الصّلاة خير من النوم شرعة أم بدعة

السيد علي الشهرستاني

الصّلاة خير من النوم شرعة أم بدعة

المؤلف:

السيد علي الشهرستاني


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مؤسسة المؤمل الثقافية
الطبعة: ٠
الصفحات: ٤٨٠

هذا ، قلت له : أعِدْ عَلَيَّ ، قال : الله أكبر ، الله أكبر ، أشهد أن لا إله إلّا الله ـ مرتين ، أشهد أنّ محمّداً رسول الله ـ مرّتين. ثم قال بصوت دون ذلك الصوت يسمع من حوله : أشهد أن لا إله إلّا الله ـ مرّتين ، أشهد أنّ محمّداً رسول الله ـ مرّتين ، حيَّ على الصلاة ـ مرّتين ، حي على الفلاح ـ مرّتين ، الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلّا الله (١).

المجتبى للنسائي : أخبرنا بشر بن معاذ قال : حدثني إبراهيم ـ وهو ابن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة ـ قال : حدثني أبي عبد العزيز وجدي عبد الملك عن أبي محذورة أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله أقعده فألقى عليه الأذان حرفاً حرفاً. قال إبراهيم : هو مثل أذاننا هذا ، قلت له : أعِدْ علَيَّ ، قال : الله أكبر ، الله أكبر ، ... حيّ على الفلاح ـ مرّتين ، الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلّا الله (٢).

صحيح ابن خزيمة : أخبرنا أبوطاهر ، نا أبوبكر ، نا بشر بن معاذ العقدي ، نا إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة مؤذّن مسجد الحرام : حدثني أبي عبد العزيز وحدثني عبد الملك جميعاً عن أبي محذورة أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أقعده فألقى عليه الأذان حرفاً حرفاً. قال بشر : قال لي إبراهيم : هو مِثل أذاننا هذا ، فقلت له : أعِدْ عَلَيَّ ، فقال : ... (٣).

سنن الدارقطني : حدثنا عثمان بن أحمد ، نا حنبل بن إسحاق ح ، وحدثنا محمد ابن عبد الله بن إبراهيم ومحمد بن أحمد بن الحسن قالا : حدثنا بشر بن موسى قال : نا

__________________

(١) المجتبى للنسائي ٢ : ٣.

(٢) المجتبى للنسائي ٢ : ٣ ، ٤. وروايته ليس فيها التثويب.

(٣) صحيح ابن خزيمة ١ : ١٩٥ ـ ١٩٦ ، مثل حديث النسائي ، ليس فيه التثويب.

٢٢١

الحميدي ، ثنا أبو إسماعيل إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة قال : سمعت جدي عبد الملك بن أبي محذورة يحدث عن أبيه أبي محذورة أنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ألقى هذا الأذان عليه : الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر ... حي على الفلاح ، حي على الفلاح ، الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلّا الله (١).

وليس في هذه النصوص عن أبي محذورة جملة (الصلاة خير من النوم).

٦ ـ رواية إبراهيم عن جرير بن عبد الله بن أبي محذورة

• أمّا ما رواه إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة ، عن جرير بن عبد الله بن أبي محذورة عن أبيه (أبي محذورة) فهو في :

معرفة السنن والآثار : قال أخبرناه أبو سعيد يحيى بن محمد بن يحيى الإسفرائيني ، أخبرنا أبو بحر البربهاري ، حدثنا بشر بن موسى ، حدثنا الحميدي ، حدثنا أبو إسماعيل إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة قال : سمعت جرير بن عبد الله بن أبي محذورة يحدث عن أبيه أبي محذورة أنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ألقى هذا الأذان عليه : الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر ، ... (٢).

وفي الجوهر النقي للمارديني : حديث إبراهيم بن عبد العزيز بن أبي محذورة عن عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع عن ابن عمر موصولاً وحك عليه (بأنّه ضعيف لا يصح).

__________________

(١) سنن الدارقطني ١ : ٢٣٥.

(٢) معرفة السنن والآثار ١ : ٤٢٠ / ح ٥٥٢ ، ليس فيه : الصلاة خير من النوم.

٢٢٢

قلت : إبراهيم روى له الترمذي وصحّح حديثه ، وذكره البيهقي فيما بعد في باب الترغيب في التعجيل بالصلوات ، وقال : هو مشهور ، وذكره ابن حبان في (الثقات) ... (١). (طريق واحد ، معرفة السنن والآثار للشافعي).

وفيما رواه إبراهيم بن عبد العزيز بن أبي محذورة عن جرير بن عبد الله بن أبي محذورة ليس فيه : الصلاة خير من النوم.

