الصّلاة خير من النوم شرعة أم بدعة

السيد علي الشهرستاني

الصّلاة خير من النوم شرعة أم بدعة

المؤلف:

السيد علي الشهرستاني


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مؤسسة المؤمل الثقافية
الطبعة: ٠
الصفحات: ٤٨٠

وروى محمد بن عبدالرحيم ، عن علي بن المديني قال : كان عطاء [اختلط] بأخرة ، تركه ابن جريج وقيس بن سعد.

قلت : [والكلام للذهبي] لم يَعنِ علي بقوله : تركه هذان ، التركَ العرفي ، ولكنه كبر وضعفت حواسه ، وكانا قد تكفيا منه وتفقّها وأكثرا عنه ، فَبَطَّلا ، فهذا مراده بقوله : تركاه.

ولم يكن يحسن العربية ، روى العلاء بن عمرو الحنفي ، عن عبدالقدوس ، عن حجاج ، قال عطاء : وددت أني أحسن العربية ، قال : وهو يومئذ ابن تسعين سنة (١).

انظر إلى كلام الذهبي وتمعّن فيه ، كيف يقول ما يقول وهو معترف بأنّ عطاءً قال قولته تلك : «وددت أنّي أُحسن العربية» وهو يومئذ ابن تسعين سنة؟!! أي انتهى عمره ولم يعرف العربية!!

أجل ، لو تأملتَ في نصّ عطاء الآتي لعرفت أنّه يريد بقوله أن يدافع عما نَسَبَه إلى أبي محذورة من أذان لا يتفق مع أذان المسلمين ، إذ فيه التثويب والترجيع اللذان تشكّك في شرعيتهما بعض المذاهب.

فقد جاء في (المدونة الكبرى) ـ وبعد أن ذكر ما رواه ابن وهب عن عثمان بن الحكم بن جريج ، قال : حدثني غير واحد من آل أبي محذورة أنّ أبا محذورة أذّن بأمر من رسول الله ـ قال ابن وهب : قال ابن جريج : قال

__________________

(١) سير أعلام النبلاء ٥ : ٨٦ ـ ٨٧ ، ميزان الاعتدال ٥ : ٩٠ / ٥٦٤٦. وفي تاريخ دمشق ٤٠ : ٤٠٤ عن سليمان بن أبي شيخ قال : حدثني بعض الكوفيين قال : كان عطاء بن أبي رباح من المُرجِئة.

١٢١

عطاء : ما علمت تأذين من مضى يخالف تأذينهم اليوم ، وما علمت تأذين أبي محذورة يخالف تأذينهم اليوم (١).

هذا بعض الشيء عن عطاء بن أبي رباح ، والآن مع راوٍ آخر في السند نفسه ، وهو حجّاج بن أرطأة ، ووجود هذا الشخص في السند يؤكّد تبنّي الحكومة لهكذا نصوص.

قال عبدالله بن علي بن المديني : سمعت أبي يقول : كان يحيى لا يحدّث عن الحجاج بن أرطأة ، كان يرسل ، كان قاضياً بالكوفة ـ لأبي جعفر ـ وبالبصرة (٢).

وعن أبي قلابة ، قال : سمعت أبا عاصم يقول : أول من وَليَ القضاء لبني العباس بالبصرة الحجاج بن أرطأة. وعن الأصمعي أنّه قال : أوّل من ارتشى من القضاة بالبصرة الحجاج بن أرطاة (٣).

قال ابن سعد : ... وكان في صحابة أبي جعفر فضمّه إلى المهدي ، فلم يزل معه حتى توفّي بالري ، والمهديّ بها يومئذ ، في خلافة أبي جعفر ، وكان ضعيفاً في الحديث (٤).

وقال الجوزجاني : كان يروي عن قوم لم يَلْقَهم ... فيثبت في حديثه (٥).

وقال الدارقطني في كتاب (العلل) : لا يُحتجّ به ، وذكر الخطيب بسنده إلى أبي بكر ابن

__________________

(١) أنظر : المدوّنة الكبرى ١ : ٥٧ ـ ٥٨ ، باب ما جاء في الأذان والإقامة.

(٢) تاريخ بغداد ٨ : ٢٣٤.

(٣) تاريخ بغداد ٨ : ٢٣٣.

(٤) طبقات ابن سعد ٦ : ٣٥٩.

(٥) أحوال الرجال للجوزجاني : ٧٨ / ١٠٠.

