آيات الغدير

مركز المصطفى للدراسات الإسلامية

آيات الغدير

المؤلف:

مركز المصطفى للدراسات الإسلامية


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز المصطفى للدراسات الإسلامية
الطبعة: ١
ISBN: 964-319-151-6
الصفحات: ٣٧٤
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

وهو الحلف الذي شارك فيه النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكان عمره الشريف نحو عشرين سنة .. بل تدل بعض الأحاديث على أنه صلى‌الله‌عليه‌وآله أمضاه بعد بعثته ، كما في مسند أحمد : ١ / ١٩٠ قال : شهدت حلف المطيبين مع عمومتي وأنا غلامٌ ، فما أحب أن لي حمر النعم ... وصححه الحاكم : ٢ / ٢٢٠.

وكان هذا الحلف جواباً لحلف مضادٍ ، دعا اليه بنو عبد الدار ، فأجابتهم بعض قبائل قريش ، وعرف حلفهم باسم ( لعقة الدم ) لأنهم ذبحوا بقرة ، وأكدوا تحالفهم بأن يلعق ممثل القبيلة لعقةً من دمها !

وقد اختلفت النصوص في سبب الحلفين ووقتهما ، فذكر بعضها أنه عند بناء الكعبة بسبب اختلافهم على القبيلة التي تفوز بشرف وضع الحجر الأسود في موضعه.

وذكر بعضها أنه كان بسبب شكاية بائع مظلوم ، اشترى منه قرشي بضاعة ، وأراد أن يأكل عليه ثمنها ..

والأرجح ما ذكره ابن واضح اليعقوبي من أن بني عبد الدار حسدوا عبد المطلب ، فدعوا الى حلف لعقة الدم ، فدعا عبد المطلب في مقابلهم الى حلف المطيبين.

ـ قال اليعقوبي في تاريخه : ١ / ٢٤٨

ولما رأت قريش أن عبد المطلب قد حاز الفخر ، طلبت أن يحالف بعضها بعضاً ليعزُّوا ، وكان أول من طلب ذلك بنو عبد الدار لما رأت حال عبد المطلب ، فمشت بنو عبد الدار الى بني سهم فقالوا : إمنعونا من بني عبد مناف .... فتطيب بنو عبد مناف ، وأسد ، وزهرة ، وبنو تيم ، وبنو الحارث بن فهر ، فسموا حلف المطيبين.

فلما سمعت بذلك بنو سهم ذبحوا بقرةً وقالوا : من أدخل يده في دمها ولعق منه ، فهو منا ! فأدخلت أيديها بنو سهم ، وبنو عبد الدار ، وبنو جمح ، وبنو عدي ، وبنو مخزوم ، فسموا اللعقة.

وكان تحالف المطيبين ألا يتخاذلوا ، ولا يسلم بعضهم بعضاً.

٣٤١

وقالت اللعقة : قد أعتدنا لكل قبيلةٍ قبيلة. انتهى.

ـ وقال اليعقوبي : ٢ / ١٧

حضر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله حلف الفضول وقد جاوز العشرين ، وقال بعدما بعثه الله : حضرت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً ، ما يسرني به حمر النعم ، ولو دعيت اليه اليوم لأجبت.

وكان سبب حلف الفضول أن قريشاً تحالفت أحلافاً كثيرة على الحمية والمنعة ، فتحالف المطيبون وهم بنو عبد مناف ، وبنو أسد ، وبنو زهرة ، وبنو تيم ، وبنو الحارث بن فهر ، على أن لا يسلموا الكعبة ما أقام حراء وثبير ، وما بلَّ بحرٌ صوفة. وصنعت عاتكة بنت عبد المطلب طيباً فغمسوا أيديهم فيه ...

فتذممت قريش فقاموا فتحالفوا ألا يظلم غريبٌ ولا غيره ، وأن يؤخذ للمظلوم من الظالم ، واجتمعوا في دار عبد الله بن جدعان التيمي.

وكانت الأحلاف هاشم ، وأسد ، وزهرة ، وتيم ، والحارث بن فهر ، فقالت قريش :

هذا فضول من الحلف ، فسمي حلف الفضول. انتهى.

ـ وفي سيرة ابن هشام : ١ / ٨٥

فكان بنو أسد بن عبد العزى بن قصي ، وبنو زهرة بن كلاب ، وبنو تيم بن مرة بن كعب ، وبنو الحارث بن فهر بن مالك بن النضر ، مع بني عبد مناف.

وكان بنو مخزوم بن يقظة بن مرة ، وبنو سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب ، وبنو جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب ، وبنو عدي بن كعب ، مع بني عبد الدار.

ويفهم من هذه النصوص وغيرها أن حركة التحالف بدأها بنو عبد الدار حسداً لعبد المطلب ، فسعوا للتحالف ضده ، فبادر عبد المطلب ومؤيدوه الى عقد حلف المطيبين قبلهم ، ثم عقد بنو عبد الدار ومؤيدوهم حلف لعقة الدم.

ويفهم منها ، أن أهداف حلف عبد المطلب حماية الكعبة ونصرة المظلوم ، بينما هدف حلف بني عبد الدار مواجهة المطيبين !

٣٤٢

بنو عبد الدار أصحاب لواء قريش

وذكر المؤرخون أن بني عبد الدار ورثوا من جدهم قصي دار الندوة التي كانت شبيهةً بمركز لمجلس شيوخ قريش ، تبحث فيها الأمور المهمة ، وتتخذ فيها القرارات ، كما ورثوا لواء الحرب ، فكانوا هم أصحاب لواء قريش في حروبها ..

