الصّلاة خير من النوم شرعة أم بدعة

السيد علي الشهرستاني

الصّلاة خير من النوم شرعة أم بدعة

المؤلف:

السيد علي الشهرستاني


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مؤسسة المؤمل الثقافية
الطبعة: ٠
الصفحات: ٤٨٠

٢. مؤذّنان :

الكلّ يعلم انْ كان هناك إعلامان فلابدّ من أن يُميَّز أحدهما عن الآخر حتّى لا يقع اللبس بينهما ، والمؤذّنون على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أربعة ، كما يقولون :

أهمّهم وأشهرهم : بلال الحبشي.

وثانيهم : عمرو بن قيس بن زائدة القرشي العامري ، ويقال اسمه عبد الله ، واسمه الأوّل أكثر وأشهر ، والمعروف بـ «ابن أمّ مكتوم» ، وهو ابن خال خديجة بنت خويلد ، وهو الأعمى المذكور في القرآن في قوله : (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى) (١) ، هاجر إلى المدينة قبل مقدم النبيّ ، واستخلفه صلى‌الله‌عليه‌وآله على المدينة ثلاث عشرة مرّة ، شهد القادسية وقُتِل بها شهيداً ، قال الواقدي : رجع من القادسية إلى المدينة فمات ، ولم يُسمَع له بذكر بعد عمر بن الخطّاب (٢).

وثالثهم : سَمُرة ـ أو أوس أو سلمة أو سلمان ـ بن معير بن لوذان بن وهب ، المعروف بـ «أبي محذورة» ، وهذا هو الذي رُويت عنه أخبار التثويب والترجيع ، وقد عرّفناه قليلاً في مقدّمة هذه الدراسة.

ورابعهم : سعد بن عائذ القرظ ، قال أبو عمر بن عبد البرّ :

__________________

(١) عبس : ١ ـ ٢.

(٢) تهذيب الكمال ٢٢ : ٢٦ ـ ترجمة عمرو بن زائدة ، وانظر إرشاد الساري ٢ : ١٢ أيضاً.

٣٠١

جعله رسول الله مؤذّناً بقُبا ، فلمّا مات رسول الله وترك بلال الأذان نقل أبوبكر سعد القرظ هذا إلى مسجد رسول الله ، فلم يزل يؤذّن فيه إلى أن مات ، وتوارث عنه بنوه الأذان فيه إلى زمان مالك بن أنس وبعده أيضاً.

وقيل : إنّ الذي نقله من قبا إلى المدينة للأذان هو عمر بن الخطّاب.

وقال يونس بن يزيد عن الزهري : أخبرني حفص بن عمر بن سعد أنّ جدّه كان يؤذّن على عهد رسول الله لأهل قبا حتّى انتقله عمر بن الخطّاب في خلافته وأذّن له بالمدينة في مسجد النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله (١).

وبما أنّ أبا محذورة كان يؤذّن بمكّة وسعد القرظ بقبا ـ كما قالوا ـ فقد انحصر الأذان بالمدينة ببلال الحبشي وابن أُمّ مكتوم.

وحيث ثبت عن بلال أذانه بـ «حيّ على خير العمل» وعدم تأذينه للشيخين ، وأنّ الشيخين أتيا بسعد القرظ من قبا ـ لمّا امتنع بلال من الأذان لهما ـ لكي يؤذّن في مسجد النبيّ ، فمعنى كلّ ذلك : أنّ بلالاً الحبشي لم يؤذّن بـ «الصلاة خير من النوم» التي ابتُدِعَت في عهد الشيخين ، والتي تبنّاها الأمويون لاحقاً. وأنت قد وقفتَ في الكتاب الأوّل من هذه المجموعة «حيَّ على خير العمل الشرعية والشعارية» على أنّ الأذان بهاتين «الحيعلة الثالثة والتثويب» صارتا شعاراً سياسيّاً للحكومات التي تلت عصر الرسالة.

فالحكومات الموالية لأهل البيت عليهم‌السلام كانت تجهر بالحيعلة الثالثة في أذانها مع توضيح معناها بأنّها تعني الولاء لمحمّدٍ وآل محمّد.

__________________

(١) تهذيب الكمال ١٠ : ٢٧٦.

٣٠٢

أمّا الحكومات السنّية فقد كانت تكتفي بإزاحة الحيعلة الثالثة عن الأذان وتصرّ على الإتيان بالتثويب مكانها في الصبح خاصّة.

فلا يُستبعَد بعد هذا أن تُنسب إلى بلال أُمور لم يقلها؛ دعماً لموقفهم الفقهي.

بل الأنكى والأشدّ من كلّ ذلك هو إصرارهم على جعل بلال مؤذّنَ الليل ، ناسبين لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قوله : إنّ بلالاً يؤذّن بليل ، فكلوا واشربوا حتّىٰ يؤذّن ابن أُمّ مكتوم فأمسكوا. هذا ما حكاه النووي في «المجموع» قائلاً : ولم يكن بينهما إلّا أن ينزل هذا ويرقى هذا ، رواه البخاري ومسلم من رواية ابن عمر وعائشة ، وهذا لفظ مسلم (١).

قالوا بذلك وهم يعلمون بكراهة أذان الأعمى ، وأنّ بلالاً هو المؤذّن لرسول الله في جميع الأوقات ، فلماذا يبعدونه عن الأذان في الصبح خاصّة؟!

إنّ وراء هذا شيئاً يجب كشفه وتوضيحه.

