🚘

مفاهيم القرآن - ج ٩

الشيخ جعفر السبحاني

مفاهيم القرآن - ج ٩

المؤلف:

الشيخ جعفر السبحاني


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
المطبعة: الإعتماد
الطبعة: ٣
ISBN: 964-357-148-3
الصفحات: ٤٨٦
🚘 نسخة غير مصححة

الزخرف

٤٦

التمثيل السادس والأربعون

( فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ * فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ * فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلاً لِّلآخِرِينَ ) (١).

تفسير الآيات

« آسفونا » : مأخوذ من أسف أسفاً إذا اشتد غضبه.

وقال الراغب : الآسف : الحزن والغضب معاً ، وقد يقال لكلّ واحد منهما على الانفراد ، والمراد في الآية هو الغضب.

السلف : المتقدم.

انّه سبحانه يخبر عن انتقامه من فرعون وقومه ، ويقول : فلمّا آسفونا ، أي أغضبونا ، وذلك بالإفراط في المعاصي والتجاوز عن الحد ، فاستوجبوا العذاب ، كما قال سبحانه : ( انتَقَمْنَا مِنْهُمْ ) ثمّ بين كيفية الانتقام ، وقال : ( فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ ) فما نجا منهم أحد ( فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلاً لِّلآخِرِينَ ) ، أي جعلناهم عبرة وموعظة لمن يأتي من بعدهم حتى يتّعظوا بهم.

فالمشبه به هو قوم فرعون واستئصالهم ، والمشبه هو مشركو أهل مكة وكفّارهم ، فليأخذوا حال المتقدمين نموذجاً متقدماً لمصيرهم.

__________________

(١) الزخرف : ٥٤ ـ ٥٦.

٢٤١

الزخرف

٤٧

التمثيل السابع والأربعون

( وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ * وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ * إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ * وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنكُم مَّلائِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ * وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ ) (١).

تفسير الآيات

« الصدّ » : بمعنى الانصراف عن الشيء ، قال سبحانه : ( يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا ) ، ولكن المراد منه في الآية هو ضجة المجادل إذا أحس الانتصار.

« تمترن » : من المرية وهي التردد بالأمر.

ذكر المفسرون في سبب نزول الآيات انّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لما قرأ : ( إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ * لَوْ كَانَ هَٰؤُلاءِ آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ * لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لا يَسْمَعُونَ ) (٢).

__________________

(١) الزخرف : ٥٧ ـ ٦١.

(٢) الأنبياء : ٩٨ ـ ١٠٠.

٢٤٢

امتعضت قريش من ذلك امتعاضاً شديداً ، فقال عبد الله بن الزبعرىٰ : يا محمد أخاصة لنا ولآلهتنا أم لجميع الأُمم ؟ فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « هو لكم ولآلهتكم ولجميع الأُمم ».

فقال : خصمتك وربّ الكعبة ، ألست تزعم انّ عيسى بن مريم نبي وتثني عليه خيراً ، وعلىٰ أُمّه ، وقد علمت أنّ النصارى يعبدونهما ، وعزير يعبد ، والملائكة يعبدون ، فإن كان هؤلاء في النار ، فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معهم ، ففرحوا وضحكوا (١).

وإلى فرحهم وضجّتهم ، يشير سبحانه بقوله : ( إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ) حيث زعموا انّهم وجدوا ذريعة للرد عليه وإبطال دعوته ، فنزلت الآية إجابة عن جدلهم الواهي ، قال سبحانه :

( وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً ) أي لما وصف المشركون ابن مريم مثلاً وشبهاً لآلهتهم ( إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ) أي أحس قومك في هذا التمثيل فرحاً وجذلاً وضحكاً لمّا حاولوا إسكات رسول الله بجدلهم ، حيث قالوا في مقام المجادلة : ( وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ) يعنون آلهتنا عندك ليست بخير من عيسى ، فإذا كان عيسى من حصب النار كانت آلهتنا هيناً.

