الصّلاة خير من النوم شرعة أم بدعة

السيد علي الشهرستاني

الصّلاة خير من النوم شرعة أم بدعة

المؤلف:

السيد علي الشهرستاني


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مؤسسة المؤمل الثقافية
الطبعة: ٠
الصفحات: ٤٨٠

١. أذانان :

من المعلوم أنّ الأذان قد شُرّع للإعلام بأوقات الفرائض ، فلا يجوز النداء به قبل وقتها ، وإنّ ما جاء في كتب الإمامية وغيرهم ليس هو أذان بل هو نداء يجوز النداء به للتنبيه والإشعار ، أمّا الأذان قبل الوقت يعدّ كذباً وخيانةً بالأمانة ، والمؤذّن مؤتمن على لسان رسول الله لإعلامه المؤمنين بالوقت ، فهؤلاء ـ مع معرفتهم بهذه الحقيقة الدينيّة ـ قد أجازوا الأذان في الصبح خاصّة ، معلّلين ذلك بعلل.

فالسؤال : ما المبرّر لذلك؟ وهل يصحّ ما قالوه وعللوه؟

أم وراء ذلك شيء آخر؟ وهل هو تشريع نبويّ ، أم هو رأي لبعض الصحابة؟ أم أنّه كان شرعيّاً ثمّ حرّفوا حدوده لعلل سياسية وعقائدية.

نحن نتكلّم أوّلاً عن مشروعيّة الأذان للنوافل (أي الأذان بليل) لكي نتعرّف بعد ذلك على ما قالوه في بلال ، وهل أذّن بليل ، أم لا؟

وأخيراً سيكون كلامنا حول الشقّ الثالث من هذا القسم ، أعني حجّيّة وجود إمامين لصلاة واحدة.

وكيف وقع الالتباس في هذه الأُمور مع وضوحها ، وما هو الصحيح والغلط منه؟

وإن كنّا نعلم بعدم جدوائية الكلام حول عدم مشروعيّة الأذان للنوافل لإجماعهم على عدم شرعيته إلّا للصبح خاصّة ، وأنّ مجيء هذا القيد كافٍ لجلب أنظارنا إلى ضرورة بيان خلفيّات هذه المسألة ، ونحن بنقلنا كلام بعض العلماء سنرفع الستار عن هذا المجهول بإذن الله تعالىٰ.

٢٨١

قال الكاساني في (بدائع الصنائع) : الأذان شُرّع للإعلام بدخول الوقت ، والإعلام بالدخول قبل الدخول كذب ، وكذا هو من باب الخيانة في الأمانة ، والمؤذّن مؤتمن على لسان رسول الله ، ولهذا لم يَجُزْ في سائر الصلوات. ولأنّ الأذان قبل الفجر يؤدّي إلى الضرر بالناس ، لأنّ ذلك وقتُ نومهم خصوصاً في حقّ من تهجّد في النصف الأوّل من الليل ، فربّما يلتبس الأمر عليهم ، وذلك مكروه.

ورُويَ أنّ الحسن البصري كان إذا سمع مَن يؤذّن قبل طلوع الفجر قال : علوج فراغ لا يصلّون إلّا في الوقت ، لو أدركهم عمر لأدّبهم (١).

وفي (المدوّنة الكبرى) لمالك : قال ابن القاسم وقال مالك : لا يُنادىٰ بشيءٍ من الصلوات قبل وقتها إلّا الصبح ، وقد قال رسول الله : إنّ بلالاً ينادي بليل ، فكلوا واشربوا حتّى ينادي ابن أُمّ مكتوم. وقال : وكان ابن أُمّ مكتوم رجلاً أعمى لا ينادي حتّى يقال له : أصبحت ، أصبحت. قال : ولم يبلغنا أنّ صلاةً أُذّنَ لها قبل وقتها إلّا الصبح ، ولا يُنادى لغيرها قبل دخول وقتها ، لا الجمعة ولا غيرها (٢).

وفيه أيضاً : ابن وهب عن عبد الله بن عمر ، وأُسامة بن زيد عن نافع ، أنّ عبد الله بن عمر كان لا يؤذّن في السفر بالأولىٰ ، ولكنّه كان يقيم الصلاة ويقول : إنّما التثويب بالأولى في السفر مع الأُمراء الذين معهم الناس ليجتمع الناس إلى الصلاة (٣).

__________________

(١) بدائع الصنائع ١ : ١٥٤.

(٢) المدوّنة ١ : ٦٠.

(٣) المدوّنة ١ : ٦١ ، تنوير الحوالك ١ : ٨٨ و ٩٥ ، فتح المالك ٢ : ١٧ ، ٢٥ ، ٢٩.

٢٨٢

وقال ابن قدامة الحنبلي في (المغني) : قال بعض أصحابنا : ويجوز الأذان للفجر بعد نصف الليل ، وهذا مذهب الشافعي ، لأنّ بذلك يخرج وقت العشاء المختار ويدخل وقت الدفع من المزدلفة ، ووقت رمي الجمرة وطواف الزيارة ... (١).

