🚘

أدب الطّف أو شعراء الحسين عليه السلام - ج ٩

جواد شبّر

أدب الطّف أو شعراء الحسين عليه السلام - ج ٩

المؤلف:

جواد شبّر


الموضوع : الشعر والأدب
الناشر: دار المرتضى
🚘 نسخة غير مصححة

السيد جواد القزويني

المتوفى ١٣٥٨

هلا تعود بوادي لعلع وقبا

مرابع ذكرها في القلب قد وقبا

أيام لهو مضت فيمن أحب وقد

أبقت معنى إلى تلك العهود صبا

تعذبت مهجتي يوم الرحيل بهم

كأن طعم عذابي عندهم عذبا

لا تحسبوا أعيني تجري مدامعها

عليك بل لآل المصطفى النجبا

أبكيهم يوم حلّوا بالطفوف ضحى

وشيدوا في محافي كربلا الطنبا

وأقبلت آل حرب في كتائبها

تجرّ حرباً لرحب السبط واخربا

ساموه إما كؤوس الحتف يجرعها

أو أن يذل ولكن الاباء أبى

نفسي الفداء لظامي القلب منفرداً

وغير صارمة في الحرب ما صحبا

لهفي له مذ أحاطت فيه محدقة

أهل الضلال وفيه نالت الإربا

رموه في سهم حقد من عداوتهم

مثلثاً في شظايا قلبه نشبا

من بعده هجمت خيل الضلال على

خدر النبوة بالله فانتهبا

أبدوا عقائل آل الوحي حاسرة

لم يتركوا فوقها ستراً ولا حجبا

الله كم قطعت لابن النبي حشى

في كربلاء وكم رحل بها نهبا

وكم دم قد أراقوا فوق تربتها

وكم يتيم بكعب الرمح قد ضربا

سروا بهن على الأقتاب حاسرة

إلى ابن هند تقاسي الوخد والنصبا

١٨١

الجواد بن الهادي ابن السيد ميرزا صالح ابن الحجة الكبير السيد مهدي القزويني :

هداة اباة في سما المجد أشرقت

وحسبك من هادٍ بشير إلى هادي

ولد سنة ١٢٩٧ ه‍. في قضاء الهندية قبل وفاة جده الكبير بثلاث سنوات نشأ على حب العلم والكمال ودرس مبادئ العلوم على عمه السيد أحمد ثم أرسله أبوه إلى النجف وألحقه بأخويه : السيد محيي والسيد باقر وهما أصغر منه سناً فنالوا قسطاً كبيراً من الفقه على جملة من اعلام النجف كالحاج ميرزا حسين الحاج خليل والشيخ مهدي المازندراني وآية الله الخراساني والملا كاظم إلى أن حدثت الحرب العالمية الاولى سنة ١٣٣٢ ه‍. عاد المترجم له إلى الهندية مزوّداً بجملة من شهادات مشايخه الاعلام التي تخوله نشر الأحكام. وكانت أيام العطل الصيفية هي مواسم المطارحات الأدبية والمبارات الشعرية مضافاً إلى ولعه الشديد بمطالعة كتب الأدب والشعر والأخبار وسيرة أهل البيت حتى ألّف من ذلك مجاميع تضم النوادر والفوائد والشواهد. رأيت بخط الخطيب الشهير الشيخ محمد علي قسام جملة من الرسائل الأدبية والمقاطيع الشعرية والذوق الأدبي ، أبرق للسيد محمد علي القزويني بمناسبة تعيينه عضواً في مجلس الأعيان :

تفرست الملوك بك المعالي

وقد أحرزتها بعلوّ شان

فلا عجب إذا أصبحت ( عينا )

لأنك عين انسان الزمان

وله مفردات ومقاطيع قالها في مناسبات شتى وقصائد رثى بها سيد الشهداء أبا عبد الله الحسين عليه‌السلام منها قصيدة التي مطلعها :

هلا دروا بمحبٍّ عندما ذهبوا

تجري مدامعه دمعاً وتنسكب

١٨٢

واخرى أولها :

أحباي لا أصغي للومة لائم

ولا انثني عن ودكم باللوائم

وقوله :

ما للأحبة لا يأوون خلانا

هلا دروا أننا حانت منايانا

وديوانه المخطوط معظمه في الإمام الشهيد كما كتبَ وخلّف من الآثار كتاب ( لواعج الزفرة لمصائب العترة ) يقع في ثلثمائة صفحة استعاره بعض المتأدبين ولم يُرجعه ، وكتاب « الفوادح الملمة في مصائب الأئمة » حققه حفيده السيد جودت القزويني ، توفي السيد جواد أوائل شعبان سنة ١٣٥٨ ه‍. في الهندية وحمل نعشه على الأعناق مسافة أميال ثم حمل إلى النجف حيث دفن في مقبرة آبائه الخاصة بالاسرة ورثاه فريق من الشعراء كالشيخ قاسم الملا والسيد محمد رضا الخطيب والشيخ عبد الحسين الحويزي وغيرهم.

