🚘

مفاهيم القرآن - ج ٩

الشيخ جعفر السبحاني

مفاهيم القرآن - ج ٩

المؤلف:

الشيخ جعفر السبحاني


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
المطبعة: الإعتماد
الطبعة: ٣
ISBN: 964-357-148-3
الصفحات: ٤٨٦
🚘 نسخة غير مصححة

إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ ) (١).

ولا تظن انّ عمله سبحانه هذا يوجب تعزيز داعية الكفر ، وهو أشبه بالجبر وإضلال الناس ووجه ذلك انّ الاستهزاء والابتعاد عن الحقّ أثر الكفر الذي اختاره على الإيمان ، فهذا هو السبب في أن تكون الآيات الإلهية موجبة لزيادة الكفر والابتعاد عن الحقّ ، والدليل على ذلك انّ هذه الآيات في جانب آخر نور وهدى وموجباً لزيادة الإيمان والتصديق.

وأمّا الثانية : أي استيقان أهل الكتاب من اليهود والنصارى انّه حقّ وانّ محمّداً رسول صادق حيث أخبر بما في كتبهم من غير قراءة ولا تعلم.

وأمّا الثالثة : وهي ازدياد إيمان المؤمنين ، وذلك بتصديق أهل الكتاب ، فإذا رأوا تسليم أهل الكتاب وتصديقهم يترسخ الإيمان في قلوبهم.

وأمّا الرابعة : أعني قوله : ( وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالمُؤْمِنُونَ ) ، فهو أشبه بالتأكيد للوجه الثاني والثالث.

وفسره الطبرسي بقوله : وليستيقن من لم يؤمن بمحمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومن آمن به صحة نبوته إذا تدبّروا وتفكّروا.

وأمّا الخامسة : وهي تقوّل الكافرين ومن في قلوبهم مرض بالاعتراض ، بقولهم : ماذا أراد الله بهذا الوصف والعدد ، وهذه الفقرة ليست من غايات جعل عدتهم تسعة عشر ، وإنّما هي نتيجة تعود إليهم قهراً ، ويسمّىٰ ذلك لام العاقبة ، كما في قوله سبحانه : ( فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا ) (٢) ومن المعلوم

__________________

(١) التوبة : ١٢٤ ـ ١٢٥.

(٢) القصص : ٨.

٢٨١

انّ فرعون لم يتخذه لتلك الغاية وإنّما اتخذه ليكون ولداً له ، كما في قول امرأته : ( لا تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) (١) ولكن ترتبت تلك النتيجة على عملهم شاءوا أم أبوا.

وهكذا المقام حيث أخذت الطائفتان أي الذين في قلوبهم مرض والكافرين بالاستهزاء ، وقالوا : ( مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَٰذَا مَثَلاً ).

وقد فسر قوله : ( الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ ) بالمنافقين ، كما فسروا الكافرين بالمتظاهرين بالكفر من المشركين ، غير انّ هنا سؤال ، وهو انّ السورة مكية ولم تكن هناك ظاهرة النفاق وإنّما بدأت بالمدينة.

ولكن لا دليل على عدم وجود النفاق بمكة ، إذ ليس الخوف سبباً منحصراً للنفاق ، فهناك علل أُخرى وهي الإيمان لأجل العصبية والحميّة أو غير ذلك. يقول العلاّمة الطباطبائي : لا دليل على انتفاء سبب النفاق في جميع من آمن بالنبي بمكة قبل الهجرة وقد نقل عن بعضهم انّه آمن ثمّ رجع أو آمن عن ريب ثمّ صلح.

على أنّه تعالى يقول : ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللهِ وَلَئِن جَاءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ * وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ المُنَافِقِينَ ) (٢). (٣)

ثمّ إنّه سبحانه يختم الآية بقوله : ( كَذَٰلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ) ، أي الحقائق الناصعة والآيات الواضحة تتلقاها القلوب المختلفة تلقياً

__________________

(١) القصص : ٩.