ـ قال البلاذري في فتوح البلدان ٦٠

فلم تزل دار الندوة لبني عبد الدار بن قصي ، حتى باعها عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي ، من معاوية بن أبي سفيان ، فجعلها داراً للإمارة. انتهى.

وقد قتل علي عليه‌السلام من بني عبد الدار كل من رفع لواء قريش في وجه رسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فبلغوا بضعة عشر ، وروي أن بعضهم قتلهم عمه حمزة بن عبد المطلب !

ـ قال ابن هشام في : ٣ / ٥٨٧ : واصفاً تحميس أبي سفيان وزوجته لبني عبد الدار في أحد :

قال أبو سفيان لأصحاب اللواء من بني عبد الدار يحرضهم بذلك على القتال : يا بني عبد الدار إنكم قد وليتم لواءنا يوم بدر ، فأصابنا ما قد رأيتم ، وإنما يؤتى الناس من قبل راياتهم ، إذا زالت زالوا ، فإما أن تكفونا لواءنا ، وإما أن تخلوا بيننا وبينه فنكفيكموه !

فهمُّوا به وتواعدوه ، وقالوا : نحن نسلم اليك لواءنا ؟!! ستعلم غداً إذا التقينا كيف نصنع ! وذلك أراد أبو سفيان.

فلما التقى الناس ودنا بعضهم من بعض ، قامت هند بنت عتبة في النسوة اللاتي معها ، وأخذن الدفوف يضربن بها خلف الرجال ويحرضنهم ، فقالت هند فيما تقول :

ويهاً بني عبد الدار

ويهاً حماة الأدبار

ضرباً بكل بتار

٣٤٣

ـ وفي سيرة ابن هشام : ٣ / ٦٥٥

قال ابن هشام : أنشدني أبو عبيدة للحجاج بن علاط السلمي يمدح أبا الحسن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، ويذكر قتله طلحة بن أبي طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار ، صاحب لواء المشركين يوم أحد :

لله أيُّ مذببٍ عن حرمةٍ

أعني ابن فاطمةَ المُعِمَّ المُخولا

سبقت يداك له بعاجلِ طعنةٍ

تركت طليحة للجبين مجدلا

وشددت شدةَ باسلٍ فكشفتهم

بالجر إذ يهوون أخول أخولا.انتهى.

وقد تتابع على حمل لواء المشركين يوم أحد تسعة من بني عبد الدار ، وقيل أكثر وركزوا حملاتهم على قتل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله بعد أن تركه المسلمون وهربوا صعوداً في الجبل ، وثبت الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ومعه علي عليه‌السلام في وجه حملات قريش ، التي تواصلت الى ما بعد الظهر !

وكان النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله يقاتل في مركزه ، وعلي عليه‌السلام يحمل عليهم ، يضرب مقدمتهم ، ثم يغوص فيهم يضرب يميناً وشمالاً ، حتى يصل الى العبدري حامل لوائهم فيحصد رأسه ، فتنكفئ الحملة ..

ثم يتحمس عبدريٌّ آخر فيحمل لواء الشرك ، ويهجمون باتجاه الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله فيتلقاهم علي عليه‌السلام وهو راجلٌ وهم فرسان .. حتى قتل من فرسان قريش عشرات ، ومن العبدريين أصحاب ألويتهم تسعة ! فيئسوا وانسحبوا ، ونادى مناديهم كذباً : قتل محمد !

وقد أصابته صلى‌الله‌عليه‌وآله بضع جراحات ، وأصابت علياً عليه‌السلام بضع وسبعون جراحة ! منها جراحاتٌ بليغة ، روي أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله مسح عليها بريقه فبرأت.

بنو عبد الدار علموا قريشاً فناً في الدفاع

ومن طريف ما ذكره المؤرخون عن بني عبد الدار الشجعان ، أنهم أول من علم قريشاً أسلوباً في الدفاع عن نفسها في الحرب أمام بني هاشم ، فقد ابتكروا طريقة للإستفادة في الحرب من ترفع بني هاشم وسموهم الأخلاقي !

٣٤٤

ـ روى ابن كثير في السيرة : ٣ / ٣٩ ، ناقلاً عن ابن هشام :

لما اشتد القتال يوم أحد ، جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت راية الأنصار ، وأرسل الى علي : أن قدم الراية ، فقدم علي وهو يقول : أنا أبو القصم ، فناداه أبو سعد بن أبي طلحة ، وهو صاحب لواء المشركين : هل لك يا أبا القصم في البراز من حاجة ؟ قال : نعم.

فبرزا بين الصفين ، فاختلفا ضربتين ، فضربه علي فصرعه ، ثم انصرف ولم يجهز عليه !

فقال له بعض أصحابه : أفلا أجهزت عليه ؟

فقال : إنه استقبلني بعورته فعطفتني عليه الرحم ، وعرفت أن الله قد قتله.

وقد فعل ذلك علي رضي‌الله‌عنه يوم صفين مع بسر بن أبي أرطاة ، لما حمل عليه ليقتله أبدى له عورته ، فرجع عنه.