في (التلخيص الحبير) ، المطبوع مع (المجموع) : حديث أنّ النبيّ كان له مؤذّنان : بلال وابن أُمّ مكتوم ، متّفق عليه من حديث القاسم عن عائشة.

وروى ابن السكن والبيهقي من حديث عائشة أنّه كان له ثلاثة مؤذّنين ، ذكرهما مع أبي محذورة.

وجمع بينهما البيهقي بأنّ الأوّل المراد به بالمدينة ، والثاني المراد به بانضمام مكّة.

قلت : وعلى هذا كان ينبغي أن يصيروا أربعة ، لأنّ سعد القرظ كان يؤذّن له بقبا حسب بعض الأخبار.

__________________

(١) المجموع ٣ : ١٠٥.

٣٠٣

وروى الدارمي وغيره في حديث أبي محذورة أنّ النبيّ أمر نحواً من عشرين رجلاً فأذّنوا (١).

وفي (فتح الباري) لابن رجب : وروى وكيع في كتابه عن إسرائيل ، عن جابر ، عن عامر : كان لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ثلاثة مؤذّنين : بلالٌ وأبو محذورة وابن أُمّ مكتوم ، فإذا غاب واحدٌ أذّن الآخر. وقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : لقد هممتُ أن أجعل المؤذّنين ستّةً. قال : فإذا أُقيمت الصلاة اشتدّوا في الطرق ، فآذنوا الناس بالصلاة.

هذا مرسلٌ ضعيف؛ فإن جابراً هو الجعفي.

وأبو محذورة لم يكن يؤذّن للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله بالمدينة.

ثمّ أتى ابن رجب بعد ذلك بما خرّجه البيهقي في (سننه) عن عائشة أنّها قالت : كان للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ثلاثة مؤذّنين : بلال ، وأبو محذورة ، وابن أُمّ مكتوم.

وقال : قال أبوبكر ـ يعني ابن إسحاق ـ : هو صحيح.

وليس كما قال ابن إسحاق.

هذا في كتاب ابن أبي شيبة «المصنَّف».

والصحيح : حديث وكيع ، عن إسرائيل ، عن جابر الجعفي ، عن الشعبي مرسلاً.

وروى الإمام أحمد : ثنا إسماعيل : ثنا يونس بن أبي إسحاق ، عن أبي إسحاق ، عن الأسود ، عن عائشة قالت : كان للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله مؤذّنانِ : بلال وعمرو بن أُمّ مكتوم. وهذه الرواية أصحّ.

__________________

(١) التلخيص الحبير ٣ : ١٩٩ ، وانظر ص ١٢٣ كذلك.

٣٠٤

وخرّج الدارقطني من رواية أولاد سعد القرظ ، عن آبائهم عن جدّهم سعد ، أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله قال له : يا سعد ، إذا لم تَرَ بلالاً معي فأذّن. وفي إسناده ضعف (١).

إذن ، فالمؤذّنان في المدينة وفي مسجد رسول الله هما اثنان : بلال وابن أُمّ مكتوم ، لا ثالث لهما ، إذ إنّ أبا محذورة كان يؤذّن بمكّة ، وسعد القرظ بقبا.

والآن ، وبعد هذه المقدّمة البسيطة عن المؤذّنين وأنّ الأذان كان يدور في المدينة بين بلال الحبشي وابن أُمّ مكتوم ولا ثالث لهما ، لابدّ من كشف حقيقة ما قالوه في تعاقب هذين المؤذّنَين ، وأيّهما كان يؤذّن بليل والآخر بصبح ، مع إقرارنا ـ حسبما جاء في الروايات ـ بلزوم تمييز كلّ نداء وإعلام عن الآخر.

فالمسألة واضحة ولا تحتاج إلى مزيد نقاش ، والعقل والدين يؤكّدان على لزوم كون البصير العادل بلال الحبشي مؤذّناً للصبح لا غير ، فهدفنا من نقل هذه النصوص إيقاف القارئ معنا على كيفية تفسيرهم وتأويلهم للأقوال ، أي إنّك تراهم يقفون على نقاط مهمّة ثمّ يتجاوزونها بتأويلات وتعليلات عليلة.

قال العسقلاني في «فتح الباري» عن ابن أُمّ مكتوم وأنّه كان يستعين ببعض الثقات لتعيين الوقت : (قوله : أصبحتَ أصبحت) ، أي دخلتَ في الصبح ، هذا ظاهره.

واستُشكِل : لأنّه جعل أذانه غايةً للأكل ، فلو لم يؤذّن حتّى يدخل في الصبح للزم منه جواز الأكل بعد طلوع الفجر ، والإجماع على خلافه إلّا من شذَّ كالأعمش.

وأجاب ابن حبيب وابن عبد البرّ والأصيلي وجماعة من الشرّاح بأنّ المراد :

__________________

(١) فتح الباري لابن رجب ٣ : ٤٨٤ ـ ٤٨٥.

٣٠٥

«قاربتَ الصباح» ، ويُعكَّر على هذا الجواب أنّ في رواية الربيع التي قدمناها : ولم يكن يؤذّن حتّى يقول له الناس حين ينظرون إلى بزوغ الفجر : أذِّن.

وأبلغ من ذلك أنّ لفظ رواية المصنّف ـ أي البخاري ـ التي في الصيام (حتّى يؤذّن ابن أُمّ مكتوم ، فإنّه لا يؤذّن حتّى يطلع الفجر).