(٢) العنكبوت : ١٠ ـ ١١.

(٣) الميزان : ٢٠ / ٩٠.

٢٨٢

مختلفاً يهتدي بها فريق ويضل بها آخر حسب ما يشاء سبحانه ، وليست مشيئته سبحانه خالية عن الملاك والسبب ، فهدايته وإضلاله رهن اهتداء الإنسان من هداياته العامة ، فمن استهدى بها تشمله هدايته الثانية ، وهي التي وردت في هذه الآية ، ومن أعرض عنها فيشمله إضلاله سبحانه بمعنى قطع فيضه عنه.

الآية ليست من الأمثال

ومع ما بذلنا من الجهد في تفسير الآيات ، فالظاهر انّها ليست من قبيل التمثيل لما عرفت من أنّه عبارة عن تشبيه شيء بشيء وإفراغ المعنى المعقول في قالب محسوس لغاية الإيضاح ، ولكن الآيات لا تمت إليه بصلة وإنّما هي بصدد بيان سبب جعل الزبانية تسعة عشر وانّ لها آثاراً خاصة.

وعلى ذلك فقوله سبحانه : ( مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَٰذَا مَثَلاً ) ، أي ماذا أراد الله به وصفاً ، فالمثل في هذه الآية نظير ما ورد في سورة فرقان حيث بعد ما ذكر انّ المشركين وصفوه بأنّه رجل مسحور ، قال : ( انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ ) (١) أي انظر كيف وصفوك ، فليس مطلق الوصف تمثيلاً.

تمَّ الكتاب ـ بحمد الله سبحانه ـ بيد مؤلّفه جعفر السبحاني وقد لاح بدر تمامه في شهر جمادى الآخرة من شهور عام ١٤٢٠ من الهجرة النبوية على هاجرها آلاف الثناء والتحية وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

٢٨٣
٢٨٤

٢٨٥
٢٨٦

بسم الله الرحمن الرحيم

القرآن والآفاق اللامتناهية

الحمد لله الذي علّم بالقلم ، علّم الإنسان ما لم يعلم ، والصلاة والسلام علىٰ سيدنا ونبيّنا محمّد خير من طاف الأرض وحكم ، وعلى آله الأئمّة السادة هداة الأُمّة إلى الطريق الأقوم.

نزل القرآن الكريم علىٰ قلب سيد المرسلين هادياً للإنسان ومنيراً له طريق السعادة ، وقد وضع علماء الإسلام علوماً جمة لفهم حقائقه وكشف أسراره ومعانيه ، وعلى الرغم من ذلك ، لم يزل المفسرون في كلّ عصر يستخرجون منه حقائق غفل عنها الأقدمون ، وكأنّ الإنسان أمام بحر موّاج بالحقائق العلمية لا يُدرك غوره ولا يتوصل إلى أعماقه ، ولا يمكن لأحد الإحاطة بأسراره وعجائبه.

وكأنّ القرآن هو النسخة الثانية لعالم الطبيعة الذي لم يزل يبحث عن أسراره الباحثون ، وهم بعد في الأشواط الأُولى من الوقوف على حقائقه الكامنة. ولا غروَ أن يكون الكتاب العزيز كذلك أيضاً ، لأنّه كتاب صدر من لدن حكيم عليم لا نهاية لوجوده وعلمه ، فيجب أن يكون كتابه المنزّل رشحة من رشحات وجوده.

وهذا هو متكلّم قريش وخطيبهم الوليد بن المغيرة المخزومي لمّا جلس إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسمع شيئاً من آيات سورة غافر ، ذهب إلى قومه ليبيّن موقفه من

٢٨٧

الكتاب ، وقال : والله قد سمعت من محمّد آنفاً كلاماً ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن ، وانّ له لحلاوة ، وانّ عليه لطلاوة ، وانّ أعلاه لمثمر ، وإنّ أسفله لمغدق ، وانّه ليعلو وما يعلىٰ عليه (١).

