الصّلاة خير من النوم شرعة أم بدعة

السيد علي الشهرستاني

الصّلاة خير من النوم شرعة أم بدعة

المؤلف:

السيد علي الشهرستاني


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مؤسسة المؤمل الثقافية
الطبعة: ٠
الصفحات: ٤٨٠

الروح بالبدن ، بل عدم جدوائية ظاهر طاعة الله ورسوله مع إبطان بغض عليّ عليه‌السلام وآله ، فصلاة الجمعة والعيدين مثلاً لا تَجبان إلّا عند حضور الإمام المعصوم أو من نَصَبَه الإمام (١).

وكذا الأراضي المفتوحة عنوةً ، هي مشروطة بإذن المعصوم ، وكذلك تقسيم السبايا وأحكام الفروج والغنائم ، وإقامة الحدود ، وتحليل الخمس للشيعة لتطيب مواليدهم ، مع غيرها من عشرات الأحكام المنوطة بإذن الإمام.

ومثلها لزوم ذكر أسماء الأئمّة في خطب الجمعة ، وإجمال ذكر أسمائهم في تشهّد الصلاة بذكر جملة : «اللَّهمَّ صَلِّ على محمّدٍ وآل محمّد».

فما تعني هذه الأمور؟ بل ماذا يعني المرويّ عنهم عليهم‌السلام : «الجمعة لنا والجماعة لشيعتنا»؟ (٢) أو قوله عليه‌السلام : «لا صلاة يوم الفطر والأضحى إلّا مع إمام» (٣).

فهل هناك تلازم بين الإمامة ومسائل الفقه ، أم الأمر جاء عفوياً وغير ملحوظ فيه هذا الأمر؟

بل لماذا لا تصح صلاة الجماعة إلّا بإمام عادل عندنا؟ وما السرّ في أن يكون المقدَّم والأَولى في إمامة الجماعة هاشميّاً؟

ولماذا يؤكّد الشارع على الإمامة في كلّ شيء حتّى لو كانوا ثلاثة فلابدّ أن يكون أحدهم إماماً؟

بل ماذا تعني العدالة في إمام الجماعة عند الإماميّة وعدم جواز الصلاة خلف

__________________

(١) انظر : وسائل الشيعة ٧ : ٣٠٩ ـ الباب ٥.

(٢) أنظر : جواهر الكلام ١١ : ١٥٨ ، نقله عن رسالة ابن عصفور.

(٣) وسائل الشيعة ٧ : ٤٢١ ـ الباب ٢ / ح ٢.

٣٤١

الفاسق الفاجر؟ وهل هذه المسألة تشير إلى مسالة جوهرية عندهم؟ ألا تدلّ كلّ هذه الأمور على مكانة الإمامة وأنّها إمامة اجتماعية ودينية ، تؤخذ أصولها من القرآن والسنّة؟

بل على أيّ شيء يدلّ قوله تعالى : (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ) (١)؟!

وماذا يعني إِخبار الباري سبحانه بأنّه وملائكته يصلّون على النبيّ في قوله تعالى : (إِنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (٢)؟!

فسبحانه لم يخبرنا عن ماضي فعله وأنّه قد صلّى على النبيّ في الزمن الغابر ، بل أخبرنا عمّا هو وملائكته فيه ، وأنّهم يصلّون على النبيّ في الحال والمستقبل إلى قيام يوم الدين.

ولم يكتف سبحانه وتعالى بهذا ، بل أمرنا أن نصلّي عليه وأن نُسَلِّم للأئمّة عليهم‌السلام (٣) ، وذلك بقوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً).

والصحابة كانوا يعرفون السلام على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ولا يعرفون الصلاة عليه ، فسألوه صلى‌الله‌عليه‌وآله عن ذلك ، جاء في مسند أحمد عن أبي مسعود عقبة بن عمرو ، قال : «أقبل

__________________

(١) الانشراح : ٤.

(٢) الأحزاب : ٥٦.

(٣) كما ورد في تفسيرَي : القمي ٢ : ١٩٦ و ١ : ١٤٢ ، وفرات الكوفي : ٣٤٢ / ح ٤٦٧ ، وانظره في : تفسير العياشي : ٢٥٥ / ح ١٨٢ ، والاحتجاج ١ : ٣٧٧ ، ومعاني الأخبار : ٣٦٧ / ح ١ ، والمحاسن ١ : ٢٧١ / ح ٣٦٣ ، وغير هذه المصادر.

٣٤٢

رجل حتّى جلس بين يدي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ونحن عنده ، فقال : يا رسول الله ، أمّا السلام عليك فقد عرفناه ، فكيف نصلّي عليك إذا نحن صلّينا في صلاتنا صلّى الله عليك؟

قال : فصمت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله حتّى أحببنا أنّ الرجل لم يسأله ، فقال : إذا أنتم صلّيتم عَلَيَّ فقولوا : وعلى آل محمّد كما صلّيت على إبراهيم وآل إبراهيم ، وبارك على محمّد النبيّ الأمّي كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ، إنّك حميد مجيد» (١).

إذن ، من خلال بيان رسول الله والآية القرآنيّة نعرف أنّ الله سبحانه صلّى عليهم وأمرنا بالصلاة عليهم في الصلاة وفي غيرها ، بل نهانا الرسول عن الصلاة عليه بالصلاة البتراء (٢) ، بأن نذكره ولا نذكر آله معه.

وهذا يعني أنّ الصلاة على النبي وآله غدت من الضروريات في الأحكام

__________________

(١) مسند أحمد ٤ : ١١٩ ، وانظروه في : صحيح البخاري ٣ : ١٢٣٣ ، عن كعب بن عجره و ٥ : ٢٣٣٨ / ح ٥٩١٦ ، سنن ابن ماجة ١ : ٢٩٣ / ح ٩٠٤ ، سنن الترمذي ٢ : ٥٢ ـ ٣٥٣ الباب ٣٥١ / ح ٣٤٨٣ ، سنن النسائي ٣ : ٤٧ ، ٩ الباب ٥٠ / ح ١٢٨٦ ، ١٢٩٣ مسند أحمد ٣ : ٤٧ ، ٤ : ٢٤١.

