🚘

مفاهيم القرآن - ج ٩

الشيخ جعفر السبحاني

مفاهيم القرآن - ج ٩

المؤلف:

الشيخ جعفر السبحاني


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
المطبعة: الإعتماد
الطبعة: ٣
ISBN: 964-357-148-3
الصفحات: ٤٨٦
🚘 نسخة غير مصححة

الفصل السابع

القسم بمواقع النجوم

حلف سبحانه وتعالى في سورة الواقعة بمواقع النجوم ، وقال : ( فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ المُطَهَّرُونَ ) (١).

تفسير الآيات

المراد من مواقع النجوم مساقطها حيث تغيب.

قال الراغب : الوقوع ثبوت الشيء وسقوطه ، يقال : وقع الطائر وقوعاً ، وعلى ذلك يراد منه مطالعها ومغاربها ، يقال : مواقع الغيث أي مساقطه (٢).

ويدل على أنّ المراد هو مطالع النجوم ومغاربها أنّ الله سبحانه يقسم بالنجوم وطلوعها وجريها وغروبها ، إذ فيها وفي حالاتها الثلاث آية وعبرة ودلالة ، كما في قوله تعالى : ( فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ * الجَوَارِ الْكُنَّسِ ) (٣) وقال : ( وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ ) وقال : ( فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ المَشَارِقِ وَالمَغَارِبِ ) ويرجح هذا القول أيضاً ، انّ النجوم حيث وقعت في القرآن فالمراد منها الكواكب ، كقوله تعالى : ( وَإِدْبَارَ

__________________

(١) الواقعة : ٧٥ ـ ٧٩.

(٢) مفردات الراغب : ٥٣٠ ، مادة وقع.

(٣) التكوير : ١٥ ـ ١٦.

٣٦١

النُّجُومِ ) (١) ، وقوله : ( وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ (٢) ).

وأمّا المقسم عليه : فهو قوله سبحانه : ( إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ المُطَهَّرُونَ ) وصف القرآن بصفات أربع :

أ : ( لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ) ، والكريم هو البهي الكثير الخير ، العظيم النفع ، وهو من كلّ شيء أحسنه وأفضله ، فالله سبحانه كريم ، وفعله أعني القرآن مثله.

وقال الأزهري : الكريم اسم جامع لما يحمد ، فالله كريم يحمد فعاله ، والقرآن كريم يحمد لما فيه من الهدىٰ والبيان والعلم والحكمة.

ب : ( فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ ) ولعل المراد منه هو اللوح المحفوظ ، بشهادة قوله : ( بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ ) (٣). ويحتمل أن يكون المراد الكتاب الذي بأيدي الملائكة ، قال سبحانه : ( فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ ) (٤).

ج : ( لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ المُطَهَّرُونَ ) فلو رجع الضمير إلى قوله : ( لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ) ، كما هو المتبادر ، لأنّ الآيات بصدد وصفه وبيان منزلته فلا يمس المصحف إلاّ طاهر ، فيكون الإخبار بمعنى الإنشاء ، كما في قوله سبحانه : ( وَالمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ) (٥).

ولو قيل برجوع الضمير إلىٰ ( كتاب مكنون ) فيكون المعنى لا يمس

__________________

(١) الطور : ٤٩.

(٢) الحج : ١٨.

(٣) البروج : ٢١ ـ ٢٢.

(٤) عبس : ١٣ ـ ١٦.

(٥) البقرة : ٢٢٨.

٣٦٢

الكتاب المكنون إلاّ المطهرون ، وربما يؤيد هذا الوجه بأنّ الآية سيقت تنزيهاً للقرآن من أن ينزل به الشياطين ، وانّ محله لا يصل إليه ، فلا يمسه إلاّ المطهرون ، فيستحيل على أخابث خلق الله وأنجسهم أن يصلوا إليه أو يمسّوه ، قال تعالى : ( وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ ) (١).

د : ( تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ ) وهذا هو الذي يركز عليه القرآن في مواقف مختلفة ، وانّه كتاب الله وليس من صنع البشر.