١٨٣

الشيخ عبد الغنى الحر

المتوفى ١٣٥٨

أنختُ بباب باب الله رحلي

محط رحال كل رجا وسؤلِ

وقد يممت بحر ندى وجود

ومعروفاً بمعروف وفضل

ولذت بظل كهف حمى حسين

لجى اللاجين في حرم وحِلّ

بنائله الظما يروى وروداً

وغيث نداه منهل كوبل

وفدت عليك يحدوني اشتياقي

وأحشائي بنار جواي تغلي

رجاءً أن تحط الثقل عني

فأنت القصد في تخفيف ثقلي

وغوثك فيه يكشف كل خطب

وغيثك فيه يخصب كل محل

وغفران الذنوب وكل وزر

بدا مني بقولٍ أو بفعلِ

ونصري يا ملاذ على الأعادي

وإعزازي على ما رام ذلّي (١)

الشيخ عبد الغني الحر المتوفى سنة ١٣٥٨ ه‍. ترجم له البحاثة الطهراني في نقباء البشر فقال : هو الشيخ عبد الغني ابن الشيخ أحمد ابن الشيخ علي بن أحمد بن محمد بن محمود بن محمد الحر العاملي.

عالم فاضل وأديب شاعر. كان في النجف الأشرف من أهل العلم والفضلاء

__________________

١ ـ عن مجموع خطي يحتوي على اربعين قصيدة كلها في رثاء الامام الحسين وأخيه العباس ابن علي عليهم‌السلام وهي بخط الناظم.

١٨٤

الأجلاء وكان على طريقة الاخيارية ، وهو شاعر مكثر لا سيما في مدح أهل البيت ورثائهم وهو سريع البديهة جداً وشعره متوسط ، طبع له ( منتظم الدرر في مدح الإمام المنتظر ) طبع بالمطبع الحيدرية بالنجف سنة ١٣٣٩ ه‍. يحتوي على ٧٢ صفحة. توفي يوم الثلاثاء منتصف محرم الحرام سنة ١٣٥٨ ه‍. ودفن في الايوان الذهبي في الصحن العلوي الشريف. وله شعر كثير وله تخميس التائية الشهيرة لدعبل بن علي الخزاعي والتي أولها :

تجاوبن بالأرنان والزفرات

نوائح عجم اللفظ والنطقات

وله تخميس قصيدة السيد جعفر كمال الدين الحلي والتي أولها :

يا قمر التمّ إلى مَ السرار

ذاب محبّوك من الانتظار

ومن ذكرياتي عن المترجم له أني كنت أجتمع بجملة من اللبنانيين الأفاضل ورجال العلم في الاسبوع مرة في دار العلامة المرحوم الشيخ عبد الكريم الحر وهو صهر الشيخ المترجم له فكنا نقضي ساعات من الليل في الاستماع إلى شعره الذي كان يحفظه ويردده بانشودته ونبراته ولا أنسى أن كل ما ينظم ويقرأ هو في مدح حجة آل محمد صاحب العصر والزمان الحجة بن الحسن سلام الله عليهما. أمّا ما رواه لي ولده العلامة الشيخ محمد الحر سلمه الله عن سيرة والده رحمه الله قال : كان لا يمرّ يوم من الأيام إلا ونظم من الشعر عشرات الأبيات وقد ألزم نفسه بنظم كل يوم قصيدة كاملة وملكته الشعرية وحافظته القوية وسرعة البديهة مضرب المثل ، يقول ما كنت أسمع بديوان شعر إلا واقتنيته وحفظت أكثره عنه أخدانه ومعاصروه كنا نقرأ عليه القصيدة الكاملة مرة واحدة فيحفظها ويقول ولده سلمه الله : أما الذي أدركته منه في أواخر عمره فقد قرأتُ عليه قصيدة تتكون من ستين بيتاً وهو يرغب أن يحفظها قال : إقرأ عليّ منها ثلاثين بيتاً فقط ، فقرأتُ فأعادها عليّ حفظاً ، ثم قرأت عليه ثلاثين بيتاً بعدها فأعادها عليّ حفظاً ، ويقول ولده ان مجموع ما نظمه لا يقل عن أربعة آلاف قصيدة وأكثرها في صاحب الأمر حجة آل

١٨٥

محمد وحدّث العلامة الجليل السيد عبد الرؤوف فضل الله أنه قد سمع من المرجع الديني الورع السيد عبد الهادي الشيرازي رحمه‌الله كان يتحدث عن المترجم له ويقول : إن ولاء الشيخ عبد الغني الحر وحبّه لآل محمد لو وزّع على جميع أهل البلد لما دخل أحد منهم النار.

