الصّلاة خير من النوم شرعة أم بدعة

السيد علي الشهرستاني

الصّلاة خير من النوم شرعة أم بدعة

المؤلف:

السيد علي الشهرستاني


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مؤسسة المؤمل الثقافية
الطبعة: ٠
الصفحات: ٤٨٠

بالخبر المفتعل على لسان بلال : «اجعلها في أذانك» ، فهو الآخر قد فنّدناه وقد يكون أراد شيئاً ثالثاً ورابعاً لا نعرفه؟

بلى ، ليس عليه إلّا أن يقول بتشريعه بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، بل في أيام أبي بكر وعمر بالتحديد ومِن قِبلِهما ، وأنّها سنّة الشيخين وليست بسنّة رسول الله ، فلو ثبت ذلك فلا يمكن أن يُعدّ ذلك تشريعاً إسلامياً ، بل يكون ذاك رأياً واستحساناً ارتضاه الناس بأهوائهم ثمّ تسالموا عليه.

كما عرفت أنّ الإمام مالكاً قال عن هذه الجملة بـ «أنّها ضلال» ، ومالك هو فقيه أهل المدينة ، ونسبة كتاب «الموطأ» إليه لا خلاف فيها ، و «الموطأ» في الرتبة الثالثة بعد صحيحَي مسلم والبخاري على ما هو الأصح (١).

والبلاغ الموجود فيه يؤكّد أنّ عمر بن الخطاب كان وراء التثويب لا رسول الله ، وما قالوه بأنّ بلاغات مالك هي بحكم المرسَل ، لا يصح ، إذ إنّ غالب الفقهاء يأخذون بمراسيل مالك.

قال السيوطي : ما في كتاب مالك من المراسيل ، فإنّها مع كونها حُجّةً عنده وعند من وافقه من الأئمة من الاحتجاج بالمرسَل ، هي أيضاً حجة عندنا؛ لأنّ المرسل عندنا حجة إذا اعتضد ، وما من مرسل في (الموطّأ) إلّا وله عاضد أو عواضد ، فالصحيح اطلاق انّ الموطأ صحيح لا يستثنى منه بشيء ، اُنظر حاشيته على (الموطأ).

وقال الشيخ صالح الفلاني في بعض طرره على ألفية السيوطي في المصطلح بعد نقله كلاماً لابن حجر ما نصه :

__________________

(١) الرسالة المستطرفة : ١٣.

٢٦١

قلت : وفيما قاله الحافظ من الفَرْق بين بلاغات (الموطأ) ومعلقات البخاري نظر ، فلو أمعن النظر في الموطأ كما أمعن النظر في البخاري لعلم انّه لا فرق بينهما ، وما ذكره من انّ مالكاً سمعها كذلك غير مسلَّم ، لأنّه يذكر بلاغاً في رواية يحيى مثلاً أو مرسلاً فيرويه غيره عن مالك موصولاً سنداً ، وما ذكر من كون مراسيل الموطأ حجة عند مالك ومَن تبعه دون غيرهم مردود بأنّها حجة عند الشافعي وأهل الحديث لاعتضادها كلّها بمسند كما ذكره ابن عبد البر والسيوطي وغيرهما ، وما ذكره العراقي أنّ من بلاغاته ما لا يُعرَف مردود بأنّ ابن عبد البر ذكر أنّ جميع بلاغاته ومراسيله ومنقطعاته كلّها موصولة بطرق صحاح إلّا أربعة ، وقد وصل ابن الصلاح الأربعة بتأليف مستقل ، وهو عندي وعليه خطه ، فظهر بهذا انّه لا فرق بين الموطأ والبخاري ، وصح أنّ مالكاً أول من صنف في الصحيح كما ذكره ابن العربي وغيرهم فافهم (١).

وقال الكتاني في (الرسالة المستطرفة) عن البخاري و (موطّأ) مالك :

... وأول من صنّف في الصحيح المجرد على ما قاله غير واحد الإمام أبو عبد الله البخاري ، وكانت الكتب قبله مجموعة ممزوجاً فيها الصحيح وغيره ، ولا يرد على هذا (موطأ) مالك ، فإنّها قبل البخاري وهي مخصوصة بالصحيح أيضاً ، لأنّ مالكاً أدخل فيها المرسل والمنقطع والبلاغات ، وليست من الصحيح على رأي جماعة خصوصاً المتأخرين.

__________________

(١) الرسالة المستطرفة : ٥ ـ ٦.

