آيات الغدير

مركز المصطفى للدراسات الإسلامية

آيات الغدير

المؤلف:

مركز المصطفى للدراسات الإسلامية


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز المصطفى للدراسات الإسلامية
الطبعة: ١
ISBN: 964-319-151-6
الصفحات: ٣٧٤
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

الله جعفر بن محمد عليهما‌السلام في قوله تعالى : سأل سائل بعذاب واقع ، قال : تأويلها فيما يأتي عذابٌ يقع في الثوية يعني ناراً حتى تنتهي الى الكناسة كناسة بني أسد ، حتى تمر بثقيف لا تدع وتراً لآل محمد إلا أحرقته ، وذلك قبل خروج القائم عليه‌السلام. انتهى.

والأمكنة التي ذكرتها الروايتان ، من أمكنة الكوفة التي ثبت أن الإمام المهدي عليه‌السلام سيتخذها عاصمةً له.

وقول الإمام الصادق عليه‌السلام ( تأويلها فيما يأتي ) يدل على أن مذهب أهل البيت عليهم‌السلام أن العذاب الواقع في الآية وعيدٌ مفتوحٌ منه ما وقع فيما مضى على المشركين والمنافقين ، ومنه ما يقع فيما يأتي على بقيتهم .. وهو المناسب مع إطلاق التهديد في الآية ، ومع سنة الله تعالى وانتصاره لدينه وأوليائه.

المسألة الثالثة : هل العذاب في سورة المعارج دنيوي أم أخروي

المتأمل في السورة نفسها بقطع النظر عن الأحاديث والتفاسير .. يلاحظ أن موضوعها ومحور كل آياتها هو العذاب الأخروي وليس الدنيوي.

كما أن آياتها لا تنص على ذم السائل عن ذلك العذاب ، فقد يكون مجرد مستفهمٍ لا ذنب له ، وقد يكون السائل بالعذاب هنا بمعنى الداعي به ، وقد رأيت أن القرطبي ذكر قولاً بأن السائل بالعذاب نبي الله نوح عليه‌السلام ، وقولاً آخر بأنه نبينا صلى‌الله‌عليه‌وآله !

ولذلك يرد في الذهن سؤال : من أين أطبق المفسرون الشيعة والسنة على أنها تشمل العذاب الدنيوي ، وأن ذلك السائل بالعذاب سأل متحدياً ومكذباً ؟!

والجواب : أن سر ذلك يكمن في ( باء ) العذاب ، وأن ( سأل به ) تعني التساؤل عن الشيء المدعى وطلبه ، استنكاراً وتحدياً !

فكلمة : سأل به ، تدل على أن السائل سمع بهذا العذاب ، لأن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله كان ينذرهم بالعذاب الدنيوي والأخروي معاً .. فتساءل عنه ، وأنكره ، وتحدى أن يقع !

وقد أجابه الله تعالى بالسورة ، ولم ينف سبحانه العذاب الدنيوي لأعدائه ، وإن كان ركز على العذاب الأخروي وأوصافه ، لأنه الأساس والأكثر أهميةً واستمراراً ،

٣٠١

ولأن صفته الجزائية أكثر وضوحاً.

فكأن السورة تقول : أيها المستهزؤون بالعذاب الذي ينذركم به رسولنا .. إن كل ما أنذركم به من عذاب دنيوي أو أخروي سوف يقع ، ولا دافع له عن الكفار .. فآمنوا بالله ليدفعه عنكم ، بحسب قوانينه تعالى في دفع عذابه عن المؤمنين.

فقوله تعالى ( للكافرين ليس له دافع ) ينفي إمكان دفعه عن الكافرين ، فهو ثابت لمن يستحقه منهم ، وهو أيضاً ثابتٌ لمن يستحقه من الذين قالوا آمنا ، لكن دافعٌ هو التوبة والإستغفار مثلاً.

كما أن ( الكافرين ) في الآية لا يبعد أن تكون بالمعنى اللغوي ، فتشمل الكافرين ببعض آيات الله تعالى ، أو بنعمه ، ولو كانوا مسلمين.

وعندما نشك في أن كلمة استعملت بمعناها اللغوي أو الإصطلاحي ، فلا بد أن نرجح المعنى اللغوي ، لأنه الأصل ، والإصطلاحي يحتاج الى قرينة.