وفي (الشرح الكبير) : وأمّا الفجر فيُشرع له الأذان قبل الوقت ، وهو قول مالك والأوزاعي والشافعي وإسحاق.

وقال الثوري وأبو حنيفة ومحمّد : لا يجوز؛ لما روى ابن عمر أنّ بلالاً أذّن قبل طلوع الفجر ، فأمره النبيّ أن يرجع وينادي : ألا إنّ العبد نام ، فرجع فنادى : ألا إنّ العبد نام.

وعن بلال أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قال له : لا تؤذّن حتّى يستبين لك الفجر هكذا ، ومدّ يده عرضاً ، رواهما أبو داود.

وقالت طائفة من أهل الحديث : إذا كان له مؤذّنان يؤذّن أحدهما قبل طلوع الفجر والآخر بعده فلا بأس ، وإلّا فلا ، لأنّ الأذان قبل الفجر يفوّت المقصود من الإعلان بالوقت ، فلم يَجُز كبقية الصلوات (٢).

وقال المقدسي في (الشرح الكبير على المقنع) :

وينبغي لمن يؤذّن قبل الوقت أن يجعل أذانه في وقت واحد من الليالي

كلّها ليعرف الناس ذلك من عادته ، فلا يُغْتَرَّ بأذانه. ولا يؤذّن في الوقت تارةً وقبله أخرى فيلتبس على الناس ويغترّون به ، فربّما صلّى بعض مَن سمعه الصبح قبل وقتها

__________________

(١) المغني ١ : ٤٥٧.

(٢) الشرح الكبير ١ : ٤٤١.

٢٨٣

ويمتنع من سحوره والمتنفّل من تنفّله إذا لم يعلم حاله ، ومَن علم حاله لا يستفيد بأذانه لتردّده بين الاحتمالين (١).

وقال ابن رجب في (فتح الباري) :

فهذه الأحاديث المخرجة في هذا الباب كلّها ليس فيها دلالة صريحة على أنّ النبيّ لم يكن يُؤذَّن له إلّا بعد طلوع الفجر ، وغاية ما يدلّ بعضها على أنّه كان يؤذَّن له بعد طلوع الفجر ، وذلك لا ينفي أن يكون قد أُذّن قبل الفجر أذانٌ أوّل.

والأحاديث التي فيها أنّ بلالاً كان لا يؤذّن إلّا بعد طلوع الفجر أسانيدها غير قويّة ، ويمكن أن تُحمَل ـ على تقدير ثبوتها ـ على أنّه كان يؤذّن بعد طلوع الفجر الأوّل وقبل طلوع الفجر الثاني.

ويدلّ على ذلك ما روى ابن وهب قال : حدّثني سالم بن غيلان أنّ سليمان بن أبي عثمان التجيبي حدّثه عن حاتم بن عدي المحصي ، عن أبي ذر ، أنّه صلّى مع النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ليلةً ـ فذكر الحديث ـ قال : ثمّ أتاهُ بلالٌ للصلاة ، فقال : أفعلتَ؟ فقال : نعم. قال : إنّك يا بلالُ مؤذّن إذا كان الصبح ساطعاً في السماء ، وليس ذلك الصبح ، إنَّما الصبح هكذا إذا كان معترضاً ، ثمّ دعا بِسَحُوره فتسحّر.

خرّجه بقي بن مخلد في مسنده ويونس بن يعقوب القاضي في كتاب الصيام.

وخرّجه الإمام أحمد ـ بمعناه ـ من رواية رشدين بن سعد ، عن عمرو بن الحارث ، عن سالم بن غيلان ، ومن طريق ابن لهيعة ، عن سالم بن غيلان ـ أيضاً.

وقد اختُلف في هذا الإسناد.

__________________

(١) الشرح الكبير على المقنع ١ : ٤٤٣.

٢٨٤

فقال البخاري في تاريخه : هو إسنادٌ مجهول.

وقال الدارقطنيّ ـ فيما نقله عنه البرقاني ـ في هؤلاء الثلاثة : سالم

وسليمان وحاتم : مصريّون متروكون ، وذكر أنّ رواية حاتم عن أبي ذر لا تثبت.

وخالفه في ذلك آخرون ... (١).

وقال ابن العربي الأندلسي المالكي في «القبس في شرح موطّأ ابن أنس» :

فائدة : الأذان إنّما وُضع ـ كما قدّمناه ـ للإعلام بالوقت ، فلا يكون إلّا عند دخول الوقت ، ولم يُشرَّع الأذان في الدين للنوافل وإنّما شُرّع للإعلام بوقت الفرائض خلا الصبح ، فإنّها يُنادىٰ لها قبل وقتها بقليل ليتأهّب الناس لها قبل وقتها ، ويوقعها في وقتها إذ تصادفهم على غفلة وفي وقت يشقّ عليهم القيام.

وقد غلا بعض الرواة في ذلك فقال : نؤذّن للصبح عند الفراغ من صلاة العتمة ، وقيل : يُؤذَّن بها إذا انتصف الليل أو بثلث ، وذلك كلّه ضعيف ، لأنّه ليس في هذه الأوقات صلاة فريضة وإنّما هي أوقات فضيلة ولم يُشرَّع لها أذان ، فلا ينبغي أن يلتفت إلى ذلك (٢).