٢٦٢

ولا يقال بأنّ صحيح الإمام البخاري كذلك أيضاً ، لأنا نقول ما في الموطأ هو كذلك مسموع لمالك غالباً ، وهو حجة عنده وعند من يقلده ، وما في البخاري حذف اسناده عمداً اما لقصد التخفيف إن كان ذكره في موضع آخر (١).

* * *

إذن الخبر مروي في كتابٍ حديثي لأحد أئمة المذاهب الأربعة ، وهو صريح في أنّ التثويب لم يكن على عهد رسول الله ، بل إنّ عمر بن الخطاب هو الذي أمر مؤذّنه بأن يضعه في الأذان.

كما اعترف ابن رشد المالكي (٥٢٠ ـ ٥٩٥ هـ) بهذه الحقيقة ، وأنّ بعض الناس كانوا يعتقدون بأنّه لم يكن يقال في زمن رسول الله ، وإنّما قيل في عهد عمر بن الخطاب ، إذ قال في (بداية المجتهد) :

واختلفوا في قول المؤذن في صلاة الصبح (الصلاة خير من النوم) ، هل تقال فيها أم لا؟

فذهب الجمهور إلى أنّه يقال ذلك فيها ، وقال آخرون : إنّه لا يقال لأنّها ليست من الأذان المسنون ، وبه قال الشافعي ، وسبب اختلافهم : هل قيل في زمان النبي أو إنّما قيل في زمان عمر؟ (٢)

فلماذا لا يقول ابن رشد : إنّما قيل (في زمن أبي بكر) ، أو (في زمن معاوية) ، أو في زمن غيرهم ، بل خصّه بزمن عمر!! ألا يعني كلامه بأنّه كان لعمر دور في التثويب وأنّه وأنصاره كانوا وراءَ ذلك؟!

__________________

(١) الرسالة المستطرفة : ٤ ـ ٥.

(٢) بداية المجتهد.

٢٦٣

وهو مما يمكن أن نفهمه من كلام الإمام الشافعي أيضاً ، وتشكيكه فيما حكوه عن أبي محذورة عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في التثويب.

ومثله ما حكوه عن أبي حنيفة والشيباني وغيرهما من علماء وفقهاء الحنفية ، وأنّهم كانوا يعتقدون بأنّ التثويب بدعة حادثة.

وصرّح بذلك وحيد الزمان ـ وهو من علماء الهند ـ في كتابه (أنوار اللغة) بقوله : ... فأمَرَه عمر أن يجعله في نداء الصبح (١).

وقال عالم آخر من علماء الهند المتأخّرين ، وهو عبد الكريم الثمر ، في مقالته في أوّليات عمر ما ترجَمتُه : أضاف عمر بن الخطّاب «الصلاة خير من النوم» في أذان الفجر في خلافته (٢).

هذا من جهة.

وهناك روايات في مسند أحمد بن حنبل وغيره من المجاميع الحديثية تشير إلى عدم شرعية التثويب ، لكن أحمد وغيره من المحدّثين وتلاميذ الشافعي وأبي حنيفة ـ مع ضعف تلك الأخبار عندهم ـ كانوا يأخذون بها عملاً ، لأنّ الاتّجاه العام كان يصبّ في دعمه.

إذن ، فكتاب (الموطأ) لمالك ليس بكتاب مجهول أو مهمل عندهم حتى يمكن تناسيه أو تركه ، وخبر جعل عمر للصلاة خير من النوم لم يؤخذ من كتب التاريخ حتّى يشكّكوا في حجّيته ، بل أُخذ اعتماداً على كتب الحديث ونقل الفقهاء.

__________________

(١) أنوار اللغة ١ : ٣٧ ـ طبع أحمدي لاهور.

(٢) ماهنامه جنان ١٨ نومبر ١٩٦٣ ، ومجلة المنتظر النصف شهریة الپاکستانیة الصادرة في لاهور في ٥ اپریل ١٩٦٣ / العدد ٣ صفحة ١٦.

٢٦٤

و (موطّأ) مالك هو أحد الكتب الستة عند جماعة من علماء الجمهور ، وعليه مدار الفقه عند المالكية ، ووجود قول عمر لمؤذّنه فيه كافٍ للدلالة على محبوبيته عند مالك ، مع عدم إنكارنا لمحبوبيّة التثويب عند اتباع المذاهب الأربعة أيضاً لثبوته عن عمر.