وقد وقع المفسرون السنيون في تهافتٍ في تفسير السورة ، لأنهم جعلوا ( العذاب الواقع ) عذاباً أخروياً أو لغير المسلمين ، وفي نفس الوقت فسروه بعذاب النضر بن الحارث العبدري بقتله يوم بدر ، فصار بذلك شاملاً للعذاب الدنيوي !

ويلاحظ الباحث في التفاسير السنية أنه يوجد منهجٌ فيها ، يحاول أصحابه دائماً أن يفسروا آيات العذاب الواردة في القرآن الكريم ـ خاصة التي نزلت في قريش ـ بالعذاب الأخروي ، أو يرموها على أهل الكتاب ، ويبعدوها عن المسلمين ، حتى المنافقين منهم ! وقد أوجب عليهم هذا المنهج في تبرئة قريش ، أن يتهموا النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله بأنه دعا ربه بالعذاب على قومه ، فلم يستجب له ! بل وبخه الله تعالى بقوله : ليس لك من الأمر شيء .. الخ ..

وهكذا ركزت الدولة القرشية مقولة اختيار الله لقريش ، وعدم سماحه بعذابها ، وجعلتها أحاديث نبوية ، ولو كان فيها تحطئةٌ وإهانةٌ للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأدخلتها في مصادر التفسير والحديث.

٣٠٢

أما عندما يضطرون الى الإعتراف بوقوع العذاب الدنيوي لأحد فراعنة قريش ، فيقولون إنه خاصٌ بحالة معينة ، مثل حالة النضر بن الحارث ، وقد وقعت في بدر وانتهى الأمر !

ـ فقد اختار الفخر الرازي في تفسيره : ٣٠ / ١٢٢

أن العذاب المذكور في مطلع السورة هو العذاب الأخروي ، وأن الدنيوي مخصوص بالنضر بن الحارث ، قال : ( لأن العذاب نازل للكافرين في الآخرة لا يدفعه عنهم أحد ، وقد وقع بالنضر لأنه قتل يوم بدر ) ثم وصف هذا الرأي بأنه سديد .. وهو بذلك يتبع جمهور المفسرين السنيين ، مع أن السورة لا تشير الى انتهاء أي نوع من العذاب الموعود !!

على أن منهج المفسرين في إبعاد العذاب عن قريش ، أقل تشدداً من منهج المحدثين الرسميين ، فهولاء لايقبلون ( العذاب الواقع ) لأحدٍ من قريش ، حتى للنضر بن الحارث ، وحتى لأبي جهل ! بل هم الذين فتحوا باب تهمة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله بأنه دعا على قومه ، فخطَّأَهُ الله تعالى ووبخه !!

ـ فقد روى البخاري في صحيحه : ٥ / ١٩٩

عن أنس بن مالك قال : قال أبو جهل : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ، فنزلت : وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون. ورواه البخاري في عدة أماكن أخرى ، ورواه مسلم في : ٨ / ١٢٩ ..

وإذا أردت أن تقرأ ما لا تكاد تصدقه عيناك ، فاقرأ ما رووه في تفسير قوله تعالى ( ليس لك من الأمر شيء ) فهي آيةٌ تنفي عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله كل أنواع الألوهية والشراكة لله تعالى ، ولكنها في نفس الوقت لا تسلب عنه شيئاً من مقامه النبوي وخلقه العظيم وحكمته ، وحرصه على هداية قومه .. ولكن انظر كيف صور المحدثون النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله في تفسيرها بأنه ضيق الصدر ، مبغضٌ لقريش ، يريد الإعتداء عليها وظلمها ..!!

٣٠٣

فنزل الوحي مدافعاً عن هذه القبائل المقدسة ، ورد عدوانية نبيها !!

ولا يتسع المجال للإفاضة في هذا الموضوع ، ولكن القارئ السني يجد نفسه متحيراً بين ولاء المفسرين لقريش كمجاهد الذي يسمح بكون قتل بعض فراعنتها كالنضر عذاباً لها ، وبين ولاء المحدثين لقريش كالبخاري الذي يقول إن قتل النضر وأبي جهل ليس هو العذاب الالهي ، فهؤلاء قومٌ برزوا الى مضاجعهم ، فقد رفع الله عذابه عن قريش ، ووبخ رسوله ، لأنه دعا عليها !!