وحدّث أحد تلاميذه عن سرعة البديهة وقوة الحافظة عند الشيخ الغني فقال : كان يدرّسنا رسائل الشيخ الأنصاري عن ظهر غيب وحفظ العبارة بنصّها ، كما كان يحفظ أحاديث الكتب الأربعة ويستظهرها تماماً كما كان يحفظ القرآن الكريم ونهج البلاغة ومقامات الحريري ومقامات بديع الزمان الهمداني. وعندما يتلو بعض الفصول يهتز لها إعجاباً بها ، واذكر صوته الجهوري مضافاً إلى بسطته في العلم والجسم ونقل لي ولده بعض الاكتشافات والتجليات والكرامات التي تدل على روحانيته وشدة ولائه وعقيدته ومنها يظهر إيمانه الراسخ بالفكرة والمبدأ.

١٨٦

السيد ناصر الاحسائي

المتوفى ١٣٥٨

هذي مضاجع فهر أم مغانيها

أم السماء تجلت في معانيها

فحط رحل السرى فيها وحي بما

يجري من العين دانيها وقاصيها

ودع قلوصك فيها غير موثقة

وخلّ عنها عساها أن تحييها

ولا تلمها إذا ألوت معاطفها

يوماً لتقبيل باديها وخافيها

فما دهاك دهاها من أسى وجوى

وما دعاك لسكب الدمع داعيها

كلا كما ذو فؤاد بالهوى كلف

وأنتما شركا في ودّ مَن فيها

قوم على هامة العلياء قد بنيت

لهم بيوت تعالى الله بانيها

ومعشر للمعاني الغر قد شرعوا

طرقاً بأخلاقهم ما ضلّ ساريها

وأسره قد سمت كل الورى شرفاً

فلم يكن أحد فيه يدانيها

لووا عن العيش أعطافاً أبين لهم

مسّ الدنية تكريماً وتنزيها

فقاربت بين آجال لهم شيم

إذ المنايا طلاب العز يدنيها

رأوا حياتهم في بذل أنفسهم

في موقف فيه حفظ العز يحييها

ولا يعاب امرؤ يحمي مكارمه

بنفسه فهو حر حيث يحميها

في الهام أمست تغني بيضهم طرباً

وسمرهم تتثنى في الحشا تيها

والخيل من تحتهم فلك جرى بهم

في موج بحر دم والله مجريها

والنقع قام سماءً فوق أرؤسهم

آفاقها أظلمت منه نواحيها

لكن أجرامهم قامت بها شهباً

لولا ضياء شباها ضل ساريها

١٨٧

ترمي العدى بشواظ من صواعقها

فلا ترى مهرباً منه أعاديها

رووا بماء الطلا بيض الظبى ولهم

أحشاء ما ذاق طعم الماء ظاميها

حتى إذا ما أقام الدين واتضحت

آياته وسمت فيهم معانيها

وشيدوا للهدى ركناً به أمنت

أهل الرشاد فلا لافى مساعيها

وشاء أن يجزي الباري فعالهم

من الجزاء بأوفى ما يجازيها

دعاهم فاستجابوا إذ قضوا ظمأ

بأنفس لم تفارق أمر باريها

فصرعوا في الوغى يتلو مآثرهم

في كل آن مدى الأيام تاليها (١)

حجة الإسلام السيد ناصر الاحسائي ، مولده في الاحساء سنة ١٢٩١ ه‍. ووفاته سنة ١٣٥٨ ه‍. نشأ نشأة صالحة وتربى على يد أبيه الفقيه الكبير ، وبعد وفاة أبيه هاجر إلى النجف الأشرف موطن العلم والعلماء وأكبر جامعة في الفقه فدرس على المرحوم الشيخ محمد طه نجف والشيخ محمود ذهب والشيخ هادي الطهراني ثم عاد إلى الاحساء مرشداً عالماً تقياً ورعاً ثم عاد إلى النجف مرة ثانية فدرس على الشيخ ملا كاظم الأخوند وشيخ الشريعة الأصفهاني والسيد أبو تراب ولما كثر الطلب عليه من أهالي الاحساء لحاجتهم اليه وجعلوا مراجع الطائفة وسائط له عاد ومكث بينهم يفيض من معارفه ويرشدهم إلى ما فيه صلاحهم حتى وافاه الأجل ليلة الاربعاء ثالث شهر شوال سنة ١٣٥٨ ه‍.

تشرفت برؤية محياه الأنور واستمعت إلى حديثه الشهي وتزودت من نصائحه ومعارفه ، صباحته ونور أساريره يشهدان له بأنه من ذرية الرسول ومن حَمَلة علومهم ، مثالاً للورع والتقى والعبادة والزهادة كنتُ كلما ارتقيت الأعواد أصغى إلى بكله ويستجيد ويستحسن فضائل أهل البيت ومآثرهم ويرتاح لسماع مناقبهم ، يعظم الكبير والصغير ولا يستخف بأحد وأذكر أني فرغتُ

__________________

١ ـ عن الذكرى التي قام بتأليفها الخطيب السيد محمد حسن الشخص.