٧ ـ رواية إبراهيم عن جدّه عبد الملك بن أبي محذورة

وأمّا ما رواه إبراهيم بن إسماعيل بن عبد الملك بن أبي محذورة عن جده عبد الملك بن أبي محذورة أنّه سمع أبا محذورة ، فليس فيه : الصلاة خير من النوم ، وإليك نصوص تلك الأخبار :

المعجم الأوسط للطبراني : حدثنا أحمد قال : حدثنا أبو جعفر قال : حدثنا إبراهيم بن إسماعيل بن عبد الملك بن أبي محذورة قال : سمعت جدي عبد الملك بن أبي محذورة أنّه سمع أبا محذورة يقول : ألقى عليَّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله الأذان حرفاً حرفاً : الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر ... (٢) (مثل حديث إبراهيم بن عبد العزيز المار آنفاً إلّا أنّ فيه تربيع الأذان ، ولم يذكر فيه الترجيع ولا التثويب فيه).

المعجم الكبير للطبراني : حدثنا الحسين بن منصور الرماني المصيصي وجعفر بن محمد الفريابي وأحمد بن عبد الرحمن بن عقال ، قالوا : ثنا أبو جعفر النفيلي ، ثنا

__________________

(١) الجوهر النقي ١ : ٣٨٣.

(٢) المعجم الأوسط ٢ : ٢٣ / ح ١١٠٦.

٢٢٣

إبراهيم بن إسماعيل بن عبد الملك بن أبي محذورة قال : سمعت جدي عبد الملك بن أبي محذورة يذكر أنّه سمع أبا محذورة يقول : ألقى عليَّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله الأذان حرفاً حرفاً : الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر ، (١) (فيه التربيع والترجيع وليس فيه التثويب).

المعجم الكبير للطبراني : (زاد المصنف في ذيل الحديث السابق) : حدثنا أبو الزنباع روح بن الفرج المصري ، ثنا يحيى بن بكير ، ثنا إبراهيم بن أبي محذورة عن أبيه عن جده أنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله أمر جده أبا محذورة ثمّ ذكر مثله (٢).

٨ ـ رواية داود القرشي عن مالك بن دينار عن ابن أبي محذورة

• وأمّا ما رواه داود بن أبي عبد الرحمن القرشي عن مالك بن دينار عن بن أبي محذورة فهو :

المعجم الكبير للطبراني : حدثنا علي بن عبد العزيز ، ثنا مسلم بن إبراهيم ، ثنا داود بن أبي عبد الرحمن القرشي ، ثنا مالك بن دينار قال : قعدت إلى ابن أبي محذورة فوق المسجد الحرام بعدما أذّن ، فقلت له : أخبرني عن أذان لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال : كان يبدأ فيكبّر فيقول : أشهد أن لا إله إلّا الله ، أشهد أن لا إله إلّا الله ، أشهد أنّ محمّداً رسول الله ، أشهد أنّ محمّداً رسول الله ... حتّى يأتي إلى آخر الأذان : الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلّا الله (٣).

__________________

(١) المعجم الكبير ٧ : ١٧٣ / ح ٦٧٣٢.

(٢) المعجم الكبير ٧ : ١٧٣ / ح ٦٧٣٢.

(٣) المعجم الكبير ٧ : ١٧٤ / ح ٦٧٣٦.

٢٢٤

سنن الدارقطني : حدثنا القاضي أبو عمر ، ثنا علي بن عبد العزيز ، ثنا مسلم ، ثنا داود بن أبي عبد الرحمن القرشي ، ثنا مالك بن دينار ، قال : صعدت إلى ابن أبي محذورة فوق المسجد الحرام بعدما أذّن فقلت له : أخبرني عن أذان أبيك لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال : كان يبدأ فيكبّر ثمّ يقول : أشهد أن لا إله إلّا الله ، أشهد أن لا إله إلّا الله ، أشهد أنّ محمّداً رسول الله ، أشهد أنّ محمّداً رسول الله ... حتّى يأتي على آخر الأذان : الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلّا الله ، تفرّد به داود (١).

وقد ذكر أبو داود في ذيل حديث عبد الملك بن أبي محذورة عن عبد الله بن محيريز الجمحي عن أبي محذورة أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله علمه الأذان يقول : الله أكبر ، الله أكبر ... (ليس فيه : الصلاة خير من النوم) ، قال :

قال أبو داود : وفي حديث مالك بن دينار قال : سألت ابنَ أبي محذورة قلت : حدِّثْني عن أذان أبيك عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله. فذكر فقال : الله أكبر ، الله أكبر ، قط. وكذلك حديث جعفر بن سليمان عن ابن أبي محذورة عن عمّه عن جده ، إلّا أنّه قال : ثمّ ترجع فترفع صوتك : الله أكبر ، الله أكبر.

* * *

وبهذا نلخّص أدلّة القائلين بشرعيّة «الصلاة خير من النوم» ، وأنّها كانت تقال على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في أربع نقاط أساسية :

منها : قال الزهري : وزاد بلال في نداء صلاة الغداة : «الصلاة خير من النوم» ، فأقرّها النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله .... الحديث.