* *

وأخيراً يمكن للباحث أن يستدل لنصرة رأي المفسرين القائل بأن العذاب السورة يشمل العذاب الدنيوي ، بما رواه ابن سعد في الطبقات ، من قصة اختلاف طلحة والزبير وابنيهما على إمامة الصلاة في معسكر عائشة في حرب الجمل ، قال :

ولما قدموا البصرة أخذوا بيت المال ، وختماه جميعاً طلحة والزبير ، وحضرت الصلاة فتدافع طلحة والزبير حتى كادت الصلاة تفوت ، ثم اصطلحا على أن يصلي عبد الله بن الزبير صلاةً ومحمد بن طلحة صلاةً ، فذهب ابن الزبير يتقدم فأخره محمد بن طلحة ، وذهب محمد بن طلحة يتقدم فأخره عبد الله بن الزبير عن أول صلاة !! فاقترعا فقرعه محمد بن طلحة ، فتقدم فقرأ : سأل سائل بعذاب واقع !! انتهى. فقد فهم محمد بن طلحة القرشي التيمي من السورة أنها تهديدٌ بعذاب دنيوي ولذلك هدد بها ابن الزبير. وهو دليلٌ على أن الإرتكاز الذهني عند الصحابة المعاصرين للنزول ، أن العذاب في السورة يشمل العذاب الدنيوي أيضاً.

المسألة الرابعة : موقف السنيين من الحديث

ولكن الذين ذكروا الحديث من السنيين ليس موقفهم منه واحداً ، فمنهم من قبله ورجحه على غيره كأبي عبيد والثعلبي والحمويني ، ومنهم من نقله بصيغة : روي أو قيل. ومنهم من رجح غيره عليه ، ولكن أحداً منهم لم يطعن فيه .. وأقل موقفهم منه أنه حديثٌ موجودٌ ، قد يكون سنده صحيحاً ، ولكن غيره أرجح منه ، كما سترى.

٣٠٤

إن العالم السني يرى نفسه ملزماً باحترام هذا الحديث ، بل يرى أنه بإمكانه أن يطمئن اليه ويأخذ به ، لأن الذين قبلوه من أئمة العلم والدين قد يكتفي العلماء بمجرد نقل أحدهم للحديث وقبوله له ، كأبي عبيد وسفيان بن عيينة ..

وقد رأينا المحدث الألباني الذي يعتبره الكثيرون المجتهد الأول في التصحيح والتضعيف في عصرنا ، ربما يكتفي في سلسلته أحاديثه الصحيحة للحكم بصحة الحديث بتصحيح عالمين أو ثلاثة من قبيل : ابن تيمية والذهبي وابن قيم.

مضافاً الى أن المحدثين السنة ذكروا له طرقاً أخرى ، عن حذيفة ، وعن أبي هريرة وغيرهما.

وتجد ترجمات هؤلاء الأئمة مفصلةً في مصادر الجرح والتعديل السنية ، وفي عبقات الأنوار ، والغدير ، ونفحات الأزهار ، من مصادرنا.

نماذج من تفسيرات السنيين لآية : سأل سائل

ـ قال الشوكاني في فتح القدير : ٥ / ٣٥٢ :

وهذا السائل هو النضر بن الحارث حين قال : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجار من السماء أو ائتنا بعذاب أليم. وهو ممن قتل يوم بدر صبراً.

وقيل : هو أبو جهل. وقيل : هو الحارث بن النعمان الفهري. والأول أولى لما سيأتي. انتهى.

وقصده بما يأتي ما ذكره في ص ٣٥٦ ، من رواياتهم التي تثبت أن السورة مكية وأن صاحب العذاب الواقع هو النضر ، وليس ابنه جابراً ، ولا الحارث الفهري قال : وقد أخرج الفريابي وعبد بن حميد والنسائي وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس في قوله : سأل سائل ، قال : هو النضر بن الحارث قال : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجار من السماء. انتهى.

ولم يذكر الشوكاني الحديث المروي في جابر والحارث ، ومن رووه ، ولماذا رجح عليه حديث النضر ؟ هل بسبب السند أو الدلالة ... الخ.

٣٠٥

ولو أنه اقتصر على ذكر ما اختاره في سبب نزولها لكان له وجهٌ ، ولكنه ذكر القولين ، وذكر رواية أحدهما دون الآخر ، وبذلك ابتعد عن إنصاف العالم الباحث.