١٢٢

خلاد الباهلي أن يحيى بن سعيد كان سيّئَ الرأي فيه جداً ، ما رأيته أسوأ رأيا في أحد منه في حجاج ومحمد بن إسحاق وليث وهمام ، لا يستطيع أحد أن يراجعه فيهم (١).

وقال أبو زرعة : صدوق مدلّس ، وقال أبو حاتم : صدوق يدلّس عن الضعفاء ، يُكتَب حديثه .. (٢).

قال يحيى بن يعلى المحاربي : أمرَنا زائدة أن نترك حديث الحجاج بن أرطأة.

وقال أحمد بن حنبل : سمعت يحيى بن سعيد يذكر أنّ حجاج بن أرطأة لم يَرَ الزهري ، وكان سيّئ الرأي فيه جداً ... وقال أبو الحسن الدارقطني وغيره : لا يُحتَجّ بحجّاج ، قلت [والكلام للذهبي] : قد يترخص الترمذي ويصحّح لابن أرطأة ، وليس بجيد (٣).

وقال عبدالله بن إدريس : كنت أرى الحجاج بن أرطأة يفلي ثيابه ، ثمّ خرج إلى المهدي ، ثمّ قدم معه أربعون راحلة عليها أحمالها ...

وقال أحمد بن حنبل : كان حجّاج يدلس ، فإذا قيل له : مَن حدثك؟ يقول : لا تقولوا هذا ، قولوا : من ذكرت؟

وروى عن الزهري ولم يره ... وعن عيسى بن يونس قال : كان حجاج بن أرطأة لا يحضر الجماعة ، فقيل له في ذلك فقال : أحضر مسجدكم حتّى يزاحمني فيه الحمّالون؟! (٤)

__________________

(١) تهذيب الكمال ٥ : ٤٢٢.

(٢) سِيَر أعلام النبلاء ٧ : ٦٨.

(٣) سِيَر أعلام النبلاء ٧ : ٧٢ لكنه قال في : تاريخ الإسلام ٩ : ١٠٠ / ٤ : أحد الأئمّة الاعلام على لين في حديثه ، وهو في طبقه أبي حنيفة الإمام في العِلم.

(٤) سير اعلام النبلاء ٧ : ٧٣ ـ ٧٤.

١٢٣

وعن ابن إدريس قال : كنّا نأتي الحجاج بن أرطأة فنجلس على بابه حتى تطلع الشمس فلا يخرج إلى صلاة في جماعة ، فتركته (١).

وعن عمار بن أبي مالك الجنبي قال : حدثنا أبي ، قال : خرج حجاج بن أرطاة ومعه بعض أصحابه فمرّ بمساكين على الطريق فسلّم صاحبه على المساكين ، فقال له الحجاج : إنّه لا يُسلَّم على أمثال هؤلاء (٢).

قال محمد بن أحمد بن يعقوب : حدثنا جدّي ، قال : سمعت أبا عبيد القاسم بن سلام يقول : ناظرت يحيى بن سعيد القطان ـ يعني في حجاج بن أرطاة ـ وظننت أنه تركه ، يعني لا يروي عن الحجاج من أجل لبسه السواد ، فقلت : لم تركته؟ فقال : للغلط ، قلت : في أي شيء؟ فحدّث يحيى بغير حديث (٣).

... وسُئل يحيى مرةً عن الحجاج بن أرطاة فقال : ضعيف ، وقال يحيى : الحجاج ابن أرطاة يدلّس (٤).

وقال ابن المبارك : كان الحجّاج يدلس ، فكان يحدثنا بالحديث عن عمرو بن شعيب مما يحدثه العرزمي متروك (٥).

وقال البزار : كان حافظاً مدلّساً ، وكان معجباً بنفسه ... وقال مسعود السجزي عن الحاكم : لا يُحتجّ به ، وكذا [قال] الدارقطني ...

__________________

(١) الضعفاء للعقيلي ١ : ٢٨٢.

(٢) الضعفاء للعقيلي ١ : ٢٨٢.

(٣) تاريخ بغداد ٨ : ٢٣٥.

(٤) المصدر نفسه ، وفي : المجروحين لابن حبان ١ : ٢٢٥ / ٢٠٤ سُئل يحيى بن معين عن الحجاج فقال : ضعيف ، ضعيف.

(٥) التاريخ الكبير للبخاري ٢ : ٣٧٨ / ٢٨٣٥ ، تهذيب الكمال ٢ : ١٧٣.

