّه كان يقرأ آية البلاغ : (بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ) أنّ عليّاً مولى المومنين (وَإِن لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَه) (٢).

وعن شقيق ، قال : قرأت في مصحف عبدالله بن مسعود : (إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ) وآلَ محمّدٍ (عَلَى الْعَالَمِينَ) (٣).

وعن جابر بن عبدالله الأنصاري أنّه قال : سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قرأ (فَإِنَّا مِنْهُم مُنتَقِمُونَ) فقال : بعليّ بن أبي طالب (٤).

__________________

(١) شواهد التنزيل ٢ : ٧ / ح ٦٢٩ ـ ٦٣٢ ، تاريخ دمشق ٤٢ : ٣٦٠ ، الإكمال ٧ : ٥٣ ـ سورة الأحزاب / الآية ٢٥ وفي الدر المنثور ٦ : ٥٩٠ قال : أخرجه ابن أبي حاتِم وابن مردَويه وابن عساكر عن ابن مسعود ، ومثله عن ابن عباس ، شواهد التنزيل ٢ : ١٠ / ح ٦٣٣ ـ الآية ٢٥ من سورة الأحزاب.

(٢) الدر المنثور ٢ : ٢٩٨ ـ عنه : بحارالأنوار ٣٧ : ١٩٠ ـ الآية ٦٧ من سورة المائدة.

(٣) العمدة : ٥٥ / ح ٥٥ ، شواهد التنزيل ١ : ١٥٢ ـ ١٥٣ / ح ١٦٥ و ١٦٦ ـ الآية ٣٣ من سورة آل عمران.

(٤) المحرَّر الوجيز ٥ : ٥٦ ، وانظر : تفسير النيسابوري ٦ : ٩٣ ـ الآية ٤١ من سورة الزخرف.

٣٦٨

وعن عمرو وعبدالله بن مسعود وأبيّ بن كعب ، أنّهم قرأوا : (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) ورهطَك المُخلَصين (١).

فأمثال هذه القراءات كانت لا تعجب عمر بن الخطاب ، فحذفها مع قراءات أخرى لآيات أخرى لصحابة آخرين ، أو قل : مَنَعَ الأخذ بمصاحف الصحابة لِما فيها من أسباب النزول ، أو لأنّها دُوّنت طبقاً للتنزيل ، فكانت لا تعجبه ، فحذفها ومنعها بدعوى اختلاطها مع القرآن ، والأمر نفسه فيما نحن فيه ، فقد رفع «حيّ على خير العمل» بدعوى مخالفةِ تَباطؤ الناس عن الجهاد ، ووَضَعَ «الصلاة خير من النوم» بدعوى تنبيه النائمين.

فهل هذه التعاليل صحيحة وواقعية ، أم ادعائية سياسية؟! فنحن لو جمعنا ما رواه مسلم قبل قليل عن زيد بن أرقم عن رسول الله في غدير خم وقوله : «إنّي تارك فيكم ثقلين ... أُذكّرُكمُ اللهَ في أهل بيتي» (٢) ، مع ما جاء في رواية الترمذي : «إنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم بهما لن تضلوا بعدي ، أحدهما أعظم من الآخر : كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ، ولن يتفرقا حتّى يَرِدا عَليَّ الحوض ، فانظروا كيف تُخْلفوني فيهما» (٣).

__________________

(١) عيون أخبار الرضا عليه‌السلام ٢ : ٢٠٩ في مصحف عبدالله بن مسعود وأبيّ بن كعب ، وأنظر : تفسير الطبري ١٩ : ١٢١ في قراءة عمرو بن مرة ، وفيه : ورهطَك منهمُ المخلصين ، وكذا في : صحيح البخاري ٤ : ١٩٠٢ / ح ٤٦٨٧ ، وصحيح مسلم ١ : ١٩٣ / ح ٢٠٨ ـ والآية ٢١٤ من سورة الشعراء.

(٢) صحيح مسلم ٤ : ١٨٧٣ / ح ٢٤٠٨.

(٣) سنن الترمذي ٥ : ٦٦٣ / ح ٣٧٨٨.

٣٦٩

مع وصيته الأخرى في أهل بيته صلى‌الله‌عليه‌وآله لمّا حضرته الوفاة ، ومنعِ عمر كتابةَ ذلك الكتاب ، بدعوى أنّ النبيّ غلبه الوجع وعندنا كتاب الله (١).