إنّما قلت (أبلغ) لكون جميعه من كلام النبي ، وأيضاً فقوله : إنّ بلالاً يؤذّن بليل ، يُشعِر أنّ [أذان] ابن أُمّ مكتوم بخلافه ، ولأنّه لو كان قبل الصبح لم يكن بينه وبين بلال فرق؛ لِصدق أنّ كلاً منهما أذّن قبل الوقت ، وهذا الموضع عندي في غاية الإشكال!

وأقرب ما يقال فيه : أنّ أذانه جُعل علامة لتحريم الأكل والشرب ، وكأنّه كان له مَن يرعى الوقت بحيث يكون أذانه مقارناً لابتداء طلوع الفجر ، وهو المراد بالبزوغ ، وعند أخذه في الأذان يعترض الفجر في الأفق.

ثمّ ظهر لي أنّه لا يلزم منه كون المراد بقولهم : أصبحتَ ، أي قاربت الصباحَ وقوعَ أذانه قبل الفجر؛ لاحتمال أن يكون قولهم ذلك يقع في آخر جزء من الليل ، وأذانه يقع في أوّل جزء من طلوع الفجر ، وهذا ـ وإن كان مستبعداً في العادة ـ فليس بمستبعد من مؤذّن النبيّ المؤيَّد بالملائكة ، فلا يشاركه فيه مَن لم يكن بتلك الصفة (١).

وقال الزرقاني في شرحه على الموطّأ :

وادّعى ابن عبد البرّ وجماعة من الأئمّة أنّه [أي حديث بلال وابن أُم مكتوم] مقلوب ، وأنّ الصواب حديث الباب.

__________________

(١) فتح الباري للعسقلاني ٢ : ٧٩ ، وانظر : الزرقاني أيضاً في شرحه على الموطّأ ١ : ١٥٥.

٣٠٦

قال الحافظ : وقد كنت أميل إلى ذلك إلى أن رأيت الحديث في صحيح ابن خزيمة من طريقين آخرين عن عائشة ، وفي بعض ألفاظه ما يبعد وقوع الوهم فيه ، وهو قوله : إذا أذّن عمرو [يعني ابن أُمّ مكتوم] فإنّه ضرير البصر فلا يغرّنّكم ، وإذا أذّن بلال فلا يطعمنَّ أحد ، وأخرجه أحمد.

وجاء عن عائشة أيضاً أنّها كانت تنكر حديث ابن عمر وتقول : إنّه غلط. أخرج ذلك البيهقي من طريق الدراوردي عن هشام عن أبيه عنها مرفوعاً ، أنّ ابن أُمّ مكتوم يؤذّن بليل ، فكلوا واشربوا حتّى يؤذّن بلال. قالت عائشة : وكان بلال لا يؤذّن حتّى يبصر الفجر ، وقال : وكانت عائشة تقول : غلط ابن عمر! انتهى.

وهذا ممّا يقضى منه العجب ، ففي (صحيح البخاري) من طريق القاسم بن محمّد عن عائشة عن النبيّ أنّه قال : إنّ بلالاً يؤذّن بليل فكلوا واشربوا حتّى ينادي ابن أُمّ مكتوم ، فإنّه لا يؤذّن حتّى يطلع الفجر ، وكذا أخرجه مسلم ، فقد جاء عنها في أرفع الصحيح ـ مثل رواية ابن عمر ـ فكيف تغلّطه؟! فالظاهر أنّ تلك الرواية وهمٌ من بعض الرواة عنها ، واللهُ أعلم.

قال الحافظ عقب ما مرّ : وقد جمع ابن خُزَيمة والصبغي بين الحديثين باحتمال أنّ الأذان كان نوباً بين بلال وبين أُمّ مكتوم ، فكان النبيّ يُعْلِم الناس أنّ الأذان الأوّل منهما لا يحرّم على الصائم شيئاً ولا يدلّ على دخول وقت الصلاة بخلاف الثاني ، وجزم ابن حِبّان بذلك ولم يُبْده احتمالاً ، وأنكر ذلك عليه الضياء وغيره ....

قال الحافظ : وقيل لم يكن نوباً وإنّما كان لهما حالتان مختلفتان ، فإنّ بلالاً كان في أوّل ما شُرّع الأذان يؤذّن وحده ولا يؤذّن للصبح حتّى يطلع الفجر ، وعلى ذلك

٣٠٧

تُحمَل رواية عروة عن امرأة من بني النجّار قالت : كان بلال يجلس على بيتي وهو أعلى بيت في المدينة ، فإذا رأى الفجر ، تَمطّأ ثمّ أذّن ، أخرجه أبو داود وإسناده حسن.

ورواية حميد عن أنس : أنّ سائلاً سأل عن وقت الصلاة ، فأمر صلى‌الله‌عليه‌وآله بلالاً فأذّن حين طلع الفجر ، الحديث ، أخرجه النسائي وإسناده صحيح.

ثمّ أردف بابن أُمّ مكتوم فكان يؤذّن بليل ، فاستمرّ بلال على حالته الأولى ، وعلى ذلك تنزل رواية أنيسة وغيرها ، ثمّ في آخر الأمر أُخّر ابن أُمّ مكتوم لضعفه ، ووُكِّل به مَن يراعي له الفجر ، واستقرّ أذان بلال بليل ، وكان سبب ذلك : ما رُوي أنّه كان ربّما أخطأ الفجر فأذّن قبل طلوعه وأنّه أخطأه مرّة ، فأمره عليه‌السلام أن يرجع فيقول : ألا إنّ العبد نام. يعني أنّ غلبة النوم على عينيه منعته من تبيّن الفجر ، وهو حديث أخرجه أبو داود وغيره من طريق حمّاد بن سلمة عن أيّوب عن نافع ، عن ابن عمر موصولاً مرفوعاً ، ورواته ثِقات حُفّاظ.