وفي شرح الزرقاني : «قال مالك : لم تزل صلاة الصبح ينادى لها قبل الفجر» في أوّل السدس الأخير من الليل ، قاله ابن وهب وسحنون ، وقال ابن حبيب : نصف الليل. وحجّة العمل المذكور حديث ابن عمر الآتي : إنّ بلالاً ينادي بليل. وبه قال الجمهور والأئمّة الثلاثة.

__________________

(١) فتح الباري لابن رجب ٣ : ٥١٠.

(٢) القبس في شرح موطّأ ابن أنس ١ : ١٨١.

٢٨٥

فقال أبو حنيفة وطائفة : لا يُؤذَّن لها حتّى يطلع الفجر (فأمّا غيرها من الصلوات فإنّا لم نرها ينادى لها إلّا بعد أن يحلّ وقتها) لحرمته قبل الوقت في غير الصبح.

قال الكرخي من الحنفية : كان أبو يوسف يقول بقول أبي حنيفة : لا يُؤذَّن لها ، حتّى أتى المدينة فرجع إلى قول مالك وعلم أنّه عملُهم المتّصل.

قال الباجي : يظهر لي أنّه ليس في الأثر ما يقتضي أنّ الأذان قبل الفجر لصلاة الفجر ، فإن كان الخلاف في الأذان ذلك الوقت ، فالآثار حجّة لمن أثبته ، وإن كان الخلاف في المقصود به فيحتاج إلى ما يبيّن ذلك من إبطال الأذان إلى الفجر أو غير ذلك ممّا يدلّ عليه.

(مالك أنّه بلغه أنّ المؤذّن جاء إلى عمر بن الخطّاب يؤذنه لصلاة الصبح فوجده نائماً ، فقال : الصلاة خير من النوم ، فأمره عمر أن يجعلها في نداء الصبح!).

هذا البلاغ أخرجه الدارقطني في «السنن» من طريق وكيع في مصنّفه

عن العمري عن نافع ، عن ابن عمر ، عن عمر.

وأخرجه أيضاً عن سفيان عن محمّد بن عجلان عن نافع ، عن ابن عمر ، عن عمر أنّه قال لمؤذّنه : إذا بلغتَ : حيّ على الفلاح في الفجر ، فقل : الصلاة خير من النوم ، الصلاة خير من النوم.

فقصّر ابن عبد البرّ في قوله :

«لا أعلم هذا رُوي عن عمر من وجه يُحتَجّ به وتُعلَم صحّته ، وإنّما أخرجه ابن أبي شيبة من حديث هشام بن عروة عن رجل يقال له إسماعيل ، لا أعرفه!

قال : والتثويب محفوظ في أذان بلال وأبي محذورة في صلاة الصبح للنبيّ ، والمعنى

٢٨٦

هنا أنّ نداء الصبح موضع قوله لا هنا ، كأنّه كره أن يكون منه نداء آخر عند باب الأمير كما أحدثته الأُمراء ، وإلّا فالتثويب أشهر عند العلماء والعامّة من أن يُظَنّ بعمر أنّه جهل ما سنَّ رسول الله وأمر مؤذّنَيه بلالاً بالمدينة وأبا محذورة بمكّة ، انتهى.

ونحو تأويله قول الباجي : يحتمل أنّ عمر قال ذلك إنكاراً ، لاستعماله لفظة من ألفاظ الأذان في غيره ، وقال له : اجعلها فيه ، يعني لا تقلها في غيره. انتهى.

وهو حسن متعيّن ، فقد روى ابن ماجة من طريق ابن المسيّب عن بلال أنّه أتى النبيَّ يؤذنه لصلاة الفجر ، فقيل : هو نائم ، فقال : «الصلاة خير من النوم» مرّتين ، فأُقرَّت في تأذين الفجر ، فثبت الأمر على ذلك.

وروى بَقِيُّ ـ بموحّدة ـ بن مَخْلَد عن أبي محذورة قال : كنت غلاماً صبيّاً فأذّنتُ بين يدي رسول الله الفجر يوم حُنَين ، فلمّا انتهيت إلى : حيّ على الفلاح قال : ألحِقْ فيها : الصلاة خير من النوم.

وقال مالك في مختصر ابن شعبان : لا يترك المؤذن قوله في نداء الصبح : الصلاة خير من النوم ـ في سفر ولا حضر ، ومن أذّن في ضيعته متنحّياً عن الناس فتركه فلا بأس ، وأَحبُّ إلينا أن يأتي به ...

(مالك عن عمّه أبي سهيل أنّه قال : ما أعرف شيئاً ممّا أدركتُ عليه الناس) ، يعني الصحابة (إلّا النداء بالصلاة) فإنّه باقٍ على ما كان عليه لم يدخله تغيير ولا تبديل بخلاف الصلاة ، فقد أُخّرت عن أوقاتها وسائر الأفعال ، ودخلها التغيير ، فأنكر أكثر أفعال أهل عصره ، والتغيير يمكن أن يلحق صفة الفعل كتأخير الصلاة ، وأن يلحق الفعل جملةً كترك الأمر بكثير من المعروف والنهي عن كثير من المنكر مع علم الناس بذلك كلّه ، قاله الباجي).