هذا مع الإشارة إلى أنّ كتاب «الموطأ» هو أقدم من (كتاب من لا يحضره الفقيه) و (الهداية) للشيخ الصدوق (٣٠٦ ـ ٣٨١ هـ) ، و (المقنعة) و (الإعلام بما اتفق عليه الأعلام) للشيخ المفيد (٣٣٦ ـ ٤١٣ هـ) ، و (الانتصار) و (المسائل الميافارقيات) للسيد المرتضى (٣٥٥ ـ ٤٣٦ هـ) ، و (التهذيب) و (المبسوط) للشيخ الطوسي (٣٨٥ ـ ٤٦٠ هـ) ، و (المنتهى) و (التذكرة) للعلامة الحلي (٧٢٦ هـ) ، وأن وجود هذا الخبر فيه ، وتشكيك ابن رشد المالكي (ت ٥٩٥ هـ) في كون التثويب سنّة لرسول الله يعني أقدمية وجود هذا الاتهام لعمر عندهم قبل أن يكون صادراً عنّا معاشر الإمامية.

وكلامي لا يعني عدم وجوده في كتبنا ، فأوّل من أشار من أعلامنا إلى كون التثويب بدعة عمرية هو أبو القاسم علي بن أحمد الكوفي (ت ٣٥٢ هـ) إذ قال في (الاستغاثة) :

أثبت عمر في الأذان «الصلاة خير من النوم» مرتين ولم يكن هذا على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله (١).

كما أشار الفضل بن شاذان (ت ٢٦٠ هـ) في «الإيضاح» إلى الاختلاف الفقهي عند القوم ، وكان من جملته التثويب بقوله :

وأعجب منكم مَن يقول في اذان الفجر والعشاء بين الأذان والإقامة بعد «حيّ على الفلاح» : «الصلاة خير من النوم» ، ومنكم من لا يقول ذلك ، ولا يُنكر بعضكم على بعض! (٢)

__________________

(١) الاستغاثة ١ : ٢٦.

(٢) الإيضاح : ٢٠٣.

٢٦٥

وقال القاضي النعمان بن محمّد بن حيون المغربي (ت ٣٦٣ هـ) في الإيضاح ...............

وقد مرّ عليك كلام الشوكاني سابقاً عن (البحر الزخار) :

وذهبت العترة والشافعي في أحد قولَيه إلى أنّ التثويب أحدثه عمر ، فقال ابنه أي (عبد الله بن عمر) : هذه بدعة!

وعن الإمام علي حين سمع التثويب قال : لا تزيدوا في الأذان ما ليس منه!

ثمّ ذهب الشوكاني إلى كونه أمراً ثابتاً عن النبي ، وأنّ ابن عمر والإمام عليّاً لم ينكراه مطلقاً إلّا في صلاة الظهر ، ونحن ناقشنا كلام الشوكاني في كتابنا (حي على خير العمل) ، فراجع.

نعم ، لقد تطور الابتداع في الأذان ، وأخذ يزداد على وجوهٍ مختلفة ، واضعين أحاديث على لسان الرسول في تأييد كلّ واحد من هذه الأمور.

فقد روي عن أبي حنيفة كما في (جامع المسانيد) عنه عن حماد عن إبراهيم قال : سألته عن التثويب؟

فقال : هو ممّا أحدثه الناس ، وهو حسن ممّا أحدثوه!

وذكر أنّ تثويبهم كان حين يفرغ المؤذّن من أذانه : إنَّ الصلاة خير من النوم ـ مرتين ـ. قال : أخرجه الإمام محمّد بن الحسن (الشيباني) في (الآثار) فرواه عن أبي حنيفة ، ثمّ قال محمّد : وهو قول أبي حنيفة رضي‌الله‌عنه وبه نأخذ (١).

ونقل ابن قدامة عن اسحاق أنّه قال بعد أن نقل رواية أبي محذورة :

__________________

(١) جامع المسانيد ١ : ٢٩٦.

٢٦٦

هذا شيء أحدثه الناس ، وقال أبو عيسى : هذا التثويب الذي كرهه أهل العلم ، وهو الذي خرج منه ابن عمر من المسجد لمّا سمعه (١).

ألم يكن مالك ، والشافعي ، وأبو حنيفة ، وابن رشد ، وابن جريج ، وطاووس ، وعبد الرزاق بن همام ، وغيرهم ، من جهابذة العلماء ونقدة الحديث! فما يعني تشكيك هؤلاء أو عدم تصحيحهم بعضَ وجوه التثويب ، بل تصريح بعضهم بأنّ عمر بن الخطاب كان وراء إحداثه ، وأنّه لم يكن على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله.