وأمّا الصلة بين القسم والمقسم به : فهو واضح ، فلأنّ النجوم بمواقعها أي طلوعها وغروبها يهتدي بها البشر في ظلمات البر والبحر ، والقرآن الكريم كذلك يهتدي به الإنسان في ظلمات الجهل والغي ، فالنجوم مصابيح حسّية في عالم المادة كما أنّ آيات القرآن مصابيح معنوية في عالم المجردات.

إكمال

إنّه سبحانه قال : ( فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ) فالمراد منه القسم بلا شك ، بشهادة انّه قال بعده : ( وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ) فلو كان معنى الآية هو نفي القسم فلا يناسب ما بعده حيث يصفه بأنّه حلف عظيم ، وقد اختلف المفسرون في هذه الآيات ونظائرها ، إلى أقوال :

١. « لا » زائدة ، مثلها قوله سبحانه : ( لِّئَلاَّ يَعْلَمَ ).

٢. أصلها لأقسم بلام التأكيد ، فلمّا أشبعت فتحتها صارت « لا » كما في الوقف.

٣. لا نافية بمعنىٰ نفي المعنى الموجود في ذهن المخاطب ، ثمّ الابتداء

__________________

(١) الشعراء : ٢١٠ ـ ٢١١.

٣٦٣

بالقسم ، كما نقول : لا والله لا صحة لقول الكفار ، أقسم عليه.

ثمّ إنّه سبحانه يصف هذا القسم بكونه عظيماً ، كما في قوله ( وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ) ، فقوله : ( عَظِيمٌ ) وصف ( القسم ) أُخر لحفظ فواصل الآيات.

وهذا القسم هو القسم الوحيد الذي وصفه سبحانه بأنّه عظيم ، فالحديث هنا هو حديث على الأبعاد ، أبعاد النجوم عنّا ، وعن بعضها البعض ، في مجرّتنا ، وفي كل المجرّات ، ولأنّها كلّها تتحرك ، فانّ الحديث عن مواقعها يصير أيضاً حديثاً علىٰ مداراتها ، وحركاتها الأُخرىٰ العديدة ، وسرعاتها ، وعلىٰ علاقاتها بالنجوم الأُخرى ، وعلى القوى العظيمة والحسابات المعقدة ، التي وضعت كلّ نجم في موقعه الخاص به وحفظته ، في علاقات متوازنة ، دقيقة ، محكمة ، فهي لا يعتريها الاضطراب ، ولا تتغير سننها وقوانينها ، وهي لا تسير خبط عشواء أو في مسارات متقاطعة أو متعارضة بل هي تسير كلّها بتساوق وتناغم وانسجام وانتظام تامّين دائمين ، آيات علىٰ قدرة القادر سبحانه (١).

يقول الفلكيون : إنّ من هذه النجوم والكواكب التي تزيد على عدة بلايين نجم ، ما يمكن رؤيته بالعين المجردة ، وما لا يرىٰ إلاّ بالمجاهر والأجهزة ، وما يمكن أن تحس به الأجهزة دون أن تراه ، هذه كلّها تسبح في الفلك الغامض ، ولا يوجد أيّ احتمال أن يقترب مجال مغناطيسي لنجم من مجال نجم آخر ، أو يصطدم كوكب بآخر إلاّ كما يحتمل تصادم مركب في البحر الأبيض المتوسط بآخر في المحيط الهادي يسيران في اتجاه واحد وبسرعة واحدة ، وهو احتمال بعيد وبعيداً جداً ، إن لم يكن مستحيلاً (٢).

__________________

(١) أسرار الكون في القرآن : ١٩٢.

(٢) الله والعلم الحديث : ٢٤.

٣٦٤

الفصل الثامن

القسم بالسماء ذات الحبك

حلف سبحانه في سورة الذاريات بأُمور خمسة ، وجعل للأربعة الأُوَل جواباً خاصّاً ، كما جعل للخامس من الأقسام جواباً آخر ، وبما انّ المقسم عليه متعدّد فصّلنا القسم الخامس عن الأقسام الأربعة ، وعقدنا له فصلاً في ضمن فصول القسم المفرد ، قال سبحانه :

( وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا * فَالحَامِلاتِ وِقْرًا * فَالجَارِيَاتِ يُسْرًا * فَالمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا * إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ * وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ ) (١).