فقد أدرك مُنطيق قريش بصفاء ذهنه ما يحتوي عليه القرآن من أسرار وكنوز.

نعم ، قد سبقه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في ذلك حيث عَرّف القرآن ، بقوله :

« له ظهر وبطن ، وظاهره حُكْم ، وباطنُه عِلْم ، وظاهره أنيق ، وباطنه عميق ، له نجوم وعلىٰ نجومه نجوم ، لا تحصىٰ عجائبه ، ولا تبلىٰ غرائبه ، فيه مصابيح الهدىٰ ومنار الحكمة » (٢).

وقد أفاض الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام في بيان أبعاد القرآن غير المتناهية ، وقال في خطبة يصف فيها القرآن بقوله : « أنزل عليه الكتاب نوراً لا تطفأ مصابيحه ، وسراجاً لا يخبو توقّده ، وبحراً لا يدرك قعره ـ إلى أن قال : ـ وينابيع العلم وبحوره ، ورياض العدل وغدرانه ، وأثافي الإسلام وبنيانه ، وأودية الحق وغيطانه ، وبحر لا ينزفه المنتزفون ، وعيون لا ينضبها الماتحون ، ومناهل لا يغيضها الواردون » (٣).

وقد أثبت توالي التأليف حول القرآن الكريم على مختلف الأصعدة ، انّه كتاب القرون والأعصار ، وحجّة خالدة للناس إلىٰ يوم القيامة ، وقد استحوذ الكتاب العزيز على اهتمام بالغ لم يَحظ به أي كتاب آخر.

__________________

(١) مجمع البيان : ١٠ / ٣٨٧.

(٢) الكافي : ٢ / ٥٩٩ ، كتاب القرآن.

(٣) نهج البلاغة : ٢ / ٢٠٢ ، طبعة عبده.

٢٨٨

إلماع إلى بعض آفاقه اللامتناهية

إنّ من آفاق القرآن ومعانيه السامية هو أقسامه ، فقد أقسم القرآن الكريم بأُمور مختلفة ربما يبلغ عدد أقسامه إلى أربعين حلفاً أو أكثر ، وتمتاز عن الأقسام الرائجة في العصر الجاهلي بأنّها انصبت على ذوات مقدسة أو ظواهر كونية ذات أسرار عميقة ، في حين امتاز القسم في العصر الجاهلي بالحلف بالمغاني والمدام (١) وجمال النساء ، إلىٰ غير ذلك من الأُمور المادية الساقطة.

حلف سبحانه في كتابه مضافاً إلى ذاته ، بالقرآن ، الملائكة ، النفس ، الشمس ، القمر ، السماء ، الأرض ، اليوم ، الليل ، القلم ، وغير ذلك من الموضوعات التي تحتوي على أسرار مكنونة ، ويصحّ في حقّها ، قوله سبحانه : ( وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ) (٢).

ينقل السيوطي انّ أوّل من أفرد أقسام القرآن بالتأليف هو شمس الدين محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية ( المتوفّى ٧٥١ ه‍ ) ولم يذكر كتاباً غيره ، ثمّ جمع السيوطي أقسام القرآن وجعله نوعاً من أنواع علومه ، فبحث عنها بحثاً موجزاً لا يتجاوز عن خمس صفحات (٣).

وقال الكاتب الچلبي في « كشف الظنون » ـ بعد سرد ما قام به السيوطي ـ : وتبعه صاحب مفتاح الكرامة حيث أورده من فروع علم التفسير (٤).

ولم نقف على كتاب مفرد حول أقسام القرآن في الأوساط الشيعية مع ما فيها

__________________

(١) المدام والمدامة : الخمر.

(٢) الواقعة : ٧٨.

(٣) الإتقان في علوم القرآن : ٤ / ٤٦ ـ ٥١.

(٤) كشف الظنون : ١ / ١٣٧ ـ ١٣٨.