(٢) أورده الطحاوي في : حاشيته على مراقي الفلاح ١ : ٨ من دون ذكر الإسناد ، وأخرج الدارقطني والبيهقي حديث : مَن صلى عَليّ ولم يُصلِّ على أهل بيتي لم تُتقبَّل منه ، انظر : مقدَّمّة مسند الإمام زيد : ٣٣ ، ورواه أبو القاسم حمزة بن يوسف بن إبراهيم السهمي (ت ٤٣٧) في : تاريخ جرجان : ١٤٨ ـ طـ حيدر آباد : حدثنا أبو إبراهيم إسماعيل بن إبراهيم العلوي بواسط ، حدثنا الحسن بن الحسين الجرجاني الشاعر ، حدثني أحمد بن الحسين ، حدثني الفضل بن شاذان النَّيسابوري بإسناد له] ويبدأ من الإمام الرضا عن آبائه [رفعه عن علي بن الحسين ، عن أبيه ، عن جده ، قال : إنّ الله فرض على العالم الصلاةَ على رسول الله وقرَنَنا به ، فمَن صلّى على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ولم يُصَلِّ علينا لقيَ اللهَ وقد بتر الصلاة عليه وترك أوامره.

٣٤٣

الشرعية والأدعية المأثورة وزيارات المعصومين ، وهو لَيؤكّد على مكانتهم ومنزلتهم في المنظومة الإلهية ، وهذا ما جزم به الإمام الشافعي في قوله :

يا أهــل بيتِ رســـول الله حُبُّـكُمُ

فَــرْضٌ من اللهِ في القـــرآنِ أنزلَـــهُ

كفاكُمُ من عــــظيمِ القَدْرِ أَنَّــكُـمُ

من لم يُصَلِّ عليكم لا صلاةَ لَهُ (١)

أجل ، إنّ الرسول الأعظم سأل جبرئيل عن كيفيّة رفع الذِّكر في قوله تعالى : (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ) ، فقال جبرئيل : قال الله : «إذا ذُكِرْتُ ذُكِرْتَ معي» (٢).

وفي (دفع الشبه عن الرسول) للحصني الدمشقي في قوله تعالى : (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ) قال ابن عباس رضي الله عنهما : «المراد الأذان والإقامة ، والتشهّد ، والخطبة على المنابر ، فلو أنّ عبداً عبد الله وصدّقه في كلّ شيء ولم يشهد أنّ محمّداً رسول الله لم يُسمَع منه ولم يَنتفع بشيء ، وكان كافراً!» (٣).

وقال ابن كثير في (البداية النهاية) : «(وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ) ، فليس خطيب ولا شفيع ولا صاحب صلاة إلّا ينادي بها : أشهد أن لا إله إلّا الله ، وأنّ محمّداً رسول الله ، فقَرَن الله اسمه باسمه في مشارق الأرض ومغاربها ، وجعل ذلك مفتاحاً للصلاة المفروضة» (٤).

__________________

(١) ديوان الشافعي ، مرقاة المفاتيح ١ : ٦٧ ، إعانة الطالبين ١ : ١٧١

(٢) دفع الشُّبَه عن الرسول للحصني : ١٣٤.

(٣) دفع الشبه عن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله : ١٣٤.

(٤) البداية والنهاية ٦ : ٢٨٣ ـ باب القول فيما أُعطيَ إدريس عليه‌السلام ، إمتاع الأسماع ٤ : ١٩٤.

٣٤٤

أبوبكر وأهل البيت

روى السيوطي عن ابن مَردَوَيه ، عن أنس بن مالك وبريدة قالا : «قرأ رسول الله هذه الآية (فِي بُيُوت أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ) فقام إليه رجل فقال : أيّ بيوت هذه يا رسول الله؟ قال : بيوت الأنبياء. فقام إليه أبو بكر فقال : يا رسول الله ، هذا البيتِ منها ـ وأشار إلى بيت عليّ وفاطمة ـ ، قال : نعم ، مِن أفاضلها» (١).

وعن أبي جعفر الباقر عليه‌السلام أنّه قال : «هي بيوت الأنبياء ، وبيت عليّ منها» (٢).

فماذا يعني أن يأذن الله برفع اسمه في بيت عليّ وفاطمة ، وعلى أيّ شيء يدلّ ذلك؟ ألا يدلّ هذا على رتبة لعلي وفاطمة هي من جنس رتبة الأنبياء؟! ثمّ ألا يدلّ هذا على السيادة والإمامة لهم من بعد رسول الله؟!

ولقائلٍ أن يقول : إنّ هذه الروايات هي روايات شيعية!

فنجيبهم : ماذا تقولون فيما رواه البخاري بإسناده عن أبي بكر وقوله : «ارقبوا محمّداً في أهل بيته» (٣) ، وعلى أيّ شيء يدلّ هذا الخطاب من أبي بكر للناس ؛ خاصّة إذا ضُمّ إليه ما ورد في أهل البيت عليهم‌السلام عن الله ورسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله؟

قال ابن حجر : «فالمراقبة للشيء : المحافظة عليه ، ومعنى قول الصديق : اِحفَظُوه فيهم فلا تُؤذوهم ولا تُسيئوا إليهم» (٤).

__________________

(١) الدر المنثور ٦ : ٢٠٣ ، تفسير الثعلبي (الكشف والبيان) ٧ : ١٠٧.

(٢) تفسير القمي ٢ : ١٠٤ ـ عنه : بحار الأنوار ٢٣ : ٣٢٧ / ح ٦.