وقول ابن عباس : الرزية كلّ الرزية ما حال بين رسول الله وبين كتابه!! (٢)

وقول عمر لابن عباس : إنّ رسول الله أراد أن يَذْكُرَه للأمر في مرضه ، فصددتُه عنه خوفاً من الفتنة وانتشار أمر الإسلام! فعلم رسول الله ما في نفسي وأمسك ، وأبى الله إلّا إمضاءَ ما حتم! (٣)

فإذا جمعنا كلّ ذلك عرفنا مغزى حذف الحيعلة الثالثة وإضافة الصلاة خير من النوم مكانها!

يضاف إلى ذلك ما جاء في (الطبقات الكبرى) لابن سعد عن جابر بن عبدالله الأنصاري قوله : لمّا كان في مرض رسول الله الذي تُوفّيَ فيه دعا بصحيفة ليكتب فيها لأمّته كتاباً لا يضلون ، قال : فكان في البيت لَغَطٌ وكلام ، وتكلّم عمر بن الخطاب ، قال : فرفضه النبيّ ... (٤).

__________________

(١) صحيح البخاري ١ : ٥٤ / ح ١١٤ ـ من كتاب العلم باب كتابة العلم ، وكتاب المغازي باب مرض النبيّ ووفاته ٣ : ٣١٧ / ح ٨٧١ و/ ح ٨٧٢ ، وكتاب المرض والطب باب قول المريض : قوموا عنّي ٥ : ٢١٤٦ / ح ٥٣٤٥ ، وكتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة باب كراهية الخلاف ٦ : ٢٦٨٠ / ح ٦٩٣٢.

(٢) صحيح البخاري ١ : ٥٤ / ح ١١٤ ، ٤ : ١٦١٢ / ح ٤١٦٩ ، ٥ : ٢١٤٦ / ح ٥٣٤٥ ، ٦ : ٢٦٨٠ / ح ٦٩٣٢.

(٣) شرح نهج البلاغة ١٢ : ٧٩ ، بحار الأنوار ٣٠ : ٥٥٥ ـ الطعن الأوّل.

(٤) الطبقات الكبرى ٢ : ٢٤٣ ، وفي مسند أحمد ٣ : ٣٤٦ / ح ١٤٧٦٨ أنّ النبيّ دعا عند موته بصحيفة ليكتب فيها كتاباً لا يضلون بعده ، قال : فخالف عليه عمر بن الخطاب حتّى رفضها. بل سعى هو وأنصاره من الأمويين أن يضعوا ما يضادّه ، فجاء في : مسند أحمد ٨ : ١١٥ ، وكنز العمال ٦ : ٢٦٤ عن عائشة قولها : لمّا ثقل رسول الله قال لعبد الرحمن بن أبي بكر : اِئْتِني بكتف ولوح حتى

٣٧٠

فنحن لو جمعنا هذه النصوص مع ما جاء عن ابن عباس وأنّ عمر بن الخطاب سأل ابنَ عبّاس في أوائل حكومته عمّا في نفس عليّ بن أبي طالب بقوله : أيزعم أنّ رسول الله نَصَّ عليه؟

أجابه ابن عباس : نعم ، وأزيدك : سألت أبي عمّا يدعيه (أي من أمر الخلافة) فقال : صدق.

قال عمر : لقد كان من رسول الله في أمره ذَرْوٌ من قول لا يُثْبت حجّة ولا يقطع عذراً ، ولقد كان يَرْبَعُ في أمره وقتاً ما ، ولقد أراد في مرضه أن يصرّح باسمه فمنعتُ عن ذلك اشفاقاً وحيطة على الإسلام ... فعلم رسول الله أنّي علمت ما في نفسه فأمسك (١).

وقال العيني في (عمدة القاري) : واختلف العلماء في الكتاب الذي همّ النبيّ بكتابته ، فقال الخطابي : يحتمل وجهين : أحدهما أنّه أراد أن ينصّ على الإمامة من بعده فترتفع تلك الفتن العظيمة كحرب الجمل وصفين ... (٢).

وقال العيني في مكان آخر : نسبة مثل هذا إلى النبيّ (أي الهَجْر) لا يجوز ، لأنّ وقوع مثل هذا الفعل عنه صلى‌الله‌عليه‌وآله مستحيل لأنّه معصوم في كلّ حالة في صحّته ومرضه ، لقوله تعالى : (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى) (٣) ، ولقوله : إني لا أقول في الغضب والرضىٰ إلّا حقاً.