__________________

(١) سنن الدارقطني ١ : ٢٤٣.

٢٢٥

ومنها : ما يُدّعى من أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله أمر بلالاً أن يقول : «الصلاة خير من النوم» في الأذان.

ومنها : ما يدّعى أيضاً بأنّ بلالاً أتى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله فوجده راقداً ، فقال : «الصلاة خير من النوم» ، فقال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله : ما أحسن هذا ، اجعلْه في أذانك.

ومنها : ما جاء عن أبي محذورة أنّه قال : قلت : يا رسول الله ، علّمني سنّة الأذان ، قال : فمسح مقدّم رأسي وقال : تقول : اللهُ أكبرُ .... إلى آخره.

أمّا جواب الأوّل : فحَسْبك في بطلانه أنّه من حديث محمّد بن خالد بن عبد الله الواسطي الذي قال فيه يحيى : كان رجلَ سَوء! وقال مرة : هو لا شيء.

وقال ابن عَدِي : أشدّ ما أنكر عليه أحمد ويحيى روايته عن أبيه ، ثمّ له مناكير غير ذلك.

وقال أبو زرعة : ضعيف ، وقال يحيى بن معين : محمّد بن خالد بن عبد الله كذّاب ، إن لقيتموه فأضْعِفُوه.

وأمّا جواب الثاني : فهو غير صحيح لا يقرّه التحقيق وذلك لأنّ الذي روى عن بلال هو عبد الرحمن بن أبي ليلى ، وهو لم يسمع من بلال ، لأنّ ولادة عبد الرحمن كانت سنة ١٧ من الهجرة النبوية (١) وتوفّي سنة ٨٣ ، ووفاة بلال كانت سنة ٢٠ من الهجرة ، فكيف يصحّ أن يروى عن بلال وعمره ثلاث سنين؟ هذا شيء غريب!

وأمّا جواب الثالث : فلا يصحّ أيضاً؛ لأنّ الراوي هو عبد الرحمن بن زيد بن اسلم (ت ٢٨٢ هـ) عن أبيه زيد بن اسلم عن بلال.

__________________

(١) انظر : تهذيب الأسماء واللغات لمحيي الدين النووي ١ : ٣٠٣.

٢٢٦

وعبد الرحمن ضعيف الحديث لا يُعتَمد عليه كما نصّ على ذلك : أحمد ، وابن المديني ، والنسائي ، وغيرهم.

هذا من جهة ، ومن جهة أخرى فإنّ زيداً لم يسمع من بلال ، لأنّ ولادة زيد كانت سنة ٦٦ للهجرة ووفاته سنة ١٢٦ للهجرة (١).

فكيف يصحّ سماعه من بلال وهو لم يولد إلّا بعد وفاة بلال بست وأربعين سنة!!!

وأمّا جواب الرابع : فإنّ أبا داود أخرج عن أبي محذورة خبر التثويب من ثلاثة طرق ، وكلّها باطلة لا يحتجّ بها.

أحدها عن محمّد بن عبد الملك بن أبي محذورة عن أبيه عن جدّه.

ومحمّد عبد الملك هذا ممّن لا يحتجّ به بنصّ الذهبي كما قال في (ميزان الاعتدال).

وثانيهما : عن عثمان بن السائب عن أبيه.

وأبوه من النكرات المجهولة بنصّ الذهبي كما اعترف به في (الميزان) ، على أنّ مسلماً أخرج هذا الحديث بلفظ عن أبي محذورة نفسه ولا أثر فيه لقولهم : «الصلاة خير من النوم».

وثالثهما : إبراهيم بن إسماعيل بن عبد الملك.

وإبراهيم قد مرّ الكلام عنه في الإسناد الرابع من روايات أبي محذورة التي فيها التثويب.

__________________

(١) انظر : تذكرة الحفّاظ للذهبي ١ : ١٢٣ ، وتهذيب الأسماء واللغات ١ : ٢٠٠ ، والخلاصة للخزرجي : ١٣١ ، وغيرها من كتب التراجم والرجال.

٢٢٧

وممّا يجب التنويه به أنّ السجستاني كان قد أخرج في (سننه) تسع روايات في : باب كيف الأذان كان من بينها تلك الثلاثة في التثويب في حين سبقت تلك الروايات رواية أولى عن محمّد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربّه [الذي أُري الأذان] وقد صدّر الباب به وليس في تلك الرواية التثويب.

كما فيه روايتان أُخرَيان خرجتا تحت الرقمين : ٥٠٦ و ٥٠٧ ، ترتبطان برؤيا عبد الله بن زيد أيضاً ، وليس فيها التثويب كذلك.

وأمّا الروايات الست الباقية :

فاثنتانِ منها قد رُوِيتا عن عبد الله بن محيريز ، وقد روى إحداهما مكحول عنه (١).

والأخرى عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة (٢) ، وليس فيهما التثويب أيضاً.

بقي في (سنن أبي داود السجستاني) أربع روايات مرويّة عن أبناء وأحفاد أبي محذورة.