(٣) صحيح البخاري ٣ : ١٣٦١ ـ فضائل الصحابة ، باب مناقب قرابة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله / ح ٣٥٠٩.

(٤) فتح الباري ٧ : ٧٩ ـ باب مناقب قرابة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله.

٣٤٥

وقال النووي : «ومعنى (ارقبوا) راعوه واحترموه وأكرموه» (١).

ألم يكن في تأكيد الله على الصلاة على الرسول والآل دلالةٌ واضحة على قربهم من الله ؛ بل إمامتهم المطلقة كما جزم بذلك الاقترانُ بين الكتاب وأهل البيت على ما هو صريح حديث الثقلين؟!

مِن هذا المنطلق نقرأ وصيّة أبي بكر : «ارقبوا محمّداً في أهل بيته» (٢) ؛ فنحن لا نشكّ في أنّه يعلم جيّداً مكانة أهل البيت السماوية عند الله ورسوله ، يرشدك إلى ذلك إصرار أبي بكر على الاعتذار من فاطمة لترضى عنه ، لكنّها صلوات الله عليها ماتت وهي واجدة عليه وعلى عمر ـ كما في البخاري (٣) ـ ولم يُصَلِّ عليها أبو بكر ولم يُؤْذَنْ هو ولا عمر بحضور جنازتها ، وذلك بوصية منها (٤).

ومن ذلك قوله أيضاً : «ليتني لم أكشف عن بيت فاطمة» (٥).

فهذا وما سبقه ، لو ضُمَّ إلى ما رواه مسلم وغيره عن زيد بن أرقم الذي قال : «قام رسول الله يوماً فينا خطيباً بماء يُدعى خُمّاً بين مكة والمدينة ، فحَمِد الله وأثنى عليه ووعظ وذَكَّر ثمّ قال :

__________________

(١) رياض الصالحين للنووي : ٨١ ـ الباب ٤٣ / ح ٣٤٧.

(٢) انظر : صحيح البخاري ٣ : ١٣٦١ / ح ٣٥٠٩ ، ٣ : ١٣٧ / ح ٣٥٤١.

(٣) صحيح البخاري ٤ : ١٥٤ / ح ٢٩٩٨ ، وانظر أيضاً في ٣ : ١١٢٦ / ح ٢٩٢٦ ، وفيه : فغضبت فاطمة بنت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فهجرت أبا بكر ، فلم تزل مُهاجرته حتى تُوفِّيت.

(٤) صحيح البخاري ٤ : ١٥٤٩ / ح ٣٩٩٨ ، مصنف عبدالرزاق ٥ : ٤٧٢ / ح ٩٧٧٤.

(٥) انظر : تاريخ اليعقوبي ٢ : ١٣٧ ، وفيه قول أبي بكر آسفاً عند احتضاره : ليتني لم أُفتش بيت فاطمة بنت رسول الله وأُدخله الرجالَ ولو كان أُغلِق على حرب ، وشرح النهج ٢ : ٤٧ و ٢٠ : ٢٤ والمتن عنه.

٣٤٦

«أمّا بعد ، ألا أيّها الناس ، فإنّما أنا بشر يُوشِك أن يأتي رسولُ ربّي فأُجيب ، وأنا تارك فيكم ثقلين : أوّلهما كتاب الله فيه الهدى والنور ، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به» ، فحثَّ على كتاب الله ورغب فيه ، ثمّ قال : وأهلُ بيتي ، أُذكّركمُ اللهَ في أهل بيتي ، أذكّركم الله في أهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي ...» الحديث (١).

لَثبت أنّ أبابكرٍ كان يعرف مكانة أهل البيت الدينية ، وقد خاف من عقبى مخالفته إيّاهم ، لوقوفه على قول النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله : «فاطمة بَضعةٌ منّي ، فمن أغضبها أغضبني» (٢) ، والباري جلّ وعلا يقول في كتابه العزيز : (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً) (٣).

كما وقف على قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : «إنّ الله يغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها» (٤) ، وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله لفاطمة : «يا فاطمة ، إنّ الله عزّوجلّ لَيغضب لغضبكِ ، ويرضى لرضاكِ» (٥).

__________________

(١) صحيح مسلم ٤ : ١٨٧٣ ، مسند أحمد ٤ : ٣٦٦ ، سنن البيهقي ٢ : ١٤٨.

(٢) صحيح البخاري ٣ : ١٣٦١ / ح ٣٥١٠ ، ٣ : ١٣٧٤ / ح ٣٥٥٦ ، مصنف ابن أبي شيبة ٦ : ٣٨٨ / ح ٣٢٢٦٩. وفي نص آخر في : صحيح البخاري ٥ : ٢٠٠٤ / ح ٤٩٣٢ ، صحيح مسلم ٢ : ١٩٠٢ / ح ٢٤٤٩ ، سنن أبي داود ٢ : ٢٢٦ / ح ٢٠٧١ ، سنن ابن ماجة ١ : ٦٤٢ / ح ١٩٩٨ ، سنن الترمذي ٥ : ٦٩٨ / ح ٣٨٦٧ ، الأحاديث المختارة ٩ : ٣١٥ / ح ٢٧٥ : فإنّما هي بَضعة منّي ، يُريبني ما أرابها ، ويُؤذيني ما آذاها.

(٣) الأحزاب : ٥٧.

(٤) كنز العمال ١٢ : ٥١ / ح ٣٤٢٣٧ ، الديلمي عن الإمام علي.

(٥) معجم أبي يعلى ١ : ١٩٠ / ح ٢٢٠ ، مستدرك الحاكم ٣ : ١٦٧ / ح ٤٧٣٠ ، قال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، مجمع الزوائد ٩ : ٢٠٣ ، قال رواه الطبراني واسناده حسن.