ترى أنّه ذكر للأقسام الأربعة جواباً خاصاً ، أعني قوله : ( إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ * وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ ).

ثمّ شرع بحلف آخر ، وقال : ( وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الحُبُكِ * إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ ) (٢).

فهناك قسم خامس وهو ( وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الحُبُكِ ) وله جواب خاص لا يمت بجواب الأقسام الأربعة وهو قوله : ( إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ ).

__________________

(١) الذاريات : ١ ـ ٦.

(٢) الذاريات : ٧ ـ ٨.

٣٦٥

تفسير الآيات

الحبك جمع الحباك ، كالكتب جمع كتاب ، تستعمل تارة في الطرائق ، كالطرائق التي ترىٰ في السماء ، وأُخرى في الشعر المجعد ، وثالثة في حسن أثر الصنعة في الشيء واستوائه.

قال الراغب : ( وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الحُبُكِ ) أي ذات الطرائق ، فمن الناس من تصور منها الطرائق المحسوسة بالنجوم والمجرة.

ولعلّ المراد منه هو المعنى الأوّل أي السماء ذات الطرائق المختلفة ، ويؤيده جواب القسم ، وهو اختلاف الناس وتشتت طرائقهم ، كما في قوله : ( إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ ) ، وربما يحتمل أنّ المراد هو المعنى الثالث أي أقسم بالسماء ذات الحسن والزينة ، نظير قوله تعالى : ( إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ ) (١) ولكنه لا يناسبه الجواب ، إذ لا يصحّ أن يحلف حالف بالأمواج الجميلة التي ترتسم بالسحب أو بالمجرّات العظيمة التي تبدو كأنّها تجاعيد الشعر علىٰ صفحة السماء ، ثمّ يقول : ( إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ ) ، أي إنّكم متناقضون في الكلام.

وعلى كلّ حال فالمقسم عليه هو التركيز على أنّهم متناقضون في الكلام ، فتارة ينسبون عقائدهم إلى آبائهم وأسلافهم فينكرون المعاد ، وأُخرى يستبعدون إحياء الموتىٰ بعد صيرورتها عظاماً رميمة ، وثالثة يرفضون القرآن والدعوة النبوية ويصفونه بأنّه قول شاعر ، أو ساحر ، أو مجنون ، أو مما علّمه بشر ، أو هي من أساطير الأوّلين.

وهذا الاختلاف دليل على بطلان ادّعائكم إذ لا تعتمدون على دليل خاص ،

__________________

(١) الصافات : ٦.

٣٦٦

فانّ تناقض المدعي في كلامه أقوى دليل على بطلانه ونفاقه.

ثمّ إنّه سبحانه يقول : إنّ الإعراض عن الإيمان بالمعاد ليس أمراً مختصاً بشخص أو بطائفة ، بل هو شيمة كل مخالف للحق ، يقول : ( يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ ) (١).

والافك : الصرف ، والضمير في « عنه » يرجع إلى الكتاب من حيث اشتماله على وعد البأس والجزاء أي يصرف عن القرآن من صرف وخالف الحق.

وأمّا الصلة بين المقسم به والمقسم عليه : فقد ظهر مما ذكرنا ، لما عرفت من أنّ معنى الحبك هو الطرائق المختلفة المتنوعة ، فناسب أن يحلف به سبحانه على اختلافهم وتشتت آرائهم في إنكارهم نبوّة النبي ورسالته والكتاب الذي أنزل معه والمعاد الذي يدعو إليه.

__________________

(١) الذاريات : ٩.

٣٦٧

القسم الثاني : القسم المتعدّد

وفيه فصول :

الفصل الأوّل

القسم في سورة الصافات

حلف سبحانه بالملائكة في السور الأربع التالية :

١. الصافات ، ٢. الذاريات ، ٣. المرسلات ، ٤. النازعات.