فإحداها (٣) رواها نافع بن عمر عن عبد الملك بن أبي محذورة ، أخبره عن عبد الله

__________________

(١) والتي أُدرجت تحت الرقم ٥٠٢ ، ويضاف إلى ذلك أنّ رواية مكحول عن ابن محيريز هي الرواية الوحيدة التي أخرجها مسلم في (صحيحه) كما أخرجها النسائي في (سننه) في : (كيف الأذان) ، وفي (سنن النسائي ٢ : ٤ باب كم الأذان من كلمة) قريباً من ذلك ، إذ فيه أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قال : الأذان تسع عشرة كلمة ، والإقامة سبع عشرة ، وهما لا يتّفقان مع وجود التثويب في الأذان ..

(٢) والذي خُرّج تحت الرقم ٥٠٣ ، وفي (المجتبى للنسائي ٢ : ٣) : أخبرنا بشر بن مُعاذ قال : حدّثني إبراهيم ـ وهو ابن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة ـ ، قال : حدّثني ابن عبد العزيز وجدّي عبد الملك عن أبي محذورة أنّ النبيّ أقعده فألقى عليه الأذان حروفاً ، وليس فيه التثويب.

(٣) والتي خُرّجت تحت الرقم ٥٠٥.

٢٢٨

بن محيريز الجمحي عن أبي محذورة أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله علّمه الأذان يقول : اللهُ أكبر ، الله أكبر ، أشهد أن لا إله إلّا الله ، أشهد أن لا إله إلّا الله. ثمّ ذكر مثل أذان ابن جريج عن عبد العزيز بن عبد الملك ، ومعناه أن ليس فيه «الصلاة خير من النوم».

والثانية (١) رواها إبراهيم بن إسماعيل بن عبد الملك بن أبي محذورة ، قال : سمعت جدّي عبد الملك بن أبي محذورة يذكر أنّه سمع أبا محذورة يقول ... وفيها : وكان يقول في الفجر : «الصلاة خير من النوم».

والثالثة عن محمّد بن عبد الملك بن أبي محذورة عن أبيه عن جدّه قال : قلت : يا رسول الله ، علّمني سُنّة الأذان ... وفيها : فإن كان صلاة الصبح قلت : الصلاة خير من النوم ، الصلاة خير من النوم ، اللهُ أكبر ، اللهُ أكبر ، لا إله إلّا الله.

والرابعة فيها توضيحُ موضوعٍ ما ، وهو (أنّه كان في الأُولى من الصبح) ، وقد رواها ابن جريج قال : أخبرني عطاء بن السائب ، أخبرني أبي وأُم عبد الملك بن أبي محذورة عن أبي محذورة ، وفيها : الصلاة خير من النوم ، الصلاة خير من النوم ، في الأولى من الصبح.

على أنّ أبا محذورة إنّما كان من الطلقاء والمؤلَّفة قلوبهم في الإسلام بعد فتح مكّة ، وبعد أن قفل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله من حُنَين منتصراً على هوازن ، لم يكن بشيء أكره إلى أبي محذورة يومئذ من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ولا ممّا يأمر به! وقد مرّ عليك كلام السيّد شرف الدين فيه.

__________________

(١) المخرج تحت رقم ٥٠٤.

٢٢٩
٢٣٠

النتيجة

وعلى هذا يكون عدد الطرق التي رُويت عن أبي محذورة في الأذان من دون ذكر «الصلاة خير من النوم» هي الأكثر والأصح ، وهي توجد في المصادر المعتبرة والمهمة مثل : صحيح مسلم ، وسنن أبي داود ، وسنن الترمذي ، والمجتبى للنسائي ، وسنن الدارمي ، ومسند أحمد ، وكتاب الأم للشافعي ومسنده ، وغيرها من الكتب المعتبرة. وهي تُثْبت عدم صحّة الأخبار المحكيّة عنه عن رسول الله في التثويب ، ولأجل ذلك شكّ الإمام الشافعي في حكاية التثويب عنه!

وقد قال الإمام مالك عن روايات التثويب بأنّها ضلال ، ولم تذهب الأحناف إلى شرعيتها ولا شرعية الترجيع في الأذان ، بل قالوا بأنّها تكون بعد الأذان وقبل الإقامة ، بحيث اقتصر الأمر في التثويب على نقل أحمد بن حنبل ، ثم زِيد فيه زيادات ، فقد قال أبو عيسى الترمذي في (سننه) :

وقد اختلف أهل العلم في تفسير التثويب :

قال بعضهم : التثويب أن يقول في أذان الفجر : الصلاة خير من النوم ، وهو قول ابن المبارك وأحمد.

وقال اسحاق في التثويب غير هذا ، قال : التثويب المكروه هو شيء

٢٣١

أحدثه الناس بعد النبي إذا أذّن المؤذن فاستبطأ القوم قال بين الأذان والإقامة : قد قامت الصلاة ، حي على الصلاة ، حي على الفلاح (١).