٣٤٧

وفي (صحيح البخاري) قول النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله : «فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني» (١).

فمَن كانت لها هذه المنزلة بحيث إنّ الله يغضب لغضبها ويرضى لرضاها يكون إيذاؤها وإغضابها يؤذي اللهَ ويغضبه ، فكان على أبي بكر أن يوصي بأن (يرقبوا محمداً في أهل بيته).

وهذا هو معنى قول الإمام الباقر عليه‌السلام في معنى «حيَّ على خير العمل» أنّه برّ فاطمة وولدها.

قال النووي عند شرحه لهذا الحديث : «قال العلماء : سُمِّيا ثقلَين لِعِظمهما وكِبَر شأنهما ؛ وقيل : لِثقل العمل بهما» (٢).

«واتّباع القرآن واجب على الأمّة ، بل هو أصل الإيمان ، وهُدَى الله الذي بعث به رسوله ، وكذلك أهل بيت رسول الله ، تجب محبتهم وموالاتهم ورعاية حقهم ، وهذان الثقلان اللذان وصّى بهما رسول الله» (٣).

قال ابن تيمية في (مجموع الفتاوى) : «وكذلك آل بيت النبي (٤) لهم من الحقوق ما يجب رعايتها ، فإنّ الله جعل لهم حقاً في الخُمس والفيء ، وأمر بالصلاة عليهم في الصلاة على رسول الله» (٥).

قال فخر الدين الرازي : «جعل الله تعالى أهل بيت النبيّ مُساوِين له في خمسة أشياء :

__________________

(١) صحيح البخاري ٣ : ٣٧٤ كتاب فضائل الصحابة ـ باب مناقب فاطمة عليها‌السلام / ح ٣٥٥٦.

(٢) شرح صحيح مسلم للنووي ١٥ : ١٨٠.

(٣) هذا كلام ابن تيمية في : مجموع الفتاوى ٢٨ : ٤٩١ ، كما في : العقيدة في أهل البيت بين الإفراط والتفريط للدكتور السحيمي ١ : ٢٢٥.

(٤) اضافة «آل» الى «البيت» غلط (انظر مفردات غريب القرآن للراغب).

(٥) مجموع الفتاوى ٣ : ٤٠٧.

٣٤٨

أحدها : المحبة ، قال الله تعالى : (فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ) (١) ، وقال لأهل بيته : (قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) (٢).

والثانية : تحريم الصدقة ؛ قال صلى‌الله‌عليه‌وآله : لا تحلّ الصدقة لمحمّد ولا لآل محمّد ، إنّما هي أوساخ الناس.

والثالثة : الطهارة ؛ قال الله تعالى : (طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى) (٣) أي يا طاهر ، وقال لأهل بيته : (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرا) (٤).

والرابعة : في السلام ؛ قال : «السلام عليك أيّها النبيّ» ، وقال لأهل بيته : (سَلاَمٌ عَلَى إِلْ‌يَاسِينَ).

والخامسة : في الصلاة على النبيّ وعلى الآل في التشهّد» (٥).

ألا تدلّ هذه المقارنات والمساواة بين النبي وأهل بيته على كون بعضهم من بعض ، وأنّ لهم منزلة من الله لا ينالها غيرهم من هذه الأمة؟!

ولذلك صرّح أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بذلك قائلاً : «لا يُقاس بآل محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله من هذه الأُمّة أَحَدٌ» (٦).

__________________

(١) آل عمران : ٣١.

(٢) الشورى : ٢٣.

(٣) طه : ١ ـ ٢.

(٤) الأحزاب : ٣٣.

(٥) نقل كلام الفخر الرازي هذا : ابن حجر الهيثمي الشافعي في : الصواعق المحرقة ٢ : ٤٣٦ ـ ٤٣٧ ، والمناوي الشافعي في : فيض القدير ٢ : ١٧٤ ، والزرندي الحنفي في : نظم درر السمطين : ٢٣٩ ـ ٢٤٠ ، والقندوزي الحنفي في : ينابيع المودة ٢ : ٤٣٥

(٦) نهج البلاغة ١ : ٣٠ / خ ٢.

٣٤٩

وقد خلطهم النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله بنفسه فقال : «نحن أهلُ بيتٍ لا يُقاس بنا أحد» (١).

وقال الإمام الصادق عليه‌السلام : «إنّا أهلُ بيتٍ لا يقاس بنا أحد» (٢) ، ومثله ورد عن الإمام الباقر عليه‌السلام (٣).

وردّ ابن قدامة قول مَن أنكر سهم ذوي القربى فقال : «فهو مخالف لظاهر الآية ، فإنّ الله تعالى سمّى لرسوله وقرابته شيئاً ، وجعل لها (أي القرابة) في الخمس حقّاً كما سمّى للثلاثة الأصناف الباقية ، فمَن خالف ذلك فقد خالف نصّ الكتاب» (٤).

وقال ابن حزم ـ في من قال بعدم استحقاق ذوي القربى ـ : «هذه الأقوال في غاية الفساد لأنّها خلاف القرآن نصّاً وخلاف السنن الثابتة» (٥).

وقال ابن قدامة : «لا نَعْلَمُ خلافاً في أنّ بني هاشم لا تحلّ لهم الصدقة المفروضة» (٦).

وقال النووي : «إنّ الزكاة حرام على بني هاشم وبني المطلب بلا خلاف» (٧).

والآن : لماذا لا تحلّ الصدقة على آل محمّد؟ (٨) بل هي محرمة عليهم.

ولماذا يميزهم الله ورسوله عن غيرهم من المسلمين؟

__________________

(١) ذخائر العقبى للمحبّ الطبري الشافعي : ١٧.

(٢) معاني الأخبار : ١٧٩ / ح ٢.

(٣) نوادر المعجزات : ١٢٤.