٢٨٩

من بحوث هامة سوى ما ألّفه ولدي العزيز الروحاني الحائز على مقام الشهادة الشيخ أبو القاسم الرزاقي (١) تحت عنوان « سوگندهاى قرآن » ، وهو كتاب قيّم حافل بنقل الآراء حول القسم في القرآن ، وقد طبع في حياته بتقديم منّا تغمده الله برحمته وأسكنه فسيح جناته.

ثمّ إنّ ابن قيم الجوزية وإن كان أوّل من ألّف ـ حسب ما نعلم ـ ولكن كتابه يعوزه المنهجية في البحث حيث لم يذكر الأقسام الواردة واحداً تلو الآخر حسب حروف التهجّي أو حسب سور القرآن ، وإنّما ذكر أقسام كلّ سورة في فصل واحد.

لكن ما ألّفه الشيخ الرزاقي خال من هذه النقيصة ، فانّه ألّف كتابه على نمط التفسير الموضوعي ، فجعل لكلّ حلف فصلاً خاصاً ، وذكر جميع الآيات الواردة في خصوص ذلك الحلف ، مثلاً ذكر الآيات التي أقسم الله فيها بنفسه في فصل خاص ، كما جمع ما أقسم الله فيه بالليل في سور وآيات مختلفة في مكان واحد.

ولما كان ما ألّفه ابن قيم غير خال عن النقيصة ، كما أنّما ألّفه ولدنا البار لا ينتفع به القارئ العربي لأنّه أُلّف باللغة الفارسية ، عزمت على تأليف مفرد في هذا الصدد بغية تعميم الفائدة.

وأردفه إن شاء الله بالبحث عن أمثال القرآن.

__________________

(١) استشهد مع مجموعة من العلماء أثر إسقاط الطائرة التي كانت تقلّهم أثناء رحلة داخلية خلال الحرب العراقية الإيرانية من قبل النظام البعثي الغاشم عام ١٤٠٨ ه‍ / ١٣٦٧ ه‍.ش.

٢٩٠

بحوث تمهيدية في أقسام القرآن

إنّ البحث عن الأقسام الواردة في القرآن الكريم رهن استعراض أُمور في معنى القسم وما يتبعه من المقسم به والمقسم عليه وأبحاث أُخرى ، فنقول :

١. تفسير القسم

إنّ لفظة القسم واضحة المعنى تعادل الحلف واليمين في لغة العرب ، ولها معادل في عامة اللغات وإنّما يؤتىٰ به لأجل تأكيد الخبر والمضمون ، قال الطبرسي : القسم جملة من الكلام يؤكد بها الخبر بما يجعله في قسم الصواب (١).

قال السيوطي : القصد بالقسم تحقيق الخبر وتوكيده ، حتى جعلوا مثل : ( وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ المُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ) (٢) قسماً ، وإن كان فيه إخبار بشهادة ، لأنّه لمّا جاء توكيداً للخبر سمّي قسماً (٣).

ولذلك نقل عن بعض الأعراب ، انّه لما سمع قوله تعالى : ( وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ ) (٤).

صرخ وقال : من ذا الذي أغضب الجليل حتى ألجأه إلى اليمين (٥).

__________________

(١) مجمع البيان : ٥ / ٢٢٥.

(٢) المنافقون : ١.

(٣) الإتقان : ٤ / ٤٦.

(٤) الذاريات : ٢٢ ـ ٢٣.

(٥) الإتقان : ٤ / ٤٦.

٢٩١

٢. أركان القسم

إنّ القسم من الأُمور ذات الإضافة وهو فعل فاعل مختار له إضافة إلى أُمور أربعة :

أ. الحالف ، ب. ما يحلف به ، ج. ما يحلف عليه ، د. الغاية من القسم.

أمّا الأوّل : فالحلف عبارة عن فعل الفاعل المختار ، فلا يصدر إلاّ منه سواء أكان واجباً كالله سبحانه أم ممكناً كالإنسان وغيره.

والذي يتناوله بحثنا في هذا الكتاب هو القسم الذي صدر عن الواجب في كتابه العزيز دون سواه.