وبذلك يعلم انّ المشركين هم الذين ضربوا المثل حيث جعلوا المسيح شبهاً ومثلاً لآلهتهم ، ورضوا بأن تكون آلهتهم في النار إذا كان المسيح كذلك ازداد فرح المشركين وظنوا انّهم التجأوا إلى ركن ركين أمام منطق النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

ثمّ إنّه سبحانه يشير في الآيات السابقة إلى القصة على وجه الإجمال ، ويجيب

__________________

(١) الكشاف : ٣ / ١٠٠. لاحظ سيرة ابن هشام : ١ / ٣٨٥ ، وقد ذكرت القصة بتفصيل.

٢٤٣

على استدلال ابن الزبعرىٰ.

أوّلاً : انّهم ما أرادوا بهذا التمثيل إلاّ المجادلة والمغالبة لا لطلب الحق ، وذلك لأنّ طبعهم على اللجاج والعناد ، يقول سبحانه : ( مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ).

وثانياً : انّهم ما تمسكوا بهذا المثل إلاّ جدلاً وهم يعلمون بطلان دليلهم ، إذ ليس كلّ معبود حصب جهنم ، بل المعبود الذي دعا الناس إلى عبادته كفرعون لا كالمسيح الذي كان عابداً لله رافضاً للشرك ، فاستدلالهم كان مبنياً على الجدل وإنكار الحقيقة ، وهذا هو المراد من قوله : ( مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ).

ولذلك بدأ سبحانه يشرح موقف المسيح وعبادته وتقواه وانّه كان آية من آيات الله سبحانه ، وقال : ( إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ ) ، أي آية من آيات الله لبني إسرائيل ، فولادته كانت معجزة ، وكلامه في المهد معجزة ثانية وإحياؤه الموتىٰ معجزة ثالثة ، فلم يكن يدعو قطُّ إلى عبادة نفسه.

ثمّ إنّه سبحانه من أجل تحجيم شبهة حاجته إلى عبادة الناس ، يقول : ( وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنكُم مَّلائِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ ) أي يطيعون الله ويعبدونه ، فليس الإصرار على عبادتكم وتوحيدكم إلاّ طلباً لسعادتكم لا لتلبية حاجة الله ، وإلاّ ففي وسعه سبحانه أن يخلقكم ملائكة خاضعين لأمره.

ثمّ إنّه سبحانه يشير إلى خصيصة من خصائص المسيح ، وهي انّ نزوله من السماء في آخر الزمان آية اقتراب الساعة.

٢٤٤

إلى هنا تم تفسير الآية ، وأمّا التمثيل فقد تبين ممّا سبق حيث شبهوا آلهتهم بالمسيح ورضوا بأن تكون مع المسيح في مكان واحد وإن كان هو النار. فالذي يصلح لأن يكون مثلاً إنّما هو قوله : ( وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً ) وقد عرفت انّ الضارب هو ابن الزبعرىٰ ، وأمّا قوله : ( وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ ) فالمثل فيه بمعنى الآية.

إيقاظ :

ربما عُدّت الآية التالية من الأمثال القرآنية : ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَهُوَ الحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ * ذَٰلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ ) (١) والظاهر انّ المثل في الآية بمعنى الوصف لا بمعنى التمثيل المصطلح ، أي تشبيه شيء بشيء ويعلم ذلك من خلال تفسير الآيات.

تفسير الآيات

« بال » البال : الحال التي يكترث بها ، ولذلك يقال : ما باليت بكذا بالةً أي ما اكترثت به ، قال : ( كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ) ، وقال : ( فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَىٰ ) أي حالهم وخبرهم ، ويعبَّر بالبال عن الحال الذي ينطوي عليه الإنسان ، فيقال خطر كذا ببالي (٢).

__________________

(١) محمد : ٢ ـ ٣.

(٢) مفردات الراغب : ٦٧ مادة بال.