١٨٨

من خطابي مرةً فجلست ـ وكان حديثي عن سيرة الإمام الصادق جعفر بن محمد عليهما‌السلام. فقال السيد رحمه‌الله ما نصه :

ومن أقوال الإمام الصادق عليه‌السلام : العاقل لا يستخف بأحد وأحق من لا يستخف به ثلاثة : العالم والسلطان والإخوان فمن استخف بالعالم أفسد دينه ، ومن استخف بالسلطان أفسد دنياه ، ومن استخف بالإخوان أفسد مروأته. وكان موضع تجلّة واحترام من جميع الطبقات وكان لوفاته رنة حزن وأسف وقد أبّنته بقصيدة نشرت في ( الذكرى ) التي قام بطبعها وتحقيقها الخطيب الجرئ السيد محمد حسن الشخص سلمه الله وكان مطلع قصيدتي في رثائه :

نعى البرق رمز التقى والهدى

فقلنا لقد طاح ركن الهدى

ومن رثائه للامام الحسين (ع) :

كم قد تؤمل نفسي نيل منيتها

من المعالي وما ترجو من الاربِ

كما تؤمل أن تحظى برؤية من

يزيح عنها عظيم الضر والكرب

ويملأ الأرض عدلاً مثل ما ملئت

بالظلم والجور والابداع والكذب

يا غائباً لم تغب عنا عنايته

كالشمس يسترها داج من السحب

حتى مَ تقعد والإسلام قد نقضت

عهوده بسيوف الشرك والنصب

ويرتجيك القنا العسال تورده

من العداء دماءً فهو ذو سغب

والبيض تغمدها أعناق طائفة

منهم مواليك نالوا أعظم العطب

وتوعد الخيل يوماً فيه عثيرها

سحائب برقها من بارق القضب

تهمى بماء الطلا من كل ناحية

حتى تروي منه عاطش الثوب

فانهض فديتك ما في الصبر من ظفر

فقد يفوت به المطلوب ذا الطلب

أما أتاك حديث الطف إن به

آباءك الغر قاسوا أعظم النوب

غداة رامت أمي أن يروح لها

طوع اليمين أبيٌ واضح الحسب

ويركب الضيم مطبوع على همم

أمضى من السيف مطبوعاً من اللهب

١٨٩

فأقبلت بجنود لا عداد لها

تترى كسيل جرى من شامخ الهضب

من كل وغدٍ لئيم الأصل قد حملت

به العواهر لا ينمى إلى نسب

وكل رجس خبيث قد نماه إلى

شر الخلائق والأنساب شرأب

حتى تضايق منها الطف وامتلأت

رحابه بجيوش الشرك والنصب

فشمرت للوغى إذ ذاك طائفة

لم تدر غير المواضي والقنا الرطب

قوم هم القوم لم تفلل عزائمهم

في موقف فل فيه عزم كل أبي

من كل قرم كأن الشمس غرته

لو لم يحل بها خسف ولم تغب

وكل طود إذا ما هاج يوم وغى

فالوحش في فرح والموت في نصب

وكل ليث شرى لم ينج منه إذا

ما صال قرم باقدام ولا هرب

مشوا إلى الحرب من شوق لغايتها

مشي الظماة لورد البارد العذب

فأضرموها على الأعداء نار وغى

تأتي على كل من تلقاه بالعطب

وأرسلوها بميدان الوغى عرباً

كالبرق تختطف الأرواح بالرهب

وجردوها من الأغماد بيض ضباً

تطوي الجموع كطي السجل للكتب

وأشرعوها رماحاً ليس مركزها

سوى الصدور من الأعداء واللبب

صالوا فرادى على جمع العدى فغدت

صحاحه ذات كسر غير منأرب

وعاد ليلهم يمحونه بضبى

لا يتقى حدها بالبيض واليلب

حتى إذا ما قضوا حق العلا ووفوا

عهد الولى وحموا عن دين خير نبي

وجاهدوا في رضى الباري بأنفسهم

جهاد ملتمس للأجر محتسب

دعاهم القدر الجاري لما لهم

أعد من منزل في أشرف الرتب

فغودروا في الوغى ما بين منعفر

دامى ومنجدل بالبيض منتهب

ظامين من دمهم بيض الضبى نهلت

من بعد ما أنهلوها من دم النصب

لهفي لهم بالعرى أضحى يكفنهم