٢٨٧

وقال ابن عبد البرّ فيه : إنّ الأذان لم يتغيّر عمّا كان عليه ، وكذا قال عطاء : ما أعلم تأذينهم اليوم يخالف تأذين من مضى ، وفيه تغيير الأحوال عمّا كانت عليه زمن الخلفاء الأربعة في أكثر الأشياء.

واحتجّ بهذا مَن لم يَرَ عمل أهل المدينة حجّةً وقال : لا حجّة إلّا فيما نُقل بالأسانيد الصحاح عن النبيّ أو عن الخلفاء الأربعة ومَن سلك سبيلهم (١).

نعم ، إنّهم علّلوا عملهم هذا بعلل ، منها قولهم : وحكمته أنّ الفجر يدخل وفي الناس الجُنب والنائم ، فجاز ـ بل نُدب ـ تقديمه ليتهيّؤوا لإدراك فضيلة أوّل الوقت (٢).

أقول :

لو صحّ تعليلهم هذا وصحّت الحكمة التي قالوها ، لَلزِمهم النداء به بجمل تختلف عن النداء الشرعي ، مثل : «قوموا من رقدتكم أيّها النيام وهلمّوا إلى الصلاة» ، «عجّلوا بالصلاة» ، أو «الصلاة مندوبة» ، وما شابه ذلك ، لا أن يُشهَد بمثل الأذان الشرعي بفصوله وألفاظه بحيث يتوهّم النائم بأنّه أذان لصلاة الفجر.

فعدم النداء بتلك العبارات يجعل المكلّف في حيرة من أمره ، إذ إنّ نداء التهجّد والتنبيه أصبح يشبه أذان الفجر ، في حين أنّ ذلك لا يجوز ، وفقهائنا لو أجازوا النداء للفجر فقد أجازوه في حدود أن تكرّر جملة «حيّ على خير العمل» ثلاث مرّات لا أن يؤتى بالتكبير والشهادتين و .... إلى آخره. وقد عرفتَ أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أمر بلالاً أن يرجع وينادي : ألا أنّ العبد نام!! لِكَي يرتفع الالتباس الواقع على الناس (٣). فكيف يُشرَّع التوهيم من قِبل رسول الله ـ حاشاه ـ؟! إنّ هذا شيء عجيب!

__________________

(١) شرح الزقاني ١ : ١٤٩ ـ ١٥٠.

(٢) إعانة الطالبين ١ : ٢٢٠ وحاشيته ١ : ٢٣٦ ، مغني المحتاج ١ : ١٣٦.

(٣) هل كان أذان الفجر أو الأذان للفجر.

٢٨٨

وعليه فقد أجاز لهم الشارع ذلك إذا كانوا لوحدهم وليسوا في جماعة ، فقد روى الكليني في الكافي بسنده عن عمران بن علي قال : سألتُ أبا عبد الله [الصادق] عن الأذان قبل الفجر ، فقال : إذا كان في جماعة فلا ، وإذا كان وحده فلا بأس (١).

كما جاء عن ابن سنان أنّه قال لأبي عبد الله [الصادق] : إنّ لنا مؤذّناً يؤذّن بليل ، أمّا أنّ ذلك ينفع الجيران لقيامهم إلى الصلاة ، وأمّا السنّة فإنّه ينادى مع طلوع الفجر ولا يكون بين الأذان والإقامة إلّا الركعتان (٢).

وفيه أيضاً عن فضالة عن ابن سنان ، قال : سألته عن النداء قبل الفجر؟ قال : لا بأس ، وأمّا السنّة مع الفجر ، وإنّ ذلك لينفع الجيران ـ يعني قبل الفجر (٣).

وعليه فهذه النصوص تشير إلى جواز النداء في الليل شريطة أن يكون نداءً خاصّاً ، لكنّهم لم يراعوا ذلك ، فبعضهم اعتبره نداءً والآخر أذاناً شرعيّاً أمر به رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله.

قال القسطلاني في «إرشاد الساري» في باب حكم الأذان قبل الفجر : هل هو مشروع أم لا ، وهل يكتفى به عن الذي بعد الفجر أم لا؟

واحتجّ بعضهم لذلك بأنّ أذان بلال كان نداءً كما في الحديث «أو ينادي» لا أذاناً.

وأُجيب : بأنّ للخصم أن يقول : هو أذان قبل الصبح أقرّه الشارع ، وأنّ كونه للصلاة أو لغرض آخر ، فذلك بحث آخر.

__________________

(١) الكافي ٣ : ٣٠٦ / ٢٣ ، وتهذيب الأحكام ٣ : ٥٣ / ١٧٦ ، ومستطرفات السرائر : ٩٣ ـ عنهم : وسائل الشيعة ٥ : ٣٩ / ٦٨٨٢ ، وهذا هو بعكس ما أراده الجمهور في أقوالهم.