__________________

أكتب لأبي بكر كتاباً لا يُختلَف عليه! فلمّا ذهب عبد الرحمن ليقوم قال : أبى الله والمؤمنون إلّا أن يختلف عليك يا أبابكر!

(١) شرح نهج البلاغة ١٢ : ٢١ عن أحمد بن أبي طاهر (ت ٢٨٠ هـ) في كتابه : تاريخ بغداد في أخبار الخلفاء والأمراء وأيّامهم.

(٢) عمدة القاري ٢ : ١٧١.

(٣) النجم : ٣.

٣٧١

وقد تكلّموا في هذا الموضع كثيراً ، وأكثره لا يجدي ، والذي ينبغي أن يقال : انّ الذين قالوا «ما شأنه أهَجَرَ ، أو : هَجَرَ!» بالهمزة وبدونها ، هم الذين كانوا قريبي العهد بالإسلام ، ولم يكونوا يبالون بأنّ هذا القول لا يليق أن يقال في حقّه ، لأنّهم ظنّوا أنّه مثل غيره من حيث الطبيعة البشرية ، إذا اشتدّ الوجع على واحد منهم تكلّم من غير تحرٍّ في كلامه ، ولهذا قالوا : استفهموه ، لأنّهم لم يفهموا مراده.

ومن أجل ذلك وقع بينهم التنازع حتّى أنكر عليهم النبيّ بقوله : «ولا ينبغي عند نبي التنازع» ، وفي الرواية الماضية «ولا ينبغي عندي تنازع». ومن جملة تنازعهم ردُّهم عليه ، وهو معنى قول الراوي : «فذهبوا يردّون عليه» (١).

قال الغزالي : ولما مات رسول الله قال قبل وفاته بيسير : اِئْتوني بدواة وبياض لأكتب لكم كتاباً لا تختلفوا فيه بعدي. فقال عمر : دَعُوا الرجل فإنّه لَيهجر!! (٢)

فنحن لو جمعنا هذه النصوص بعضها إلى بعض ، وعرفنا وفاة الصدّيقة الزهراء وهي واجدة على أبي بكر وعمر (٣) في القضية المعروفة ، وكذلك هجوم عمر على باب بيتها وإسقاط جنينها وغير ذلك من المظالم التي جرت عليها ، لعرفنا سرّ ترك الظالمين لـ «برّ فاطمة» ، وترك الدعوة للولاية والبِرّ بـ «حيّ على خير العمل».

وفي المقابل عرفنا أيضاً معنى ما قاله الإمامان الباقر والصادق عليهما‌السلام بأنّ «حيّ على خير العمل» هو برّ فاطمة ووُلدها.

__________________

(١) عمدة القاري ١٨ : ٦٢.

(٢) سر العالمين : ١٨.

(٣) أنظر : صحيح البخاري ٣ : ١١٢٦ ـ باب فرض الخُمس / ح ٢٩٢٦ ، وفيه : فهجَرَت أبا بكر فلم تزل مُهاجرتَه حتّى تُوفِّيت ، و ٤ : ١٥٤٩ ، باب غزوة خيبر / ح ٣٩٩٨ ، شرح النهج ٦ : ٥٠.

٣٧٢

إنّ وقوف الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله كلّ يوم على باب فاطمة الزهراء ولمدة ستّة أشهر بعد نزول آية التطهير ، وقوله لأهل بيت الرسالة : «الصلاةَ الصلاة ، إنّما يريد الله ليُذهب عنكم الرجس أهلَ البيت ويطهّركم تطهيراً» (١) لَيؤكّد على وجود ترابط بين التوحيد والنبوة والإمامة في كلّ شيء ، وكأنّ الرسول هو حلقة الوصل والرابط بين ركني التوحيد والعترة في قوله تعالى : (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ) (٢).

وعمر بن الخطاب ومِن قَبله أبوبكر ، وأئمّة النهج الحاكم كانوا قد عرفوا هذا الارتباط بين الرسول وأهل بيته في المنظومة الدينية ، وأنّ ولاية الإمام عليّ هي خير العمل ، وأنّ ضربته يوم الخندق تعدل عبادة الثقلين (٣) ، وأنّ آية المباهلة والتطهير وسورة الدهر وقوله عزّ وجلّ : (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا) (٤) ، وغيرها من عشرات الآيات أنّها نزلت في عليّ وفي أهل بيته ، فَسَعَوا إلى تحريف المسائل المرتبطة بالعترة واضعين مكانها مسائل تخصّ المخالفين ، وإليك بعض التحريفات في الأذان ناهيك عن تحريفاتهم الأخرى في عموم الشريعة.