لكنِ اتّفق أئمّة الحديث : علي بن المديني ، وأحمد ، والبخاري ، والذهلي ، وأبو حاتِم ، وأبو داود ، والترمذي ، والأثرم ، والدارقطني ، على أنّ حمّاداً أخطأ في رفعه ، وأنّ الصواب وقفه على عمر بن الخطّاب أنّه هو الذي وقع له ذلك مع مؤذّنه ، وأنّ حمّاداً انفرد برفعه.

ومع ذلك فقد وُجد له متابع ، أخرجه البيهقي من طريق سعيد بن زَرْبيّ ـ بفتح الزاي وسكون الراي بعدها موحدّة ثمّ بياء النسبة ـ فرواه عن أيّوب موصولاً ، لكنّ سعيداً ضعيف.

ورواه عبد الرزّاق عن معمَّر عن أيّوب أيضاً ، لكنّه أعضله فلم يذكر نافعاً ولا ابن عمر ، وله طريقٌ آخر عن نافع عن الدارقطني وغيره اختُلف في رفعها ووقفها أيضاً.

٣٠٨

وأخرى مرسلة من طريق يوسف بن عبيد وغيره عن حميد بن هلال ، وأخرى من طريق سعيد بن قتادة مرسلة ، ووصلها أبو يوسف عن سعيد بذكر أنس.

فهذه طرق يُقوّي بعضها بعضاً قوّة ظاهرة ، فلهذا ـ والله أعلم ـ استقرّ بلال يؤذّن الأذان الأوّل. انتهى (١).

وقال ابن رجب في (باب أذان الأعمى إذا كان له مَن يُخبره) بعد أن أتى بما حدّثه عبد الله بن مسلمة عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن سالم بن عبد الله ، عن أبيه ، أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قال : إنّ بلالاً يؤذّن بليل ، فكلوا واشربوا حتّى ينادي ابن أُمّ مكتوم. وكان رجلاً أعمى ، لا ينادي حتّى يقال له : أصبحتَ أصبحت.

كذا روى القعنبيّ هذا الحديث عن مالك ، ووافقه ابن أبي أويس وابن مهدي وعبد الرزاق وجماعة.

وهو في «الموطّأ» عن ابن شهاب ، عن سالم ـ مرسلاً ، وكذا رواه الشافعيّ ، والأكثرون عن مالك.

ورواه سائر أصحاب الزهريّ ، عنه ، عن سالم ، عن أبيه ـ مسنداً ـ.

وقد خرّجه مسلم من رواية الليث ويونس عن ابن شهاب كذلك ، ولم يخرجه من طريق مالك.

ورواه معمَّر وابن إسحاق عن الزهري ، عن ابن المسيّب مرسلاً أيضاً.

وقوله في آخر الحديث : «وكان رجلاً أعمى» قد أدرجه القعنبي في روايته عن مالك في حديثه الذي خرّجه عنه البخاريّ ، وكذا رواه أبو مسلم الكجي عن القعنبي.

__________________

(١) شرح الزرقاني على موطّأ مالك ١ : ١٥٤ ـ ١٥٥.

٣٠٩

وكذا رواه عبد العزيز بن [أبي] سلمة بن الماجشون ، عن الزهريّ ، عن سالم ، عن أبيه ، وأدرجه في الحديث.

وخرّج البخاريّ حديثه في موضع آخر.

والحديث في الموطّأ كلّه ، عن ابن شهاب ، عن سالم مرسلاً ، فالذي في آخره يكون من قول سالم حينئذٍ.

وقد بيّن جماعة من رواة (الموطّأ) أنّه من قول ابن شهاب ، منهم : يحيى بن يحيى الأندلسي.

وقد رواه الجماعة عن القعنبيّ عن مالك ، فأسندوا الحديث ، وجعلوا قوله : «وكان رجلاً أعمىٰ» إلى آخره من قول الزهري ، منهم : عثمان بن سعيد الدارمي والقاضي إسماعيل وأبو خليفة الفضل بن الحُباب وإسحاق بن الحسن.

وروى هذا الحديث ابن وهب ، عن الليث ويونس ، عن ابن شهاب ، عن سالم ، عن أبيه فذكر الحديث ، وزاد : قال يونس في الحديث : وكان ابنُ أُمّ مكتوم هو الأعمى الذي أنزل الله فيه (عَبَسَ وَتَوَلَّى) ، كان يؤذّن مع بلال.

قال سالم : وكان رجلاً ضرير البصر ، ولم يكن يؤذّن حتّى يقول له الناس حين ينظرون إلى بزوغ الفجر : أذِّن. خرّجه البيهقي وغيره (١).

أقول :

وعليه ، فقد عرفت أنّ القوم سعوا ـ وبجهدهم الجهيد ـ أن يُلقوا تبعة «الصلاة خير من النوم» على بلال ، لأنّه هو المؤذّن الشرعي لرسول الله ، ولا خلاف فيه.

__________________

(١) فتح الباري لابن رجب ٣ : ٤٩٨ ـ ٤٩٩.