وكذلك فعل عمرو بن العاص حين حمل عليه علي في بعض أيام صفين ، أبدى عن عورته ، فرجع علي أيضاً. ففي ذلك يقول الحارث بن النضر :

أفي كل يوم فارسٌ غير منتهٍ

وعورته وسْطَ العجاجةِ باديَهْ

يكفُّ لها عنه عليٌّ سنانه

ويضحك منها في الخلاء معاوية

النضر بن الحارث رئيس بني عبد الدار

ـ قال ابن هشام : ١ / ١٩٥

وكان النضر بن الحارث من شياطين قريش ، وممن كان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم وينصب له العدواة ، وكان قدم الحيرة وتعلم بها أحاديث ملوك الفرس وأحاديث رستم واسفنديار ، فكان إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلساً فذكر فيه بالله ، وحذر قومه ما أصاب من قبلهم من الأمم من نقمة الله ، خلفه في مجلسه إذا قام ، ثم قال : أنا والله يا معشر قريش أحسن حديثاً منه ، فهلم الي فأنا

٣٤٥

أحدثكم أحسن من حديثه ، ثم يحدثهم عن ملوك فارس ورستم واسبنديار ، ثم يقول : بماذا محمد أحسن حديثاً مني ؟!

قال ابن هشام : وهو الذي قال فيما بلغني : سأنزل مثل ما أنزل الله.

قال ابن اسحاق : وكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول فيما بلغني : نزل فيه ثمان آيات من القرآن ، قول الله عز وجل : إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين.

وكل ما ذكر فيه الأساطير من القرآن. انتهى.

وذكر ابن هشام ١ / ٢٣٩ قول النضر عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ( وما حديثه إلا أساطير الأولين اكتبتها كما اكتتبتها !! ).

ـ وقال السيوطي في الدر المنثور : ٣ / ١٨١

وأخرج ابن جرير عن عطاء قال : نزلت في النضر : وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء ، وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب ، ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة ، وسأل سائل بعذاب واقع !

قال عطاء رضي‌الله‌عنه : لقد نزل فيه بضع عشرة آية من كتاب الله. انتهى.

ـ وروى نحوه في : ٥ / ٢٩٧ ، عن عبد بن حميد.

ـ وقال عنه في تفسير الجلالين ٥٤٠

وهو النضر بن الحارث ، كان يأتي الحيرة يتجر فيشتري كتب أخبار الأعاجم ويحدث بها أهل مكة ويقول : إن محمداً يحدثكم أحاديث عادٍ وثمود ، وأنا أحدثكم أحاديث فارس والروم ، فيستملحون حديثه ويتركون استماع القرآن ! انتهى.

وقد عرفت أن مصادرنا وعدداً من مصادر السنيين ذكرت أن السائل بالعذاب الواقع هو جابر بن النضر بن الحارث ، أو الحارث الفهري. وأن أكثر مصادر السنيين رجحت أنه أبوه النضر بن الحارث ، اعتماداً على روايات عن ابن جبير وابن عباس غير مرفوعة. فقد روى الحاكم في المستدرك : ٢ / ٥٠٢ : عن سعيد بن جبير ، سأل سائل

٣٤٦

بعذاب واقع ، قال : هو النضر بن الحارث بن كلدة ، قال : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء.

ـ وقال السيوطي في الدر المنثور : ٦ / ٢٦٣ : أخرج الفريابي ، وعبد بن حميد ، والنسائي ، وابن أبي حاتم ، والحاكم وصححه ، وابن مردويه ، عن ابن عباس ... الخ. ولم أجد في مصادر السيرة والتراجم عن الإبن غير قصة هلاكه بحجر من السماء ، لكفره وبغضه لأهل بيت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولعله كان شاباً ، أو أنهم عتَّموا على ذكره حسداً لأهل البيت عليهم‌السلام. ويدل الموجود في مصادر السيرة على أن الأب أسوأ من الإبن بكثيرٍ ، لأنه من كبار الفراعنة الذين واجهوا النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولعل ابنه لو عاش لفاق أباه في كفراً وعتواً !!

وكان النضر عضو مجلس الفراعنة المتآمرين على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله

ـ قال ابن هشام : ١ / ١٩١

قال ابن اسحاق : ثم إن الإسلام جعل يفشو بمكة في قبائل قريش في الرجال والنساء ، وقريش تحبس من قدرت على حبسه ، وتفتن من استطاعت فتنته من المسلمين.

ثم إن أشراف قريش من كل قبيلة .... اجتمع عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، وأبو سفيان بن حرب ، والنضر بن الحارث أخو بني عبد الدار ، وأبو البختري بن هشام ، والأسود بن المطلب بن أسد ، وزمعة بن الأسود ، والوليد بن المغيرة ، وأبو جهل بن هشام ، وعبد الله بن أبي أمية ، والعاص بن وائل ، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج السهميان ، وأمية بن خلف ، أو من اجتمع منهم ...