لكن شمس الدين الشربيني القاهري الشافعي المتوفى سنة ٩٧٧ ، صاحب التفسير المعروف ، كان أكثر إنصافاً من الشوكاني ، فقد ذكر السببين معاً ، فقال كما نقل عنه صاحب عبقات الأنوار : ٧ / ٣٩٨ :

سأل سائل بعذاب واقع : اختلف في هذا الداعي ، فقال ابن عباس : هو النضر بن الحارث. وقيل : هو الحارث بن النعمان ، وذلك أنه لما بلغه قول النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله من كنت مولاه فعلي مولاه ، ركب ناقته فجاء حتى أناخ راحلته في الأبطح ثم قال : يا محمد أمرتنا عن الله أن نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله فقبلناه منك ... الخ .. انتهى.

أما أبو عبيد المتوفى سنة ٢٢٣ ، فقد جعل الحديث سبباً لنزول الآية على نحو الجزم ، لأنه ثبت عنده ، ولعله لم يثبت عنده غيره حتى يذكره ، فقال كما في نفحات الأزهار : ٧ / ٢٩١

لما بلَّغَ رسول الله صلى الله عليه وسلم غدير خم ما بلَّغَ ، وشاع ذلك في البلاد ، أتى جابر بن النضر بن الحارث بن كلدة العبدري فقال :

يا محمد ! أمرتنا من الله أن نشهد أن لا إله إلاالله وأنك رسول الله ، وبالصلاة ، والصوم والحج ، والزكاة ، فقبلنا منك .. ثم لم ترض بذلك حتى رفعت بضبع ابن عمك ففضلته علينا وقلت : من كنت مولاه فعلي مولاه ! فهذا شيء منك أم من الله ؟!

فقال رسول الله : والله الذي لا إله إلا هو إنَّ هذا من الله.

فولى جابر يريد راحلته وهو يقول : اللهم إن كان ما يقول محمد حقاً فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ، فما وصل إليها حتى رماه الله بحجر فسقط على هامته وخرج من دبره وقتله ، وأنزل الله تعالى : سأل سائل بعذاب واقع .. الآية. انتهى.

ـ وقال القرطبي في تفسيره : ١٨ / ٢٧٨

أي سأل سائل عذاباً واقعاً. للكافرين : أي على الكافرين. وهو النضر بن الحارث

٣٠٦

حيث قال : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ، فنزل سؤاله. وقتل يوم بدر صبراً هو وعقبة بن أبي معيط ، لم يقتل صبراً غيرهما ، قاله ابن عباس ومجاهد.

وقيل : إن السائل هنا هو الحارث بن النعمان الفهري ، وذلك أنه لما بلغه قول النبي صلى الله عليه وسلم في عليرضي‌الله‌عنه( من كنت مولاه فعلي مولاه ) ركب ناقته فجاء حتى أناخ راحلته بالأبطح .. الى آخره ، بنحو رواية أبي عبيد. ثم قال :

وقيل : إن السائل هنا أبو جهل ، وهو القائل لذلك ، قاله الربيع.

وقيل : إنه قول جماعةٍ من كفار قريش.

وقيل : هو نوح عليه‌السلام سأل العذاب على الكافرين.

وقيل : هو رسول الله صلي الله عليه وسلم أي دعا عليه‌السلام بالعقاب ، وطلب أن يوقعه الله بالكفار ، وهو واقع بهم لا محالة ، وامتد الكلام الى قوله تعالى : فاصبر صبراً جميلاً أي : لا تستعجل فإنه قريب. انتهى.

وبذلك نلاحظ أن المفسرين السنيين وإن كانوا يرجحون تفسير الآية بالنضر بن الحارث العبدري ، ويرحجون أن العذاب الموعود فيها هو قتله في بدر .. ولكنهم في نفس الوقت يذكرون تفسيرها بوقوع العذاب على من اعترض على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله لإعلانه ولاية علي عليه‌السلام من بعده في غدير خم.

ومجرد ورود هذا التفسير في مصادرهم بصفته قولاً محترماً في تفسير الآية ، ولو رجحوا عليه غيره ، يدل على وجود إعلان نبوي رسمي بحق علي ، ووجود اعتراضٍ عليه ! فالمسلم لا يحتاج الى أكثر من اعتراف المفسرين بذلك ، سواءً وقعت الصاعقة على المعترض أم لم تقع ، وسواء نزلت سورة المعارج عند هذه الحادثة أو لم تنزل !! فلا بد للشيعي من توجيه الشكر لهم ، وإن ناقشهم في الوجه الآخر الذي رجحوه. وأهم الإشكالات التي ترد عليه : أن روايته ليست مرفوعة الى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، بينما تفسير الشيعة مرفوع.