(٤) انظر : المغني لابن قدامة ٦ : ٣١٥.

(٥) انظر المحلى ٧ : ٢٢٦.

(٦) المغني ٢ : ٢٧٤.

(٧) المجموع ٦ : ٢١٨.

(٨) صحيح مسلم بشرح النووي ٧ : ١٧٩ ـ كتاب الزكاة ، باب ترك استعمال آل النبي على الصدقة.

٣٥٠

وما هو الترابط بين محمّد وآله؟

وماذا تعني رواية البخاري «أما علمتَ أنّ آل محمّد لا يأكلون الصدقة» (١). ألا تدلّ هذه النصوص على منزلتهم العالية في المنظومة الإلهية والتشريع الإسلامي؟!

قال النووي : قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : «إنّما هي أوساخ الناس» تنبيه على العلة في تحريمها على بني المطّلب ، وأنّها لكرامتهم وتنزيههم عن الأوساخ ، ومعنى أوساخ الناس أنّها تطهير لأموالهم ونفوسهم كما قال الله تعالى : (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِها) (٢) فهي كغُسالة الأوساخ (٣).

وعليه ، فكلّ هذه النصوص المارّة والأحكام الفقهية التي أشرنا إلى بعضها لَتدلّ على عظمة هذا البيت الشريف ، وأنّ لهم سماتٍ لا تكون عند الآخرين ، حتّى أنّ أبابكر كان يعلم بالصلة الموجودة بين أهل البيت وبيوت الأنبياء ، وإلّا لا معنى لأن يسأل أبو بكر عن بيت علي وفاطمة هل هو من بيوت الأنبياء ، إلّا أن يكون سؤاله منطوياً على معرفته بمكانتهما وأنّها من وزانٍ واحدٍ عند ربّ العالمين.

فكما أنّ النظر إلى الكعبة عبادة (٤) ، ففي الخبر أيضاً : «النظر إلى وجه عليّ عبادة» (٥).

__________________

(١) صحيح البخاري مع الفتح ـ كتاب الزكاة ، باب أخذ صدقة التمر ٢ : ٥٤١ / ح ١٤١٤.

(٢) التوبة : ١٠٣.

(٣) شرح صحيح مسلم للنووي ٧ : ١٧٩.

(٤) أخبار مكة للأزرقي ٢ : ٨ عن يونس بن خبّاب و ٢ : ٩ عن مجاهد ، أخبار مكة للفاكهي ١ : ٢٠٠ عن مكحول ، الفردوس بمأثور الخطاب ٤ : ٢٩٣ / ح ٦٨٦٤ عن عائشة.

(٥) المعجم الكبير ١٠ : ٧٦ ، المستدرك للحاكم ٣ : ١٥٢ / ح ٤٦٨١ قال : هذا حديث صحيح الإسناد وشواهده عن عبدالله بن مسعود صحيحة ، مجمع الزوائد ٩ : ١١٩ ، قال : رواه الطبراني وفيه أحمد بن بديل اليامي ، وثّقه ابن حبان وقال : مستقيم الحديث ، وابن أبي حاتم قال : وفيه ضعف

٣٥١

وكما أنّ لرسول الله أن يبيت جُنُباً في المسجد ، فلِعليٍّ أن يبيت جُنُباً في المسجد أيضاً (١).

فهذه الأمور تؤكّد وجود خصوصية ومكانة عُليا لعلي بن أبي طالب لا تكون لغيره من الصحابة ، وهذا هو الذي بُيِّن في كلام الإمام الرضا عن جدّه الإمام الباقر عليه‌السلام في تفسير قوله تعالى : (فِطْرَتَ الله الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) (٢) أنّه قال : «هو لا إله إلّا الله ، محمّد رسول الله ، عليّ أميرالمؤمنين ، إلى هاهنا التوحيد» (٣).

وفيما أخرجه الكليني بسنده عن أبي بصير عن أبي جعفر الباقر عليه‌السلام في قوله تعالى : (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً) (٤) قال : «هي الولاية» (٥).

وفي رواية أخرى في (الكافي) : «أَثافيُّ الإسلام ثلاثة : الصلاة والزكاة والولاية ، لا تصحّ واحدة منهنّ إلّا بصاحبتَيها» (٦).

__________________

وبقية رجاله رجال الصحيح ، تاريخ دمشق ٤٠ : ٩ ، ٤٢ : ٣٣٥ ـ ٣٥٥ ، رواه عن عدة من الصحابة منهم : أبو بكر ، عثمان بن عفان ، ابن مسعود ، مُعاذ بن جبل ، جابر بن عبدالله ، أنس بن مالك ، ثوبان ، حُمران بن الحصين.

(١) عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لعلي : يا عليّ ، لا يحل لأحد يُجنب في هذا المسجد غيري وغيرك. سنن الترمذي ٥ : ٦٣٩ / ح ٣٧٢٧ عن أم سلمة قالت : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : لا ينبغي لأحدٍ أن يجنب في هذا المسجد إلّا أنا وعلي ، المعجم الكبير ٢٣ : ٣٧٣ / ح ٨٨١ ، تخريج الأحاديث والآثار ١ : ٣٢٥ / ح ٣٣٣.

(٢) الروم : ٣٠.

(٣) تفسير القمي ٢ : ١٥٥ ، وانظر بحار الأنوار ٣ : ٢٧٦ باب (الدين الحنيف والفطرة وصبغة الله).

(٤) الروم : ٣٠.

(٥) الكافي ١ : ٤١٩ / ح ٣٥ ، تفسير القمي ٢ : ١٥٤ ، وفي بيان ذلك انظر كتابنا : أشهد أنّ عليّاً ولي الله : ٤٧٦.

(٦) الكافي ٢ : ١٨ ـ باب دعائم الاسلام / ح٤.