قال : اجتمعوا بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة ، قال بعضهم لبعض : إبعثوا الى محمد فكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه ، فبعثوا اليه : إن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك فأتهم ، فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ... فقالوا له :

٣٤٧

يا محمد ، إنا قد بعثنا اليك لنكلمك ، وإنا والله ما نعلم رجلاً من العرب أدخل على قومه مثل ما أدخلت على قومك ، لقد شتمت الآباء وعبت الدين وشتمت الآلهة ، وسفهت الأحلام وفرقت الجماعة ، فما بقي أمرٌ قبيحٌ إلا قد جئته فيما بيننا وبينك ـ أو كما قالوا ـ فان كنت إنما جئت بهذا الحديت تطلب به مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً ، وإن كنت إنما تطلب به الشرف فينا فنحن نسودك علينا ، وإن كنت تريد به ملكاً ملكناك علينا ، وإن كان هذا الذى يأتيك رئياً تراه قد غلب عليك ـ وكانوا يسمون التابع من الجن رئياً ـ فربما كان ذلك بذلنا لك أموالنا في طلب الطب لك حتى نبرئك منه ، أو نعذر فيك ! فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم :

مابي ما تقولون ، ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم ، ولا الشرف فيكم ، ولا الملك عليكم ، ولكن الله بعثني اليكم رسولاً ، وأنزل علي كتاباً ، وأمرني أن أكون لكم بشيراً ونذيراً ، فبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم ، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة ، وإن تردوه عليَّ أصبر لأمر الله ، حتى يحكم الله بيني وبينكم ... الى آخر مناظرتهم.

ـ وقال ابن هشام : ٢ / ٣٣١

عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال : لما أجمعوا لذلك واتعدوا أن يدخلوا دار الندوة ليتشاوروا فيها في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، غدوا في اليوم الذي اتعدوا له وكان ذلك اليوم يسمى يوم الزحمة ... وقد اجتمع فيها أشراف قريش : من بني عبد شمس : عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، وأبوسفيان بن حرب. ومن بنى نوفل بن عبد مناف : طعيمة بن عدى ، وجبير ابن مطعم ، والحارث بن عامر بن نوفل. ومن بنى عبد الدار بن قصي : النضر ابن الحارث بن كلدة ... الخ.

فقال أبوجهل بن هشام : والله إن لي فيه رأياً ما أراكم وقعتم عليه بعد.

قالوا : وما هو يا أبا الحكم ؟

قال : أرى أن نأخذ من كان قبيلة فتى شاباً جليداً نسيباً وسيطاً فينا ، ثم نعطي كل

٣٤٨

فتى منهم سيفاً صارماً ، ثم يعمدوا اليه فيضربوه بها ضربة رجل واحد فيقتلوه فنستريح منه ، فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعها ، فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعاً ، فرضوا منا بالعقل فعقلناه لهم. انتهى.

ورواه الطبري في تاريخه : ٢ / ٩٨

وكان النضر رسول قريش الى اليهود

ـ جاء في سيرة ابن هشام : ١ / ١٩٥

قام النضر بن كلدة بن علقمة بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي ... فقال :

يا معشر قريش إنه والله قد نزل بكم أمرٌ ما أتيتم له بحيلة بعد ، قد كان محمد فيكم غلاماً حدثاً ، أرضاكم فيكم ، وأصدقكم حديثاً ، وأعظمكم أمانة ، حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب ، وجاءكم بما جاءكم به ، قلتم ساحر ، لا والله ما هو بساحر ، لقد رأينا السحرة ونفثهم وعقدهم. وقلتم كاهن ، لا والله ما هو بكاهن ، قد رأينا الكهنة وتخالجهم وسمعنا سجعهم. وقلتم شاعر ، لا والله ما هو بشاعر ، قد رأينا الشعر وسمعنا أصنافه كلها : هزجه ورجزه. وقلتم مجنون ، لا والله ما هو بمجنون ، لقد رأينا الجنون فما هو بخنقة ، ولا وسوسته ، ولا تخليطه.

يا معشر قريش فانظروا في شأنكم ، فإنه والله لقد نزل بكم أمر عظيم ....

فلما قال لهم ذلك النضر بن الحارث بعثوه ، وبعثوا معه عقبة بن أبي معيط الى أحبار يهود بالمدينة ، وقالوا لهما : سلاهم عن محمد وصفا لهم صفته ، وأخبراهم بقوله ، فإنهم أهل الكتاب الأول ، وعندهم علمٌ ليس عندنا من علم الأنبياء.

فخرجا حتى قدما المدينة ، فسألا أحبار يهود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ووصفا لهم أمره ، وأخبراهم ببعض قوله وقالا لهم : إنكم أهل التوراة ، وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا ؟.

فقالت لهما أحبار يهود : سلوه عن ثلاثٍ نأمركم بهن ، فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل ، وان لم يفعل فالرجل متقول ، فَرَوْا فيه رأيكم.

٣٤٩

سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول : ما كان أمرهم ، فإنه قد كان لهم حديث عجيب ؟ وسلوه عن رجل طواف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها ، ما كان نبأه ؟ وسلوه عن الروح ما هي ؟

فإذا أخبركم بذلك فاتبعوه فإنه نبي ، وإن لم يفعل فهو رجلٌ متقول ، فاصنعوا في أمره ما بدا لكم ... الى آخر القصة. ورواها في عيون الأثر : ١ / ١٤٢

كاتب الصحيفة الملعونة الأولى ضد بني هاشم

ـ قال ابن هشام : ١ / ٢٣٤

اجتمعوا بينهم أن يكتبوا كتاباً يتعاقدون فيه على بني هاشم ، وبني المطلب ، على أن لا ينكحوا اليهم ولا ينكحوهم ، ولا يبيعوهم شيئاً ولا يبتاعوا منهم ، فلما اجتمعوا لذلك كتبوه في صحيفة ، تعاهدوا وتواثقوا على ذلك ، ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيداً على أنفسهم ، وكان كاتب الصحيفة منصور بن عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي. قال ابن هشام : ويقال النضر بن الحارث ، فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فشل بعض أصابعه.