(٢) تهذيب الأحكام ٢ : ٥٣ / ١٧٧ ـ عنه : وسائل الشيعة ٥ : ٣٩٠ / ٦٨٨٣.

(٣) تهذيب الأحكام ٢ : ٥٣ / ١٧٨ ، وسائل الشيعة ٥ : ٣٩١ / ٦٨٨٤.

٢٨٩

وأمّا رواية «ينادي» فمعارضة برواية «يُؤذَّن» والترجيح معنا ، لأنّ كلّ أذان نداء ، ولا عكس.

فالعمل برواية يؤذّن عمل بالروايتين وجمع بين الدليلين ، وهو أولىٰ من العكس ، إذ ليس كذلك.

لا يقال إنّ النداء قبل الفجر لم يكن بألفاظ الأذان وإنّما كان تذكيراً أو تسحيراً كما يقع للناس اليوم ، لأننا نقول بأنّ هذا محدث قطعاً ، وقد تظاهرت الطرق على التعبير بلفظ الأذان ، فحملُه على معناه الشرعيّ مقدّم (١).

وقال العظيم آبادي في «عون المعبود» بعد أن نقل خبر أبي داود عن زياد الصدائي وأنّه أذّن قبل طلوع الفجر :

قلت : هذا الحديث يدلّ على مسألتين :

المسألة الأولى : أنّه يكتفي بالأذان قبل الفجر عن إعادة الأذان بعد الفجر ، لأنّ فيه أنّه أذّن قبل الفجر بأمر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وأنّه استأذنه في الإقامة فمنعه إلى أن طلع الفجر فأمَرَه فأقام.

والمسألة الثانية : أنّ من أذّن فهو يقيم ...

ثمّ جاء العظيم آبادي في باب «الأذان قبل دخول الوقت» لينقل كلام الحافظ ابن حجر ، فقال :

قلت : وحديث ابن عمر وعائشة الذي أخرجه البخاري ولفظه : «إنّ بلالاً يؤذّن بليل ، فكلوا واشربوا حتّى يؤذّن ابن أُمّ مكتوم» يدلّ على عدم الاكتفاء

__________________

(١) إرشاد الساري ٢ : ١٢.

٢٩٠

[بالأذان قبل الفجر ، بل لزوم التأذين مرّة أخرىٰ] ، وإلى هذا مَيل البخاري كما يلوح من كلام الحافظ.

وفيه أيضاً : أخرج أبوداود عن زهير بن حرب ، حدّثنا وكيع ، حدّثنا جعفر بن برقان ، عن شدّاد مولى عياض بن عامر ، عن بلال أنّ رسول الله قال له : لا تؤذّن حتّى يستبين لك الفجر هكذا ـ ومَدَّ يده عرضاً.

قال العظيم آبادي : «قال له» أي لبلال ، «حتّى يستبين» أي يتبيّن ، «ومدّ يديه» أي النبيّ ، وهو بيان لهكذا ، وهذا الحديث يدلّ على أنّه لا يجوز الأذان قبل الفجر.

قلت : فيه الانقطاع كما قال المؤلّف ، فشدّاد لم يُدرِك بلالاً ، ومع ذلك لا يقاوم الحديث الذي أخرجه البخاري وفيه : إنّ بلالاً يؤذّن بليل ، فكلوا واشربوا ... (١).

وكلام العظيم آبادي واضح وجميل ، لكنّه هو أدلّ على أن يكون أذانه للوقت الشرعي ولوقت الفضيلة منه ، من تنبيه الغافل وإيقاظ النائم.

إذ من الأَولى أن يُكلَّف بلال بأذان الصبح لا بالتأذين للصبح ـ إن صحّت في ذلك رواياتهم ـ خصوصاً بعد معرفتنا أنّه رجل سالم وبصير ، ويمكنه أن يقف على وقت الصبح بنفسه ولا يحتاج لأن يُقالوا له : أصبحتَ أصبحت.

وبلال هو الذي أذّن لرسول الله في جميع صلواته ولسنوات كثيرة في المدينة ، وفي حروبه وغزواته وكان لا يؤخر الأذان عن وقته.

جاء في (سنن ابن ماجة) : حدّثنا محمّد بن المثنّى ، نا أبو داود ، ثنا شريك عن

__________________

(١) عون المعبود : ٢ : ١٧٨.

٢٩١

سمّاك ابن حرب ، عن جابر بن سَمُرة ، قال : كان بلال لا يؤخّر الأذان عن الوقت ، وربّما أخّر الإقامة شيئاً (١).

قلت :

وفي هذا إشارة أيضاً إلى أنّ بلالاً كان يؤذّن للأوقات الشرعيّة الثابتة لا للصلوات المسنونة كالأذان لصلاة الليل ، كما جاء في بعض النصوص.

بلى ، إنّ مدرسة الخلفاء سعت لتنال من بلال الحبشي بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وذلك لعدم تعاطفه مع أصحاب السقيفة ، فكالوا له التهم وانتقصوه ، ساعين لإلقاء تبعة كلّ إحداث جديد وقع في الأذان على عهدته.