فلا نتعرض لما حلف به الشيطان في القرآن وقال : ( فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ) (١).

ثمّ إنّ أدوات القسم عبارة عن الأُمور الأربعة ، أعني : الباء والتاء والواو واللام ، وأمثلة الكل واضحة ، وأمّا الأخير فكقول الشاعر :

للهِ لا يبقىٰ على الأيام ذُو حيَدٍ

بمُشمَخر به الطيّانُ والآسُ (٢)

وسيوافيك انّ حرف الباء يجتمع مع فعل القسم دون سائر الأدوات ، إذ يحذف فيها فعله ، أعني : أقسم.

وأمّا الثاني ـ أي ما يحلف به ـ : فانّ لكلّ قوم ، أُموراً مقدّسة يحلفون بها ، وأمّا

__________________

(١) ص : ٨٢.

(٢) والحيد كعنب جمع حيدة وهو القرن فيه عقد ، والمشمخر الجبل العالي ، والطيّان الياسمين الصحرائي والآس شجر معروف.

٢٩٢

القرآن الكريم فقد حلَفَ سبحانه بأُمور تجاوزت عن الأربعين مقسماً به.

وأمّا الثالث ـ أي ما يحلف عليه ـ : والمراد هو جواب القسم الذي يراد منه التأكيد عليه وتثبيته وتحقيقه ، وهذا ما يقال القصد بالقسم تحقيق الخبر وتوكيده.

ففي الآية التالية تتجلّى الأركان الثلاثة ، وتقول : ( وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللهُ مَن يَمُوتُ ) (١).

فقوله : ( وَأَقْسَمُوا ) فهو الركن الأوّل.

وقوله : ( بِاللهِ ) هو المقسم به.

وقوله : ( لا يَبْعَثُ اللهُ مَن يَمُوتُ ) هو المقسم عليه

وكثيراً ما يحذف الفعل وذلك لكثرة تردّد القسم في كلامهم ويكتفىٰ بالواو أو التاء في أسماء الله.

نعم ، يلازم الإقسام بالباء ذكر الفعل ، كما في الآية السابقة ، وقوله : ( يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ ) (٢).

وعلىٰ ضوء ذلك فباء القسم يلازم مع ذكر فعله ، كما أنّ واو القسم وتاءه يلازم مع حذفه ، فيقال : أقسم بالله ، ولا يقال : أقسم تالله أو أقسم والله بل يقتصر على قوله : تالله ، والله ، يقول سبحانه : ( وَتَاللهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ ) (٣) ، وقوله : ( ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُوا وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ) (٤).

__________________

(١) النحل : ٣٨.

(٢) التوبة : ٦٢.

(٣) الأنبياء : ٥٧.

(٤) الأنعام : ٢٣.

٢٩٣

وثمة نكتة جديرة بالإشارة وهي أنّ أكثر المفسرين حينما تطرّقوا إلى الأقسام الواردة في القرآن الكريم ركّزوا جهودهم لبيان ما للمقسم به من أسرار ورموز كالشمس والقمر في قوله سبحانه : ( وَالشَّمْسِ وَضُحَاها * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا ) (١) أو قوله : ( وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ) (٢) ، ولكنّهم غفلوا عن البحث في بيان الصلة والعلاقة بين المقسم به والمقسم عليه لاحظ مثلاً قوله سبحانه : ( وَالضُّحَىٰ * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ ) (٣) فالضحى والليل مقسم بهما وقوله : ( مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ ) هو جواب القسم الذي نعبّر عنه بالمقسم عليه ، فهناك صلة في الواقع بين المقسم به والمقسم عليه ، وهو أنّه لماذا لم يقسم بالشمس ولا بالقمر ولا بالتين ولا بالزيتون بل حلف بالضحىٰ والليل لأجل المقسم عليه أعني قوله : ( مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ ) ؟

وصفوة القول : إنّ كلّ قسم جدير لتحقيق الخبر ، ولكن يقع الكلام في كلّقسم ورد في القرآن الكريم أنّه لماذا اختار المقسم به الخاص دون سائر الأُمور الكثيرة التي يقسم بها ؟ فمثلاً : لماذا حلف في تحقيق قوله : ( مَا وَدَّعَكَ ) بقوله : ( وَالضُّحَىٰ * وَاللَّيْلِ ) ولم يقسم بالشمس والقمر ؟ وهذا هو المهم في بيان أقسام القرآن ، ولم يتعرّض له أكثر المفسرين ولا سيما ابن قيم الجوزية في كتابه « التبيان في أقسام القرآن » إلاّ نزراً يسيراً.