ـ وقال ابن واضح اليعقوبي في تاريخه : ٢ / ٣١

وهمت قريش بقتل رسول الله ، وأجمع ملأها على ذلك ، وبلغ أبا طالب فقال :

والله لن يصلوا اليك بجمعهم

حتى أغيَّبَ في التراب دفينا

ودعوتني وزعمت أنك ناصح

ولقد صدقت وكنت ثَمَّ أمينا

وعرضت ديناً قد علمت بأنه

من خير أديان البرية دينا

فلما علمت قريش أنهم لا يقدرون على قتل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وأن أبا طالب لا يسلمه ، وسمعت بهذا من قول أبي طالب ، كتبت الصحيفة القاطعة الظالمة ألا يبايعوا أحداً من بني هاشم ، ولا يناكحوهم ، ولا يعاملوهم ، حتى يدفعوا اليهم محمداً فيقتلوه. وتعاقدوا على ذلك وتعاهدوا ، وختموا على الصحيفة بثمانين

٣٥٠

خاتماً ، وكان الذي كتبها منصور بن عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار ، فشلت يده.

ثم حصرت قريش رسول الله وأهل بيته من بني هاشم وبني المطلب ابن عبد مناف في الشعب الذي يقال له شعب أبي طالب ست سنين من مبعثه.

فأقام ومعه جميع بني هاشم وبني المطلب في الشعب ثلاث سنين ، حتى أنفق رسول الله ماله ، وأنفق أبو طالب ماله ، وأنفقت خديجة بنت خويلد مالها ، وصاروا الى حد الضر والفاقة.

ثم نزل جبريل على رسول الله فقال : إن الله بعث الأرضة على صحيفة قريش فأكلت كل ما فيها من قطيعة وظلم ، إلا المواضع التي فيها ذكر الله !

فخبَّر رسول الله أبا طالب بذلك ، ثم خرج أبو طالب ومعه رسول الله وأهل بيته حتى صار الى الكعبة فجلس بفنائها ، وأقبلت قريش من كل أوب فقالوا : قد آن لك يا أبا طالب أن تذكر العهد وأن تشتاق الى قومك ، وتدع اللجاج في ابن أخيك.

فقال لهم : يا قوم أحضروا صحيفتكم فلعلنا أن نجد فرجاً وسبباً لصلة الأرحام وترك القطيعة ، وأحضروها وهي بخواتيمهم.

فقال : هذه صحيفتكم على العهد لم تنكروها ؟

قالوا : نعم.

قال : فهل أحدثتم فيها حدثاً ؟

قالوا : اللهم لا.

قال : فإن محمداً أعلمني عن ربه أنه بعث الأرضة فأكلت كل ما فيها إلا ذكر الله ، أفرأيتم إن كان صادقاً ماذا تصنعون ؟

قالوا : نكف ونمسك.

قال : فإن كان كاذباً دفعته اليكم تقتلونه.

قالوا : قد أنصفت وأجملت.

٣٥١

وفضت الصحيفة فإذا الأرضة قد أكلت كل ما فيها إلا مواضع بسم الله عز وجل.

فقالوا : ما هذا إلا سحر ، وما كنا قطُّ أجدَّ في تكذيبه منا ساعتنا هذه !!

وأسلم يومئذ خلق من الناس عظيم ، وخرج بنو هاشم من الشعب وبنو المطلب فلم يرجعوا اليه. انتهى.

وقد وردت رواية شعر أبي طالب ( ودعوتني وعلمت أنك ناصح ) وهو الأنسب لجو القصيدة ، وإيمان أبي طالب رحمه‌الله ، وقد بحثنا افتراءات قريش عليه في المجلد الثالث من العقائد الإسلامية.

وكان النضر من المطعمين جيش قريش في بدر

وقد تقدم في البحث الخامس أن النضر أحد الرهط الذين كانوا يطعمون جيش قريش في حرب بدر ، وقد عده النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله من أفلاذ أكباد مكة ، عاصمة قريش ! ( ابن هشام : ٢ / ٤٨٨ ، وتاريخ الطبري : ٢ / ١٤٢ )

نهاية الأول من فراعنة سأل سائل

ـ سيرة ابن هشام : ٢ / ٢٠٦ ـ ٢٠٧

ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلاً الى المدينة ، ومعه الأسارى من المشركين ، وفيهم عقبة بن أبي معيط ، والنضر بن الحارث .... قال ابن اسحاق : حتى إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصفراء ، قتل النضر بن الحارث ، قتله علي بن أبي طالب ، كما خبرني بعض أهل العلم من أهل مكة.

قال ابن اسحاق : ثم خرج حتى إذا كان بعرق الظبية ، قتل عقبة ابن أبي معيط.

( راجع أيضا سيرة ابن هشام : ٢ / ٢٨٦ و ٥٢٧ ، وتاريخ الطبري : ٢ / ١٥٧ و ٢٨٦ ).