أو قل : أرادوا أن يصحّحوا الإحداثات الجديدة من قِبل الخلفاء وأنصارهم بنسبتها إليه ، أو القول ـ وعلى لسانه ـ بأنّ رسول الله أقرّها له ولهم.

يقولون بذلك مع أنّهم يستنقصونه في لسانه وبصره ، حتّى جاء عن رسول الله دفاعاً عنه : إنّ سين بلال عند الله شين ، وإنّ الخطأ في تشخيص الوقت قد يحصل لضعيف البصر وقويه ، فهم قد استغلوا هذه الأُمور للتعريض ببلال بصورة بشعة.

في حين أنّ تلك النصوص تخطّئ نفسها بنفسها ، ثمّ إنّ النفس الإنسانيّة والعقل السليم لا يطمئنّانِ لما ادّعوه من أنّ أذان ابن أُمّ مكتوم الأعمى للصبح (٢) ، وأذان البصير بلال بليل.

ولو صحَّ ذلك لكان أقوى دليل لما نريد قوله ، بأن يكون قد جاء ذلك من قبل بلال نداءً لا أذاناً شرعيّاً.

__________________

(١) سنن ابن ماجة : ٢٣٦.

(٢) بدائع الصنائع ١ : ١٥١.

٢٩٢

ومثله نسبتهم إليه أنّه شاهد رسول الله نائماً فقال : الصلاة خير من النوم ، فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله : «إجعلها في أذانك» أي في ندائك بالليل.

وبذلك يكون «الصلاة خير من النوم» مثل «قوموا من رقدتكم أيّها النيام» ، أو قول المؤذّن ـ قبل الأذان بدقائق ـ في أسحار ليالي شهر رمضان «إشرب الماء وعجّل فقد لاحَ الصباح» وأمثال ذلك.

إذن ، فالأذان بالليل لم يكن تشريعاً نبويّاً على نحو الوضوء ، بل أنّه مباح وقد كان ابن أُمّ مكتوم يؤذّن بليل؟ لا ما تقولونه بأنّه مؤذّن الصبح وأنّ اقتراح الأذان بليل كان من قبل عمر بن الخطّاب لقوله : عجّلوا الأذان بالصبح ، يدلج المدلج وتخرج العاهرة (١).

وأنّه يجب أن يؤتى به بغير صيغة الأذان الشرعيّ. وبواسطة غير بلال الحبشي ، لأنّ بلالاً هو مؤذّن رسول الله للفرائض لا للنوافل ، لا بالعكس.

فعن شدّاد مولى عياض قال : جاء بلال إلى النبيّ وهو يتسحّر ، فقال : لا تؤذّن حتّى ترى الفجر ، ثمّ جاءه من الغد فقال : لا تؤذّن حتّى يطلع الفجر ، ثمّ جاءه من بعد غد فقال : لا تؤذّن حتّى ترى الفجر ، وجمع بين يديه ثمّ فرّق بينهما ، وهذا مرسل.

قال أبو داود السجستاني : شدّاد مولى عياض لم يذكر بلالاً (٢).

ومن هذا النصّ يُفهَم أنّ بلالاً الحبشي كان يؤذّن في الصبح ، وأنّ النبيّ أكّد عليه لزوم التحرّي والدقّة في الوقت ، وأن لا يؤذّن قبله.

وروى البيهقي بسنده عن أبي بكر بن إسحاق الفقيه قال : سمعتُ أبابكر المطرّز يقول : سمعتُ محمّد بن يحيى يقول : حديث حمّاد بن سلمة عن أيّوب عن نافع عن

__________________

(١) السنن الكبرى ١ : ٣٨٣.

(٢) السنن الكبرى ١ : ٣٨٣.

٢٩٣

ابن عمر أنّ بلالاً أذّن قبل طلوع الفجر ، شاذٌّ غير واقعٍ على القلب ، وهو خلاف ما رواه الناس عن ابن عمر.

(قال الشيخ) وقد رواه معمَّر بن راشد ، عن أيّوب ، قال : أذّن بلال مرّة بليل فذكره مرسلاً ، ورُويَ عن عبد العزيز بن داود ، عن نافع موصولاً ، وهو ضعيف لا يصحّ (١).

وقال ابن أبي شيبة في «المصنّف» : ثنا جرير عن منصور ، عن أبي إسحاق ، عن الأسود ، عن عائشة قالت : ما كان يؤذّنون حتّى ينفجر الفجر ، وهذا سنده صحيح.

وفي «التمهيد» : روى زبيد اليامي عن إبراهيم قال : كانوا إذا أذّن المؤذّن بليل أتوه فقالوا له : اتّقِ الله وأعدْ أذانك.

فكلّ هذه الأخبار تشير إلى أنّ الأذان يجب أن يكون في الوقت ، ولو أذّن إنسان قبله قيل له : إتّق الله وأعد أذانك ، أو يقال له : إرجع وذكّر الناس بأنّ الوقت لم يدخل بعد ، كلّ ذلك حرصاً من الشارع على عدم اختلاط الوقت مع غيره.