ثمّ إنّ الغالب هو ذكر جواب القسم ، وربما يحذف كما يحذف جواب لو كثيراً ، أمّا الثاني فكقوله سبحانه : ( وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ

__________________

(١) الشمس : ١ ـ ٢.

(٢) التين : ١.

(٣) الضحى : ١ ـ ٣.

٢٩٤

الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ المَوْتَىٰ ) (١) فانّ الجواب محذوف ، وهو نظير قوله : « لما آمنوا ».

وأمّا الأوّل ، فكقوله سبحانه : ( ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ ) (٢) ، فانّ الحلف بالقرآن الكريم المعرب عن تعظيمه ووصفه بأنّه مذكِّر للعباد يدل على جوابه وهو انّه منزّل من عنده سبحانه غير مفترىٰ ، وما أشبه ذلك.

وعلى كلّ حال ، فالغالب هو الأوّل أي الإتيان بالجواب.

إلى هنا تمّ بيان أركان القسم الثلاثة ، وثمة ركن رابع ، وهو الغاية المتوخّاة من القسم ، فنقول : إنّ الغاية إمّا هي تحقيق الخبر ودعوة المخاطب إلى الإيمان والإذعان به ، كما هو الغالب ، أو إلفات النظر إلىٰ عظمة المقسم به ، وما يكمن فيه من أسرار ورموز ، أو لبيان قداسته وكرامته ، كما في قوله : ( لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ) (٣).

ومن خلال هذا البيان ، يتضح الجواب علىٰ ما ربما يقال من أنّ حلفه سبحانه إن كان لأجل المؤمن فهو يصدقه بلا حلف ، وإن كان لأجل الكافر فلا يفيده.

والجواب : انّ إيمان المؤمن بصدق إخباره سبحانه لا ينافي تأكيده بالحلف ، مضافاً إلى ما عرفت من أنّ حلفه سبحانه بشيء إشارة إلى كرامته وقداسته أو إلى عظمته وما يكمن فيه من أسرار ورموز.

__________________

(١) الرعد : ٣١.

(٢) ص : ١.

(٣) الحجر : ٧٢.

٢٩٥

٣. جواز الحلف بغير الله سبحانه

تضافر الحلف بغيره سبحانه في الكتاب العزيز والسنّة النبوية ، أمّا الكتاب فسيوافيك حلفه بأشياء كثيرة ، وأمّا السنّة فقد حلف النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في غير مورد بغير اسم الله.

١. فقد أخرج مسلم في صحيحه : أنّه جاء رجل إلى النبي ، فقال : يا رسول الله أي الصدقة أعظم أجراً ؟ فقال : « أما ـ وأبيك ـ لتنبئنَّه أن تصدّق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل البقاء » (١).

٢. أخرج مسلم أيضاً : جاء رجل إلىٰ رسول الله ـ من نجد ـ يسأل عن الإسلام ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « خمس صلوات في اليوم والليل ».

فقال : هل عليَّ غيرهنّ ؟

قال : « لا ... إلاّ أن تطوع » ، وصيام شهر رمضان.

فقال : هلّ عليَّ غيره ؟

قال : « لا ... إلاّ تطوّع » ، وذكر له رسول الله الزكاة.

فقال الرجل : هل عليّ غيره ؟

قال : « لا ... إلاّ أن تطوّع ».

فأدبر الرجل وهو يقول : والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه.

فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « أفلح ـ وأبيه ـ إن صدق ».

أو قال : « دخل الجنة ـ وأبيه ـ إن صدق » (٢).

__________________

(١) صحيح مسلم : ٣ / ٩٤ ، باب أفضل الصدقة من كتاب الزكاة.

(٢) صحيح مسلم : ١ / ٣٢ ، باب ما هو الإسلام.

٢٩٦

وقد حلف غير واحد من الصحابة بغيره سبحانه ، فهذا أبو بكر بن أبي قحافة علىٰ ما يرويه مالك في موطّئه : أنّ رجلاً من أهل اليمن أقطع اليد والرجل قدم فنزل علىٰ أبي بكر فشكا إليه أنّ عامل اليمن قد ظلمه ، فكان يصلي من الليل ، فيقول أبو بكر : « وأبيك ما ليلك بليل سارق » (١).

وهذا علي بن أبي طالب عليه‌السلام قد حلف بغيره سبحانه في غير واحد من خطبه :

١. « ولعمري ما عليّ من قتال من خالف الحق وخابط الغي من إدهان ولا إيهان » (٢).

٢. « ولعمري ما تقادمت بكم ولا بهم العهود » (٣).

إلى غير ذلك من الأقسام الواردة في كلامه عليه‌السلام وسائر أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام.

نعم ثمة أحاديث استدل بها على المنع عن الحلف بغير الله ، غير أنّها ترمي إلىٰ معنى آخر كما سيوافيك.

الحديث الأوّل

إنّ رسول الله سمع عمر ، وهو يقول : وأبي ، فقال : « إنّ الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم ، ومن كان حالفاً فليحلف بالله أو يسكت » (٤).

والجواب : انّ النهي عن الحلف بالآباء قد جاء لأنّهم كانوا ـ في الغالب ـ مشركين وعبدة للأوثان فلم يكن لهم حرمة ولا كرامة حتى يحلف أحد بهم ، ولأجل

__________________

(١) شرح الزرقاني على موطأ مالك : ٤ / ١٥٩ برقم ٥٨٠.

(٢) نهج البلاغة : الخطبة ٢٣ و ٨٥.

(٣) نهج البلاغة : الخطبة ٢٣ و ٨٥.

(٤) سنن ابن ماجة : ١ / ٢٧٧ سنن الترمذي : ٤ / ١٠٩.

٢٩٧

ذلك نرى أنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جعل آباءَهم قرناء مع الطواغيت مرّة ، وبالأنداد ـ أي الأصنام ـ ثانية ، وقال : « لا تحلفوا بآبائكم ولا بالطواغيت » (١).

وقال أيضاً : « لا تحلفوا بآبائكم ولا بأُمهاتكم ولا بالأنداد » (٢).

وهذان الحديثان يؤكدان على أنّ المنهي عنه هو الحلف بالآباء الكافرين الذين كانوا يعبدون الأنداد والطواغيت ، فأين هو من حلف المسلم بالكعبة والقرآن والأنبياء والأولياء في غير القضاء والخصومات ؟

الحديث الثاني

جاء ابنَ عمر رجل فقال : أحلف بالكعبة ؟ قال له : لا ، ولكن إحلف بربِّ الكعبة ، فانّ عمر كان يحلف بأبيه ، فقال رسول الله له : « لا تحلف بأبيك ، فانّ من حلف بغير الله فقد أشرك » (٣).

إنّ الحديث يتألف من أمرين :

أ : قول النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « من حلف بغير الله فقد أشرك ».

ب : اجتهاد عبد الله بن عمر ، حيث عدّ الحلف بالكعبة من مصاديق حديث النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

أمّا الحديث فنحن نذعن بصحته ، والقدر المتيقن من كلامه ما إذا كان المحلوف به شيئاً يعد الحلف به شركاً كالحلف بالأنداد والطواغيت والآباء الكافرين. فهذا هو الذي قصده النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولا يعم الحلف بالمقدسات كالقرآن

__________________

(١) سنن النسائي : ٧ / ٧ سنن ابن ماجة : ١ / ٢٧٨.