وهذا الكلام لا يعني أنّا نريد إنكار النداء بجملة (الصلاة خير من النوم) قبل الفجر في الصدر الإسلامي الأوّل أو بعده لتنبيه الغافل ولإيقاظ النائم بتاتاً ، ولكنّه في الوقت نفسه لا يعني شرعيته في أذان الفجر قطعاً.

فالأذان للفجر بما يماثله من ألفاظ وجمل شيء ، والأذان والنداء لتنبيه الغافل قبل الفجر وخصوصاً في شهر رمضان شيء آخر.

وكان العيني قد صرح بأنّ الأذان في الليل مشروع في جميع الأزمان لا في شهر رمضان خاصّة؛ وذلك في قوله :

إنّه [غير] مختص بشهر رمضان ، والصوم غير مخصوص به [أي بشهر رمضان] ، فكما أنّ الصائم يحتاج إلى الإيقاظ لأجل السحور كذلك الصائم في غيره ، بل هذا أشد ، لأنّ من يحيي ليالي رمضان أكثر ممن يحيي ليالي غيره ، فعلى قوله : إذا كان أذان بلال للصلاة ، كان ينبغي أن يجوز أداء صلاة الفجر به ، بل هم [أي الأحناف] يقولون أيضاً بعدم جوازه ، فعلم أنّ أذانه إنّما كان لأجل إيقاظ النائم ولإرجاع القائم ، ومِن أقوى الدلائل على أنّ أذان بلال لم يكن لأجل الصلاة ما رواه الطحاوي من حديث حماد بن سلمة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أنّ بلالاً أذّن قبل الفجر فأمره أن يرجع فينادي : ألا إنّ العبد نام فرجع فنادى ، ألا إنّ العبد نام ... (٢).

__________________

(١) سنن الترمذي ١ : ١٢٧ ـ أبواب الصلاة ، باب ما جاء في التثويب في الفجر.

(٢)

٢٣٢

فالسؤال هو : إذا كان الأذان بـ «الصلاة خير من النوم» قد شُرّع لتنبيه الغافل ولم يكن لأجل الصلاة ، وأنّ بلالاً كان يؤذّن به في الليل ، فلماذا لا نراه اليوم في أذانهم بالليل ، بل نسمعه في أذان الفجر فحسب ، وماذا تعني هذه المفارقة بين المحكي في الكتب وبين الواقع العملي المعاصر عند المسلمين اليوم ، وهل يصحّ ما قالوه في أذان بلال بالليل؟!

توضيح ذلك

هناك احتمالان يمكن بيانهما في هذا الإطار :

الاحتمال الأول :

بما أنّ المشهور في كتب الجمهور أنّ بلالاً كان يؤذن بليل وأنّ ابن أم مكتوم الأعمى كان يؤذّن للصبح ، فيجب حمل الرواية القائلة بأنّ بلالاً الحبشي جاء إلى النبي ورآه نائماً وقوله «الصلاة خير من النوم» بأنّها كانت في الأذان الإعلامي الأوّل في الليل لإيقاظ النائمين وتنبيه الغافلين لا في أذان الصبح ، لأنّ النبي لا يمكن أن ينام عن صلاة الصبح ، وأنّ نومه لو افتُرِض فيجب أن يكون في بعض الليل ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا﴾ لا أنّه نام حتّى طلع الفجر ، وذلك لتفانيه في ذات الله ، والنصوص المؤيّدة لهذا الاحتمال كثيرة :

منها النصّ الذي جاء في (صحيح البخاري) : أنّ رسول الله قال : إنّ بلالاً يؤذّن بليل ، فكلوا واشربوا حتّى ينادي ابن أُمّ مكتوم. قال البخاري : وكان رجلاً أعمى لا ينادي حتّى يقال له : أصبحتَ أصبحت (١).

__________________

(١) صحيح البخاري ١ : ١٦٠ ـ باب أذان الأعمى.

٢٣٣

كما جاء في (صحيح البخاري) أيضاً عن ابن مسعود عن النبيّ أنّه قال : لا يَمنعنّ أحدَكم ـ أو : أحداً منكم ـ أذان بلال من سحوره ، فإنّه يؤذّن ـ أو : ينادي ـ بليل ليُرجع قائمَكم ، ولينبّه نائمكم (١).

وفي (سنن النسائي) عن ابن مسعود عن النبي أنّ بلالاً يؤذّن بليل ليوقظ نائمكم وليرجع قائمكم ، وليس أن يقول هكذا يعني في الصبح (٢).