__________________

(١) الدر المنثور ٦ : ٦٠٦ ، أخرجه ابن جرير وابن مردويه عن أبي الحمراء ، تفسير الطبري ٢٢ : ٦ ، الاستيعاب ٤ : ١٥٤٢ / ت ٢٦٩١ لهلال بن الحمراء ، المطالب العالية ١٥ : ١٢٤ / ح ٣٦٨٦ ، شرح الأخبار ٣ : ٤ / ح ٩١٥.

(٢) الأحزاب : ٣٣.

(٣) المواقف ٣ : ٦٢٨ ، شرح المقاصد ٢ : ٣٠١ ، وجاء في الفردوس بمأثور الخطاب ٣ : ٤٥٥ / ح ٥٤٠٦ ، والمستدرك على الصحيحين ٣ : ٣٤ / ح ٤٣٢٧ قول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : «لَمبارزةُ علي بن أبي طالب لعَمرو بن وَدّ يومَ الخندق أفضلُ من أعمال أمّتي إلى يوم القيامة» ، وكذا في : كشف الغمة ١ : ١٤٨ ، وانظر : شرح النهج ١٩ : ٦٠.

(٤) المائدة : ٥٥.

٣٧٣

التحريفات في خصوص الأذان

لو ألقى الباحث نظرة سريعة على أخبار الأذان عند الفريقين ، وما يرتبط به من مباحث كمبحث الإسراء والمعراج (١) ، لوقف على عمق الخلاف الفكري بين النهجين والتحريفات الواقعة فيه.

فأغلب الجمهور يعتبرون تشريع الأذان كان مَناميّاً ، رآه أحد الصحابة ـ عبدالله بن زيد ، أو عمر بن الخطاب ، أو أُبيّ بن كعب أو غيرهم ـ ثمّ أخذ عنه بلال ذلك الأذان بأمر رسول الله.

أمّا أهل البيت عليهم‌السلام فيرون تشريعه في الإسراء والمعراج ويسخّفون ذاك الرأي ويبدّعونه.

فالذين اعتبروه مناماً من الأمويين وغيرهم كانوا يريدون أن يشكّكوا أو يقلّلوا من قيمة الرؤيا التي أراها الله لنبيّه في بني أميّة وأنّهم يَنْزون على منبره الشريف نزو القردة (٢) ، وذلك ما نزل فيه قوله تعالى : (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ) (٣).

كما أنّ القائلين بالتشريع المنامي ـ من أهل الرأي الأموي ـ سعوا للتقليل من مكانة الإسراء والمعراج وقالوا بأنّه كان بالروح لا بالجسد ، أي أنّه كان في المنام لا في اليقظة ، مستدلّين بما روته عائشة وطَبَّل له معاوية!!

__________________

(١) والذي مرّ في المجلّد الأوّل من هذه الدراسة (حي على خير العمل).

(٢) مسند أبي يعلى ١١ : ٣٤٨ ح ٦٤٦١ ، المطالب العالية ١٨ : ٢٧٩ ، مجمع الزوائد ٥ : ٢٤٤ ، تاريخ الخلفاء ١ : ١٣ ، وغيره.

(٣) الإسراء : ٦٠.

٣٧٤

ولا ينطلي على الباحث المحقق أنّ الأمويين وقفوا أمام انتشار ذكر محمّد وآله في الأذان والتشهد والخطبة ، بل في كلّ شيء.

وحرّفوا مكان الإسراء من شِعب أبي طالب (١) ، أو من بيت خديجة (٢) ، أو من بيت أمّ هاني بنت أبي طالب (٣) أخت الإمام عليّ ، فجعلوه من بيت عائشة ، وأغفلوا وجود اسم الإمام علي ضمن المضطجعين مع النبيّ عند العروج أو البعثة ، وغيّروا اسم الإمام علي الموجود على ساق العرش إلى أبي بكر كما جاء في رواية القاسم بن معاوية الذي قال للصادق عليه‌السلام : هؤلاء يَرْوُون حديثاً في معراجهم أنّه لمّا أُسريَ برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله رأى على العرش : «لا إله إلّا الله ، محمّد رسول الله ، أبو بكر الصدّيق».