بعد هذا ، كيف يجيز الشارع اتّحاد صيغ النداء للتهجّد مع صيغ الأذان الشرعي؟! ألا يعدّ ذلك تدليساً على الناس والعياذ بالله؟! نحن لا نريد أن ننفي جواز النداء بالليل أو مناداة بلال بـ «الصلاة خير من النوم» أو «حيّ على الفلاح» ثلاث مرّات للتنبيه والإشعار ، لكنّا نريد أن نقول بأنّ نداءه بالليل يجب أن لا يكون ذاك الأذان الشرعيّ الذي يقال في الفجر بفصوله وأجزائه.

نقول بهذا مع اعتقادنا بعدم المنافاة بين الأحاديث الآنفة وما روي عن بلال وأنّه أذّن بليل.

__________________

(١) السنن الكبرى ١ : ٣٨٣.

٢٩٤

قال ابن القطّان : لأنّ ذلك كان في رمضان.

وقال الطحاوي : ويحتمل أن بلالاً كان يؤذّن في وقت يرى أنّ الفجر قد طلع فيه ، ولا يتحقّق ذلك لضعف بصره.

ثمّ ذكر الطحاوي بسندٍ جيّد عن أنس أنّه قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : لا يغرنّكم أذان بلال ، فإنّ في بصره شيئاً (١).

وعليه فاعتقادنا أنّ نداء ابن أُمّ مكتوم إلى الصبح هو الأَولى والأقرب إلى العقل والعقلاء وهو الذي يتفق مع روايات مدرسة أهل البيت ، لأنّ الكلّ يعلم أنّ أذان البصير للصبح أفضل من أذان الضرير ، شريطة عدالته وتحرّيه للوقت.

ولأنّ الضرير لا علم له بدخول الوقت ، ومَن لا علم له بدخول الوقت متعذّر عليه الإعلام ، فيجب تقديم البصير العادل على الأعمى.

والشيخ الطوسي روى عن عبد الله بن علي أنّه رأى بلالاً الحبشي وسأله عمّا سمعه من رسول الله ، وجاء فيما رواه وقاله ما يشير إلى تحريفهم بعض النصوص ، فيه : ... وكان لرسول الله مؤذّنان : أحدهما بلال والآخر ابن أُمّ مكتوم ، وكان ابن أُمّ مكتوم أعمى وكان يؤذّن قبل الفجر ، وكان بلال يؤذّن بعد الصبح ، فقال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّ ابن أُمّ مكتوم يؤذّن بليل ، فإذا سمعتم أذانه فكلوا واشربوا حتّى تسمعوا أذان بلال. فغيّرت العامة هذا الحديث عن جهته ، [وادّعَوا] أنّه عليه‌السلام قال : إنّ بلالاً لا يؤذّن بليل ، فإذا سمعتم أذانه فكلوا واشربوا حتّىٰ تسمعوا أذان ابن أُمّ مكتوم (٢).

__________________

(١) السنن الكبرى ١ : ٣٨٥.

(٢) مَن لا يحضره الفقيه ١ : ١٩٤ / ٩٠٥.

٢٩٥

كما روى الكليني بسنده عن الحلبي عن أبي عبد الله الصادق عليه‌السلام أنّه قال : كان بلال يؤذّن للنبي وابن أُم مكتوم ، وكان أعمى يؤذّن بليل ، ويؤذّن بلال حتّى يطلع الفجر (١).

وفي رواية أخرى عن زرارة عن أبي عبد الله أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قال : هذا ابن أُمّ مكتوم وهو يؤذّن بليل ، فإذا أذّن بلال فعند ذلك فأمسك ، يعني في الصوم (٢).

هذه هي النصوص الموجودة في مدرسة أهل البيت عليهم‌السلام ، وهي تخالف ما يحكونه عن بلال في كتبهم.

أُنظر إلى المفارقة بين الأذانين والمؤذّنين ، وابحث عن سرّ تأكيدهم على جعل ابن أُمّ مكتوم مؤذّناً للصبح في عهد رسول الله دون بلال ، مع اعتقادهم بكراهة أذان الأعمى.

فالذي أرجّحه أنّ بلالاً الحبشي كان يؤذّن على عهد رسول الله بـ «حيّ على خير العمل» في الصبح وغيره ، ولم يثبت عنه الأذان بـ «الصلاة خير من النوم» ، وأنّ ما ادّعوه من مشاهدته لنوم النبيّ جاءت لتصحيح نسبة «الصلاة خير من النوم» عن رسول الله عن طريق بلال ، وكذا قولهم بأذانه في الليل ـ قبل دخول وقت الفجر ـ ، جاء لعدم ثبوت ندائه بالتثويب في أذان الفجر ، وأمثال ذلك.

وعليه فممّا يمكن قوله هنا أنّ مقتضى الأصل هو جواز النداء بالليل ببعض الكلمات والجمل شريطة أن يقصدوا به الإشعار والتنبيه ولإيقاظ النائمين وتنبيه الغافلين ، مع عدم اعتبارهم

__________________

(١) الكافي ٤ : ٩٨ / ٣.

(٢) الكافي ٤ : ٩٨ / ١.