٢٤٥

إنّ هذه الآيات بشهادة ما تليها تبين حال كفّار قريش ومشركي مكة الذين أشعلوا فتيل الحرب في بدر. فقال : ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللهِ ) أي منعوا الآخرين من الاهتداء بهدى الإسلام ، فهؤلاء أضلّ أعمالهم ، أي أحبط أعمالهم وجعلها هباءً منثوراً. فلا ينتفعون من صدقاتهم وعطياتهم إشارة إلى غير واحد من صناديد قريش الذين نحروا الإبل في يوم بدر وقبله.

فيقابلهم المؤمنون كما قال : ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَهُوَ الحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ).

فلو انّه سبحانه أضلّ أعمال الكافرين وأحبط ما يقومون به من صدقات ، لكنّه سبحانه من جهةأُخرى جعل صالح أعمال المؤمنين كفارة لسيئاتهم وأصلح بالهم.

فشتان ما بين كافر وصاد عن سبيل الله ، يحبط عمله.

ومؤمن بالله وبما نزّل على محمد ، يكفّر سيئاته بصالح أعماله.

ومن هذا التقابل علم مكانة الكافر والمؤمن ، كما علم نتائج أعمالهما.

ثمّ إنّه سبحانه يدلّل على ذلك بأنّ الكافرين يقتفون أثر الباطل ولذلك يضل أعمالهم ، وأمّا المؤمنون فيتبعون الحقّ فينتفعون بأعمالهم ، وقال : ( ذَٰلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ ).

وفي ختام الآية الثانية ، قال : ( كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ ) أي كذلك يبين حال المؤمن والكافر ونتائج أعمالهما وعاقبتهما.

وعلى ذلك فالآية ليست من قبيل التمثيل ، بل بمعنى الوصف ، أي كذلك يصف سبحانه للناس حال الكافر والمؤمن وعاقبتهما. فليس هناك أي تشبيه

٢٤٦

وتنزيل ، وإنّما الآيات سيقت لبيان الحقيقة ، فالآية الاَُولى تشير إلى الكافر ونتيجة عمله ، والآية الثانية تشير إلى المؤمن ومصير عمله ، والآية الثالثة تذكر علة الحكم ، وهو انّ الكافر يستقي من الماء العكر حيث يتبع الباطل والمؤمن ينهل من ماء عذب فيتبع الحقّ.

٢٤٧

محمد

٤٨

التمثيل الثامن والأربعون

( مَّثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ ) (١).

تفسير الآية

« آسن » يقال : أسن الماء ، يأسن : إذا تغير ريحه تغيراً منكراً ، وماء غير آسن : أي غير نتن.

« الحميم » : الماء الشديد الحرارة.

قوله : « مثل الجنة » أي وصفها وحالها ، وهو مبتدأ خبره محذوف ، أي جنة فيها أنهار. فلو أردنا أن نجعل الآية من آيات التمثيل فلابدّ من تصور مشبه وهو الجنة الموعودة ، ومشبه به وهو جنة الدنيا بما لها من الخصوصيات.

ولكن الظاهر انّ الآية صيغت لبيان حال الجنة ووصفها وسماتها ، وهي كالتالي :

__________________

(١) محمد : ١٥.

٢٤٨

١. فيها أنهار أربعة وهي عبارة عن :

أ : ( أَنْهَارٌ مِّن مَّاءٍ غَيْرِ آسِنٍ ) أي الماء الذي لا يتغير طعمه ورائحته ولونه لطول البقاء.

ب : ( أَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ ) ، ولا يعتريها الفساد بمرور الزمان.

ج : أنهار من خمر لذة للشاربين ، فتقييد الخمر بكونه لذة للشاربين احتراز عن خمر الدنيا ، وقد وصف القرآن الكريم خمر الجنة في آية أُخرى ، وقال : ( يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ * بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ * لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ ) (١). فقوله : ( لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ ) أي ليس فيها ما يعتري خمر الدنيا من المرارة والكراهة ، فقوله : ( لا فِيهَا غَوْلٌ ) ، أي لا تغتال عقولهم فتذهب بها ، وقوله : ( وَلا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ ) أي يسكرون. وبذلك يمتاز خمر الآخرة على خمر الدنيا.