١٢٤

وقال ابن حبان : تركه ابن المبارك وابن مهدي ويحيى القطان ويحيى بن معين وأحمد بن حنبل ...

وقال إسماعيل القاضي : مضطرب الحديث لكثرة تدليسه ، وقال محمد بن نصر : الغالب على حديثه : الإرسال ، والتدليس ، وتغيير الألفاظ! (١)

قال أبو حاتم : كان الحجاج مدلّساً عمن رآه وعمن لم يره (٢).

وقال الآجري في سؤالاته من أبي داود : سمعت أبا داود يقول : كان الحجاج بن أرطاة يُطعَن في نسبه (٣).

وقال الألباني في (تمام المنة) ـ بعد أن ذكر حديث ابن عباس ـ : ... فيه الحجاج ابن أرطاة وهو ضعيف مدلّس وقد عَنْعَنه ، وهو مخرج عندي في الأحاديث الضعيفة (٤).

وفي حديث الأذان هنا عنعن الحجاج عن عطاء ولم يصرح بالسماع ؛ فتكون روايته كالمنقطعة. هذا من جهة.

ومن جهة أخرى ستعرف لاحقاً بأن جملة «الصلاة خير من النوم» صارت شعاراً سياسيّاً للحكام الأمويين والعباسيين ، وقد وُضِعَت قبال جملة «حي على خير العمل» الدالة على إمامة عليّ وأولاده المعصومين عليهم‌السلام حسبما بينّاه في كتابنا (حي على خير العمل).

__________________

(١) تهذيب التهذيب ٢ : ١٧٤.

(٢) المجروحين لابن حبان ١ : ٢٢٥ / ٢٠٤.

(٣) سؤالات الآجرى : ١٩٨ / ٢١٦.

(٤) تمام المنة : ٣٠٥ ، وقال في صفحة ٣٤٥ : وقد رواه الحجاج بن أرطاة المدلس عن محمد بن علي لم يجاوزه.

١٢٥

والحجاج بن أرطأة ، رغم كونه قاضياً ومقرَّباً من السلطان ، إلّا أنّه كان يخاف من كتابة وتدوين حديثه ، لأنّه سيثير العلماء والناس ضدّه ، لروايته في بعض الأحيان ما يخالف الثوابت الدينية عند المسلمين.

عن عبدالله بن الأسود الحارثي ، قال : كان الحجاج بن أرطاة يقيم على رؤوسنا غلاماً له أسود فيقول : من رأيته يكتب فخُذْ برجله ، فقام إليه رجل فقال : سوءةً لك يا أبا أرطاة ، يأتيك نظراؤك وأبناء نظرائك من أبناء القبائل ثمّ تأمر هذا الأسود بما تأمره! فلم يأمره بعد ذلك (١).

وعن علي بن عثمان بن علي قال : كان للحجاج بن أرطاة غلام قائم على رأسه يضرب من يكتب ، إلّا حفص بن غياث فإنّه كان من العشيرة فلا يمنع (٢).

وبهذا تكون قد عرفت أن الحجاج كان مدلّساً يخاف من كتابة وتدوين أقواله ، كما أنّه كان فقيه الدولة العباسية ، وقد كانت له قطيعة ببغداد في الربض تُعرف بقطيعة حجاج (٣).

وأما حفص بن غياث ، فهو كاتب حجّاج بن أرطاة والمجاز في الكتابة عنه فقط! فقد وثقه البعض ، لكن ورد فيه بعض التليين ، إذ وليَ القضاء ببغداد من قِبل الرشيد ثم عزله واستقضاه على الكوفة ، وكان آخر القضاة بالكوفة.

__________________

(١) تاريخ بغداد ٨ : ٢٣٣.

(٢) ضعفاء العقيلي ١ : ٢٨١.

(٣) أنظر تاريخ بغداد ٨ : ٢٣٠ / ٤٣٤١.

١٢٦

قال بشار عواد : أخبار حفص كثيرة ، وقد وثقّه ابن سعد والعجلي ، ولكن ذُكر عنه شيء من التدليس ، وتغيّر قليل في حفظه بأخرة ، كما ذكره الآجري عن أبي داود ، وهو على كل حال من الثقات الأثبات ، روى له الجماعة!! (١)

وحكى عبدالله عن أبيه أحمد بن حنبل : قال أبي : رأيت مقدَّم فم حفص بن غياث مضبّبةً أسنانُه بالذهب (٢).