ـ وفي معجم البلدان : ١ / ٩٤

الأثيل : تصغير الأثل موضعٌ قرب المدينة ، وهناك عين ماء لآل جعفر بن أبي طالب ، بين بدر ووادي الصفراء ، ويقال له ذو أثيل .... وكان النبي صلى الله عليه

٣٥٢

وسلم ، قتل عنده النضر بن الحارث بن كلدة ، عند منصرفه من بدر ، فقالت قتيلة بنت النضر ترثي أباها ، وتمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم :

يا راكباً إن الأثيل مظنةٌ

من صبحِ خامسةٍ ، وأنت موفقُ

بلغ به ميتاً ، فإن تحيةً

ما إن تزال بها الركائب تخفق

مني اليه ، وعبرةً مسفوحةً

جادت لمائحها وأخرى تخنق

فليسمعن النضر ، إن ناديته

إن كان يسمع ميت أو ينطق

ظلت سيوف بني أبيه تنوشه

لله أرحام هناك تشقق !

أمحمد ! ولإنت ضنء نجيبة

في قومها ، والفحل فحل معرق

لو كنت قابل فدية ، فلنأتي‍

‍ن بأعز ما يغلو لديك وينفق

ما كان ضرك لو مننت وربما

منَّ الفتى ، وهو المغيظ المحنق

والنضر أقرب من أصبت وسيلةً

وأحقهم ، إن كان عتق يعتق

فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم شعرها رق لها ، وقال : لو سمعت شعرها قبل قتله لوهبته لها. انتهى.

ومن الثابت عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله أنه كان أكره الناس للقتل ، وأنه لم يقتل أحداً إلا عند اللزوم والضرورة .. وحسبك أن جميع القتلى في جميع حروبه صلى‌الله‌عليه‌وآله ومن أقام عليهم الحد الشرعي لا يبلغون سبع مئة شخص ، وبذلك كانت حركته العظيمة صلى‌الله‌عليه‌وآله أعظم حركة في نتائجها ، وأقل حركة في كلفتها !

لهذا لا يبعد أن يكون قتله للنضر تم بأمر الله تعالى ، لأنه جرثومة شرٍ وفساد ! وكذلك صديق النضر وشريكه في الشر ، عقبة بن معيط الأموي ، وكان صاحب خمارة ومبغى في مكة ، وكان معروفاً بإلحاده.

وإذا صح ما قاله صلى‌الله‌عليه‌وآله لبنت النضر الشاعرة ، فلا ينافي أن قتله لأبيها كان بأمر الله تعالى ، لأن معناها أنه صلى‌الله‌عليه‌وآله لو سمع هذا الشعر منها وما فيه من قيم واستعطاف ، قبل أن يقتله ، لطلب من ربه عز وجل أن يأذن له بأن يهب هذا الفرعون لابنته ، ويكفي المسلمين شره ، كما أمكنهم منه فأسروه.

٣٥٣

النضير بن الحارث أخ النضر ووارثه

ذكرت مصادر السيرة والتاريخ أن لواء قريش بعد النضر كان بيد آخرين من بني عبد الدار ، ولم تذكر أن أخاه النضير كان فارساً مثله ، ويظهر أنه صار بعد أخيه النضر رئيس بني عبد الدار ، وإن لم يكن شجاعاً صاحب اللواء ، فقد وصفه رواة قريش وأصحاب السير بالحلم ، إشارة الى أنه كان سياسياً محباً للدعة .. وعدُّوه من رؤساء قريش والمؤلفة قلوبهم ، الذين أعطى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله كل واحد منهم مئة بعيرٍ من غنائم حنين.

ـ قال الطبري في تاريخه : ٢ / ٣٥٨

فأعطى أبا سفيان بن حرب مائة بعير ، وأعطى ابنه معاوية مائة بعير ، وأعطى حكيم بن حزام مائة بعير ، وأعطى النضير بن الحارث بن كلدة بن علقمة أخا بني عبد الدار مائة بعير ، وأعطى العلاء بن حارثة الثقفي حليف بني زهرة مائة بعير ، وأعطى الحارث بن هشام مائة بعير ، وأعطى صفوان بن أمية مائة بعير ، وأعطى سهيل بن عمرو مائة بعير ، وأعطى حويطب بن عبد العزى بن أبي قيس مائة بعير ...

ونحوه في سيرة ابن هشام : ٤ / ٩٢٩ ، وابن كثير : ٣ / ٦٨٢ وتاريخ اليعقوبي

وقد تقدم ذكره في البحث الخامس ، واعترافه بأنه خطط مع زعماء قريش لقتل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله في حنين ، ولم يتمكنوا من ذلك !

وقد اختلط اسم النضير عند بعضهم باسم أخيه النضر ، قال الرازي في الجرح والتعديل : ٨ / ٤٧٣ :

النضر بن الحارث بن كلدة العبدري من مسلمة الفتح ، ويقال نضير وليست له رواية ، سمعت أبي يقول ذلك.

وقال في هامشه : وهذا هو الصواب إن شاء الله ، لأن النضر بن الحارث قتل كافراً إجماعاً ، وإنما هذا أخوه ، واحتمال أن يكون مسمى باسمه أيضا بعيد ، وأثبت ما جاء في الروايات أن هذا هو ( النضير ) راجع الإصابة الترجمتين. انتهى.

٣٥٤

رواة قريش يجعلون النضير مسلماً مهاجراً شهيداً !

وعلى عادة رواة قريش ، فقد جعلوا من الحارث أو النضير شخصيةً اسلامية ، وعدوه في المهاجرين وشهداء اليرموك .. ويظهر أنهم جعلوا كل الذين كانوا في الشام من القرشيين وماتوا في طاعون عمواس ، مثل سهيل بن عمرو والعبدريين ، جعلوهم شهداء ، وعدوهم في شهداء اليرموك !