ولكي أوضّح الأمر أكثر أنقل تعليق الخطابي على حديث ابن عمر ، وكيف أراد أن يستفيد من خطأ بلال في الأذان ـ على فرض صحّة الخبر ـ للقول بأنّ رسول الله في أخريات حياته سحب عنه مهمّة الأذان للصبح وأعطاها لابن أُم مكتوم الأعمى ، فقال :

إنّ بلالاً أذّن قبل طلوع الفجر ، فأمره النبي أن يرجع فينادي : ألا إنّ العبد قد نام ، ألا انّ العبد قد نام ... فإنّ الثابت عن بلال أنّه كان في أواخر أيام رسول الله يؤذن بليل ثم يؤذن بعده ابن أم مكتوم مع الفجر (٢).

ومثله ترى احتدام الصراع بين التابعين وتابعي التابعين في هذه المسألة ، لأنّ الناس لا يمكنهم أن يقبلوا كلّ شيء يقال لهم ، فلهم أن يعترضوا على بعض الأقوال ، فلو تأمّلت في الحوار الذي دار بين شعيب بن حرب ومالك بن أنس لوقفت على مصداقية كلامنا ، إذ أخرج البيهقي بسنده :

__________________

(١) المغني ١ : ٤١٩ ـ ٤٢٠.

(٢) عون المعبود ٢ : ١٧٧ ـ عن الخطّابي.

٢٦٧

أخبرنا أبو الحسين بن بشران العدل ببغداد ، ثنا أبو عمرو بن السمّاك ، ثنا اسحاق ، حدثني أبو عبد الله ـ يعني أحمد بن حنبل ـ ، ثنا شعيب بن حرب قال : قلت لمالك بن أنس : أليس قد أمر النبي بلالاً أن يعيد الأذان؟ فقال : قال رسول الله : إنّ بلالاً يؤذن بليل ، فكلوا واشربوا.

قلت : أليس قد أمره أن يعيد الأذان؟

قال : لا ، لم يزل الأذان عنده بليل (١).

ومعنى هذا النَّصّ أنّ شعيباً كان يريد أن ينقد الرواية المشهورة «انّ بلالاً يؤذّن بليل» ، لأنّه لو كان أذانه بلليل فلا داعي لقول رسول الله «ارجع إلى مقامك وناد : ألا إنّ العبد قد نام».

فمالكٌ عاد وكرّر الحديث المختلَف في صحّته وجعله دليلاً على مدّعاه ، فأجابه شعيب بأنّ أمر رسول الله بالاعادة يؤكّد تعلّقه بأمرٍ شرعي ومهم كالأذان قبل الوقت في الفجر.

فمالك بن أنس يستدلّ بالسيرة في كلامه ، وشعيب بأمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله.

ثمّ إنّ تشكيك مالك والشافعي في شرعية التثويب على عهد رسول الله لا يعني عدم قبولهم أيضاً بالنداء بـ «الصلاة خير من النوم» في الليل ، فهم يذهبون إلى شرعيته قبل الفجر لا في الفجر :

قال مالك : لم يزل الصبح ينادى بها قبل الفجر ، فأمّا غيرها من الصلوات فإنا لم نَرَها ينادى بها إلا بعد أن يحلّ وقتها ....

__________________

(١) البيهقي ١ : ٣٨٥.

٢٦٨

وقال الشافعي : لا يؤذَّن لصلاة غير الصبح إلّا بعد وقتها ، لأنّي لم أعلم أحداً حكى عن رسول الله أنّه أذن الصلاة قبل وقت غير الفجر ، ولم نر المؤذنين عندنا يؤذنون إلا بعد دخول وقتها إلا الفجر (١).

وعليه ، فعدم ذكر المفيد والصدوق والسيّد المرتضى وغيرهم من علماء الإمامية اسم الخلفاء الثلاثة في مبدعي التثويب لا يعني عدم قبولهم بأنّ الخلفاء الثلاثة كانوا وراء بدعة التثويب ، لأنّهم بتأكيدهم على عدم كونه شرعيّاً على عهد رسول الله يعني بدعيّته في عهد الشيخين ، وأنّ تأكيدهم على رفع عمر للحيعلة الثالثة ووضعه لـ «الصلاة خير من النوم» في كتب أُخرى هو دليل كافٍ لإيصال المقصود.

فهؤلاء الأعلام حينما يشيرون في كتبهم الفقهية والكلامية إلى البدع لا يريدون أن يستقصوها جميعاً ، بل يشيرون إلى نماذج منها ، لأنّ الاستقراء والإحصاء هما من مهامّ الباحثين الجدد الذين يبحثون عنها عند هذا وذاك.