٣٠٧

ورواية تفسيرهم عن ابن عباس ومجاهد لا تحل المشكلة ، خاصةً إذا كانت من راويه عكرمة المجروح عندنا وعندهم.

ويرد على تفسيرهم أيضاً : أن من المتفق عليه عندهم تقريباً أن السؤال في الآية حقيقي وليس مجازياً ، فقد حدث أن سأل النضر بن الحارث بالعذاب ، وطلب نزوله فقال : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم. فعذبه الله في بدرٍ بالقتل.

مع أن آية مطر الحجارة من سورة الأنفال التي نزلت مع أحكام الأنفال ، بعد بدر وبعد قتل النضر .. ومن البعيد أن يكون جواب قول النضر نزل في سورة مكية قبل الهجرة ، ونفس قوله نزل في سورة مدنية ، بعد هلاكه.

ويرد عليه أيضاً : أن قولهم ( اللهم إن كان هذا هوالحق من عندك فأنزل علينا حجارة من السماء ) أكثر تناسباً وانطباقاً على تفسيرنا ، وأصعب انطباقاً على تفسيرهم .. لأن معناه على تفسيرهم : اللهم إن كان هذا الدين منزلاً من عندك فأمطر علينا حجارة. ومعناه على تفسيرنا : اللهم إن الحكم لآل محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله من بعده منزلاً من عندك ، فأمطر علينا حجارة .. وهذا أكثر تناسباً ، لأن الدعاء بحجارة من السماء لا يقوله قائله إلا في حالة اليأس من التعايش مع وضع سياسي جديد ، يتحدى وضعه القبلي المتجذر في صميمه !!

ويرد عليه أيضاً : أنه لو صح ، فهو لا يمنع من تفسيرنا ، فلا وجه لافتراضهم التعارض بينهما .. فأي تعارض بين أن يكون العذاب الواقع هو العذاب الذي وقع على النضر بن الحارث في بدر ، ثم وقع على ولده جابر بن النضر ، كما في رواية أبي عبيد ، ثم وقع ويقع لى آخرين من مستحقيه !

وينبغي أن نشير هنا الى قاعدة مهمة في تفسير القرآن والنصوص عامة ، وهي : ضرورة المحافظة على إطلاقات النص ما أمكن وعدم تضييقها وتقييدها .. فالآية الكريمة تقول إن أحدهم تحدى وتساءل عن العذاب الموعود ، الذي أنذر به

٣٠٨

النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فأجابه الله تعالى إنه واقعٌ بالكفار لا محالة كما أنذركم به رسولنا صلى‌الله‌عليه‌وآله حرفياً ، في الدنيا والآخرة ، وأنه جارٍ في الكفار وفي من آمن ، حسب القوانين الخاصة التي وضعها له الله تعالى.

وعليه فيكون عذاب الله تعالى لقريش في بدر والخندق من ذلك العذاب الواقع الموعود ، وعذابهم بالجوع والقحط منه أيضاً ، وعذابهم بفتح مكة وتسليمهم وخلعهم سلاحهم منه أيضاً .. ويكون عذاب المعترضين على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله لإعلانه ولاية عترته من بعده منه أيضاً !

فلا موجب لحصر الآية بالنضر وحده ، ولا لتضييق العذاب المنذر به بقتل شخص ، ولو كان من الفراعنة ، ولا حصره في عصر دون العصور الآتية ، الى أن يرث الله الأرض ومن عليها ..

وكم تجد عند المفسرين السنيين من هذه التضييقات في آيات العذاب والرحمة حيث يحصرون أنفسهم فيها بلا موجب ، ويحصرون فيها كلام الله المطلق ، بلا دليل !

المسألة الخامسة : موقف النواصب من حديث حجر السجيل

أما النواصب المبعضون لأهل بيت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله فلم نعثر على أحدٍ منهم رد هذا الحديث وكذبه قبل ابن تيمية ، فقد هاجمه بعنف وتخبط في رده ! وتبعه على ذلك من المتأخرين الشيخ محمد رشيد رضا في كتابه تفسير المنار .. ومن الملاحظ أن هذا الشخص متأثرٌ بابن تيمية وتلميذه ابن قيم المدرسة الجوزية ، بل مقلدٌ لهما في كثير من أفكارهما ، وقد أدخلها في تفسيره ، واستفاد لذلك من اسم أستاذه الشيخ محمد عبده رحمه‌الله وادعى أنه ميز بين أفكاره وأفكار أستاذه !