ـ قال السمعاني المحب لقريش وبني أمية ، في أنسابه : ٣ / ١١٠

الرهيني : بفتح الراء وكسر الهاء بعدهما الياء الساكنة آخر الحروف وفي آخرها النون ، هذه النسبة الى رهين ، وهو لقب الحارث بن علقمة ويلقب بالرهين ، ومن ولده محمد بن المرتفع بن النضير بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي الرهيني ، يروي عن عبد الله بن الزبير ، روى عنه سفيان بن عيينة.

فأما جده النضير بن الحارث فكان من المهاجرين ، وكان يعد من حلماء قريش ، قتل يوم اليرموك شهيداً ، وهو أخو النضر بن الحارث الذي قتله علي بن أبي طالب بالصفراء صبراً يوم بدر ، وكان شديد العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه نزلت سورة ( سأل سائل بعذاب واقع ) وقالت بنته أبياتاً من الشعر ...

وتبعه في إكمال الكمال : ١ / ٣٢٧ ، وغيره.

هل اعترض النضير على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله مثل أخيه وابن أخيه ؟

روت مصادرنا مناقشة غريبة لأحدهم مع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله في المدينة ، وسمته النضر بن الحارث الفهري ، ويحتمل أن تكون كلمة الفهري تصحيف العبدري ، نسبةً الى بني عبد الدار ، والنضر تصحيف النضير ..

وإذا صحت نسبتها اليه ، فتكون صدرت منه في المدينة بعد حجة الوداع.

ـ وقد تقدمت من كتاب مدينة المعاجز للبحراني : ٢ / ٢٦٧ ، وفيها :

أقبل النضر بن الحارث فسلم على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله فقال :

٣٥٥

يا رسول الله إذا كنت أنت سيد ولد آدم ، وأخوك سيد العرب ، وابنتك فاطمة سيدة نساء العالمين ، وابناك الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة ، وعمك حمزة سيد الشهداء ، وابن عمك ذو الجناحين يطير بهما في الجنة حيث يشاء ، وعمك جلدة بين عينيك وصنو أبيك ، وشيبة له السدانة .. فما لسائر قومك من قريش وسائر العرب ؟!

فقد أعلمتنا في بدء الإسلام أنا إذا آمنا بما تقول لنا مالك وعلينا ما عليك.

فأطرق رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله طويلاً ، ثم رفع رأسه فقال :

أما أنا والله ما فعلت بهم هذا ، بل الله فعل بهم هذا ، فما ذنبي ؟! ....

فوعظه النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وقال له : إن ربك كريم ، فإن أنت صبرت وتصابرت ، لم يخلك من مواهبه ، فارض وسلم ، فإن الله يمتحن خلقه بضروب من المكاره ، ويخفف عمن يشاء ، وله الخلق والأمر ، مواهبه عظيمة ، وإحسانه واسع. فأبى الحارث. انتهى.

ـ وقد نص ابن هشام : ٢ / ٤٨٨ ، على أن النضير هذا يسمى الحارث أيضاً باسم أبيه ، وسماه اليعقوبي في تاريخه : ٢ / ٦٣ ( الحارث بن الحارث بن كلدة ) وهو أمر يوجب الشك ، لأنه يستغرب أن يكون لشخصٍ اسمان معاً ، خاصةً إذا كان أحدهما باسم أبيه ، لأن العوائل المالكة في القبائل تحترم اسم الأب ولا تغيره الى اسمٍ آخر ، ولا تضيف معه اسماً آخر ، لأنه يضعفه !

وهذا يفتح باب الإحتمال أن يكون الحارث أخاهم الثالث ، وأن يكون هو الذي ورد اسمه في بعض الروايات أنه اعترض على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله لإعلانه ولاية علي والحسنين من بعده عليهم‌السلام فرماه الله بصاعقةٍ أو حجرٍ من سجيل !

وبذلك يكون العذاب الواقع نزل بثلاثة أشخاص من هذه الأسرة : الأب في بدر ، وولده جابر الذي نص عليه أبو عبيد ، والحارث هذا .. ويكون اسم عشيرة العذاب الواقع مثلث الإنطباق على هذه القبيلة !!

كما يحتمل أن يكون صاحبنا النضير بن الحارث ، أو الحارث بن الحارث

٣٥٦

العبدري ، هو الحارث المعترض ، لكن لم تنزل عليه العقوبة ، لأنهم ذكروا وفاته في الشام ، وليس بالعذاب الواقع.

ومهما يكن ، فإن من المؤكد أنه يوجد حارثٌ غيره اعترض على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله حيث ورد ذكره في تفسير الثعلبي ، وعدد من مصادرنا باسم الحارث بن النعمان الفهري ، وأنه هو صاحب حجر السجيل ، كما تقدم.

وكذلك تقدم اسم الحارث بن عمرو الفهري ، في رواية الحاكم الحسكاني ، ورواية الكافي والمناقب.

ومما يؤيد أنه حارثٌ آخر ، أنهم ترجموا لشخصٍ وأولاده قد ينطبق عليه ، ولم يذكروا عنه شرحاً ، ولا ذكروا سبب موته ! قال ابن كثير في سيرته : ٢ / ٤٩٩ :

عامر بن الحارث الفهري ، كذا ذكره سلمة عن ابن اسحاق وابن عائذ. وقال موسى بن عقبة وزياد عن ابن اسحاق : عمرو بن الحارث.