غادى الرياح بما يسفى من الترب

وفوق أطراف منصوب القنا لهم

مرفوعة أرؤس تعلو على الشهب

ونسوة المصطفى مذ عدن بعدهم

بين الملا قد بدت أسرى من الحجب

وسيّرت ثكلا أسرى تقاذفها

الأمصار تهدى على المهزول والنقب

١٩٠

ان تبكي اخوتها فالسوط واعظها

وفي كعوب القنا إن تدعهم تجب

وبينها السيد السجاد قد وثقت

رجلاه بالقيد يشكو نهشة القتب

يبكي على ما بها قد حلّ من نوب

وتبكي مما عليه حلّ من كرب

واحر قلباه أن تدعُ عشيرتها

غوث الصريخ وكهف الخائف السغب

تدع الأولى لم يحلّ الضيم ساحتهم

من لم يضع بينهم ندب لمنتدب

تدعوهم بفؤاد صيرته لظى الأحزان

ناراً فأذكى شعلة العتب

تقول ما لكم نمتم وقد شهرت

نساؤكم حسراً تدعو بخير أب

حتى متى في عناق الضيم همتكم

وللمواضي عناق الماجد الحسب

ونومكم في ظلال العز عن دمكم

والنوم تحت القنا أولى بكل أبي

ما أنتم أنتم إن لم يضق بكم

رحب الفضاء على المهرية العرب

وتوقدوها على الأعداء لاهبة

حتى يكون بها من أضعف الحطب

فكم لكم في قفار الأرض من فئة

صرعى ومن نسوة أسرى على القتب (١)

__________________

١ ـ عن ذكرى السيد الاحسائي.

١٩١

السيد مهدي الأعرجي

المتوفى ١٣٥٩

سقت ربعاً بسلع فالغميم

غوادي الدمع لا الغيث العميم

وقفتُ به أُجيل الطرف فيه

على تلك المعالم والرسوم

أُكلّمه وليس يردّ قولاً

فأصدر عنه في قلب كليم

فكم لي فيه من زمن تقضّى

بشرب سلافة وعناق ريم

بحيث العيش للأحباب رغدٌ

ووجه الأرض مخضرّ الأديم

وشمس الراح في يمنى هلال

يطوف بها على مثل النجوم

رشاً رقّت محاسنه فأضحى

يؤلم خدّه مرّ النسيم

فكم من ليلة مرّت علينا

إلى الاصباح وهو بها نديمي

أريه الدمع منثوراً إذا ما

أراني درّ مبسمه النظيم

أرخّم دمع عيني إذ أراه

كحيل الطرف كالظبي الرخيم

فياربع الأحبة طبت ربعاً

وطاب ثراكِ يا دار النعيم

محاك الدهر يا ربع التصابي

وخانك حادث الزمن المشوم

وفيك الدهر لم يحفظ ذمامي

لحاه الله من دهر ذميم

كما لم يرع للهادي ذماماً

بأهليه ذوي الشرف القديم

رماهم بالخطوب فمن شريد

نأى عمّن يحب ومن سميم

ومقتول بجنب النهر ظام

سليب الثوب مسبيّ الحريم

١٩٢

تساق نساه أسرى من ظلوم

على عجف النياق إلى ظلوم

تحفّ بها العداة فمن لئيم

يعنّفها وأفّاكٍ أثيم

وإن يبكي اليتيم أباه شجواً

مسحن سياطهم رأس اليتيم

وليس لها حميّ يوم سارت

يلاحظها سوى مضنى سقيم

براه السقم حتى صار مما

به سقماً يميل مع النسيم

ورأس ابن النبي على قناةٍ

يرتّلُ آي أصحاب الرقيم

وينذر في النهار القوم وعظاً

ويهدي الركب في الليل البهيم

فلم أرَ قبله بدراً تجلّى

له برج من الرمح القويم

وأعظم ما تسحّ له المآقي

بدمع دونه وكف الغيوم

وقوف بنات خير الخلق طراً

أمام طليقها الرجس الزنيم

السيد مهدي الأعرجي ابن السيد راضي ابن السيد حسين ابن السيد علي الحسيني الأعرجي البغدادي. ولد السيد مهدي في النجف الأشرف سنة ١٣٢٢ ه‍. درس فن الخطابة على خاله الخطيب الشهير الشيخ قاسم الحلي زاول نظم الشعر وعمره أربعة عشر سنة. وأول قصيدة نظمها هي قصيدته في رثاء الإمام الحسن السبط (ع).