٣٥٢

فما علاقة التوحيد بولاية عليّ عليه‌السلام؟

وكيف تكون ولاية عليّ هي الوسيلة الوحيدة للمعرفة الحقّة للتوحيد؟

الجواب : إنّ طاعة الإمام عليّ عليه‌السلام والإقرار له بالولاية يستلزمان الإقرار الصحيح والاعتقاد السليم بالرسول والرسالة وبالتوحيد والعبودية لله.

والقيامُ بالحنيفية في قوله تعالى : (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً) هو إقامة الوجه لله عبر الولاية والإقرار لوليّ الله ، ولا يصلح أحدهما أن يحلّ محلّ الآخر ، وذلك لا يُتَصوَّر إلّا أن يقال بأنّ الولاية هي الصراط المستقيم للنبوّة والمنهج القويم للتوحيد ، وهو معنى آخر لما خلّفه رسول الله في أمّته من خلال حديث الثقلين ، وكونهم عليهم‌السلام حبلَ الله الذي أُمرنا بالاعتصام به (١).

وليس هو كما يلقيه الخصم من أنّ الشيعة تعتقد بأنّ الولاية هي أهمّ من الشهادتين ، لما روي عن أبي جعفر الباقر قوله : «بُنيَ الإسلام على خمس : الصلاة والصوم والزكاة والحجّ والولاية ، ولم يُنادَ بشيء كما نُوديَ بالولاية» (٢).

فأئمة أهل البيت أجابوا عن هذا بأنّه لا يتقدّم على الشهادتين شيء ـ لا الولاية ولا غيرها ـ ، بل إنّ أمر الشهادتين مفروغ عنه ، ومعنى : «بُني الإسلام على خمس» أي إنّ الإسلام المؤلَّف من الشهادتين قد بُنيَ على ركائز خمس هي الصلاة ، الصوم ، الزكاة ، الحج ، الولاية ، وانّ الولاية أفضلها ، وما نودي بشيء كالولاية ، لأنّها امتداد للنبوّة لا أنّها قبال النبوّة والتوحيد ـ كما يُصَوِّر بعضهم ـ فلا

__________________

(١) انظر : تفسير القمي ١ : ١٠٨ والأمالي للشيخ الطوسي : ٢٧٢ ـ المجلس ١٠ / ح٥١٠ ، وتفسير العيّاشي ١ : ١٩٤ / ح١٢٢ و ١٢٣.

(٢) المحاسن ١ : ٢٨٦ / ح ٤٢٩ ـ باب الشرائع ، والكافي ٢ : ١٨ ـ باب دعائم الاسلام / ح ١ و ٣ و ٨.

٣٥٣

يمكن معرفة الله إلّا بالنبيّ ولا يمكن معرفة النبيّ والله جلّ جلاله معرفةً مقبولة صالحة إلّا بالإمام المفترض الطاعة.

إذن الاعتقاد بالإمامة لا يُترك بحال ، بل لا يمكن تصوّر ذلك ؛ فالإمامة ليست كالصلاة والصوم والزكاة والحجّ التي قد يرخّص في تركها في ظروف خاصّة.

فالحائض مثلاً تترك الصلاة ، والمريض معفوّ عن الصوم ، والزكاة والحج ساقطان عن الفقير وغير المستطيع ، أمّا الولاية فهي واجبة على المكلف سواءً كان صحيحاً أم مريضاً ، وذا مال أم معسراً. وهذا ما قاله الإمام الباقر عليه‌السلام توضيحاً لهذه المسألة (١).

مضادة قريش مع الرسول وآله

أجل ، إنّ قريشاً سعت بكلّ قواها للوقوف أمام دين الإسلام ، لكنّ الله أبى إلّا أن يتمّ نوره ويرفع ذِكرَ محمّد وآل محمّد ولو كره الكافرون الذين (يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ) (٢) ، وقد جئنا أكثر من مرّة في بحوثنا بقول معاوية بن أبي سفيان وقوله لمّا سمع المؤذن يشهد بأن لا إله إلّا الله وأنّ محمّداً رسول الله : «إلّا دفناً دفناً» ، كلّ ذلك محادّةً منه لقوله تعالى : (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ) (٣) ، ومحاولة لطمس هذا الذكر الشريف.

فهم حسدوا أهل البيت لما آتاهم الله من الفضل ، كما في تفسير قوله تعالى :

__________________

(١) يراجع : الخصال : ٢٧٨ / ح٢١ باب الخمسة ، بسنده عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر الباقر عليه‌السلام.

(٢) التوبة : ٣٢.

(٣) الانشراح : ٤.

٣٥٤

(أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِه) (١) والتي نزلت في عليّ عليه‌السلام وما خصّ به من العلم (٢).

وعن أبي جعفر الباقر عليه‌السلام في نص آخر : «نحن الناس المحسودون على ما آتانا اللهُ من الإمامة دون خَلقِ الله أجمعين» (٣).

وروى الحاكم النيسابوري بإسناده إلى أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : «والذي نفسي بيده ، لا يُبغضنا أهلَ البيت أحد إلّا أدخله الله النار» (٤).

بعد هذا العرض السريع نقول : لو جمعنا بين الآيتين القرآنيتين : (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ) (٥) وقوله تعالى : (فِي بُيُوت أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ الله وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ) (٦) والتي قال الإمام الباقر عليه‌السلام في تفسيرها : «نحن أولئك» (٧) ...

مع المروي عن أبي جعفر الباقر عن آبائه عليهم‌السلام عن جدّه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قوله للإمام عليّ عليه‌السلام : «وما أكرمني الله بكرامة إلّا وقد أكرمك بمِثلها» (٨) ...

__________________

(١) النساء : ٥٤.

(٢) شرح نهج البلاغة ٧ : ٢٢٠.

(٣) الكافي ١ : ٢٠٥ / ح ١.