فمهمّة المحدّثين هو نقل الأحاديث ، ومهمّة الفقهاء هو ذكر كليات البدع ، تاركين الأمر للباحثين لكي ينتزعوا مصاديق هذه الأُمور من الكتب.

ونحن انطلاقاً من هذه القاعدة قد أثبتنا في كتابنا «وضوء النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله» بدعة عثمان للوضوء الغسلي.

فكلامي لا يعني أنّي أتيت بشيء لا يرتضونه أو أنّ أدلتي غير موجودة في كتب علمائنا فقهاً وحديثاً وتاريخاً.

__________________

(١) سنن البيهقي ١ : ٣٨٥.

٢٦٩

فهم ذكروا النصوص الصريحة والبدع المشتهرة بين القوم ، لا المنتزعة فكرياً أو المستنبطة عقلياً والموجودة وثائقيّاً.

وبهذا فالفقهاء القدامى حينما تعرضوا لمسألة التثويب أشاروا إليها على أنّها مسألة فقهية خلافية بين الفريقين دون الإشارة إلى من أحدثها وأبدعها ، أي إنّهم بحثوها من الوجهة الفقهية الاستدلالية لا التاريخية والكلامية.

وعليه فلا يمكن إنكار كون عمر من الذين شرعوا التثويب بعد رسول الله بهكذا دعاوى فارغة ، وهذه حقيقة لا يمكنهم إنكارها ، خصوصاً لو دُعِمت هذه الحقيقة بإجماع الفرق الشيعية الثلاث في اتهام عمر بأنّه كان وراء رفع الحيعلة الثالثة ووضع : «الصلاة خير من النوم» مكانها ، إذ الشيعة جزء من المسلمين وأنّ التاريخ يرسم بهم وبغيرهم ، فعلينا النظر إلى هذه المسألة من الزاويتين معاً.

أما ما سأله علاء الدين البصير عن الفوائد التي جناها عمر بن الخطاب من اضافة هذه الجملة في الأذان ، وكذا سؤاله عن الفائدة التي جناها الصحابة وعلماء أهل السنة في اتباع عمر ، فهي في نظرنا كثيرة ، أهمّها إثبات خلافة أبي بكر وعمر حسبما وضّحناه وسنكمله في الجانب الكلامي من هذه الدراسة.

وإنّا كنّا قد أشرنا وسنشير لاحقاً إلى أبعاد وأسباب اختصاص أذانَين ومؤذّنَين في أذان الفجر خاصّة ، فهو يُرشدنا إلى وجود ارتباط مّا بأمر عقدي ، ألا وهو ارتباطه بصلاة أبي بكر مكان رسول الله.

فاتضح إذن بأنّ الأذان الأول بالليل يُميَّز عن الأذان الثاني للإيذان بدخول الوقت بطريقتين :

أحدهما : بالصوت ، وذلك من خلال اختلاف صوت بلال عن صوت ابن أم مكتوم.

٢٧٠

والثاني : بزيادة جملة في النداء بليل ـ لا في الصبح ـ يتناسب مع المقصود ـ وهو نوم الناس ـ وهو ما أقره رسول الله في أذان بلال حسب زعمهم.

كما ثبت لك بأنّ التثويب لم يرد فيما روي عن عبد الله بن زيد بن عبد ربه الذي اُرِي الأذان ، ولا في المشرَّع في السماء حسبما جاء في مسند البزّار عن الإمام علي عليه‌السلام ، بل الذي نقف عليه هو وجود هذه الزيادة في ذيل بعض الروايات المحكية عن بلال وأنّ الزهري قال : وزاد بلال في نداء الغداة الصلاة خير من النوم فأقرها رسول الله.

وجاء مثله أيضاً في رواية أحمد عن الزهري عن سعيد بن المسيب بعد أن ذكر رؤيا عبد الله بن زيد وقولَه : فلمّا أصبحتُ أتيت رسول الله ... قال : سعيد بن المسيب : فأُدخلتْ هذه الكلمة في التأذين إلى صلاة الفجر (١).

فالزهري في رواية ابن ماجة ، وسعيد بن المسيب في رواية أحمد ، قالا :

إنّ بلالاً قالها ورسول الله أقرها في أذانه ، وهي صريحة بأنّها لم تكن في رؤيا عبد الله بن زيد بن عبد ربه وقد حدثت لاحقاً ، ومن هنا التبس الأمر على بعض الكتاب هل أنّه تشريع أم تنبيه فقط؟

والأكثر على أنّ التثويب زيادة من الصحابة لا من رسول الله.