وليس المقسم به هو لفظ الملك أو الملائكة ، وإنّما هو الصفات البارزة للملائكة وأفعالها ، وإليك الآيات :

١. ( وَالصَّافَّاتِ صَفًّا * فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا * فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا * إِنَّ إِلَٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ ) (١).

٢. ( وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا * فَالحَامِلاتِ وِقْرًا * فَالجَارِيَاتِ يُسْرًا * فَالمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا * إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ * وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ ) (٢).

٣. ( وَالمُرْسَلاتِ عُرْفًا * فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا * وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا * فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا * فَالمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا * عُذْرًا أَوْ نُذْرًا * إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ ) (٣).

__________________

(١) الصافات : ١ ـ ٤.

(٢) الذاريات : ١ ـ ٦.

(٣) المرسلات : ١ ـ ٧.

٣٦٨

٤. ( وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا * وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا * فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا * فَالمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا * يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ ) (١).

وها نحن نبحث عن أقسام سورة الصافات والذاريات في فصلين متتالين ونحيل بحث أقسام سورة المرسلات والنازعات إلى محلها حسب ترتيب السور.

وقبل الخوض في تفسير الآيات نقدم شيئاً من التوحيد في التدبير :

إنّ من مراتب التوحيد في الربوبية والتدبير ، بمعنى أنّه ليس للعالم مدبّر سواه ، يقول سبحانه : ( إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذَٰلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ ) (٢).

فصدر الآية يركّز علىٰ حصر الخالق في الله ، كما يركز على أنّه هو المدبّر ، وانّه لو كان هناك سبب في العالم « شفيع » فإنّما هو يؤثر بإذنه سبحانه ، فالله هو الخالق وهو المدبّر ، قال سبحانه : ( اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ ) (٣).

ويظهر من الآيات الكريمة أنّ العرب في العصر الجاهلي كانوا موحّدين في الخالقية ولكن مشركين في الربوبية والتدبير ، وكانوا ينسبون التدبير إلى الآلهة المكذوبة ، ولذلك قرر سبحانه في الآيتين كلتا المرتبتين من التوحيد ، وانّه خالق ، وانّه مدبر ، غير أنّ معنى التدبير في التوحيد ليس عزل العلل والأسباب المادية

__________________

(١) النازعات : ١ ـ ٧.

(٢) يونس : ٣.

(٣) الرعد : ٢.

٣٦٩

والمجردة في تحقّق العالم وتدبيره ، بل المراد انّ للكون مدبراً قائماً بالذات متصرفاً كذلك لا يشاركه في التدبير شيء ، ولو كان هناك مدبر وحافظ فإنّما هو يدبر بأمره وإذنه ، فعندما يُحصر القرآن الكريم التدبير في الله يريد التدبير علىٰ وجه الاستقلال ، أي من يدبّر بنفسه غير معتمد على شيء ، وأمّا المثبت لتدبير غيره ، فالمراد منه أنّه يدبّر بأمره وإذنه وحوله وقوته على النحو التبعي ، فكلّ مدبِّر في الكون فهو مَظْهر أمره ومُنفِّذ إرادته ، وقد أوضحنا ذلك في الجزء الأوّل من مفاهيم القرآن.

ويظهر من غير واحد من الآيات أنّ الملائكة من جنوده سبحانه وانّها وسائط بين الخالق والعالم ، وانّهم يقومون ببعض الأعمال في الكون بأمر من الله سبحانه ، وستتضح لك أعمالهم في إدارة الكون في تفسير هذه الآية.

إنّ للعلاّمة الطباطبائي كلاماً في كون الملائكة وسائط بينه سبحانه وبين الأشياء ، حيث يقول : الملائكة وسائط بينه تعالىٰ وبين الأشياء بدءاً وعوداً ، علىٰ ما يعطيه القرآن الكريم ، بمعنى انّهم أسباب للحوادث فوق المادية في العالم المشهود قبل حلول الموت والانتقال إلىٰ نشأة الآخرة وبعده.