٣١٠

وبما أنّ بلالاً كان يؤذّن للأوقات جميعاً ومنها وقت الصبح ، وقد أخطأ مرّة في تشخيص الوقت ـ كما يقولون ـ فقال له صلى‌الله‌عليه‌وآله : لا تؤذّن حتّى يستبين لك الفجر. فقد استغلّوا ذلك الخطأ للادّعاء بوجود ضعف في بصره ، في حين أنّ الأمر لم يكن كما قالوا ، بل هو اتّهام يعرفه من وقف على تاريخ الوقائع والأحداث ، إذ لم يكن بلالٌ على وفاق مع الشيخين ، حسبما وضّحناه في الكتاب الأوّل من هذه الدراسة «حي على خير العمل» (١).

ثمّ إنّ أذانه وأذان غيره ـ كعبد الله بن زيد بن عبد ربّه الأنصاري وابن أُمّ مكتوم ـ لم يكن فيه «الصلاة خير من النوم» ، وإنّ النهج الحاكم بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله كان يسعى لإضافة هذه الجملة في الأذان ، وبلال لا يمكنه مسايرتهم ، فلزم بيته ولم يؤذّن لأحدٍ من الخلفاء (٢) ، حتّى جاء عن الإمام الصادق قوله : رحم الله بلالاً ، فإنّه كان يحبّنا أهل البيت.

وقد روى أبو بصير عن أحد الصادِقَين (الباقر أو الصادق عليهما‌السلام) أنّ بلالاً كان عبداً صالحاً ، فقال : لا أُؤذّن لأحد بعد رسول الله ، فتُرك يومئذٍ «حيّ على خير العمل» (٣).

وفي (تهذيب الأسماء) للنووي : فلمّا وُلّي أبوبكر الخلافة وترك بلال الأذان ، نقله [أي نقل سعدَ القرظ] أبوبكر إلى مسجد رسول الله ليؤذّن فيه ، فلم يزل يؤذّن فيه حتّى مات في أيّام الحجّاج بن يوسف الثقفي ، وتوارث بنوه الأذان ، وقيل : الذي نقله عمرُ بن الخطّاب (٤).

__________________

(١) انظر الفصل الثاني منه «حذف الحيعلة وامتناع بلال عن التأذين».

(٢) انظر : الاختصاص للمفيد : ٧٣.

(٣) مَن لا يحضره الفقيه ١ : ١٨٤ / ح ٨٧٢.

(٤) تهذيب الأسماء ١ : ٢٠٧.

٣١١

وقال المزّي : ويقال : إنّه لم يؤذّن بعد النبيّ إلّا مرّة واحدة في قُدمةٍ قَدِمها لزيارة النبي ... (١).

نعم ، إنّهم اعتبروا ابنَ أُمّ مكتوم مؤذّنَ الفجر ، لكي يصحّحوا سرّ عدم اشتهار تأذين بلال بـ «الصلاة خير من النوم»!

فأبعدوا بلالاً عن مجريات الوقائع ، أو قل : هو ابتعد ، فنفوا عنه أذانه في الصبح وحصروه في غيره من الأوقات الشرعيّة ، لأنّ أذان الصبح صار من حصّة الأعمى ، قالوا بذلك وهم يعلمون بكراهة أذان الأعمى وعدم إحراز الاطمئنان بأذانه إلّا عن طريق إخبار الثقة إيّاه.

فنحن نسايرهم ونقول لهم : إنّا لو قبلنا كلامكم هذا ، وأنّ بلالاً كان يؤذّن بليل ، فمعناه عدم شرعيّة «الصلاة خير من النوم» عنده ، لأنّ الأذان بالليل الذي نسمعه اليوم عند المسلمين ليس فيه تثويب ، بل التثويب هو في أذان الفجر ، وهذا يؤكّد أنّ هذه الإضافة لم تكن في الأذان الشرعي.

فإن قلتم إنّه كان في أذان بلال على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، لكنّه رُفع عن أذان الليل وأُدخل في أذان الفجر.

قلنا : هل أُدخِل في عهد رسول الله أم بعده؟

فلو كان في عهده ، فهل بعد منصرفه من حُنين كما جاء عن أبي محذورة ، أو في أخريات حياته؟ فلو قيل بالأوّل فقد عرفت بأنّ الكثير من علماء أهل السنّة كمالك والشافعي وابن رشد وغيرهم قد شكّوا في المرويّ عن أبي محذورة!

__________________

(١) تهذيب الكمال ٤ : ٢٨٩ ، وانظر : دفع الشبهة عن الرسول للحصني الشافعي : ١٨٢.

٣١٢

وإن قيل بأنّه شُرّع من بعده فهو إبداع وإحداث في الدين ، وهذا ما وصلنا إليه وثبّتناه.

نعم ، لا نستبعد أذان بلال في الليل على نحو الإشعار والتنبيه ، وذلك هو نداء وليس بأذان شرعي.

الأعمى وكراهة أذانه

قال العسقلاني في (فتح الباري) : وعلى هذا القيد يُحمَل ما روى ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن مسعود وابن الزبير وغيرهما ، أنّهم كرهوا أن يكون المؤذّن أعمى.

وأمّا ما نقله الثوري عن أبي حنيفة وداود أنّ أذان الأعمى لا يصحّ ، فقد تعقّبه السروجي بأنّه غلط على أبي حنيفة ، نعم في (المحيط) للحنفية أنّه يُكره ... (١).

ونقل النووي عن أبي حنيفة أنّ أذان الأعمى لا يصح ، قلت : هذا غلط ، لم يقل به أبو حنيفة وإنّما ذكر أصحابنا أنّه يُكره ، ذكره في (المحيط) وفي (الذخيرة) و (البدائع) غيرُه أحبّ ، فكأنّ وجه الكراهة لأجل عدم قدرته على مشاهدته دخول الوقت ، وهو في الأصل مبنيٌّ على المشاهدة (٢).