الاحتمال الثاني :

إنّ من الثابت المشهور عند المسلمين أنّ بلالاً الحبشي كان مؤذن رسول الله في جميع الأوقات في المدينة وفي غزواته وحروبه ، فلا يُعقَل أن يُستثنى عن أذان الصبح خاصة ، وهو الصاحي والمجاهد في سبيل الله ، وابن أم مكتوم هو الأعمى والمغمور في الإسلام ، إلّا أن نقول بأنّ الأمويين ، ولعلل خاصة! قلبوا الاسمَين أحدهما مكان الآخر بحيث التبس الأمر على العلماء والمحدّثين لاحقاً ، فاستنصر أحدهم لهذا القول والآخر لذلك الرأي ، وهذا ما جاء في أخبار أهل البيت.

والأذان قبل الصبح للصبح وفي الساعات الأولى من الليل هو من مقترحات عمر بن الخطاب ، وهذا يتطابق مع تشريعه للصلاة خير من النوم في الأذان ، لقوله : عجِّلوا الأذان للصبح ، يُدلج المدلج ويخرج العائرة (٣). في حين أنّه لو جاز ذلك النداء فهو قد جاز في شهر رمضان خاصة وبقدر أن يصعد هذا المؤذن وينزل ذاك لا قبل الصبح بساعات كثيرة من أذان الفجر كما هو المشهود اليوم في البلدان الإسلامية وخصوصاً في الحرمين الشريفين.

__________________

(١) صحيح البخاري الأذان قبل الفجر.

(٢) سنن النسائي ٢ : ١١ الأذان في غير وقت الصلاة.

(٣) السنن الكبرى ١ : ٣٨٤.

٢٣٤

نحن في كتابنا الأول (حي على خير العمل) أكّدنا بأنّ الحيعلة الثالثة هذه تعني في روايات أهل البيت أنّها بِرّ فاطمة ووُلدها ، وأنّ عمر بن الخطاب سعى في رفعها وحذفها ، وهو هنا أراد أن يجعل مكانها : «الصلاة خير من النوم» تحكيماً للخلافة مقابل الإمامة.

والأمويون ومن تبعهم من الحكومات السنّية ـ بإصرارهم على وضع «الصلاة خير من النوم» ورفع الحيعلة ـ قد طبقوا ما أراده الخلفاء قبلهم.

وبذلك فعبارة «الصلاة خير من النوم» هي بدعة عُمرية وأُموية في آن واحد ، لاتّباع السلف الخَلَف ، ولم تكن تشريعاً نبويّاً قطّ ، بل هي من المسائل السياسية الحادثة بعد رحيل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقد رُسّخت من قِبل هؤلاء الخلفاء والحكومات الموالية لهم على مرّ العصور.

ويؤكّد هذا رواية الزهري منديل الأُمراء حسب عبارة (١) ـ في ذيل رواية رواها عن محمد بن خالد حيث قال : وزاد بلال في نداء الغداة (الصلاة خير من النوم) فأقرّها رسول الله (٢).

أي إنّ هذه الزيادة ـ حسب ادّعائهم ـ هي من رأي بلال لكنّ النبيّ أقرّه في حين سنثبت لك عدم صحّتة.

كما إنّهم رووا ما يدلّ على كون نداء «الصلاة خير من النوم» كان عن رأيٍ حدث في زمن أبي بكر ، فأخذه بلال عن رجل ، وأنّ عمر كان يريد رفعه لكنّه نسي!

ففي (كنز العمال) عن ابن جريج : أخبرني حسن بن مسلم أنّ رجلاً سأل طاووس : متى قيل : الصلاة خير من النوم؟

__________________

(١) سنن النسائي ٢ : ١١ الأذان في غير وقت الصلاة.

(٢) سنن ابن ماجة ١ : ٢٣٣ / ٧٠٧ ـ كتاب الأذان والسنة فيها. وفي (الزوائد) : في إسناده محمد بن خالد ، ضعّفه أحمد وابن معين وأبو زرعة وغيرهم.

٢٣٥

قال : أما إنّها لم تُقَل على عهد رسول الله ، ولكنّ بلالاً سمعها في زمان أبي بكر بعد وفاة رسول الله يقولها رجل غير مؤذن ، فأخذها منه فأذّن بها ، فلم يمكث أبوبكر إلّا قليلاً حتّى إذا كان عمر قال : لو نَهينا بلالاً عن هذا الذي أحدث! وكأنّه نسيه وأذّن بها الناس حتّى اليوم (١).

أُنظر كيف يريدون أن يلقوا تبعة تشريع «الصلاة خير من النوم» على بلال ، مع إيمانهم وإقرارهم أنّها لم تكن في أذان عبد الله بن زيد ـ الذي أُري الأذان بزعمهم والذي أخذ بلال الأذان منه ـ ، كما أنّها لم تكن من تشريعات النبي وسُننه الدائمة ، بل كلّ ما عندهم هو أنّ النبيّ سمح بأن تقال في النداء للفجر لا في أذان الفجر ـ على فرض صحّة تلك الروايات عندهم ـ ، وهي تُشير أيضاً إلى أنّ القوم كانوا جادّين في إبعاد هذا الأمر عن عمر بن الخطاب والقول بأنّه إحداث سبق عهده ، إذ يقول الراوي : «فلم يمكث أبوبكر إلّا قليلاً حتّى إذا كان عمر قال : لو نَهينا بلالاً عن هذا الذي أحدث! وكأنّه نسيه وأذّن بها الناس حتّى اليوم». فمعناه أنّ عمر كان يرى بِدعيّةَ التثويب لكنّه نسي أن يُذكّر بلالاً الحبشي به ، أو نسي أن يسعى لرفع هذا التثويب فبقي إلى يومنا هذا.