أمّا في العود ، أعني : حال ظهور آيات الموت ، وقبض الروح ، وإجراء السؤال ، وثواب القبر وعذابه ، وإماتة الكل بنفخ الصور وإحيائهم بذلك ، والحشر وإعطاء الكتاب ، ووضع الموازين ، والحساب ، والسوق إلى الجنة والنار ، فوساطتهم فيها غني عن البيان ، والآيات الدالة على ذلك كثيرة لا حاجة إلى إيرادها ، والأخبار المأثورة فيها عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأئمّة أهل البيت عليهم‌السلام فوق حد الإحصاء.

وكذا وساطتهم في مرحلة التشريع من النزول بالوحي ودفع الشياطين عن

٣٧٠

المداخلة فيه وتسديد النبي وتأييد المؤمنين وتطهيرهم بالاستغفار.

وأمّا وساطتهم في تدبير الأُمور في هذه النشأة فيدل عليها ما في مفتتح هذه السورة من إطلاق قوله : ( وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا * وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا * فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا * فَالمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا ) (١).

الصافات والقسم بالملائكة

لقد حلف سبحانه بوصف من أوصاف الملائكة ، وقال :

أ : ( وَالصَّافَّاتِ صَفًّا ).

ب : ( فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا ).

ج : ( فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا * إِنَّ إِلَٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ ) (٢).

وكل هذه الثلاثة مقسم به ، والمقسم عليه هو قوله : ( إِنَّ إِلَٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ ) وإليك تفسير المقسم به فيها.

فالصافات : جمع صافّة : وهي من الصف بمعنىٰ جعل الشيء على خط مستو ، يقول سبحانه : ( إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا ) (٣) والزاجرات من الزجر ، بمعنى الصرف عن الشيء بالتخفيف والنهي ، والتاليات من التلاوة ، وهي جمع تال أو تالية ، غير أنّ المهم بيان ما هو المقصود من هذه العناوين ، ولعل الرجوع إلى القرآن الكريم يزيح الغموض عن كثير منها.

يقول سبحانه : حاكياً عن الملائكة : ( وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ * وَإِنَّا لَنَحْنُ

__________________

(١) الميزان : ٢٠ / ١٨٢ ـ ١٨٣.

(٢) الصافات : ١ ـ ٤.

(٣) الصف : ٤.

٣٧١

الصَّافُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ ) (١) فينطبق على الملائكة أنّهم الصافّون حول العرش ينتظرون الأمر والنهي من قبل الله تعالى.

نعم وصف سبحانه الطير بالصافات ، وقال : ( وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ) (٢).

وقال : ( أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ) (٣) كما أمر سبحانه على أن ينحر البدن وهي صواف ، قال سبحانه : ( وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ ) (٤).

والمعنى : ان تعقل إحدى يديها وتقوم على ثلاث فتنحر كذلك فيسوي بين أظلفتها لئلاّ يتقدم بعضها على بعض.

وعلى كلّ تقدير فمن المحتمل أن يكون المحلوف به هو الملائكة صافات ، ويمكن أن يكون المحلوف به كلّ ما أطلق عليه القرآن ذلك الاسم ، وإن كان الوجه الأوّل هو الأقرب.

وأمّا الثانية : أي الزاجرات : فليس في القرآن ما يدل على المقصود به ، فلا محيص من القول بأنّ المراد الجماعة الذين يزجرون عن معاصي الله ، ويحتمل أن ينطبق على الملائكة حيث يزجرون العباد عن المعاصي بالإلهام إلى قلوب الناس ، قال سبحانه : ( وَمَا أُنزِلَ عَلَى المَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ ) (٥) كما أنّ الشياطين يوحون إلى أوليائهم

__________________

(١) الصافات : ١٦٤ ـ ١٦٦.

(٢) النور : ٤١.

(٣) الملك : ١٩.

(٤) الحج : ٣٦.

(٥) البقرة : ١٠٢.

٣٧٢

بالدعوة إلى المعاصي ، قال سبحانه : ( وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ) (١).

والتاليات : هن اللواتي يتلون الوحي على النبي الموحىٰ إليه.