(٤) المستدرك للحاكم ٣ : ١٦٢ / ح ٤٧١٧ قال : حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم ولم يخرجاه ، وسكت عنه الذهبي في (تلخيصه) وأورده في (السِّير ٢ : ١٢٣ ـ ترجمة فاطمة بنت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله).

(٥) الانشراح : ٤.

(٦) النور : ٣٦ ، ٣٧.

(٧) الكافي ٦ : ٢٥٦ ـ باب ما ينتفع به من الميتة ... / ح ١.

(٨) أمالي الصدوق : ٥٨٣ ـ المجلس الرابع والسبعون / ح ١٣.

٣٥٥

مع المروي من طرق أبناء العامّة عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قوله للإمام عليّ عليه‌السلام : «أُحبّ لك ما أحبّ لنفسي ، وأكره لك ما أكره لنفسي» (١).

وعرفنا معنى رفع الذِّكر مِن قِبل الله ، وكون بيت علي وفاطمة عليهما‌السلام من تلك البيوت المرفوعة ، وأنّ الأنبياء والأوصياء هم الذين رفع الله ذكرهم ، وبهم يُعرَف الله ...

لَعرَفنا أنّ الله تعالى رفع ذكر الرسول وأهل بيته رغم حسد الحاسدين وكيد الكائدين ، وما من مكرمة لرسول الله إلّا وهي ممنوحة لعلي أيضاً باستثناء النبوّة كما يشير إليه حديث المنزلة : «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه ليس نبيّ بعدي» (٢) ... وغيرها من الأحاديث الصحيحة والمعتبرة وحتّى المرسلة كمرسلة الاحتجاج : «من قال : محمّد رسول الله ، فليقل : عليّ أميرالمؤمنين» (٣) ، لأنّ علي بن أبي طالب هو نفس رسول الله بشهادة نصّ آية المباهلة ، وأخوه بنص حديث المؤاخاة.

وبذلك يكون ذكرهم هو من ذكر الله كما جاء صريحاً في موثقة أبي بصير عن أبي عبد الله [الصادق] أنّه قال : «ما اجتمع في مجلس قوم لم يذكروا الله عزّ وجلّ ولم يذكرونا إلّا كان ذلك المجلس حسرةً عليهم يوم القيامة» ، ثمّ قال [قال] أبوجعفر : «إنّ ذِكرنا مِن ذِكر الله ، وذكر عدوّنا من ذكر الشيطان» (٤).

__________________

(١) سنن الترمذي ٢ : ٧٢ / ح ٢٨٢ ، السنن الكبرى للبيهقي ٣ : ٢١٢ / ح ٥٥٨١ ، مصنف عبدالرزاق ٢ : ١٤٤ / ح ٢٨٣٦ ، مسند احمد ١ : ١٤٦ / ح ١٢٤٣.

(٢) صحيح البخاري ٤ : ١٦٠٢ / ح ٤١٥٤ ، صحيح مسلم ٤ : ١٨٧٠ / ح ٢٤٠٤ وفيه : إلّا أنّه لا نبيّ بعدي.

(٣) الاحتجاج ١ : ٢٣١.

(٤) الكافي ٢ : ٤٩٦ / ح ٢ ـ باب ما يجب من ذكر الله في كل مجلس و ١٨٦ / ح ١ ـ باب تذاكر الإخوان ، وسائل الشيعة ٧ : ١٥٢ / ح٨٩٨١.

٣٥٦

وقال الإمام الحسن عليه‌السلام لمعاوية لما استنقص عليّاً وحاول الحط من ذكره : «أيّها الذاكر عليّاً ، أنا الحسن وأبي عليّ ، وأنت معاوية وأبوك صخر ، وأمّي فاطمة وأمّك هند ، وجدّي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وجدّك حرب ، وجدّتي خديجة وجدّتك قتيلة ، فلعن الله أخمَلَنا ذِكراً ، وألأمَنا حَسَباً ، وشرّنا قَدَماً ، وأقدمنا كفراً ونفاقاً» ، فقال طوائفُ من أهل المسجد : «آمين» (١).

والعقيلة زينب عليها‌السلام قد أشارت إلى هذه الحقيقة أيضاً لدى مخاطبتها يزيد بقولها : «كِدْ كيدك ، واسْعَ سعيك ، واجهد جهدك ، فوَ اللهِ الذي شرّفنا بالوحي والكتاب ، والنبوّة والانتخاب ، لا تُدرِك أَمَدَنا ، ولا تَبلُغ غايتنا ، ولا تمحو ذِكرَنا ، ولا تميت وحينا ، ولا يُرْحَضُ عنك عارُها ...» (٢).

إذن ، سعى القومُ لإطفاء نور الله وتحريف الشريعة ، بضرب جذورها ـ وهم الأئمّة مفاتيح معرفة التوحيد والنبوّة والقرآن ـ ، لكنّ الله أتمّ نوره وأكرم نبيّه بكرامات كثيرة.

وقد مَرَّ عليك دلالة القرآن الكريم والحديث النبويّ الشريف وأدعية المعصومين على التقارن الطولي بين اسمه تبارك وتعالى واسم نبيّه واسم أوصيائه ، ومنه قوله تعالى : (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) (٣).

__________________

(١) مقاتل الطالبيين : ٤٦ ، شرح نهج البلاغة ١٦ : ٤٧.

(٢) الاحتجاج ٢ : ٣٧ ـ عنه : بحار الأنوار ٤٥ : ١٦٠.

(٣) نزلت في الإمام عليّ عليه‌السلام ، انظر : تفسير الطبري ٦ : ٢٨٦ ، تفسير القرطبي ٦ : ٢٢١ ، مرقاة المفاتيح ١١ : ٢٤٦ ، شرح المقاصد في علم الكلام للتفتازاني ٢ : ٢٨٨ قال : نزلت باتّفاق المفسرين في علي ابن أبي طالب. وهي الآية ٥٥ من سورة المائدة.