د : أنهار من عسل مصفّى وخالص من الشمع.

وهذه الأنهار الأربعة لكلّ غايته وغرضه : فالماء للارتواء ، والثاني للتغذّي ، والثالث لبعث النشاط والروح ، والرابع لإيجاد القوة في الإنسان.

٢. وفيها وراء ذلك من كلّ الثمرات ، كما قال سبحانه : ( وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ ) فالفواكه المتنوعة تحت متناول أيديهم لا عين رأتها ولا أُذن سمعتها ولا خطرت علىٰ قلب بشر.

٣. وفيها وراء هذه النعم المادية ، نعمة معنوية يشير إليها بقوله : ( وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ ).

__________________

(١) الصافات : ٤٥ ـ ٤٧.

٢٤٩

وبذلك تبيّن لنا وصف الجنة وحال المتقين فيها ، بقي الكلام في تبيين حال أهل الجحيم ومكانهم ، فأشار إليه بقوله :

( كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ ) هذا وصف أهل الجحيم ، وأمّا ما يرزقون فهو عبارة عن الماء الحميم لا يشربونه باختيارهم وإنّما يسقون ، ولذلك يقول سبحانه : ( وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا ) الذي يقطّع أمعاءهم كما قال : ( فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ ).

وعلى كلّ تقدير ، فلو قلنا : إنّ الآية تهدف إلى تشبيه جنة الآخرة بجنة الدنيا التي فيها كذا وكذا فهو من قبيل التمثيل ، وإلاّ فالآية صيغت لبيان وصف جنة الآخرة وانّ فيها أنهاراً وثماراً ومغفرة.

والظاهر هو الثاني ، فالأولى عدم عدّ هذه الآية من الأمثال القرآنية وإنّما ذكرناها تبعاً للآخرين.

٢٥٠

الفتح

٤٩

التمثيل التاسع والأربعون

( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَىٰ وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَىٰ بِاللهِ شَهِيدًا * مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ) (١).

تفسير الآيات

« السيماء » : العلامة ، فقوله : ( سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم ) ، أي علامة إيمانهم في وجوههم.

شطأ الزرع : فروخ الزرع ، وهو ما خرج منه ، وتفرع في شاطئيه أي في جانبيه وجمعه إشطاء ، وهو ما يعبر عنه بالبراعم.

« الأزر » : القوة الشديدة ، آزره أي أعانه وقوّاه.

« الغلظة » : ضد الرقة.

__________________

(١) الفتح : ٢٨ ـ ٢٩.

٢٥١

« السوق » : قيل هو جمع ساق.

القرآن يتكلم في هاتين الآيتين عن النبي تارة وأصحابه أُخرى :

أمّا الأوّل فيعرّفه بقوله : ( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَىٰ وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَىٰ بِاللهِ شَهِيدًا ) والضمير « ليظهره » يرجع إلى دين الحقّ لا الرسول ، لأنّ الغاية ظهور دين على دين لا ظهور شخص على الدين ، والمراد من الظهور هو الغلبة في مجال البرهنة والانتشار ، وقد تحقّق بفضله سبحانه وسوف تزداد رقعة انتشاره فيضرب الإسلام بجرانه في أرجاء المعمورة ، ولا سيما عند قيام الإمام المهدي المنتظر عليه‌السلام.

يقول سبحانه في هذا الصدد : ( مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ ) أي الرسول الذي سوف يغلب دينه على الدين كله ، وقد صرح باسمه في هذه الآية ، إلاّ أنّه أجمل في الآية الأولى ، وقال : « أرسل رسوله ».

إلى هنا تمّ بيان صفات النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسماته ، وأمّا صفات أصحابه فجاء ذكرهم في التوراة والإنجيل.

أمّا التوراة فقد جاء فيها وصفهم كالتالي :

١. ( وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ ) ، الذين لا يفهمون إلاّ منطق القوة ، فلذلك يكونون أشداء عليهم.