وفي (المغني) لابن قدامة قال عن المؤذّن وما يجب أن يكون فيه : أن يكون عالماً بالأوقات ليتحرّاها فيؤذّن في أوّلها ، ولأنّه إذا لم يكن عالماً لا يُؤمَن منه الغلط والخطأ. ويستحبّ أن يكون بصيراً ، لأنّ الأعمى لا يعرف الوقت فربّما غلط.

__________________

(١) فتح الباري للعسقلاني ٢ : ٧٩.

(٢) عمدة القاري ٥ : ١٢٨.

٣١٣

وكره أذان الأعمى : ابن مسعود ، وابن الزبير ، وعن ابن عباس أنّه يُكره إقامته وإن أذّن صحّ أذانه ، لأنّ ابن أُمّ مكتوم ... (١).

وفي (ردّ المحتار على الدر المختار) المعروف بـ (حاشية ابن عابدين) : (قوله : وأعمى) لا يَرِد عليه أذان ابن أُمّ مكتوم الأعمى ، فإنّه كان معه من يحفظ عليه أوقات الصلاة ، ومتى كان ذلك يكون تأذينه وتأذين البصير سواء ، ذكره شيخ الإسلام معراج ، وهذا بناءً على ثبوت الكراهة فيه ، وقد مرَّ الكلام فيه ، وإلّا فلا ورود (٢).

* * *

وبهذا نكون قد عرفنا أنّ أذان الأعمى لوقت الفجر ، أو الأذان قبل الفجر ، فيه كلام كثير بين فقهاء الجمهور ، وهو يشير إلى وجود صراع فقهي بين المسلمين في هذه المسألة ، فالبعض يجيزه والآخر ينفيه على تفاوتٍ في الأقوال ، فبعضها معقولة وأخرى متطرّفة.

وإنّ ما نسبوه إلى بلال وقوله «الصلاة خير من النوم» ـ إن صحّ ـ فقد كان مقطعيّاً وللتنبيه والإشعار ، ويؤيّده قول الشافعي في كتابه «الأُم» باب جماع الأذان :

الأذان للمكتوبات ، ولم يحفظ عنه أحد علمتُه أنّه أمر بالأذان لغير المكتوبة ، وإذا كان فكان يقال : «الصلاة خير من النوم» لا في الأذان بفصوله (٣).

أي إنّه كان يؤذّن للصبح بليل؛ ليدلج المدلج وينتبه النائم فيتأهّب لحضور الصلاة (٤).

__________________

(١) الشرح الكبير ١ : ٤٢٩.

(٢) حاشية ابن عابدين ١ : ٢٦٢.

(٣) الأُم ١ : ٨٢ ـ باب جماع الأذان.

(٤) الأُم ١ : ٧٣.

٣١٤

٣ ـ إمامان لصلاةٍ واحدة!

إنّ صلاة أبي بكر مكان رسول الله هي أحد أهمّ الأدلّة العقائدية للجمهور على إمامته وخلافته ، وقد جيء بها لمعارضة ما يستدلّ به الشيعة الإمامية على إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه‌السلام من قرآن وسُنّة.

وإنّي لا أُريد أن أدخل في مناقشة هذه المسألة ، وإن كانت في نظري هي جديرة بالبحث والدراسة بشكلٍ عميق ، لكنّي أكتفي بما يرتبط بموضوعي مؤكّداً أنّ مسألة التثويب = ترتبط بمسألة صلاة أبي بكر ، ولا يمكن فهم إحداهما إلّا بعد فهم الأخرى.

فأغلب النصوص في صلاة أبي بكر توحي أنّ عائشة كان لا يعجبها أن يكون أبوها ممّن يخلف رسول الله في الصلاة ، بدعوى أنّه رجل أسيف ورقيق القلب ولا يمكنه أن يقوم مقام رسول الله ، وإذا قام وقرأ غلبه البكاء ولا يسمع الناس قراءتَه!

وفي بعض النصوص تراها تقترح على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أن يبدّل أباها بعمر بن الخطّاب وتطلب من حفصة أن تعينها لتحقيق أمنيّتها ، لكنّ رسول الله لم يقبل اقتراحهنّ وقد ردّهنّ بحيث إنّ هذا الأمر أغاض حفصة فقالت لعائشة : ما كنت لِأُصيبَ منكِ خيراً! (١)

__________________

(١) صحيح البخاري ١ : ١٧٢ ـ ١٧٣ ، باب الرجل يأتمّ بالإمام ويأتمّ الناس بالمأموم ، صحيح مسلم ٢ : ٢٢ ـ باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر ، سنن ابن ماجة ١ : ٣٨٩ / ١٢٣٢ ـ باب ماجاء في صلاة رسول الله في مرضه ، سنن النسائي (المجتبى) ٢ : ٧٧ ـ ٧٨ ـ باب الائتمام بالإمام يصلّي قاعداً ، مسند أحمد ٦ : ٢٢٤ / حديث عائشة ، الطبقات الكبير ـ باب ذكر الصلاة التي أمر بها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أبابكر عند وفاته ، أنساب الأشراف ١ : ٥٥٧ / ١١٣١ ـ باب أمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله حين بُدِئ.