(٢) سنن النسائي : ٧ / ٩.

(٣) سنن النسائي : ٧ / ٨.

٢٩٨

وغيره.

وأمّا اجتهاد ابن عمر حيث عدّ الحلف بالكعبة من مصاديق الحديث ، فهو اجتهاد منه وحجّة عليه دون غيره.

وأمّا انّ الرسول عدّحلف عمر بأبيه من أقسام الشرك فلأجل أنّ أباه كان مشركاً ، وقد قلنا إنّ الرواية ناظرة إلىٰ هذا النوع من الحلف.

ومجمل القول : إنّ الكتاب العزيز هو الأُسوة للمسلمين عبر القرون ، فإذا ورد فيه الحلف من الله سبحانه بغير ذاته سبحانه من الجماد والنبات والإنسان فيستكشف منه أنّه أمر سائغ لا يمت إلى الشرك بصلة ، وتصوّر جوازه لله سبحانه دون غيره أمر غير معقول ، فانّه لو كان حقيقة الحلف بغير الله شركاً فالخالق والمخلوق أمامه سواء.

نعم الحلف بغير الله لا يصحّ في القضاء وفضّ الخصومات ، بل لابدّ من الحلف بالله جلّ جلاله أو بإحدى صفاته التي هي رمز ذاته ، وقد ثبت هذا بالدليل ولا علاقة له بالبحث.

وأمّا المذاهب الفقهية فغير مجمعين علىٰ أمر واحد.

أمّا الحنفية ، فقالوا : بأنّ الحلف بالأب والحياة ، كقول الرجل : وأبيك ، أو : وحياتك وما شابه ، مكروه.

وأمّا الشافعية ، فقالوا : بأنّ الحلف بغير الله ـ لو لم يكن باعتقاد الشرك ـ فهو مكروه.

وأمّا المالكية ، فقالوا : إنّ في القسم بالعظماء والمقدسات ـ كالنبي والكعبة ـ فيه قولان : الحرمة والكراهة ، والمشهور بينهم : الحرمة.

٢٩٩

وأمّا الحنابلة ، فقالوا : بأنّ الحلف بغير الله وبصفاته سبحانه حرام ، حتى لو كان حلفاً بالنبي أو بأحد أولياء الله تعالى.

هذه فتاوى أئمّة المذاهب الأربعة (١) ولسنا الآن بصدد مناقشتهم.

وكان الحري بفقهاء المذاهب الأربعة ولا سيما في العصر الراهن فتح باب الاجتهاد والرجوع إلى المسألة والنظر إليها بمنظار جديد إذ كم ترك السلف للخلف.

على أنّ نسبة الحرمة إلى الحنابلة غير ثابتة أيضاً ، لأنّ ابن قدامة يصرّح في كتاب « المغني » ـ الذي كتبه علىٰ غرار فقه الحنابلة ـ : أنّ أحمد بن حنبل أفتىٰ بجواز الحلف بالنبي ، وأنّه ينعقد لأنّه أحد ركني الشهادة.

وقال أحمد : لو حلف بالنبي انعقد يمينه ، فإن حنث لزمته الكفارة (٢).

إكمال

قد ذكر السيوطي في كتاب « الإتقان » ، وقال : كيف أقسم بالخلق وقد ورد النهي عن القسم بغير الله ؟

ثمّ ذكر أجوبة ثلاثة ، وهي :

الأوّل : انّه علىٰ حذف مضاف ، أي وربّ التين وربّ الشمس ، وكذا الباقي.

الثاني : انّ العرب كانت تعظم هذه الأشياء وتقسم بها فنزل القرآن علىٰ ما يعرفون.

__________________

(١) انظر الفقه على المذاهب الأربعة : ٢ / ٧٥ ، كتاب اليمين ، مبحث الحلف بغير الله تعالى.

(٢) المغني : ١١ / ٢٠٩.

٣٠٠