٢. ( رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ) فهم رحماء يعطف بعضهم على بعض ، قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : مثل المؤمنين في توادّهم وتعاطفهم وتراحمهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّىٰ (١).

__________________

(١) مسند أحمد بن حنبل : ٤ / ٢٧٠ و ٢٦٨ و ٢٧٤.

٢٥٢

٣. ( تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا ) ، هذا الوصف يجسّد ظاهر حالهم وانّهم منهمكون في العبادة ، فلذلك يقول : ( تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا ) ، أي تراهم في عبادة ، التي هي آية التسليم لله سبحانه.

ومع ذلك لا يبتغون لعبادتهم أجراً وإنّما يأملون فضل الله ، كما يقول : ( يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانًا ) ، ولعل القيد الأخير إشارة إلى أنّ الحافز لأعمالهم هو كسب رضاه سبحانه.

ومن علائمهم الأُخرى انّ أثر السجود في جباههم ، كما يقول : ( سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ) فسيماهم ووجوههم تلمح إلى كثرة عبادتهم وسجودهم وخضوعهم لله سبحانه ، وهذه الصفات مذكورة أيضاً في الإنجيل.

إنّ أصحاب محمد لم يزالوا يزيدون باطّراد في العدة والقوة وبذلك يغيظون الكفار ، فهم كزرع قوي وغلظ وقام على سوقه يعجب الزارعين بجودة رشده.

ولم يزالوا في حركة دائبة ونشيطة ، فمن جانب يعبدون الله مخلصين له الدين بلا رياء ولا سمعة ، ومن جانب آخر يجاهدون في سبيل الله بغية نشر الإسلام ورفع راية التوحيد في أقطار العالم.

فعملهم هذا يغيظ الكفار ويسرّ المؤمنين ، قال سبحانه : ( وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ).

فالمجتمع الإسلامي بإيمانه وعمله وجهاده وحركته الدؤوبة نحو التكامل يثير إعجاب الأخلاّء وغيظ الألدّاء.

ثمّ إنّه سبحانه وعد طائفة خاصة من أصحاب محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مغفرة وأجراً

٢٥٣

عظيماً ، وذلك لأنّ المنافقين كانوا مندسّين في صفوف أصحابه ، فلا يصح وعد المغفرة لكلّ من صحب النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ورآه وعاش معه وقلبه خال من الإيمان ، ولذلك قال سبحانه : ( وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ) فكلمة « منهم » تعرب عن أنّ المغفرة لا تعم جميع الأصحاب بل هي مختصة بطائفة دون أُخرى.

وما ربما يقال من أنّ « من » بيانية لا تبعيضية غير تام.

لأنّ « من » البيانية لا تدخل على الضمير ، ويؤيد ذلك قوله : ( وَمِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ) (١).

والحاصل : انّه لا يمكن القول بشمول أدلة المغفرة والأجر العظيم لقاطبة من صحب النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مع أنّهم على أصناف شتىٰ.

فمن منافق معروف ، عرّفه الذكر الحكيم بقوله : ( إِذَا جَاءَكَ المُنَافِقُونَ ) (٢).

إلى آخر مختف لا يعرفه النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال سبحانه : ( وَمِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ).

إلى ثالث يصفهم الذكر الحكيم بمرضى القلوب ، ويقول : ( وَإِذْ يَقُولُ المُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا ) (٣).

إلى رابع سمّاعون لنعق كل ناعق فهم كالريشة في مهب الريح يميلون تارة

__________________

(١) التوبة : ١٠١.

(٢) المنافقون : ١.

(٣) الأحزاب : ١٢.

٢٥٤

إلى المسلمين وأُخرى إلى الكافرين ، يصفهم سبحانه بقوله ( لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ) (١).

إلى خامس خالط العمل الصالح بالسيّء يصفهم سبحانه بقوله : ( وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا ) (٢).

إلى سادس أشرفوا على الارتداد ، عرّفهم الحق سبحانه بقوله : ( وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الحَقِّ ظَنَّ الجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ للهِ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لا يُبْدُونَ لَكَ ) (٣).