وقال في ص ٥٠٢ : عمرو بن عامر بن الحارث الفهري ، ذكره موسى بن عقبة. انتهى.

ـ وذكر نحوه في عيون الأثر : ١ / ٣٥٨

وعليه ، يكون الحارث صاحب حجر السجيل فهرياً ، وليس عبدرياً.

ويكون جابر بن النضر العبدري الذي ورد في رواية أبي عبيد ، صاحب حجر سجيلٍ آخر .. والله العالم.

الأفجران من قريش أو ... الأفجرون ؟

ورد في مصادر الحديث أن أسوأ قبائل قريش ، وأشدها على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله هم بنو أمية ، وبنو المغيرة ، وهم فرع أبي جهل من مخزوم ، وورد وصفهم بالأفجريْن ..

ولا بد أن نضيف اليهم بني عبد الدار فيكونون الأفجرون بالجمع .. وإن كان الإنسان بعد أن يستثني بني هاشم والقلة الذين معهم من قريش ، يشك في من هو الأحسن والأفجر من الباقين !!

٣٥٧

ـ قال السيوطي في الدر المنثور : ٤ / ٨٥

وأخرج البخاري في تاريخه ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن مردويه ، عن عمر بن الخطاب رضي‌الله‌عنه في قوله : ألم تر الى الذين بدلوا نعمة الله كفراً ، قال : هما الأفجران من قريش : بنو المغيرة وبنو أمية ، فأما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر ، وأما بنو أمية فمُتِّعُوا الى حين !. انتهى.

ويشبه أن يكون ذلك كلاماً نبوياً ردده عمر ، وإذا صح ذلك عنه ، يتوجه اليه السؤال : لماذا ولَّى معاوية الأموي على حكم الشام ، وأطلق يده ولم يحاسبه أبداً ، ثم رتب الخلافة من بعده في شورى جعل فيها حق النقض لصهر عثمان الأموي ، فأكمل بذلك تسليم الدولة الإسلامية لأحد الأفجريْن من قريش ؟!

* *

تم ، والحمد لله رب العالمين

* *

٣٥٨

فهرس موضوعات

كتاب آيات الغدير

مقدمة.............................................................................. ٣

الفصل الأول : بحوث تمهيدية لتفسير آية العصمة من الناس

خلاصة آيات الغدير الثلاث....................................................... ٩

البحث الأول : خلافة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله كانت مطروحة في حياته.......................... ١٣

البحث الثاني : النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله يبشر بالأئمة الإثني عشر من بعده......................... ٢٥

الأولى : هل أن أصل كلهم من قريش : كلهم من عترتي ؟.......................... ٣١

الثانية : لا يصح الوعد الالهي بقيادة مجهولة !...................................... ٣٦

الثالثة : من قريش ، لكن من عترة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ...................................... ٣٧

الرابعة : أحاديث النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله تفسر حديث الإثني عشر.............................. ٣٨

الخامسة : اثنا عشر إماماً واثنا عشر شهراً.......................................... ٣٩

السادسة : راوي الحديث جابر السوائي........................................... ٤٢

السابعة : درجات الصحة التي أعطوها للأحاديث الثلاثة............................ ٤٣

٣٥٩

التاسعة : الأئمة الإثنا عشر لا يحتاجون الى اختيار ولا بيعة........................... ٤٦

العاشرة : قرشية الحديث ألقاها عمر في البحر...................................... ٤٧

الحادية عشرة : تخبط الشراح في تفسير الأئمة الإثني عشر........................... ٥٠

الثانية عشرة : نماذج من أحاديثنا في الأئمة الإثني عشر عليهم‌السلام........................ ٧٦

البحث الثالث : الأسس الإسلامية في خطب الوداع.................................. ٨٣

نماذج من نصوص خطب الوداع.................................................. ٨٥

الأساس الأول : المساواة الإنسانية............................................... ١٠١

الأساس الثاني : وحدة الأمة الإسلامية........................................... ١٠٢

الأساس الثالث : وحدة شريعة المسلمين وثقافتهم................................. ١٠٨

الأساس الرابع : مبادئ مسيرة الدولة والحكم بعد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ....................... ١٠٩

الأساس الخامس : عقوبة المخالفين للوصية النبوية بأهل بيته عليهم‌السلام................... ١٢٠

البحث الرابع : حاجة الأنبياء عليهم‌السلام في تبليغ رسالاتهم الى حماية الناس................. ١٢٩

معنى التبليغ في القرآن.......................................................... ١٢٩

مهمة نبينا صلى‌الله‌عليه‌وآله في التبليغ...................................................... ١٣١

البحث الخامس : قريش هي السبب في حاجة نبينا صلى‌الله‌عليه‌وآله الى عصمة إضافية ١٣٧

قريش منجم الفراعنة.......................................................... ١٣٧

قبائل قريش................................................................... ١٤٠

قريش بعد فتح مكة........................................................... ١٥١

قريش تتمحور حول زعامة سهيل بن عمرو...................................... ١٥٥

سهيل بن عمرو يحاول الإستقلال !.............................................. ١٥٨

أثر هذه الحادثة على قريش..................................................... ١٦٦

الخليفة عمر يشهد بفساد قريش !............................................... ١٦٧

٣٦٠