قضى الزكي فنوحوا يا محبيه

وابكوا عليه فذى الأملاك تبكيه

درس العربية والعروض على العلامة الكبير شيخ الأدب السيد رضا الهندي رحمه‌الله. توفي السيد مهدي سنة ١٣٥٩ ه‍. غريقاً بشطّ الفرات في الحلة يوم الخامس من شهر رجب. جمع ديوانه شقيقه الخطيب السيد حبيب وتزيد صفحاته على الثلثمائة وله مخطوطات كتبها بيده وخطه الجميل في المراسلات والتواريخ وغيرها وأرجوزة في تواريخ المعصومين أكبر من أرجوزة الشيخ الحر العاملي ، أصيب بانحلال في الأعصاب تعتريه غفوات مع سكتة لكنه يقظ

١٩٣

حي الشعور ، فطن يقوم بواجبه أحسن قيام متدين ورع لم يعبأ بالعسر الذي لازمه وألح عليه ومن شعره في ذلك :

وكأن دهري سيبويه فكم له

بالعالمين تحرك وسكون

وكأنني إسم مضاف دائماً

ودراهمي بين الورى تنوين

أتصوره جيداً وأتمثله نصب عيني ، طيب القلب إلى أبعد حدود الطيب ولم يك في البشر ممن رآه ولم يهواه ويحبه لصفائه إذ هو لا يستخف بأحد ولا يحقد على مخلوق مازحته مرة وأكثرت فتألم وتبرّم وفي لقاء آخر إعتذرت اليه فأجابني : أنا راضي بن راضي. لأن أباه هو السيد راضي الأعرجي ، وداعبه الشيخ ضياء الدخيلي فاستاء منه وارتجل :

طبعي يقول بأني

أمجّ كل ثقيل

وقد يهون ثقيل

إلا ضياء الدخيل

كانت محافل الأدب مستمرة في النجف فلا يكاد يقترن أحد الادباء إلا وتقام له المحافل الشعرية كل يوم عصراً لمدة ربما استمرت شهراً واحداً أو أكثر لذا تجد الكثير من الأدباء يحتفظ بمجموع أدبي شعري وكان الأعرجي خصب القريحة يشارك في أكثر الحلبات مجلٍّ في مواقفه ومن مميزاته سرعة البديهة والقدرة على نظم الشعر بسرعة فإذا طالبته بنظم قصيدة إعتزل ساعة ثم أخذ يطبق جفنيه ويفتحهما ويكتب ، وكثيراً ما يسبق شعوره قلمه. لقد رويت للأخ الخاقاني مرة عن نبوغ هذا الشاعر وسجّل ما رويت له في شعراء الغري.

ذلك أن جلس مرة في الصحن العلوي وجلس إليه الشاعر محمود الحبوبي وجواد قسّام ومَن لا يحضرني اسمه وذلك في فصل الربيع ففاجأتنا غمامة بعزاليها فالتجأنا إلى إحدى غرف الصحن فاقترح أحدهم أن يشترك الجميع بنظم قطعة بوصف الغيث وقال : هطل السحاب على الربى ملثانا فأجازه السيد الأعرجي بقوله : فغدت حبال المحل منه رثاثا

١٩٤

وقال أحدهم : أنظر إلى لطف الكريم ومنّه

فقال : يوليك غيثاها جلاً وغياثا

وقالوا : الأرض تبسم والزهو تضاحكت

فقال : فكأن ذي عطشى وتلك غراثا

وهكذا استمرّ حتى تضاحكوا وشهدوا له بالتفوق. وحضرت معه في مجلس وكان يقرأ احد الحاضرين موضوعاً للمنفلوطي مصطفى في كتابه ( النظرات ) وعنوان المقال ( الغد ) وعندما فرغ أخذ السيد الأعرجي مضمون المقال وحوّله إلى شعر فقال :

يا ناسج الرداء أنت آمنٌ

من أن يكون كفناً لك الردا

ولابس الثوب لتختال به

قل لي متى أمنتَ نزعه غدا

...

يا صاح إن المرء لا يعلم ما

يجيء فيه غده كأمسه

من داره يخرج لا يدرى إلى

العتبة أم إلى شفير رمسه (١)

ويغرس البستان لا علم له

أن لا يكون آكلاً من غرسه

ويجمع المال ولكن كله

يكون بعده لزوج عرسه

...

كانني بالغد وهو رابضٌ

ينظر بالهزء إلى آمالنا

يرى على الدنيا تكالباً لنا

فينثني يضحك من أحوالنا

ثم يرانا لم نزل في غفلة

ليس نفيق قط من إغفالنا

فينثني يصفق راح كفه

تعجباً للسوء من أفعالنا

__________________

١ ـ إذ أن من قول المنفلوطي : لقد غمض الغد عن العقول حتى لو أن انساناً رفع قدمه ليضعها في خروجه من باب قصره لا يدري أيضعها على عتبة القصر أم على حافة القبر.