فقال : سبحان الله!! غيّروا كلّ شيء ، حتّى هذا!

قلت : نعم.

فقال الصادق عليه‌السلام ـ ما ملخصه ـ انّ الله تعالى لمّا خلق العرش ، والماء ، والكرسي ، واللوح ، وإسرافيل ، وجبرائيل ، والسماوات والأرضين ، والجبال ، والشمس ، والقمر ، كتب على كلّ منها : «لا إله إلّا الله ، محمّد رسول الله ، عليّ أمير المؤمنين» ، ثمّ قال عليه‌السلام : فإذا قال أحدكم : لا إله إلّا الله ، محمّد رسول الله ، فليقل : عليّ أمير المؤمنين وليُّ الله (٤).

__________________

(١) فتح الباري ٧ : ٢٠٤ ، الدر المنثور ٥ : ٢٢٧.

(٢) التفسير الكبير للرازي ٤ : ١٦ ، المجموع للنووي ٩ : ٢٣٥ ، شرح الازهار ١ : ١٩٩.

(٣) تفسير الطبري ١٥ : ٢ ، الدر المنثور ٥ : ٢٠٩ ، فتح الباري ٧ : ٢٠٤.

(٤) أنظر الاحتجاج ١ : ٢٣١ ، بحارالأنوار ٢٧ : ١ ـ ٢ / ح ١.

٣٧٥

وما رواه القاسم بن معاوية عن الإمام الصادق عليه‌السلامـ وكذلك رواه العامة في مصادرهم عن أنس بن مالك حيث قال ـ قال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله : لما عُرِج بي رأيت على ساق العرش مكتوباً : «لا إله إلّا الله ، محمّد رسول الله ، أيّدته بعليّ ، ونصرته بعليّ» (١).

وعن جابر بن عبدالله الأنصاري قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : مكتوب على باب الجنة قبل أن يخلق الله السماوات والأرض بألفي عام «لا إله إلّا الله ، محمّد رسول الله ، أيّدته بعلي» (٢).

وعن أبي الحمراء ـ خادم الرسول ـ قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : لمّا أُسريَ بي إلى السماء نظرت إلى ساق العرش الأيمن فإذا عليه : «لا إله إلّا الله ، محمّد رسول الله ، أيّدته بعليّ ، ونصرته بعليّ» (٣).

وعن الإمام الصادق عليه‌السلام قال : إنّا أوّل أهل بيت نَوَّه الله بأسمائنا ، إنّه لمّا خلق السماوات والأرض أمر منادياً فنادى : أشهد أن لا إله إلّا الله ـ ثلاثاً ، أشهد أنّ محمّداً رسول الله ـ ثلاثاً ، أشهد أنّ عليّاً أمير المؤمنين حقّاً ثلاثاً (٤).

وكنّا قد وضّحنا في المجلّد الأول من موسوعة (الأذان بين الأصالة والتحريف) بأنّ أطروحة كون حقيقة الأذان منامية وليست سماوية هي أطروحة أمويّة طرحت

__________________

(١) الدر المنثور ٥ : ٢١٩ ، الخصائص الكبرى للسيوطي ١ : ١٣ ، تاريخ دمشق ٤٢ : ٣٦٠ والنص منه.

(٢) تاريخ دمشق ٤٢ : ٣٣٦ ، شواهد التنزيل ١ : ٢٩٦ ح٣٠٢ ، كنز العمال ١١ : ٢٨٧ / ح ٣٣٠٤٢.

(٣) المعجم الكبير ٢٢ : ٢٠٠ / ح ٢٥٦ ، تاريخ دمشق ١٦ : ٤٥٦ و ٤٢ : ٣٣٦ ، ٣٦٠ ، حلية الأولياء ٣ : ٢٧ ، معجم الصحابة ٣ : ٢٠٢ / ت ١١٨٠ لأبي الحمراء السلمي.

(٤) الكافي ١ : ٤٤١ / ح ٨.