إذن بدعيّة التثويب تعود إلى عمر لا إراديّاً لأنّه نسي أن يذكّر المسلمين به ، ممّا دعاهم إلى الاستمرار بالأذان به إلى يومنا هذا.

عمر لا يرتضي الزيادة في الأذان

ويُضاف إلى هذا ما جاء في (مصنف ابن أبي شيبة) عن مجاهد : لمّا قَدِم عمر مكة أتاه أبو محذورة وقد أذّن ، فقال : الصلاة يا أمير المؤمنين ، حي على الصلاة ، حيَّ على

__________________

(١) كنز العمال ٨ : ٣٥٧ / ٢٣٢٥١ و ٢٣٢٥٢ ، المصنف لعبد الرزاق ١ : ٤٧٤ / ١٨٢٧ و ١٨٢٨ و ١٨٢٩.

٢٣٦

الفلاح ، قال [عمر] : ويحك! أمجنون أنت؟! إن كان في دعائك الذي دعوتنا ما نأتيك حتّى تأتينا (١).

ومعناه : أنّ عمر كان لا يرتضي الزيادة في الأذان ، وفي الوقت نفسه لا يمنع من أن يكون هو وراء تشريع وإقرار جملة «الصلاة خير من النوم» قبل ذلك إراديّاً أو لا إراديّاً ، فهو لا يرتضي الزيادة على التثويب في الصبح ، أو تعميمه على جميع الصلوات أو القول بأشياء أخرى تشابهه مع أنّه كان وراء تشريعه في الصبح خاصّة.

وباعتقادي أنّ ما رُوي عن طاووس هو الآخر وُضع لرفع ما اشتهر بين الناس من تبنّي عمر للتثويب ، والقول بأنّ لـ «الصلاة خير من النوم» جذوراً أخرى تعود إلى عهد أبي بكر وما دار بين بلال الحبشي ورسول الله ، في حين نحن قد وضّحنا سابقاً وسنؤكّد لاحقاً بأنّ بلالاً لم يؤذن لأبي بكر ولا لعمر ، حتى يقال بأنّه أخذ ذلك من رجل غير مؤذّن وأدخله في الأذان. وحتّى أنّ ما نسبوه إليه من مشاهدته النبي نائماً وقوله «الصلاة خير من النوم» هو مرتبطٌ بمؤذن عمر بن الخطاب لا بمؤذن رسول الله بلال الحبشي رضوان الله تعالى عليه.

وكلّ ما نُسب إلى بلال ورسول الله هو أحرى أن يُنسب إلى عمر وإلى مؤذنه ، لأنّ عين الرسول تنام لكنّ قلبه لا ينام ، وذلك لتفانيه صلى‌الله‌عليه‌وآله في ذات الله ، فكيف يمكن تصوّر نومه وهو هو! وفي المقابل لا يُستبعَد أن ينام عمر وغيره من الناس ويأتيه المؤذّن ليوقظه للصلاة.

بلى ، إنّهم يسعون في أن يعتبروا بعض الأحكام الصادرة عن رسول الله أمراً

__________________

(١) ...

٢٣٧

اجتهادياً عائداً إليه ، وأنّها ليست أمراً توقيفياً من قِبل الله ، وهذا الاعتقاد هو الذي سمح لهم بالزيادة والنقصان في فصول الأذان والتغيير في الشريعة.

ومن هذا القبيل جاءت دعواهم في كون تشريع الأذان مناميّاً وليس سماويّاً! في حين أنّنا نعتقد خلاف ذلك تماماً.

فعقيدتنا هي أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لا يأتي بشيء من عند نفسه ، بل كان ينتظر قدوم الوحي عليه لإبلاغه الأحكام جزئيِّها وكلّيها ، أي أنّه كان رسولاً نبياً وليس مجتهداً متأوّلاً أو عاملاً بالرأي كما يقولون ، إذ ﴿مَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى(١). فدعوى استحسان النبي نداءَ بلال وإقراره لذلك لا يتطابق مع أخذه الأحكام عن الله جل جلاله ، أو نومه عن الصلاة ، وما شابه ذلك.

والباحث المنصف لو أراد أن يقف على جذور الأُمور وخلفيّاتها فعليه الوقوف أوّلاً على تاريخ الحيعلة الثالثة «حي على خير العمل» و «الصلاة خير من النوم» معاً وموقف بلال منهما ، لأنّهما مترابطان ارتباطاً جذرياً وحقيقياً.