١٩٥

كم مُمتلٍ من الغنى في يومه

أصبح في غد فقيرا مملقا

وكم وضيع لم يكد يعرف في

الناس إلى أوج الثريا حلّقا

وكم أناس جمع اليوم لهم

شملاً فأضحى في غد مفترقا

هذا هو الدهر تراه تارةً

مغرّباً وتارةً مشرقا

وفي حفلة أدبية بمناسبة قران أحد الأدباء تقدم الاستاذ ابراهيم الوائلي في داره الواقعة في النجف محلة الحويش ينشدنا عصراً قصيدته التي يتحامل بها على القديم وتقاليد الآباء ويسخر من اللحية فيقول :

قالوا اللحى قلت احلقوها إنها

هي للمدلّس صرام وسنانُ

وفي اليوم الثاني يطلع السيد الأعرجي بقصيدته التي أولها :

كم بالتمدن تملأ الأشداق

ولدى الحقيقة ما له مصداق

قد أجحفوا بحقوق شعبهم كما

بلحاهُم قد أجحف الحلاق

ويشفعها برائعته المطربة وينشدها الخطيب خضر القزويني وأولها :

في ذمة التمدن الكاذب

حلقك للحية والشارب

وللسيد الأعرجي ظرف وخفة روح بالرغم من الجهمة التي لا تفارق محياه فلا تكاد تفوته النادرة والنكتة ، فقد دار الحديث مرة عن البلهاء والمغفلين فروى لنا أن أحدهم كان يدير بمسبحته ويذكر الله ويريد أن يقول في الجزء الأول الله أكبر ، وفي الجزء الثاني : سبحان الله ، وفي الجزء الثالث : الحمد لله ولكنه غفل في الجزء الثاني وضلّ يردد سبحان الله ثم انتبه فأراد أن يسترجع الزائد فجعل يقول : لا سبحان الله ، لا سبحان الله ولنستمع إلى ترانيمه المطربة وغزله الرقيق من قصيدة :

بات على غنا الهزار في السحر

يصفق النهر ويرقص الشجر

وبات ثغر الاقحوان باسماً

والنرجس الغض يحدّه النظر

والليل بحر والهلال زورق

والنجم قد طفى عليه كالدرر

أو أنه ملك من الزنج أتى

وعرشه الجوّ وتاجه القمر

١٩٦

وقال يداعب الخطيب خضر القزويني :

يا خضر أنت خليلي في الأنام كما

أنت المؤمل للمعروف من بعدي

تُرى معي كل آن في ملازمة

والخضر ليس يرى إلا مع المهدي

وكتب للحجة الكبير الشيخ هادي ابن الشيخ عباس كاشف الغطاء يطلب منه ( سبيلا ) وهو ما يشرب به التبغ :

يا بن عباس همومي كثرت

في الحشى حتى غدا القلب عليلا

فأنا التائه في سبل الهوى

فاهدني ـ يا هادي الناس ـ سبيلا

وكتب للأديب العلامة السيد أحمد السيد رضا الهندي :

أأحمد يا ابن خير الخلق طراً

ومن كان الحريّ بكل مجد

لئن لُقّبتَ بالهندي فينا

فإن السيف يقطع وهو هندي

فأجابه :

أَمهديَّ الورى أطريت وصفي

فكنتَ به جدير الذكر عندي

لئن ضلّ الورى سنن المعالي

فإنك يا ابن خير الخلق مهدي

وقال في وردة بيد صديق :

وزهرة طيبها من طيب صاحبها

تفوح كالعنبر المسحوق بالطيب

من طبعه اكتسبت نشراً لصحبته

والطبع مكتسب من كل مصحوب

ولأن الأعرجي لا يرتضي من الشعر إلا ما كان منبعثاً عن الشعور ، فيندفع قائلاً :

ما الشعر إلا شعور

تجيش فيه العواطف

وخيره ما تراه

عن الحقيقة كاشف

ومن ألطف ما أروي له تاريخ وفاة الخطيب المحبوب الشيخ محمد حسين الفيخراني وقد توفاه الله ببغداد على أثر عملية جراحية.

١٩٧

مات في الكرخ حسين

نائي الدار كئيب

فابكه واندب وأرخ

واحسين واغريب

وأرخ عام سحب الماء للنجف على نفقة معين التجار وصديقه رئيس التجار سنة ١٣٤٣ ه‍.

أجرى المعين من الرئيس عليهما

كل الثنا ماء الفرات إلى الغري

فأقام طير البشر فيه مؤرخاً

ان المعين له معين الكوثرِ

وإلى جنب إعجابي به فإن لي عليه مؤاخذات لا أودّ ذكرها ومن تلك المؤاخذات قوله كما رواه الخاقاني في شعراء الغري :

زار يختال كغصن

في الصَبا إذ يتحرك

فافتضحنا بسناه

يا جميل الستر سترك

والمعنى للشيخ البهائي كما روى الشيخ علي كاشف الغطاء في الجزء الرابع من مخطوطه ( سمير الحاظر وأنيس المسافر ) ص ٣٠٨ :

زارني ليلاً فبتنا

في ظلام ليس يدرك

وأدرنا الكاس حتى

كادت الحشمة تترك

فأتى الواشي فقلنا

يا جميل الستر سترك

أما ولاؤه لأهل البيت وتفانيه في حبّهم فهو من ألمع ميزاته ولا زلت أتمثله في المآتم الحسينية يجهش بالبكاء وقد أفنى عمره في خدمة المنبر الحسيني وهذه روائعه ومراثيه تذيب الصخر إذ أنها تنصبّ من منبع الألم والثكل وقلب مكلوم.