٣٥٧

وقوله تعالى : (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ) (١).

وقوله تعالى : (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِن شَيْء فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى) (٢).

وقوله تعالى : (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) (٣).

وغيرها عشرات الروايات بل مئات الروايات من كتب جميع فرق المسلمين.

إذن هناك ترابط طولي بين الولايات الثلاث ـ لله ولرسوله ولأولي الأمر الذين ذكرهم الله في كتابه وعلى لسان نبيّه ـ فلا يمكن لأحد أن يعرف الله حقّ معرفته غير رسوله وأهل بيته المعصومين ، ولا يعرف النبيَّ صلى‌الله‌عليه‌وآله أحدٌ حقّ معرفته إلّا الله وأهل البيت ، ولا يعرف أهل البيت حقّ معرفتهم إلّا الله ورسوله ، فجاء في مختصر (بصائر الدرجات) عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قوله : «يا علي ، ما عرف الله إلّا أنا وأنت ، وما عرفني إلّا الله وأنت ، وما عرفك إلّا الله وأنا» (٤).

وفي (كتاب سليم بن قيس) عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : «يا علي ، ما عُرف الله إلّا بي ثمّ بك ، مَن جحد ولايتك جحد اللهَ ربوبيتَه» (٥).

__________________

(١) النساء : ٥٩.

(٢) الأنفال : ٤١.

(٣) التوبة : ١٠٥.

(٤) مختصر بصائر الدرجات : ١٢٥.

(٥) كتاب سليم بن قيس : ٣٧٨ ـ عنه : بحار الأنوار ٢٢ : ١٤٨ / ح ١٤١.

٣٥٨

إذن فأهل البيت عليهم‌السلام مذكورون في القرآن الحكيم والسنّة المطهّرة ، وقد بُنيت أحكام فقهية تدور مدارهم خاصّة بهم ، تشريفاً لهم ، وتعظيماً لحقّهم ، كما في الخمس وغيره ؛ لأنّهم كما قال الإمام علي عليه‌السلام : «نحن الشعار والأصحاب ، والخزنة والأبواب ، ولا تُؤتى البيوت إلّا من أبوابها ، فمَن أتاها من غير أبوابها سُمِّي سارقاً» (١).

ومن هذا المنطلق لا نستبعد أن يكون أئمّة النهج الحاكم قد سعوا في تحريف كلّ ما يَمتّ إليهم عليهم‌السلام بِصلةٍ في الشريعة والتاريخ ، ثمّ الإتيان بما يشابهه في آخرين ، لأنّ من المعلوم أنّ الأشياء القيّمة والثمينة يحاك ويصنع ما يشابهها وعلى مِثلها ، كما في هذا المورد الذي نحن بصدد دراسته.

إمامة أهل البيت في الأذان

وعليه ، فموضوع الإمامة لم يكن من الأمور الاجتماعية البسيطة التي يناط أمرها إلى الناس ، بل هي من المواضيع الأساسية المهمّة في بناء الدين : أصولاً وفروعاً ، مظهراً وجوهراً ، فموضوعنا هو دراسة جملتين مرتبطتين بموضوع الإمامة بنحو من الأنحاء :

إحداهما : ما تلهج به الشيعة الإمامية وتَدين به تبعاً لرسول الله وجملة من الصحابة وجميع أهل البيت ، وهي جملة : «حيَّ على خير العمل».

وثانيتهما : ما يلهج به أبناء العامّة تبعاً للمحكي عندهم عن رسول الله ، والمشكوك النسبة إلى بلال وأبي محذورة ، وهي جملة : «الصلاة خير من النوم».

__________________

(١) من كلام لأمير المؤمنين عليه‌السلام ، انظر : نهج البلاغة / الخطبة ١٥٤.

٣٥٩

فنريد هنا أن نسلّط الضوء على ما تنطوي عليه هاتان الجملتان من معنى عقائدي ، وبالإضافة إلى التفسير الشرعي المتضمَّن فيهما ؛ إذ ما المقصود من جملة «حيّ على خير العمل» ...

وهل هي الولاية والإمامة والدعوة إلى بِرّ فاطمة ووُلدها عليهم‌السلام حقّاً ـ كما جاء في بعض الأخبار (١) ـ ، أم هي الصلاة والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأشباهها؟

بل ماذا تعني جملة «الصلاة خير من النوم» ، هل تعني ما يفهمه الجميع ، أم فيها معنى باطن مكنون يُقابل ما جاء عن أهل البيت في تفسير معنى «حيّ على خير العمل»؟ والتفسير المكنون لم يَبُحْ به الخصم بل يجب اكتشافه.

وبعبارة أوضح : هل الألف واللام في «الصلاة» وفي «النوم» في جملة : «الصلاة خير من النوم» هي لجنس الصلاة والنوم ، أم إنّ «الألف» و «اللام» للعهد ؛ أي لصلاة خاصّة ونوم خاص معهودَين عندهم؟

ثمّ ما هو سرّ حذف الحيعلة الثالثة «حيَّ على خير العمل» واستبدالها في أذان الصبح خاصّة بـ «الصلاة خير من النوم» ، ولماذا لا تستبدل بجملة غير هذه الجملة؟

وهل هناك دافع مطويٌّ في تشريعها للصبح خاصّة دون الأوقات الأخرى كالظهر والعصر والمغرب والعشاء؟

__________________

(١) التوحيد للشيخ الصدوق : ٢٤١ ـ الباب ٣٤ / ح ٢ ، معاني الأخبار : ٤١ / ح ١ ، مناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب ٣ : ١٠٧ ـ عنه : بحار الأنوار ٤٣ : ٤٤ / ح ٤٤.

٣٦٠