وقال ابن حبان : كان يهم في الأحاديث (٣).

وفي ميزان الاعتدال : ... وقال أبو زرعة : ساء حفظه بعدما استُقضي ، فمن كتب عنه من كتابه فهو صالح ، وقال ابن معين : جميع ما حدّث به حفص ببغداد والكوفة إنّما هو مِن حفظه ، كتبوا عنه ثلاثة الآف أو أربعة الآف من حفظه ، وقال داود بن رشيد : حفص بن غياث كثير الغلظ ... (٤).

وفي (طبقات المدلّسين) : وصفه أحمد بن حنبل والدارقطني بالتدليس (٥).

وبهذا فقد اخذتَ فكرة إجمالية عن رواة سند أبي محذورة ، وأنّهم كانوا من قضاة وأذناب بني أمية وبني العباس ، وأتباع النهج الحاكم المخالف للعترة في التثويب وفي غيره ، وهؤلاء كانوا يهدفون بروايتهم أمثالَ هذه الأخبار إلى تحكيم مدرسة الشيخيين في مقابل مدرسة أهل البيت المخالفة لها في التثويب ، حسبما سنوضح ذلك لاحقاً.

__________________

(١) أنظر تهذيب الكمال ٧ : ٥٦ / ١٤١٥ ، قال ابن أبي شيبة ولى قضاء الكوفة ثلاث عشره سنة وبغداد سنتين.

(٢) العلل لأحمد بن حنبل ٣ : ٣٠٧ / ٥٢٣.

(٣) مشاهير علماء الأمصار : ١٧٢ / ١٣٧٠.

(٤) ميزان الاعتدال ٢ : ٣٣١ / ٢١٦٣.

(٥) طبقات المدلسين١ : ٢٠ / ٩ ، تهذيب التهذيب ٢ : ٣٥٩.

١٢٧

ب ـ ما روي عن بلال

قلنا قبل قليل : إنّ المروي عن بلال الحبشي ـ في عدم جواز التثويب إلّا في الفجر ـ قد روي بطريقين :

١ ـ عطاء عن سويد عن بلال ،

٢ ـ طلحة عن سويد عن بلال.

ونحن ـ وإن كان بإمكاننا إدراج هذين الطريقين في المبحوث عن روايات بلال (١) سابقاً ، لكنّا آلينا البحث فيهما ودراستهما هنا لقربهما مع ما مرّ عن أبي محذورة نصّاً.

أمّا السند الأوّل (أعني عطاءً عن سويد) فلم تذكر الكتب الستة عطاءً فيمن روى عن سويد (٢).

وأمّا الثاني : (أعني طلحة بن مصرف عن سويد عن بلال) فقد جاء في كتاب (العلل) لأحمد بن حنبل : قال عبدالله : قال أبي : أهل الكوفة يفضّلون عليّاً على عثمان إلّا رجلين طلحة بن مصرف وعبدالله بن إدريس (٣).

وطلحة كان قد عُدّ من قراء الكوفة ، وهو كان على عداء مع مَنْ سمّاهم بالرافضة والشيعة (٤) ، وقد شهد معركة الجماجم وقال : لَوددتُ أنّ هذه سقطت ها هنا ولم

__________________

(١) العشرة التي مرّة في صفحة ٩٧ ـ ١١٧.

(٢) انظر : تهذيب الكمال ١٢ : ٢٦٥ / ٢٦٤٧ ، تهذيب التهذيب ٤ : ٢٤٤ / ٤٨٨.

(٣) العلل لأحمد بن حنبل ٢ : ٥٣٥ / ٣٥٣٢ ، وانظر في عثمانيته : تهذيب الكمال ١٣ : ٤٣٣ / ٢٩٨٢ ، عن أبي داود في سؤالات الآجري : ١٤٠ / ٩٧ ، والعجلي في ثقاته ١ : ٤٧٩ / ٧٩٧.

(٤) تهذيب الكمال ١٣ : ٤٣٣. الطبقات الكبرى لابن سعد ٦ : ٣٠٨.

١٢٨

أكن شهدتها (١) ، ومعناه أنّه كان عثمانيّاً فقهاً وسياسةً ، والعثماني يتقاطع مع أهل البيت فكراً وعقيدةً.