فالمراد من الجميع الملائكة ، وثمة احتمال آخر وهو انّ المراد من الصفات الثلاث هم العلماء ، فانّهم هم الجماعة الصافة أقدامها بالتهجد وسائر الصلوات ، وهم الجماعة الزاجرة بالمواعظ والنصائح ، كما أنّهم الجماعة التالية لآيات الله والدارسة شرائعه.

كما أنّ ثمة احتمالاً ثالثاً وهو : انّ المراد هم الغزاة في سبيل الله الذين يصفّون أقدامهم ، ويزجرون الخيل إلى الجهاد ، ويتلون الذكر ، ومع ذلك لا يشغلهم تلك الشواغل عن الجهاد.

وأمّا المقسم عليه : فهو قوله سبحانه : ( إِنَّ إِلَٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ ).

والصلة بين المقسم به والمقسم عليه : هو أنّ الملائكة أو العلماء أو المجاهدين الذين وصفوا بصفات ثلاث هم دعاة التوحيد وروّاده وأبرز مصاديق من دعا إلى التوحيد على وجه الإطلاق وفي العبادة خاصة.

__________________

(١) الأنعام : ١١٢.

٣٧٣

الفصل الثاني

القسم في سورة الذاريات

لقد حلف سبحانه بأُمور أربعة متتابعة وقال :

( وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا ).

( فَالحَامِلاتِ وِقْرًا ).

( فَالجَارِيَاتِ يُسْرًا ).

( فَالمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا * إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ * وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ ) (١).

ثمّ حلف بخامس فرداً أي قوله : ( وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الحُبُكِ ).

أمّا الأوّل أعني : ( وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا ) فهي جمع ذارية ، ومعناها الريح التي تُنشر شيئاً في الفضاء ، يقول سبحانه : ( فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ ) (٢). ولعلّ هذه قرينة على أنّ المراد من الذاريات هي الرياح.

وأمّا الحاملات ، فهي ، من الحمل ، والوقر ـ على زنة الفكر ـ ذو الوزن الثقيل.

والمراد منه السحب ، يقول سبحانه : ( هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ ) (٣) وقال سبحانه : ( حَتَّىٰ إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَاهُ

__________________

(١) الذاريات : ١ ـ ٦.

(٢) الكهف : ٤٥.

(٣) الرعد : ١٢.

٣٧٤

لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ المَاءَ ) (١).

وأمّا الجاريات ، فهي جمع جارية ، والمراد بها السفن ، بشهادة قوله سبحانه : ( حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ ) (٢) وقال : ( وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ ) (٣) وقال سبحانه : ( إِنَّا لَمَّا طَغَى المَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الجَارِيَةِ ) (٤).

وأمّا المقسِّمات ، فالمراد الملائكة التي تقسم الأرزاق بواسطتها التي ينتهي إليه التقسيم.

يقول العلاّمة الطباطبائي : وإقسام بالملائكة الذين يعملون بأمره فيقسمونه باختلاف مقاماتهم ، فانّ أمر ذي العرش بالخلق والتدبير واحد ، فإذا حمله طائفة من الملائكة على اختلاف أعمالهم انشعب الأمر وتقسم بتقسمهم ، ثمّ إذا حمله طائفة هي دون الطائفة الأُولى تقسم ثانياً بتقسمهم وهكذا ، حتى ينتهي إلى الملائكة المباشرين للحوادث الكونية الجزئية فينقسم بانقسامها ويتكثر بتكثرها.

والآيات الأربع تشير إلى عامة التدبير حيث ذكرت انموذجاً ممّا يدبّر به الأمر في البر وهو الذاريات ذرواً ، وانموذجاً ممّا يدبّر به الأمر في البحر وهو الجاريات يسراً ، وانموذجاً ممّا يدبّر به الأمر في الجو وهو الحاملات وقراً ، وتمم الجميع بالملائكة الذين هم وسائط التدبير ، وهم المقسِّمات أمراً.

فالآيات في معنى أن يقال : أُقسم بعامة الأسباب التي يتمم بها أمر التدبير

__________________

(١) الأعراف : ٥٧.