٣٧٦

بعد صلح الإمام الحسن عليه‌السلام ، وكانت تهدف إلى استنقاص الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله الكرام ، لأنّ أوّل نصّ وصلنا في هذا السياق كان في عهد معاوية ، وهو لسفيان بن الليل الذي قال :

لمّا كان من أمر الحسن بن عليّ ومعاوية ما كان ، قدمتُ عليه المدينة وهو جالس في أصحابه ... فتذاكرنا عنده الأذان ، فقال بعضهم : إنّما كان بدء الأذان برؤيا عبدالله بن زيد ، فقال له الحسن بن عليّ : إنّ شأن الأذان أعظم من ذلك ، أذَّن جبرائيل في السماء مثنىً مثنى وعلّمه رسولَ الله ... (١).

وجاء عن الإمام الحسين عليه‌السلام أنّه سُئل عن هذا الأمر كذلك فقال : الوحي يتنزّل على نبيّكم وتزعمون أنّه أخذ الأذان عن عبدالله بن زيد؟! والأذان وَجْهُ دينكم (٢).

وجاء عن أبي العلاء قال : قلت لمحمد بن الحنفية : إنّا لنتحدث أنّ بدء هذا الأذان كان من رؤيا رآها رجل من الأنصار في منامه ، قال : ففزع لذلك محمّد بن الحنفية فزعاً شديداً وقال : عَمَدتم إلى ما هو الأصل في شرائع الاسلام ومعالم دينكم ، فزعمتم أنّه إنّما كان من رؤيا رجلٍ من الأنصار في منامه ، تحتمل الصدق والكذب ، وقد تكون أضغاث أحلام؟!

قال : فقلت : هذا الحديث قد استفاض في الناس؟

__________________

(١) نصب الراية ١ : ٢٦١ ، المستدرك ٣ : ١٨٧ / ح ٤٧٩٨ ، وأورده الجصّاص في : أحكام القرآن ٤ : ١٠٣ ـ باب الأذان من طريق آخر.

(٢) دعائم الاسلام ١ : ١٤٢ ، وأنظر : مستدرك الوسائل ٤ : ١٧ ـ الباب ١ / ح ١.

٣٧٧

قال : هذا واللهِ هو الباطل ، ثمّ قال : ... (١)

وفي (الكافي) خاطب الإمام الصادق عمرَ بن أُذينة بقوله : يا عمر بن أُذينة ، ما تروي هذه الناصبة؟

قال : قلت : جُعِلت فداك في ماذا؟

قال : في أذانهم وركوعهم وسجودهم.

فقلت : إنّهم يقولون : إنّ أُبيّ بن كعب رآه في النوم.

قال : كذبوا! فانّ دين الله عزّ وجلّ أعزّ من أن يُرى في النوم ... (٢).

* * *

نستخلص ممّا سبق عدّة أمور :

أحدها : أهميّة مسألة الإمامة في المعتقد الإسلامي ، وأنّها منحة ربّانية وليس سلطةً تكون لمن غلب ، سواء كان الغالب فاسقاً أم مؤمناً ـ كما يقولون ـ فالله تعالى يقول : (... وَمِنْ ذُرِّيَتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) (٣).

ثانيها : أنّ جملة «حيَّ على خير العمل» هي جزء الأذان ، وكان يؤتى بها على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وأبي بكر شطراً من عهد عمر.

ثالثها : أنّ جملة «حيّ على خير العمل» في الأذان ترمز إلى الإمامة حسب تعبير

__________________

(١) السيرة الحلبية ٢ : ٣٠٠ ، أمالي أحمد بن عيسى ١ : ٩٠ ، الاعتصام بحبل الله ١ : ٢٧٧ ، والنصّ والاجتهاد : ٣٣٧ ـ عن : السيرة الحلبية.

(٢) الكافي ٣ : ٤٨٢ ـ باب النوادر / ح ١ ، وعلل الشرائع ٢ : ٣١٤ ـ باب علل الوضوء والأذان / ح ١ ـ عنه : بحار الأنوار ١٨ : ٣٥٤ / ح ٦٦ و ٧٩ : ٢٣٩ / ح ١.

(٣) البقرة : ١٢٤.

٣٧٨

الإمام الباقر عليه‌السلام (١) والإمام الصادق عليه‌السلام (٢) والإمام الكاظم عليه‌السلام (٣) ، وقد فهم هذا المعنى بعض الصحابة ومنهم عمر بن الخطاب ؛ إذ مر عليك قول عمر لابن عباس :

«هل بقي في نفس علي شيء من أمر الخلافة» ، وكذا قوله لابن عباس أيضاً : «أراد [أي النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله] أن يذكره [أي يذكر عليّاً عليه‌السلام] للأمر [أي للخلافة] في مرضه فصددته عنه خوفاً من الفتنة ....».