إلى سابع يصفه القرآن فاسقاً ، ويقول : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ) (٤).

والمراد هو الوليد بن عقبة صحابي سمي فاسقاً ، وقال تعالى : ( فَإِنَّ اللهَ لا يَرْضَىٰ عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ) (٥).

إلى ثامن يصفهم الذكر الحكيم مسلماً غير مؤمن ويصرِّح بعدم دخول الإيمان في قلوبهم ، ويقول : ( قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ) (٦).

إلى تاسع أظهروا الإسلام لأخذ الصدقة لا غير ، وهم الذين يعرفون بالمؤلّفة

__________________

(١) التوبة : ٤٧.

(٢) التوبة : ١٠٢.

(٣) آل عمران : ١٥٤.

(٤) الحجرات : ٦.

(٥) التوبة : ٩٦.

(٦) الحجرات : ١٤.

٢٥٥

قلوبهم ، قال : ( إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ ) (١).

إلى عاشر يفرّون من الزحف فرار الغنم من الذئب ، يقول سبحانه :

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ * وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المَصِيرُ ) (٢).

وكم نطق التاريخ بفرار ثلة من الصحابة من ساحات الوغى ، يقول سبحانه عند ذكر غزوة أُحد : ( إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَىٰ أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ ) (٣) ، ولم يكن الفرار مختصاً بغزوة أُحد بل عمّ غزوة حنين أيضاً ، يقول سبحانه : ( لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ ) (٤).

هذه إلمامة عابرة بأصناف الصحابة المذكورة في القرآن الكريم ، أفيمكن وعد جميع هذه الأصناف بالمغفرة ؟!

مضافاً إلى آيات أُخرى تصف أعمالهم.

نعم كان بين الصحابة رجال مخلصون يستدر بهم الغمام ، وقد وصفهم سبحانه في غير واحد من الآيات التي لا تنكر.

والكلام الحاسم : انّ وعد المغفرة لصنف منهم لا لجميع الأصناف ، كما أنّ عدالتهم كذلك.

__________________

(١) التوبة : ٦٠.

(٢) الأنفال : ١٥ ـ ١٦.

(٣) آل عمران : ١٥٣.

(٤) التوبة : ٢٥.

٢٥٦

الحديد

٥٠

التمثيل الخمسون

( اعْلَمُوا أَنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ ) (١).

تفسير الآية

« الكفّار » : جمع الكافر بمعنى الساتر ، والمراد الزارع ، ويطلق على الكافر بالله لستره الحق ، والمراد في المقام الزارع ، لأنّه يستر حبّه تحت التراب ويغطّيها به ، يقول سبحانه : ( كَزَرْعٍ ... يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ ) (٢).

« هيج » : يقال : هاج البقل يهيج ، أي أصفرّ ، والمراد في قوله : ( ثُمَّ يَهِيجُ ) أي ييبس ( فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ) أي إذا قارب اليبس.

و « الحطام » بمعنى كسر الشيء ، قال سبحانه : ( لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ ) (٣).

__________________

(١) الحديد : ٢٠.

(٢) الفتح : ٢٩.

(٣) النمل : ١٨.

٢٥٧

فالآية تتضمن أمرين :

الأمر الأوّل : ترسيم الحياة الدنيا والمراحل المختلفة التي تمر على الإنسان :

أ : اللعب ، ب : اللهو ، ج : الزينة ، د : التفاخر ، ه‍ : التكاثر في الأموال والأولاد.

والأمر الثاني : تشبيه الدنيا بداية ونهاية بالنبات الذي يعجب الزارع طراوته ونضارته ، ثمّ سرعان ما يتحول إلى عشب يابس تذروه الرياح.

ثمّ استنتج من هذا التمثيل : انّ الحياة الدنيا متاع الغرور ، أي وسيلة للغرور والمتعة ، يغتر بها المخلدون إلى الأرض يتصورونها غاية قصوىٰ للحياة ، ولكنّها في نظر المؤمنين قنطرة للحياة الأخرى لا يغترّون بها ، بل يتزوّدون منها إلى حياتهم الأخروية.