ومقتول بجنب النهر ظام

سليب الثوب مسبيّ الحريم

تساق نساه أسرى من ظلوم

على عجف النياق إلى ظلوم

وإن يبكي اليتيم أباه شجواً

مسحن سياطهم رأس اليتيم

١٩٨

وإلى جانب هذه الموهبة بالفصحى فهو ذا ملكة قوية بالنظم باللغة الدارجة متفنن فيها ففي الموال والأبوذية والشعر الدارج لا يُجارى وهناك ميزة يتفرّد بها وهي قدرته على نظم الهزل فكان في شهر ربيع الأول يوم الرابع عشر منه وهو يوم هلاك يزيد بن معاوية يسمعنا من نظمه ما يضحك الثكلى فهناك اصطلاحات تختص بها الأقطار والأمصار والبلدان وترى البعض ينتقد البعض ويضحك منها فهو ينظمها ثم ينوّع القصيدة فبيت بالفارسية وآخر بالتركية وثالث بالكردية ورابع بالهندية ومصطلحات الشرقي والغربي وهكذا ، وهذا مما يكاد ينفرد به :

ومن حسينياته :

ما بال فهر أغفلت أوتارها

هلا تثير وغى فتدرك ثارها

أغفت على الضيم الجفون وضيعت

يا للحمية عزها وفخارها

عجباً لها هدأت وتلك أمية

قتلت سراة قبيلها وخيارها

عجباً لها هدأت وتلك نساؤها

بالطف قد هتك العدى أستارها

من كل ثاكلة تناهب قلبها

كف الأسى ويد العدو خمارها

لهفي لها بعد التحجب أصبحت

حسرى تقاسي ذلها وصغارها

تدعو أمير المؤمنين بمهجة

فيها الرزية أنشبت أظفارها

أبتاه يا مردي الفوارس في الوغى

ومبيد جحفلها ومخمد نارها

قم وانظر ابنك في العراء وجسمه

جعلته خيل أمية مضمارها

ثار تغسله الدماء بفيضها

عار تكفنه الرياح غبارها

وخيول حرب منه رضت أضلعاً

فيها النبوة أودعت أسرارها

وبيوت قدس من جلالة قدرها

كانت ملائكة السما زوّارها

يقف الأمين ببابها مستأذناً

ومقبلاً أعتابها وجدارها

أضحت عليها آل حرب عنوة

في يوم عاشورا تشن مغارها

١٩٩

كم طفلة ذعرت وكم محجوبة

برزت وقد سلب العدو أزارها

ويتيمة صاغ القطيع لها سواراً

عندما بز العدو سوارها

أين الكماة الصيد من عمرو العلي

عنها فترخص دونها أعمارها

أين الكماة الصيد من عمرو العلي

لتثير للحرب العوان غبارها

وله من التخاميس والتشاطير شيء كثير وقد أثبتّ في مؤلفي ( سوانح الأفكار ) جملة من ذلك ، حتى أنه خمّس بعض القصائد بكاملها ومنها قصيدة السيد جعفر الحلي الحسينية وأولها :

وجه الصباح عليّ ليلٌ مظلم

وربيع أيامي عليّ محرم

وهي ٧٥ بيتاً. كما روي لي من نظمه تخميس ميمية السيد حيدر الحلي التي أولها :

إن لم أقف حيث جيش الموت يزدحم

فلا مشت بي في طرق العلا قدم

وروي لي من نظمه تخميسه بيتين للسيد رضا الهندي في وداع زينب الكبرى لجثة أخيها الحسين (ع) :

مرّت بهم زينب لما نووا سفرا

بها العدى فأطالت منهم نظرا

ومذ رأت صنوها في الترب منعفرا

همّت لتقضيَ من توديعه وطرا

وقد أبى سوط شمر أن تودعه

إذا دنت منه سوط الشمر أرجعها

ورمح زجر متى تبكيه قنّعها

فلم تودّع محاميها ومفزعها

ففارقته ولكن رأسه معها

وغاب عنها ولكن قلبها معه

ومن روائعه في الولاء قوله في الشهيد مسلم بن عقيل :

يكفيك يا ابن عقيل فخراً في الورى

فيه سموت إلى السماك الأعزل

إذ في رسالته الحسين لك ارتضى

حيث الرسول يكون عقل المرسل

٢٠٠