إذن المانعون لحي على خير العمل كانوا لا يريدون أن يكونَ حثٌّ على الولاية ودعاء إليها حسب تعبير الإمام الكاظم عليه‌السلام ، أي أنّ الظالمين أرادوا دفع الخلافة عن الإمام علي ووُلده فسعوا إلى رفع كل ما يمتّ إلى الإمامة بصلة ومنه الحيعلة الثالثة في الأذان.

رابعها : أكّدت النصوص المارّة عن الزيدية والاسماعيليّة والإماميّة بأنّ عمر ابن الخطاب حذف جملة «حيّ على خير العمل» من الأذان لارتباطها بالإمامة بالنحو الذي بيّناه ، وفي كلام القوشجي والتفتازاني من العامة ما يشير إلى هذا المخطط ، حيث نَقَلا أنّه منع معها متعة النساء ومتعة الحج اللَّتَينِ كان يجوزهما الإمام علي عليه‌السلام.

خامسها : وجود ترابط بين الشهادات الثلاث والحيعلات الثلاث في الأذان ، والتأكيد في القرآن والسنّة على الولاية : لله ، ولرسوله ، ولأهل بيته وعلى رأسهم أمير

__________________

(١) معاني الأخبار : ٤٢ ـ باب معنى حروف الأذان والإقامة / ح ٣ ، علل الشرائع : ٣٦٨ ـ الباب ٨٩ / ح ٥ ـ عنهما : بحار الأنوار ٨١ : ١٤١ / ح ٣٥ ، فلاح السائل : ١٥ ، الأذان بحيّ على خير العمل : ١٣٥ / ح ١٦٩.

(٢) التوحيد للصدوق : ٢٤١ ـ الباب ٣٤ / ح ٢ ـ عنه : بحارالأنوار ٨١ : ١٣٤.

(٣) علل الشرائع : ٣٦٨ ـ الباب ٨٩ / ح ٤ ـ عنه : بحارالأنوار ٨١ : ١٤٠ / ح ٣٤٤.

٣٧٩

المؤمنين علي عليه‌السلام ، وإنّ هذا التأكيد حدا بمرضى النفوس لأن يحسدوا أهل البيت على ما آتاهم الله من فضله.

وإنّ جملة «حي على خير العمل» التي تعني برّ فاطمة ووُلْدها ، يفسّرها موقف الظالمين من فاطمة وإيذاؤهم لها وإسقاطهم محسناً ـ كما قلنا قبل قليل ـ وإنّ هؤلاء كانوا هم أنفسهم وراء حذف الحيعلة الثالثة الدالة على الإمامة ، وإنّ الزهراء سلام الله عليها ماتت وهي واجدة على أبي بكر وعمر حسب رواية البخاري الآنفة الذكر (١).

إذا اتّضح هذا أمكن أن يقال بأنّ وضع جملة «الصلاة خير من النوم» من قِبل عمر بن الخطاب جاء في سياق ترسيخ قواعد خلافة أبي بكر ، لأنّ نفسه التحررية في الاجتهاد في مقابل النص من جهة ، ومحاولة دفع ولاية أهل البيت من جهة أخرى ، ودفاعه المستميت عن خلافة أبي بكر من جهة ثالثة.

كلّ هذا دعاه إلى أن يقول بهذا الأمر ، وقد يكون من الصعب القبول بهذا الاحتمال لأنّه مُبْتَنٍ على دليل غير منصوص ، لكنَّ مجموع القرائن والملابسات تجعله قريباً من المعقول على بُعده عند من لا يرتضيه ، إذ قد يلحظ العقل السنخية بين الرفع والوضع في مثل هذه الأمور ، فبما أنّ عمر رفع الحيعلة الثالثة ـ حسب النصوص السابقة ـ كي لا يكون هناك دعاءٌ إليها وحثّ عليها ، فلا يُستبعَد أن يضع «الصلاة خير من النوم» للدلالة على خلافة أبي بكر ؛ لأنَّ ذلك محور النزاع بين

__________________

(١) صحيح البخاري ٣ : ١١٢٦ ـ باب فرض الخمس / ح ٢٩٢٦ ، و ٤ : ١٥٤٩ ـ باب غزوة خيبر / ح ٣٩٩٨.

٣٨٠