٣١٥

وفي نصوص أخرى عن عائشة يتبيّن منها أنّ سبب سعيها كان لإرجاع النبيّ عن رأيه ، فتقول :

وما حملني على كثرة مراجعته إلّا أنّه لم يقع في قلبي أن يُحبّ الناس بعده رجلاً قام مقامه أبداً ، ولا كنت أرى أنّه لن يقوم أحد مقامه إلّا تشاءم الناس به ، فأردتُ أن يعدل ذلك رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله عن أبي بكر (١).

وفي نصّ آخر : فراجعتُه مرّتين أو ثلاثاً ليصلّي بالناس أبوبكر ، [فقال :] فإنكنَّ صواحب يوسف (٢).

إذن تكرار هذه الجملة لحفصة وعائشة «فإنكنّ صواحب يوسف» يؤكّد عدم ارتياح النبيّ من فعلهنّ ، وقد يكون فيه إشارة إلى مكرهنّ وأنّهنّ كنّ وراء مخطّط تنصيب ابن أبي قحافة للصلاة في مرض النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله.

فلو كان الرسول هو الذي عيّن أبابكر للصلاة لَما رجع باللوم عليهنّ ، ولا بادر إلى الخروج إلى المسجد وهو على تلك الحال.

إذن ، فجملة «فإنكنّ صواحب يوسف» وأمثالها ليست كما فسّروها ، لأنّ ما قالوه يعني أنّ النبيّ وضع المَثل ـ وحاشاه ـ في غير موضعه! مع أنّه إمام الفصاحة والبيان ، والقائل : «أُوتيتُ جوامعَ الكَلِم» ، فلا يُعقل أن يكون هذا النص صادراً عن رسول الله لعدم امتثالهنّ لأوامره في تعيين أبي بكر للصلاة ، بل الأمر هو عكس ذلك ، فإنّ

__________________

(١) صحيح مسلم ٢ : ٢٢ ـ باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر ، الطبقات الكبير ٢ : ١٨ ـ باب ذكر أمر رسول الله أبابكر يصلّي بالناس في مرضه ، السنن الكبرى للبيهقي ٨ : ١٥٢ ـ باب ما جاء في تنبيه الإمام على من يراه أهلاً للخلافة بعده ، مسند أبي عوانة ٢ : ١٥٢ ـ باب الصلاة.

(٢)

٣١٦

صويحبات يوسف كنّ يردن إطاعة يوسف لهن فيما أردن ، مع أنّ ذلك كان فيه معصية الله.

وقد تكون الجملة صدرت من النبي لتواطئهما على تنصيب أبي بكر للصلاة دون رضاه ، وهذا هو الذي حكاه ابن أبي الحديد عن شيخه أبي يعقوب بن إسماعيل اللمعاني حول ما دار بين أمير المؤمنين وعائشة ، جاء فيه :

«... وكان علي عليه‌السلام يذكر هذا لأصحابه في خلواته كثيراً ، ويقول : إنّه لم يقل صلى‌الله‌عليه‌وآله : «إنّكنّ لَصُوَيحبات يوسف» إلّا إنكاراً لهذه الحال وغضباً منها ، لأنّها [أي عائشة] وحفصة تبادرتا إلى تعيين أبوَيهما ، وأنّه استدركها بخروجه وصَرَفَه عن المحراب ، فلم يُجْدِ ذلك ولا أثَّرَ ، مع قوّة الداعي الذي كان يدعو إلى أبي بكر ويمهّد له قاعدة الأمر؛ وتقرّر حاله في نفوس الناس ومَنِ اتّبعه على ذلك من أعيان المهاجرين والأنصار .... فقلت له رحمه الله : أفتقول أنت : إنّ عائشة عيّنت أباها للصلاة ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لم يعيّنه؟ فقال : أمّا أنا فلا أقول ذلك ، ولكنّ عليّاً كان يقوله ، وتكليفي غير تكليفه ، كان حاضراً ولم أكن حاضراً ...» (١).

بل هناك نصوص أخرى تشير إلى أنّ هناك محاولة من جهات خاصّة لتنصيب آبائهم هذا المنصب ورسول الله لا يريده ، بل يؤكّد طلبه صلى‌الله‌عليه‌وآله على دعوة الإمام علي إليه ، وسنأتي بتلك الأخبار في آخر الكتاب إن شاء الله تعالى.

وفي (سنن ابن ماجة) بسنده عن الأرقم بن شرحبيل عن ابن عباس قال :

__________________

(١) شرح نهج البلاغة ٩ : ١٩٧ ـ ١٩٨.

٣١٧

لمّا مرض رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله مرضه الذي مات فيه ، كان في بيت عائشة ، فقال : ادعوا لي عليّاً.

قالت عائشة : يا رسول الله ، ندعوا لك أبابكر؟ قال : ادعوه.

قالت حفصة : يا رسول الله ندعوا لك عمر؟ قال : ادعوه.

قالت أُمّ الفضل : يا رسول الله ندعوا لك العبّاس؟ قال : نعم.

فلمّا اجتمعوا رفع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فنظر فسكت ، فقال عمر : قوموا عن رسول الله. ثمّ جاء بلال يؤذنه بالصلاة ، فقال : مُروا أبابكر فليصلِّ بالنّاس (١) ... إلى آخر الرواية التي فيها قول عائشة في أبيها أنّه : رجل رقيق ومتى لا يراك يبكي ... إلى أن تقول : فخرج يُهادىٰ بين رجلين ، ورجلاه تَخطّان الأرض ... فكان أبوبكر يأتمّ بالنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله والناس يأتمون بأبي بكر!