وعليه فالروايات الأذانية الخالية من التثويب هي الأكثر والأقوى عند المسلمين ، فلا يمكن الركون إلى (التثويب) لأنّه أمر مشكوك فيه بينهم ، خصوصاً إذا دار الأمر بين سنّيّته وبدعيّته ، فيجب ترك الأخذ بكونه سنّة خوفاً من الوقوع في البدعة.

لأنّ السنّة إذا تُركت ليس فيه عقاب ، بخلاف البدعة إذِ الإتيان بها يوجب العقاب ،

__________________

(١) مسند أحمد ٤ : ٤٢.

٢٧١

وعليه فالاحتياط في الدين يدعو المكلَّف إلى ترك المشكوك ، فكيف لو كان هناك قرائن وشواهد ، بل هنالك أدلة تدلّ على بدعيته؟! وهنا نختم كلامنا الفقهي الحديثي بكلام فقهائنا.

كلام بعض فقهاء الشيعة في التثويب فقد قال السيد المرتضى في (الانتصار) (١) و (الناصريات) (٢) والنص عن الأوّل : لو كان مشروعاً [أي التثويب] لوجب أن يقوم دليل شرعي على ذلك ، ولا دليل عليه! وإنّما يرجعون إلى أخبار آحاد ضعيفة ، ولو كانت قوية لما أوجبت إلّا الظن. وقد دللنا في غير موضع على أنّ اخبار الآحاد لا توجب العمل كما لا توجب العلم ، وأيضاً فلا خلاف في أنّ مَن ترك التثويب لا ذم عليه ، لأنّه إمّا أن يكون [التثويب] مسنوناً على مذهب بعض الفقهاء ، أو غير مسنون على مذهب قوم آخرين ، وعلى كلا التقديرين لا ذمَّ على تركه ، وما لا ذم في تركه ويُخشى فعلُه أن يكون معصيةً وبدعة فالأحوط في الشرع تركه (٣).

وقال العلامة في (المختلف) : لا خلاف عندنا في أنّ التثويب والترجيع زيادةٌ غير مشروعة ، فيكون بدعةً وكلُّ بدعة حرام ، إذ الحكم باستحباب ما لم يثبت استحبابه باطل (٤).

__________________

(١) الانتصار : ١٢٨.

(٢) الناصريات ٤٤ : ١٨٣ ، وانظر : رياض المسائل ٢ : ٣٤٠. قال الشيخ في (النهاية) وعنه أخذ العلّامة في (المختلف) وفي (السرائر ١ : ٢١٢) بعدم جواز التثويب في الأذان ، وذلك بعد نقلهم كلام السيد المرتضى في (الانتصار) و (الناصريات).

(٣)

(٤) المختلف ٢ : ١٢١.

٢٧٢

وقال الشهيد الثاني في (روض الجنان) : والتثويب بدعة وهو قول «الصلاة خير من النوم» ... إلى أن يقول :

وإنّما كان بدعة لأنّ الأذان كيفية متلقاة عن الشارع ولا مدخل للعقل فيها ، فالزيادة فيها تشريع فتكون محرمة. وما يوجد في بعض الأخبار من أنّ التثويب من السنّة فهو مع شذوذه محمول على التقية ، وذهب جماعة من الأصحاب إلى كراهته ، وإنما يتجه مع اعتقاد أنّه كلام خارج عن الأذان لا مع اعتقاد توظيفه ومشروعيته هذا كلام مع عدم التقية ، أمّا معها فلا حرج في قوله ، لا في اعتقاده. وذهب الشيخ في (النهاية) وتبعه ابن ادريس إلى أنّ التثويب تكرار الشهادتين دفعتين وَحَرَّماه ، وهو مناسب للتثويب الذي هو الرجوع إلى الشيء بعد الخروج منه (١).

وقال الميرزا القمي في (الغنائم) : يحرم التثويب ـ بمعنى : الصلاة خير من النوم ـ في الأذان مع اعتقاد الجزئية ، لكونه من بدع عمر ، والظاهر أنّه لا نزاع فيه واتفاق بين الفرقة ، كما أنّه لا خلاف في جوازه مع التقية ، أما بدونها فالأظهر الحرمة أيضاً (٢).

وقال الخوانساري في (جامع المدارك) : فإذا كان بعنوان الجزئية يكون تشريعاً محرَّماً ، وإن كان بقصد التنبيه فمقتضى الأصل جوازه. وقد ذُكر في بعض الأخبار نفي البأس مع إرادة تنبيه الناس مع عدم جعله من أصل الأذان (٣).