وأمّا سويد فهو ابن غفلة بن عوسجة ، وأدرك الجاهلية ، وشهدَ فتحَ اليرموك ، وخطبةَ عمر بالجابية. سكن الكوفة ، وقد قيل عنه بأنّه من موالي الإمام علي ومن أصحاب الإمام الحسن المجتبى ، وقد شهد صفين ، وروى عن ابن مسعود (٢).

وقال الشيخ المفيد : سئل الفضل بن شاذان عمّا روته الناصبة عن أمير المؤمنين عليه‌السلام أنّه قال : لا أُؤتى برجل يفضّلني على أبي بكر وعمر إلّا جلدته جلد المفتري!

فقال : إنّما روى هذا الحديثَ سويد بن غفلة ، وقد أجمع أهل الآثار على أنّه كان كثير الغلط (٣).

حكى القرطبي في تفسيره (الجامع لأحكام القرآن) دفاع ابن عبدالبر عن عمر ابن الخطاب وتشريعه لـ «الصلاة خير من النوم» فقال :

روى وكيع عن سفيان عن عمران بن مسلم عن سويد بن غفلة أنّه [أي عمر] ارسل إلى مؤذنه إذا بلغتَ «حي على الفلاح» فقل : «الصلاة

__________________

(١) أنظر : سير أعلام النبلاء ٥ : ١٩٢ ، تاريخ الإسلام ٧ : ٣٨٨.

(٢) أنظر : تهذيب الكمال ١٢ : ٢٦٥ / ٢٦٤٧ ، تهذيب التهذيب ٤ : ٢٤٤ / ٤٨٨. قال البرقي في رجاله : ٤ : إنّه في أولياء أمير المؤمنين عليه‌السلام ، وخلاصة الأقوال للعلّامة الحلّي : ١٦٣ / ٤٧٥ ، ورجال ابن داود : ١٠٧ / ٧٣٩.

(٣) الفصول المختارة : ١٦٧ ، وانظر : معجم رجال الحديث ٩ : ٣٤٠ / ٥٦١٨ ، والسيد الخوئي لم يقبل بأنّ سويداً كان كثير الغلط ، فقال معترضاً : أقول : هذه رواية مرسلة لا يُعتمَد عليها ، وكيف يصح ذلك وقد اعتمد الفضل بنفسه على رواية سويد كما عرفت ...

١٢٩

خير من النوم» فإنه اذان بلال! ومعلوم أنّ بلالاً لم يؤذن قط لعمر ولا سُمع بعد رسول الله إلّا مرة بالشام إذ دخلها (١).

ومعنى كلامه هو استمرار التاذين بـ «الصلاة خير من النوم» منذ عهد رسول الله إلى عهد عمر بن الخطاب ، لأنّ عمر كان يوصي مؤذنّه بالأذان به لأنّه كان أذان بلال!

وحيث علمنا بأنّ بلال بن رباح هو مؤذّن رسول الله وليس بمؤذن أبي بكر ولا عمر ، فيكون الأذان عندهم بالصلاة خير من النوم نبويّاً وليس بعمري حسب زعمه.

أمّا نحن فنقول جواباً عن هذا القول : إذا صحَّ ما تقولون ، فلماذا يشكّ علماؤكم كالشافعي وابن رشد وغيرهما بكونه سنّة نبويّة؟!

ولماذا لا نراه في أذان عبد الله بن زيد الأنصاري الذي أخذ بلال الأذان عنه كما تقولون؟! بل لماذا لا نراه في روايات تشريع الأذان في الإسراء والمعراج ، بل كيف يتطابق ذلك مع المعروف عن بلال أذانُه بـ «حي على خير العمل» «الصلاة خير من النوم» مع تأكيدنا على أنّ ما قالوه ونسبوه إلى بلال وإلى رسول الله وأنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله قال له : إجعل مكان «حيّ على خير العمل» «الصلاة خير من النوم» هو ادّعاءٌ مشكوك بل موضوع (٢).

وقد يكون ضمير (أنّه) في خبر ابن عبد البر يرجع إلى سويد لا إلى عمر بن الخطاب ، وأنّه ارسل إلى مؤذنه أن يقول بالصلاة خير من النوم ، وفي بعض النصوص ما يؤيّد هذا الاحتمال إذ ليس فيها زيادة (أنّه أذان بلال).

__________________

(١) تفسير القرطبي ٦ : ٢٢٩ عن الاستذكار ١ : ٣٩٨. وانظر : المجلّد الأوّل من هذه الموسوعة تحت عنوان «حيّ على خير العمل الشرعية والشعارية».