وفي بعض الروايات قال صلى‌الله‌عليه‌وآله : ادعوا لي أخي ـ كما جاء عن عبد الله بن عمرو : أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قال في مرضه : ادعوا لي أخي ، فدعوا أبابكر فأعرض عنه.

ثمّ قال : ادعوا لي أخي ، فدعوا له عمر فأعرض عنه. ثمّ عثمان كذلك.

ثمّ قال : ادعوا لي أخي. فدَعَوا له عليّاً فسرّه بثوبه وانكبّ عليه ، فلمّا خرج قيل : يا أبا الحسن ، ماذا قال لك؟ قال : علّمني ألف باب ، يفتح كلُّ باب ألفَ باب (٢).

وأنت ترى في هذه النصوص أنّ عائشة وحفصة ـ وأمّ الفضل في رواية ـ

__________________

(١) سنن ابن ماجة ١ : ٣٩١ / ١٢٣٥ ما جاء في صلاة النبي ، وانظر : مشكل الآثار ٢ : ٢٧ ، المعتصر من المختصر من مشكل الآثار ١ : ٣٩ ، تاريخ الطبري ١ : ١٨١٠ و ٣ : ١٩٦ ..

(٢) تاريخ الإسلام ٣ : ٣١١ ، البداية والنهاية ٧ : ٣٦٩ ، مختصر تاريخ دمشق ٥ : ٤١١. كنّ يُرِدْنها لآبائهنّ.

٣١٨

وفي (صحيح البخاري) : كانت عائشة زوج النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله تحدّث أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لمّا دخل بيتي واشتدَّ به وجعُه قال : أهريقوا عَليَّ مِن سبع قِرب لم تحلل أو كيتُهُنّ لعلي أعهَدُ إلى الناس.

فأجلسناه في مخضبٍ لحفصة زوج النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثمّ طفقنا نَصُبُّ عليه من تلك القِرب حتّى طفقَ يشير إلينا بيده : إنْ قد فعلتُنّ! قالت : ثمّ خرج إلى الناس فصلّى لهم [خ ل : بهم] وخطبهم ... (١).

فهذا النصّ وغيره فيه تنويه وتصحيح لمدّعانا ، وكما فيه إشارة إلى مؤامرة كانت حِيكت على الرسول والرسالة ، ويؤكّد ذلك تضاربُ الأخبار عندهم ، وضعف استدلالهم في كثير من الموارد ، فإنّه لو صحّ استدلالهم على خلافة أبي بكر من خلال إمامة الصلاة لاستدلّ به كثير من أصحاب رسول الله أمثال : أُسامة بن زيد (٢) ، وعبد الرحمن بن عوف (٣) ، وابن أُمّ مكتوم (٤) ، وصهيب الذي قدّمه عمر للصلاة مكانه بالمهاجرين والأنصار (٥).

وقد وقفتَ على كلام ابن تيمية (٦) سابقاً ، مع التنويه على أنّ إمامة الصلاة عندهم ليس فيها مزيد شرف وفضيلة للإمام ، لأنّهم يجيزون الصلاة خلف كلّ بَرّ وفاجر!

__________________

(١) صحيح البخاري ٦ : ١٤ ـ باب مرض النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ووفاته.

(٢)

(٣)

(٤) سنن أبي داود ١ : ٩٨ ـ باب إمامة الأعمى.

(٥)

(٦)

٣١٩

فلو صحَّ كلامهم هذا ، فما فائدة استدلالهم على الخلافة الظاهرية لأبي بكر من خلال الصلاة بالمسلمين؟!

والسؤال الذي يرد هنا : هل الإمام في تلك الجماعة هو أبوبكر أم رسول الله؟ أو إنّهما كانا إمامين معاً على وجه الاشتراك كما يقولون؟!

فإن قيل بالرأي الأوّل وأنّ الإمام هو أبوبكر والمأموم هو النبيّ (١) ، فذلك يعني وجود مَن هو أفضل من النبي في أُمّته! وهو كلام باطل لا يقبله أيُّ أحدٍ من المسلمين!!

وإن قيل بالرأي الثاني وأنّ الإمام هو رسول الله والمأموم أبوبكر ، فلا تُثْبت تلك الصلاة أيّة فضيلة لأبي بكر كما لا تثبت له الخلافة ، فهو كغيره من المسلمين الذين حضروا الصلاة ، بل إنّ تنحّيه عن مكانه وإعطاء المكان لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قد يُفهَم منه عدم تكليفه من قبل رسول الله وعدم صلاحيّته لإمامة الصلاة!

لأنّ الكلّ يعلم أنّ تلك الصلاة كانت الأخيرة لرسول الله ، ثمّ بعدها فارق الحياة صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكان خروجه وهو بتلك الحال يشير إلى عدم رضاه بإمامة أبي بكر للصلاة.

وإن قيل بالرأي الثالث ، فمعناه جواز أن يكون لكلّ صلاة إمامان ، لأنّه فِعلُ رسول الله ، وإنّ فعل رسول الله هو حجّة على المسلمين ، بينما وجود إمامين لصلاة واحدة أمرٌ لا يقول به أحد.

إنّ ما نحن فيه يرتبط بالوجه الثالث ، ونحن نريد أن نناقشه لكي نبيّن من خلاله كيفية وقوع اللَّبس عندهم ، وكيف صار هذا المدّعى أصلاً عندهم يؤخذ به في العقائد ولا يُعمَل به في الفقه!

__________________

(١)

٣٢٠