__________________

(١) روض الجنان : ٢٤٦.

(٢) غنائم الأيام ٢ : ٤١٩.

(٣) جامع المدارك ......... ، وانظر كلام الهمداني في (مصباح الفقيه ٢ : ٢٢٦) ، جواهر الكلام ٩ : ١١١ ـ ١١٤ أيضاً.

٢٧٣
٢٧٤

القسم الثاني

أذانان ،

مؤذّنان ،

إمامان لصلاةٍ واحدة

٢٧٥
٢٧٦

منذ سنوات ومسألة تراود فكري ولم أهتدِ إلى توجيهٍ مقنع لها ، وهي :

كيف يكون في الشريعة أذانان لفريضة واحدة ، أحدهما قبل الوقت والآخر بعد الوقت؟!

بل كيف يُسَنّ الأذان لغير الفريضة؟!

بل ماذا يعني وجود إمامين لصلاة واحدة؟! وغير ذلك.

هذه الأسئلة وغيرها معها أخذت حيّزاً كبيراً من تفكيري ، بحيث دعتني إلى البحث والتنقيب فيها.

فقد طرحوا هذه المسائل في كتب الفقه والعقيدة بكلّ هدوء ، كأنْ لم يكن فيها شيء يثير الانتباه له والاهتمام به ، بل كأنّه هو شيء مسلَّم ، فقالوا معلّلين ذلك بأنّ الأذان الأوّل هو قبل الفجر وقد شُرّع لإيقاظ النائمين وتنبيه الغافلين ، والأذان الثاني هو لصلاة الفجر ، مع علمنا وعلم جميع المسلمين بعدم جواز الأذان لغير الفريضة ، فماذا يعني أذانهم بالليل؟

أجل ، إنّهم لمّا قالوا بمسنونية وجود أذانين في الشريعة ، قالوا بعد ذلك بلزوم وجود مؤذّنين لهما لكي يُميَّز أحدهما عن الآخر ، فقالوا بأنّ بلال الحبشي الصاحي البصير كان يؤذّن بالليل ، وابن أُمّ مكتوم الأعمى يؤذّن بالصبح.

٢٧٧

كيف يمكن تصوّر هذا؟ إنّها إشكاليّة يجب توضيحها.

وأخيراً قالوا بوجود إمامين لصلاة واحدة في اليوم الأخير من حياة رسول الله ، أعني صباح الإثنين : أحدهما رسول الله ، والآخر أبوبكر بن أبي قحافة ، وأنّ أبابكر صلّى بصلاة رسول الله والناس صلّوا بصلاة أبي بكر!

فنتساءل : كيف يمكن تصوّر هذه الثنائية في إمامة أمر عبادي كالصلاة؟ وماذا يعني طرح هكذا أُمور مقرونة مع مرض رسول الله وعند احتضاره على وجه الخصوص؟

بل متى وُجِد هذان الأذانان ، هل شُرّعا أو أُقرّا على عهد رسول الله ، أم حَدَثا من بعده؟ وإذا قُرّرا في أذان الفجر خاصّة فهل بقيا على ما أراده رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أم غُيِّرا وبُدِّلا إلى شيءٍ آخر؟

ومن كان المشرّعُ لهما ، هل رسول الله ، أم الناس؟

فلو كان المشرّع هو رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فلابدّ أن يتواتر النقل عنه فلا يقع الاختلاف بين المسلمين في مشروعيّته.

وإن كان هو مِن وضع الناس واستحسانهم ، فهل أقرّه رسول الله ، أم لم يقرّه؟

بل كيف يصحّ قول رسول الله : كلوا واشربوا حتّى يؤذّن ابن أُمّ مكتوم (الأعمى) ، ولا يقول : كلوا واشربوا حتّى يؤذّن بلال (الصاحي البصير)؟!

وماذا يعني أذان (البصير) بلال بالليل ، وأذان (الأعمى) ابن أُمّ مكتوم بالفجر؟ ألا يحتاج أذان الفجر إلى التحرّي والمشاهدة على خلاف أذان الليل؟

وهل هناك أُمور من وراء الكواليس ينبغي علينا أن نعلمها؟!