(٢) وقد أثبتنا بطلان ذلك في كتابنا «حيَّ على خير العمل».

١٣٠

حدثنا أبو بكر قال : حدثنا وكيع بن سفيان عن عمران بن مسلم عن سويد بن غفله أنه أرسل إلى مؤذّنٍ له يقال له رباح أن لا يثوّب إلّا في الفجر (١).

وبهذا فتكون هذه الإضافة في خبر ابن عبد البرّ جاءت متأخّرة ، وفي زمن التابعين على وجه الخصوص ، ولم ترتبط بعهد عمر بن الخطاب وشخصه ولا يتخالف هذا مع صدوره عن عمر وفي عهده للروايات الأخرى وقد يمكن جمع هذه الأقوال مع المروي عن بلال وأنّه كان يؤذّن بالليل أي أنّ أذانه كان في الأذان الأوّل للتنبيه والإشعار لا في الأذان الشرعي للفجر.

وهذا الاحتمال الأخير يجب أخذه بنظر الاعتبار أيضاً في دراستنا ، لأنّا قد ألزمنا أنفسنا أن ندرس القضية مع جميع ملابساتها وبتجرّد ، مع الأخذ بنظر الاعتبار روايات أهل البيت بهذا الصدد أيضاً ، لأنّ في رواياتهم توضيحَ الكثير من المبهمات ، وفيها بياناً للتحريفات الواقعة على الشريعة.

وعليه فقد انتهينا من ذكر الروايات المجملة ، وعرفت عدم ثبوتها عن بلال وأبي محذورة ، وأنّها إن صحّت فلا تعني ما يريدونه.

والآن مع مناقشة الروايات المصرِّحة بأنّ معنى التثويب هو : «الصلاة خير من النوم» لاغير ، سواء حُكيت هذه الكلمة عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، أو أنّها أُثرت عن بعض الصحابة.

__________________

(١) مصنف ابن أبي شيبة ١ : ١٩٠ / ٢١٧٢ ، وفي نص آخر ، فيه : فإنّه أذان بلال ١ : ١٨٩ / ٢١٥٨.

١٣١
١٣٢

النوع الثاني :

مناقشة الروايات المصرّحة

١٣٣
١٣٤

نحن في هذا القسم سنناقش ما رواه المؤذنون ، سواء ما رواه المؤذن عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، أو ما روي عن الصحابي المؤذّن بواسطة أولاده وأحفاده ، حتّى نقف على أنّ هذا النصّ المنقول هل يصحّ نسبته إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، أو أنّه رأي للصحابي نفسه ، وقبله نؤكّد على وجود ادعاءَين مهمَّين في هذا المجال.

أحدهما : لعبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري الذي قيل عنه بأنّه هو الذي أُري الأذان في المنام ، فهذا ادّعى ـ أو ادُّعيَ على لسانه ـ بأنّ رسول الله أمر بلالاً أن يأخذ الأذان منه.

والثاني : لأبي محذورة الذي ادّعى ـ أو ادُّعيَ على لسانه ـ أنّ رسول الله علّمه الأذان.

وأنّك لو تأمّلت في أخبار الأذان الواردة عن عبد الله بن زيد الأنصاري فإنّك لا ترى التثويب فيها ، كما شكَّ الإمام الشافعي في ورودها عن أبي محذورة حسبما نفصّله لاحقاً ، وإن كنا لا نستبعد صدورها عن أبي محذورة لما قيل عنه بأنّه من

١٣٥

الطلقاء والمؤلّفة قلوبهم في الإسلام بعد مكّة وقد استهزأ بالنبيّ قبل إسلامه وأنّ رسول الله قال له ولأبي هريرة ولسمرة بن جندب (١) : آخركم موتاً في النار (٢).

وإليك الآن أسماء أشهر المؤذّنين على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله من الصحابة ، وهم :

١ ـ بلال بن رباح الحبشي.

٢ ـ أبو محذورة.

٣ ـ سعد القرظ.

٤ ـ ابن أُم مكتوم.

وإليك روايات هؤلاء حسب الترتيب المذكور مؤكّدين بأنّ عبد الله بن زيد بن عاصم بن ثعلبة بن عبد ربّه الأنصاري وإن كان قد أُري الأذان بزعمهم ، لكنّه لم يكن من المؤذّنين ، وأخباره الأذانية موجودة في الصحاح والسنن يمكن الوقوف عليها ، إمّا عن طريق بلال أو عن طريق غيره.