فلو كان تأذين أحدهم بـ «الصلاة خير من النوم» فلا معنى لتأذينه بـ «حي على خير العمل».

وكذا لو ثبت أذانهم بـ «حي على خير العمل» فلا تراهم يؤذنون بـ «الصلاة خير من النوم».

__________________

(١) النجم : ٣ ـ ٤.

٢٣٨

بل قبل كل ذلك علينا أن نسأل : هل كان بلال قد أذّن للشيخين بعد رسول الله ، أم لا؟

وإذا جاء الجواب بالنفي ، فلماذا لم يؤذّنْ لهما؟!

وهل يصح ما حكوه عنه من طلبه من أبي بكر الذهاب إلى الشام للمرابطة على ثغور المسلمين ، وقوله : لا أُطيق الأذان بعد رسول الله؟ أم أنّه أُبعد أو ابتعد هو عن الأحداث لعلل سياسية دينية؟

بل ما هو موقفه من أهل بيت الرسالة ، بل ما هو موقفهم منه؟

ولماذا يؤذن بطلب من السبطين الحسن والحسين وفاطمة الزهراء عليهم‌السلام (١) ، ولا يؤذّن لأبي بكر وعمر ـ وهما حاكما المسلمين آنذاك ـ وقد عاش في المدينة المنورة قرابة عام بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله؟

وهل كان خروجه إلى الشام اعتراضاً على سياسة النهج الحاكم أم إقصاءً وتبعيداً له من قِبلهم؟

وهل يصحّ ما حكوه عن أذانه لعمر بالجابية؟ (٢) ولماذا لم يؤذن لهم؟ بل ما الذي كان يريدونه منه في الأذان؟

هل الصلاة خير من النوم أم سبباً آخر؟ بل ما يعني حذف عمر للحيعلة الثالثة؟

وهل إدراج «الصلاة خير من النوم» في الأذان الشرعي ، ورفع «حي على خير العمل» كان منه أو من رسول الله؟

__________________

(١) تاريخ دمشق ٧ : ١٣٦ / ت ٤٩٣ ، ومختصره ٤ : ١١٨ ، ٥ : ٢٦٥ ، أُسد الغابة ١ : ٢٠٨ ، وانظر : تهذيب الكمال ٤ : ٢٨٩ ، حيث أبدل «الحسن والحسين» بكلمة «بعض الصحابة».

(٢) أُنظر : حيّ على خير العمل الشرعية والشعارية : ٢٨٥.

٢٣٩

أو أنهم كانوا يريدون منه شيء ثالث.

نحن وضّحنا هذه الأمور في الفصل الثاني من كتابنا «حي على خير العمل الشرعية والشعارية» مؤكّدين أنّ ترك بلال الأذان للشيخين لم يكن للمرابطة على الثغور ولا للمشاركة في الجهاد كما يقولون ، بل كان اعتراضاً على استلابهما الخلافة الشرعيّة.

فهو لم يكن على وفاق مع نهج الخلافة بعد رسول الله ، حيث لم نقف على اسمه ضمن الذين قاتلوا أصحاب من حُورِبوا بما سَمّوها بحروب الردة!! بعد رسول الله ، مع أنّ تلك الحروب طالت ـ ما بين وفاة النبي وبدء فتوح الشام ـ ما يقارب عاماً ، فلماذا لم يؤذن بلال لأبي بكر مع بقائه في المدينة ، حتّى إذا بدأت الجيوش زحفها إلى الشام خرج بلال ـ طائعاً أو مكرهاً ـ إلى الشام وبقي فيها حتّى توفّاه الله.

ونحن كنا في ذلك الكتاب قد نقلنا نصوصاً عن النووي وابن كثير والمقريزي وغيرهم تؤكّد ترك بلال للأذان في عهدهما ممّا أجبرهما على أن يأتيا بسعد القرظ من قبا إلى المدينة لكي يؤذّن في المسجد النبوي ، فعدم تأذينه لهما يعني عدم صحّة إلقاء تبعة التثويب عليه بعد يقيننا بأنّ التثويب لم يكن على عهد رسول الله ، كما يعني عدم صحّة قول الراوي : «فلم يمكث أبوبكر إلّا قليلاً حتى إذا كان عمر قال : لو نَهَينا بلالاً عن هذا الذي أحدث! وكأنّه نسيه ...».

فالسؤال : لماذا لم يؤذن بلال للخلفاء في حين أذّن للصديقة فاطمة الزهراء؟ (١)

بل ما هو وجه الترابط بين رفع الحيعلة الثالثة ووضع التثويب مكانها؟

وما هو وجه الترابط بين القول بإمامة أمير المؤمنين علي والقول بشرعية الحيعلة الثالثة ، وبين رفض إمامته والقول برفع الحيعلة الثالثة؟

__________________

(١) أُنظر : من لا يحضره الفقيه ١ : ٢٩٨ / ح ٩٠٧.

٢٤٠