هذا هو ترسيم إجمالي لمفهوم الآية ، والتمثيل إنّما هو في الشق الثاني منها ، فلنرجع إلى تفسير كلّ من الأمرين.

إنّ حياة الإنسان من لدن ولادته إلى نهاية حياته تتشكل من مراحل خمس :

المرحلة الأولىٰ : اللعب

واللعب هو محل منظوم لغرض خيالي كلعب الأطفال ، وهي تقارن حياة الإنسان منذ نعومة أظفاره وطفولته ، ويتخذ ألواناً مختلفة حسب تقدم عمره ، وهو أمر محسوس عند الأطفال.

المرحلة الثانية : اللهو

واللهو ما يشغل الإنسان عمّا يهمه ، وهذه المرحلة تبتدئ حينما يبلغ ويشتد

٢٥٨

عظمه ، فتجد في نفسه ميلاً ونزوعاً إلى الملاهي وغيرها.

المرحلة الثالثة : حب الزينة.

والزينة نظير ارتداء الملابس الفاخرة والمراكب البهية والمنازل العالية ، وجنوحه إلى كل جمال وحسن.

المرحلة الرابعة : التفاخر.

إذا تهيّأ للإنسان أسباب الزينة يأخذ حينها بالمفاخرة بالأحساب والأنساب ، وما تحت يديه من الزينة.

المرحلة الخامسة : التكاثر في الأموال والأولاد.

وهذه المرحلة هي المرحلة الخامسة التي يصل فيها الإنسان إلى مرحلة من العمر يفكر في تكثير الأموال والأولاد ، ويشيب على ذلك الإحساس.

ثمّ إنّ تقسيم المراحل التي تمر على الإنسان إلى خمس ، لا يعني انّ كلّ هذه المراحل تمر على الإنسان بلا استثناء ، بل يعني انّها تمر عليه على وجه الإجمال ، غير انّ بعض الناس تتوقف شخصيتهم عند المرحلتين الأوليين إلى آخر عمره ، فيكون اللعب واللهو أهم مائز في سلوكهم ، كما أنّ بعضهم تمر عليه المرحلة الثالثة والرابعة فيحرص على ارتداء الملابس الفاخرة والتفاخر بما لديه من أسباب.

روي عن الشيخ البهائى انّ الخصال الخمس المذكورة في الآية مترتبة بحسب سني عمر الإنسان ومراحل حياته ، فيتولّع أوّلاً باللعب وهو طفل أو مراهق ، ثمّ إذا بلغ واشتد عظمه تعلّق باللهو والملاهي ، ثمّ إذا بلغ أشده اشتغل بالزينة من الملابس الفاخرة والمراكب البهية والمنازل العالية وتوله للحسن

٢٥٩

والجمال ، ثمّ إذا اكتهل أخذ بالمفاخرة بالأحساب والأنساب ، ثمّ إذا شاب سعىٰ في تكثير المال والولد (١).

هذا ما يرجع إلى بيان حال الدنيا من حيث المراحل التي تمر بها.

الأمر الثاني : أي التمثيل الذي يجسد حال الدنيا ويشبهها بأرض خصبة يصيبها مطر غزير ، فتزدهر نباتها على وجه يعجب الزرّاع ، ولكن سرعان ما تذهب طراوتها وتفارقها فيصيبها الإصفرار واليبس وتذروها الرياح في كلّ الأطراف وتصبح كأنّها لم تكن شيئاً مذكوراً ، وعند ذلك تتجلّى الحقيقة أمام الإنسان وانّه اغتر بطراوة هذه الروضة.

وهكذا حال الدنيا فيغتر الإنسان بها ويخلد إليها ، ولكن سرعان ما تسفر له عن وجهها وتكشف عن لثامها ، وعلى أية حال فالآية تهدف إلى تحقير الدنيا وتعظيم الآخرة.

__________________

(١) الميزان : ١٩ / ١٦٤.

٢٦٠