فرواياته التي جاءت عن طريق بلال ليس فيها التثويب ، لكن النهج الأموي جدَّ في نسبة التثويب إلى بلال معتبرينه هو الحاكي الأوّل لهذه المقولة ، وأنّها شُرّعت على أثر قوله ، لأنّه رأى النبيّ نائماً فقال : الصلاة خير من النوم ، ورسول الله أقرّ كلامه في الأذان.

فإنّ تناقل هكذا أخبار على لسان بلال هو من وضع الأمويين حسب تصوّرنا واعتقادنا ولنا شواهد على ما نقول.

وعليه فأخبار التثويب لا تصح لعدّة أسباب أحدها عدم وجودها في روايات عبد الله بن زيد الأنصاري.

__________________

(١) على اختلاف بينه وبين شخص آخر.

(٢) انظر ترجمة سمرة في : الاستيعاب ، والإصابة وغيرهما ، ولنا وقفة معه في هذا الكتاب.

١٣٦

وفي المنقول عن ابن أُمّ مكتوم ، ولشكّ الشافعي في المحكي عن أبي محذورة ، ولوجود أخبار عن سعد القرظ عن عبد الله بن زيد الأنصاري وبلال الحبشي ليس فيهما التثويب (١) ، وهذه الأخبار تخالف ما روي عنهما في التثويب.

وحتّى أنّك لا ترى التثويب فيما رواه البزّار عن الإمام علي عليه‌السلام (٢).

وفيما رواه أبو داود في سننه عن معاذ بن جبل (٣).

وما رواه ابن أبي شيبة عن ابن عمر (٤).

وبهذا فكلّ ما جيء من أخبار في التثويب فهي محكيّة عن أولاد أبي محذورة وأولاد سعد القرظ وتدور عليهم فقط دون من سواهم ، وهؤلاء ليسوا بشيء عند علماء الجرح والتعديل.

وإليك الآن روايات التثويب ومناقشتنا لها.

١ ـ روايات بلال الحبشي

جاءت الروايات عن بلال الحبشي من عدة طرق :

١ ـ ما رواه سعيد بن المسيب عنه.

٢ ـ ما رواه سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن بلالاً ...

٣ ـ ما رواه سعيد بن المسيب عن عبد الله بن زيد الأنصاري قال : جاء بلال ...

٤ ـ ما رواه ابن قسيط عن أبي هريرة ، جاء بلال إلى النبي ...

__________________

(١) انظر : المعجم الكبير ٦ : ٤٠ وفيه : فألقاه عليه الأنصاري : اللهُ أكبر ... إلخ. وفي الأوسط لابن المنذر ٣ : ٩٣ ، عن عمّار بن سعد عن أبيه يقول : إنّ هذا الأذان أذان بلال ....

(٢) مسند البزّار ٢ : ١٤٦ ، الدرّ المنثور ٥ : ٢١٩ ، مجمع الزوائد ١ : ٣٢٨ ، شرح فتح القدير ١ : ٢٤١.

(٣) سنن أبي داود ١ : ١٤٠ ، المسند للشاشي ٤ : ٨٣.

(٤) انظر مصنّف ابن أبي شيبة ١ : ١٨٥.

١٣٧

٥ ـ ما روته عائشة أن بلالاً ...

٦ ـ ما رواه حفص بن عمر عن آبائه عن بلال ...

٧ ـ ما رواه عبد الله بن محمّد بن عمّار عن آبائه عن بلال ...

٨ ـ ما رواه عبد الرحمن بن أبي ليلى عن بلال ...

وإليك نصوص تلك الروايات :

١ ـ ما رواه سعيد بن المسيب عنه

الأسانيد : الأول والثاني والثالث والرابع والخامس

• ابن ماجة : حدثنا عمر بن رافع ، حدثنا عبدالله بن المبارك ، عن معمَّر ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب عن بلال أنّه أتى النبيَّ يؤذنه بصلاة الفجر فقيل : هو نائم ، فقال : الصلاة خير من النوم ، الصلاة خير من النوم ، فأُقرّت في تأذين الفجر فثبت الأمر على ذلك.

في (الزوائد) : اسناده ثِقات ، إلّا أن فيه انقطاعاً ، سعيد بن المسيب لم يسمع من بلال (١).