٢٩٦

ذلك من أصل الأذان وجزءاً منه ، وجواز اكتفائهم بجمل خاصّة به تميّزه عن الأذان الكامل الشرعي بحيث لا يلتبس ذلك على المؤمنين (١).

فقد جاء في (التهذيب) بسنده عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر الباقر عليه‌السلام أنّه قال : كان أبي (أي الصادق عليه‌السلام) ينادي في بيته بـ «الصلاة خير من النوم» ، ولو ردّدت ذلك لم يكن به بأس (٢).

وفي صحيحة زرارة قال أبو جعفر الباقر عليه‌السلام : إن شئت زدت على التثويب «حي على الفلاح» مكان «الصلاة خير من النوم».

قال الشيخ [الطوسي] : فلو كان ذكر «الصلاة خير من النوم» من السنّة لما سوّغ له تكرار اللفظ والعدول عمّا هو السنّة إلى تكرار اللفظ ، وتكرار اللفظ إنّما يجوز إذا أريد به تنبيه إنسان على الصلاة أو انتظار آخر أو ما أشبه ذلك. يبيّن ذلك ما رواه محمّد بن يعقوب ، عن محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد ، عن ابن محبوب ، عن علي بن أبي حمزة ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : لو أنّ مؤذّناً أعاد في الشهادة وفي «حيَّ على الصلاة» أو «حيَّ على الفلاح» المرّتين والثلاث وأكثر من ذلك إذا كان إماماً يريد جماعة القوم ليجمعهم ، لم يكن به بأس (٣).

__________________

(١) جواهر الكلام ٩ : ١١١ ـ ١١٤ ، مصباح الفقيه ٢ : ٢٢٦ ، النهاية للشيخ الطوسي ، جامع المدارك للخوانساري.

(٢) تهذيب الكلام ٢ : ٦٣ / ح ٢٢٢.

(٣) تهذيب الكلام ٢ : ٦٣ / ح ٢٢٤ و ٢٢٥.

٢٩٧

فالإمامان الصادق والباقر عليهما‌السلام كانا معاصرَين لمالك وأبي حنيفة ، فالإمام الباقر يجيز الإتيان بجملة «الصلاة خير من النوم» إذا كان وحده ، أو يريد أن يجمع الناس للصلاة ، فيجوز له أن يقول ذاك مع «حيَّ على الفلاح» دون غيره من الفصول الأذانية ، أمّا لو أُريد إدخاله في الأذان فلا يجيزه ، بل هو حرام عنده بخلاف مالك الذي أجاز إدخال هذه الجملة في الأذان الشرعي ، وحُكي عن الشافعي أنّه لم يكن يؤذّن بها حتّىٰ جاء المدينة فأخذ يؤذّن بها ، وهذا الخلاف المشهود بين التابعين يؤكّد عدم استقرار المسلمين عليه.

إذن ، فالذي احتمله وأذهب إليه أنّ «الصلاة خير من النوم» وأمثاله كـ «حيّ على الفلاح» أو «انهضوا إلى الصلاة» أو «إشرب الماء وعجّل» ـ في شهر رمضان خاصّة ـ كان ينادى بها كجمل مستقلّة لإيقاظ النائمين وتنبيه الغافلين ، وهي أُمور جائزة الإتيان بها شرعاً ، لكنّهم بعد وفاة رسول الله سعوا إلى أن يدرجوها ويدخلوها في الأذان الشرعيّ ، وهذا هو الذي اختلف المسلمون في شرعيّته.

وأمّا ما رووه بأنّه كان في أصل الأذان فهو غير صحيح؛ سواء المروي عند الجمهور أو في بعض أخبارنا ، إذ صرّح علماؤنا بأنّ تلك الأخبار عندنا محمولة على التقيّة لمخالفتها للأُصول والأخبار الأُخرى. أمّا المرويّة عندهم فقد ناقشناها سنداً ودلالةً مبيّنين ملابسات صدورها وخلفيّات الأُمور فيها ، وقد أتينا بأسماء بعض علمائهم ومحدّثيهم ، وإليك الآن ما جاء في «مصنّف» عبد الرزّاق عن ابن جريج قال : سألت عطاء بن أبي رباح : متى قِيل : الصلاة خير من النوم؟ قال : لا أدري (١).

__________________

(١) مصنّف عبد الرزاق ١ : ٤٧٤ / ح ١٨٢٨.

٢٩٨

ومثله جاء عن طاووس بن كيسان (١).

وقد مرّ عليك كلام ابن رشد المالكي في «بداية المجتهد» (٢).

وكلام الشافعي وقوله : لا أحبّ التثويب في الصبح ولا غيرها ، لأنّ أبا محذورة لم يَحكِ عن النبيّ أنّه أمر بالتثويب (٣).

وأمثال ذلك من أقوال علمائهم ، فكلّ هذه النصوص توضح وقوع تحريف وتغيير في الأذان.

__________________

(١) انظر : مصنّف عبد الرزاق ١ : ٤٧٤ / ح ١٨٢٧.

(٢) بداية المجتهد ١ : ٧٧.

(٣) الأُم ١ : ١٠٤.

٢٩٩
٣٠٠