وهل ترتبط تلك الأُمور بالعقيدة والإمامة والخلافة ، أم أنّ الأمر جاء عفويّاً من قِبل مدرسة الخلفاء عن غير قصد؟

بل ماذا يعني تشريع السَّلام على الأمراء بعد الأذان في عهد الأمويّين ومن بعدهم؟

٢٧٨

وهل كان تشريع هذا في الزمن المتأخّر ليؤكّد وجود ترابط في الأذان بين الشهادات الثلاث والحيعلات الثلاث منذ التشريع الأوّل وفي الإسراء والمعراج ، فأبدلوا الإمامة الإلهيّة بالخلافة السلطوية الظاهرية؟!

ولما كنتُ عرفت ـ من خلال بحثي في الحيعلة الثالثة ـ أنّهم شرّعوا أصل الأذان بالمنام ، لم أستبعد أن يشرّعوا الأذان بالليل ـ بالشكل الذي يرغبون إليه ـ من عند أنفسهم أيضاً.

كما لم استبعد أن يتجاوز مدّعاهم فينسبوا إلى رسول الله أُموراً كثيرةً ويقولوا بأنّ النبيّ كان نائماً ، وأنّ بلالاً جاء لِيُعْلمَه بالصلاة ، فرآه نائماً فقال : الصلاة خير من النوم ، والنبيّ قال : «اجعلها في أذانك» ، وأمثال ذلك.

فالأمويون تبنّوا التثويب ، وربطوا الأذان بالخلافة كنائيّاً بعد أن عرفوا ارتباطه بالإمامة لعليّ كنائيّاً.

فنسبوا إلى أمير المؤمنين علي عليه‌السلام قوله في أبي بكر ومشروعيّة صلاته مكان رسول الله : «مَنِ ارتضاهُ رسول الله لديننا كيف لا نرتضيه لدنيانا» (١).

فأرادوا من خلال هذه المقولة الاستدلال على إمامة أبي بكر وأحقّيّته بالخلافة من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه‌السلام.

كما أرادوا من خلال القول بـ «الصلاة خير من النوم» ـ والذي يرتبط بأبي بكر ـ القولَ بأنّه الأجدر في حيازة منصب الخلافة من الإمام علي بن أبي طالب صاحب «حيّ على خير العمل».

وأنت تراهم حينما يحكون كلام الإمام علي يحكونه على نحو القياس «من ارتضاه رسول الله لديننا كيف لا نرتضيه لدنيانا» ، في حين أنّ من قال لكم أنّ رسول الله رضي أبابكر لديننا حتّى تقولون من باب الأولوية فكيف لا

__________________

(١)

٢٧٩

وعليه فإنّ هذا الأُسلوب يوضّح أنّ دليلهم قد قُرّر وشُرّع على مذاقهم وأُصولهم الفكرية ولم يَمتَّ إلى مدرسة أهل البيت بأيّ صلة ، إذ جميع الناس يعلمون خطأ هذا الاستدلال عند الإمامية وعند غيرهم ، فليس كلّ من ارتضاه رسول الله لديننا هو صالح لإدارة أمور الحكم والحياة ، فهم يخطّئون رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في الموضوعات الخارجية كتأبير النخل ، فكيف ينسبون إلى أمير المؤمنين هذه المقولة وأمثالها؟

وحتّى شيخهم ابن تيمية لا يرضى بهذا الاستدلال العقيم ، فممّا قاله : «إنّ النبيّ استخلف غير واحد [في حياته] ، ومنهم من لا يصلح للخلافة بعد موته صلى‌الله‌عليه‌وآله ، كما استعمل ابن أُمّ مكتوم الأعمى في حياته وهو لا يصلح للخلافة بعد موته ، وكذلك بشير بن عبد المنذر وغيره» (١).

أجل ، هذا ما أرادوا الذهاب إليه ، والذي عرفنا جذوره وملابساته من خلال السنخية الموجودة بين رفع الحيعلة الثالثة ووضع الصلاة خير من النوم ، في حين أنّ التحقيق أثبت سقم ما ادّعوه من أدلّة ، إذ التثويب = الصلاة خير من النوم لم يكن سنّة نبوية حسبما قدّمنا ، ولو كان لكان رأياً من قبل أبي بكر وعمر وأمثالهما من الصحابة ، وقد تطوّر الرأي فيه حتّى وصل الأمر إلى تبنّي الأمويين له ، وصيرورته بدعة أموية حسب قول الإمام الكاظم عليه‌السلام.

وإليك الآن بعض نصوص علمائهم في كلّ واحدة من هذه الأُمور الثلاثة ، لكي تقف على حقيقة الأمر وأنّه لم يكن شرعيّاً ، وقد شُرّع لاحقاً لعلل وأسباب ذكروا بعضها :

__________________

(١) منهاج السنّة ٤ : ٩١.

٢٨٠