(٢) يونس : ٢٢.

(٣) البقرة : ١٦٤.

(٤) الحاقة : ١١.

٣٧٥

في العالم ان كذا كذا ، وقد ورد من طرق الخاصة والعامة عن علي عليه‌السلام تفسير الآيات الأربع (١).

وبذلك يعلم قيمة ما روي عن الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام في تفسير الآية عندما سأله ابن الكوا عن هذه الأقسام الأربعة ـ وهو يخطب على المنبر ـ فقال :

قال : ما الذاريات ذرواً ؟ قال عليه‌السلام : الرياح.

قال : فالحاملات وقراً ؟ قال عليه‌السلام : السحاب.

قال : فالجاريات يسراً ؟ قال : السفن.

قال : فالمقسِّمات أمراً ؟ قال : الملائكة.

ثمّ إنّه سبحانه حلف بالذاريات بواو القسم ، وحلف بالثلاثة بعطفها على الذاريات بالفاء فيحمل المعطوف معنى القسم أيضاً.

هذا كلّه حول المقسم به.

وأمّا المقسم عليه : هو قوله : ( إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ * وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ ) أي إنّما توعدون من الثواب والعقاب والجنة والنار لصادق ، أي صدق لابدّ من كونه فهو اسم الفاعل ، موضع المصدر ، وانّ الدين أي الجزاء لواقع والحساب لكائن يوم القيامة.

وعلى ذلك ( إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ ) جواب القسم ، وقوله : ( وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ ) معطوف عليه بمنزلة التفسير ، والمعنى أقسم بكذا وكذا ، انّ الذي توعدونه من يوم البعث وانّ الله سيجزيهم فيه بأعمالهم إن خيراً فخير وإن شراً فشر لصادق وانّ الجزاء لواقع (٢).

__________________

(١) الميزان : ١٨ / ٣٦٥.

(٢) الميزان : ١٨ / ٣٦٦.

٣٧٦

وأمّا وجه الصلة بين المقسم به والمقسم عليه هو انّه سبحانه أقسم بعامة الأسباب التي يتم بها أمر التدبير في العالم ، لغاية أنّ هذا التدبير ليس سدىٰ وبلا غاية ، والغاية هي يوم الدين والجزاء وعود الإنسان إلى المعاد ، إذ لولا الغاية لأصبح تدبير الأمر في البر والبحر والجو وتدبير الملائكة شيئاً عبثاً بلا غاية ، فهو سبحانه يحاول أن يبين أنّ ما يقوم به من أمر التدبير لغاية البعث وانتقال الإنسان من هذه الدار إلى دار أُخرى هو أكمل.

وفي ختام البحث نود أن ننقل شيئاً عن عظمة الرياح والسحاب والتي كشف عنها العلم الحديث.

فالرياح هي حركة الهواء الموجود في الطبقات السفلىٰ من الجو ، إذا سارت متوازية مع سطح الأرض ، وتختلف سرعة الرياح حتى تصل إلىٰ مائة كيلومتر في الساعة فتسمى زوبعة ، وإذا زادت على مائة سمّيت إعصاراً ، وقد تصل سرعة الأعصار إلى ٢٤٠ كيلومتراً في الساعة ، والرياح هي العامل المهم في نقل بخار الماء وتوزيعه ، ومن تكاثف هذا البخار في الهواء بالتبريد ، بعد أن تصل حالته إلى ما فوق التشبع تتكون السحب. ويختلف ارتفاع السحب على حسب نوعها ، فمنها ما يكون على سطح الأرض كالضباب ، ومنها ما يكون ارتفاعه بعيداً إلى أكثر من ١٢ كيلومتراً. كسحاب السيرس الرقيق.