• عبدالرزاق في مصنفه : عن معمر عن ابن المسيب أنّ رسول الله قال : إنّ بلالاً يؤذّن بليل ، فمن أراد الصوم فلا يمنعه أذان بلال حتى يؤذن ابن أم مكتوم. قال : وكان أعمى فكان لا يؤذن حتى يقال له : أصبحت.

فلما كان ذات ليلة أذن بلال ، ثم جاء يؤذن النبي ، فقيل له : إنّه نام ، فنادى بلال : الصلاة خير من النوم ، فأُقرّت في الصبح (٢).

__________________

(١) سنن ابن ماجة القزويني ١ : ٢٣٧ / ح ٧١٦.

(٢) المصنف لعبدالرزاق ١ : ٤٧٢ / ح ١٨٢٠.

١٣٨

• الطبراني : حدثنا إسحاق بن إبراهيم الديري ، عن عبدالرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب : أنّ بلالاً أتى النبيَّ يؤذنه بالصلاة مرة ، فقيل : إنّه نائم ، فنادى : الصلاة خير من النوم ، فأُقرّت في صلاة الفجر (١).

• مصنّف ابن أبي شيبة : حدثنا أبو بكر ، أخبرنا عبده عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال : جاء بلال إلى النبي يؤذنه بالصلاة ، فقيل له : إنّه نائم. فصرخ بلال بأعلى صوته «الصلاة خير من النوم» ، فأُدخلت في الأذان (٢).

• البيهقي : أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمر وأنبانا أبو محمد المزني ، أنبأ علي بن محمد بن عيسى ، حدثنا أبو اليمان ، أخبرني شعيب ، عن الزهري ، قال : حدثني سعيد ابن المسيب (فذكر قصة عبدالله بن زيد ورؤياه ، إلى أن قال) :

ثمّ زاد بلال في التأذين «الصلاة خير من النوم» ، وذلك أنّ بلالاً أتى بعدما أذن التأذيـنـة الأولى من صلاة الفجر ليؤذن النبي بالصلاة ، فقيل له : إنّ النبي نائم. فأذن بـلال بأعـلى صوته «الصـلاة خير من النوم» ، فأُقرّت في التأذين لصلاة الفجر (٣).

المناقشة

في هذه الاسانيد رواية «سعيد بن المسيب عن بلال» وسعيد لم يسمع من بلال كما مرَّ عن زوائد ابن ماجة.

__________________

(١) المعجم الكبير للطبراني ١ : ٣٥٤ / ١٠٧٨.

(٢) مصنف بن أبي شيبة ١ : ١٨٩ / ح ٢١٦٢.

(٣) السنن الكبرى للبيهقي ١ : ٤٢٢ / ١٨٣٤.

١٣٩

قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» : سعيد بن المسيب عن بلال ، ولم يسمع سعيد مِن بلال (١).

وقال ابن حجر في «التلخيص الحبير» :

وروى ابن ماجة من حديث ابن المسيب عن بلال أنه أتى النبيَّ يؤذنه لصلاة الفجر ، فقيل : هو نائم ، فقال : الصلاة خير من النوم ـ مرّتين ، فأُقرّت في تأذين الفجر ، فثبت الأمر على ذلك. وفيه انقطاع مع ثقة رجاله.

وذكر ابن السكن من طريق آخر عن بلال ، وهو في الطبراني من طريق الزهري عن حفص بن عمر عن بلال ، وهو منقطع أيضاً.

ورواه البيهقي في (المعرفة) من هذا الوجه ، فقال :

عن الزهري ، عن حفص بن عمر بن سعد المؤذن أنّ سعداً كان يؤذن ، قال حفص : فحدثني أهلي أن بلالاً ، فذكره.

وروى ابن ماجة من حديث عبدالرحمن بن إسحاق ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه ، فذكر قصة اهتمامهم بما يجمعون به الناس قبل أن يشرع الأذان ، وفي آخره : وزاد بلال في نداء صلاة الغداة «الصلاة خير من النوم» ، فأقرّها رسول الله. وإسناده ضعيف جدّاً (٢).

أمّا ما رواه عبدالرزاق عن معمر عن ابن المسيب ، فإنّ معمَّراً لم يسمع ابن المسيب ، لكن الطبراني وصل الخبر في (المعجم الكبير) ، فقال : عن معمَّر عن الزهري عن ابن المسيب.

__________________

(١) مجمع الزوائد ٤ : ١١٣.

(٢) تلخيص الحبير ١ : ٢٠١.

١٤٠