وعندما تكون سرعة الرياح الصاعدة أكثر من ثلاثين كيلومتراً في الساعة ، لا يمكن نزول قطرات المطر المتكون ، وذلك بالنسبة لمقاومة هذا الريح لها ، ورفعها معه إلىٰ أعلى ، حيث ينمو حجمها ، ويزداد قطرها. ومتى بلغت أقطار النقط نصف سنتيمتر ، تتناثر إلى نقط صغيرة لا تلبث أن تكبر بدورها ، ثمّ تتجزأ بالطريقة السابقة وهكذا ... وكلما تناثرت هذه النقط ، تشحن بالكهرباء الموجبة وتنفصل

٣٧٧

الكهرباء السالبة التي تحمل الرياح ... وبعد مدة تصير السحب مشحونة شحناً وافراً بالكهرباء. فعندما تقترب الشحنتان بعضهما من بعض بواسطة الرياح كذلك يتم التفريغ الكهربائي وذلك بمرور شرارة بينهما ، ويستغرق وميض البرق لحظة قصيرة وبعده يسمع الرعد ، وهو عبارة عن الموجات الصوتية التي يحدثها الهواء ، وما هي إلاّبرهة حتى تخيّم على السماء سحابة المطر القاتمة اللون ، ثمّ تظهر نقط كبيرة من الماء تسقط على الأرض ، وفجأة يشتد المطر ويستمر حتى تأخذ الأرض ما قدر الله لها من الماء (١).

__________________

(١) الله والعلم الحديث : ١٣٥ ـ ١٣٦.

٣٧٨

الفصل الثالث

القسم في سورة الطور

حلف سبحانه في سورة الطور بأُمور ستة ، وقال :

( وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ * وَالْبَيْتِ المَعْمُورِ * وَالسَّقْفِ المَرْفُوعِ * وَالْبَحْرِ المَسْجُورِ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ ) (١).

تفسير الآيات

الطور : اسم جبل خاص ، بل اسم لكلّ جبل ، ولو قلنا بصحّة الإطلاق الثاني ، فالمراد الجبل المخصوص بهذه التسمية لا كلّ جبل بشهادة كونه مقروناً بالألف واللام.

ومسطور : من السطر وهو الصف من الكتابة ، يقال : سطَّر فلان كذا ، أي كتب سطراً سطراً.

والظاهر انّ المراد من « مسطور » هنا هو المثبّت بالكتابة ، قال سبحانه ( كَانَ ذَٰلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا ) ( أي مثبّتاً ومحفوظاً ).

ورقّ : ما يكتب فيه شبه الكاغذ.

__________________

(١) الطور : ١ ـ ٨.

٣٧٩

ومنشور : من النشر ، وهو البسط والتفريق ، يقال : نشر الثوب والصحيفة وبسطهما ، يقال : ( وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ ) وقال سبحانه : ( وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ).

والمسجور : من السجر وهي تهييج النار ، يقال : سجرت التنور ، ومنه البحر المسجور ، وقوله : ( وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ ) وربما يفسر المسجور بالمملوء.

والمراد من الطور ـ كما تشهد به القرائن ـ : هو الجبل المعروف الذي كلّم الله فيه موسى عليه‌السلام ، ولعلّه هو جبل طور سينين ، قال سبحانه : ( وَطُورِ سِينِينَ ) (١).

وقال سبحانه : ( وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ ) (٢) وقال في خطابه لموسى عليه‌السلام : ( فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ المُقَدَّسِ طُوًى ) (٣).

وقال سبحانه : ( نُودِيَ مِن شَاطِئِ الْوَادِ الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ المُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ ) (٤). وهذه الآيات تثبت انّ المقسم به جبل معين ، ومع الوصف يحتمل أن يراد مطلق الجبل لما اودع فيه من أنواع نعمه ، قال تعالى : ( وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا ) (٥).

والمراد من كتاب مسطور : هو القرآن الكريم الذي كان يكتب في الورق المأخوذ من الجلد.

وأمّا وصفه بكونه منشوراً مع أنّ عظمة الكتاب بلفظه ومعناه لا بخطه وورقه ، هو الإشارة إلى الوضوح ، لأنّ الكتاب المطوي لا يعلم ما فيه ، فقال هو في

__________________

(١) التين : ٢.

(٢) مريم : ٥٢.

(٣) طه : ١٢.

(٤) القصص : ٣٠.

(٥) فصلت : ١٠.

٣٨٠