ومن يقرأ تفسير المنار يلمس الفرق بين الجزءين الأولين اللذين كتبهما في حياة الشيخ محمد عبده ، واستفاد مما سجله من دروسه ، وفيهما من عقلانيته رحمه‌الله واعتقاده بولاية أهل البيت عليهم‌السلام .. وبين الأجزاء التي أخرجها الشيخ رشيد رضا بعد

٣٠٩

وفاة الشيخ محمد عبده ، أو أعاد طباعتها ، وفيها الكثير من الأفكار الجامدة والناصبة لأهل البيت عليهم‌السلام.

وقد نقل صاحب تفسير المنار في ٦ / ٤٦٤ وما بعدها عن تفسير الثعلبي :

أن هذا القول من النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله في موالاة علي شاع وطار فى البلاد ، فبلغ الحارث بن النعمان الفهري فأتى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله على ناقة وكان بالابطح فنزل وعقل ناقته وقال للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وهو في ملأ من أصحابه : يا محمد أمرتنا من الله أن نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله فقبلنا منك ... ثم ذكر سائر أركان الإسلام ... ثم لم ترض بهذا حتى مددت بضبعي ابن عمك وفضلته علينا وقلت : من كنت مولاه فعلي مولاه ! فهذا منك أم من الله ! فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله : والله الذي لا إله إلا هو هو أمر الله.

فولى الحارث يريد راحلته وهو يقول : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجاره من السماء أو ائتنا بعذاب اليم! فما وصل الى راحلته حتى رماه الله بحجر فسقط على هامته وخرج من دبره وأنزل الله تعالى : سأل سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع الحديث ...

وهذه الرواية موضوعةٌ ، وسورة المعارج هذه مكية ، وما حكاه الله من قول بعض كفار قريش : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك كان تذكيراً بقول قالوه قبل الهجره وهذا التذكير في سورة الأنفال ، وقد نزلت بعد غزوة بدر قبل نزول المائدة ببضع سنين ، وظاهر الرواية أن الحارث بن النعمان هذا كان مسلماً فارتد ، ولم يعرف في الصحابة ، والأبطح بمكة والنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله لم يرجع من غدير خم الى مكة ، بل نزل فيه منصرفه من حجة الوداع الى المدينة. انتهى.

وكأن رشيد رضا اغتاظ من هذا الحديث ، وحاول تكذيبه من ناحية سنده فلم يجد ما يشفي غليله ، ولما وجد تكذيب ابن تيمية له بنقد متنه فرح به وتبناه ، ولكنه لم ينسبه اليه !

وعمدة ما قاله ابن تيمية وصاحب المنار : أن مكان الرواية الأبطح ، وهو مكان في

٣١٠

مكة ، والنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله لم يرجع بعد الغدير الى مكة .. وقد جهلا أو تجاهلا أبطح المدينة المشهور !

ثم قالا : إن الرواية تدعي أن الآية نزلت في المدينة ، مع أن سورة المعارج مكية .. وقد تجاهلا أن جوَّ السورة الى الآية ٣٦ على الأقل مدني ، وأن هذا الحديث دليل على مدنيتها.

ثم لو صح كونها مكية ، فقد يتكرر نزول الآية لبيان تفسيرها أو تأويلها ، فتكون الحادثة تأويلاً لها. وقد روى المفسرون نزول آية ( إنا أعطيناك الكوثر ) في عدة مواضع تسليةً لقلب الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله .

فما المانع أن يكون تأويلها قد تحقق في ( عشيرة العذاب الواقع ) فتحقق في الأب النضز بن الحارث عندما قتله النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله في بدر ، ثم تحقق في الإبن جابر عندما قتله الله بحجر من السماء في أبطح المدينة ، وأن يكون جبرئيل عليه‌السلام أكد الآية كلما تحقق تأويلها.

ثم من حق الباحث أن يقول لهما : لو سلمنا أن ذكر نزول الآية في الحادثة خطأ ، أو زيادة ، فما ذنب بقية الحديث ! ولماذا يردونه كله ولا يقتصرون على رد زيادته وهو نزول الآية بمناسبته ؟!

ـ وقد ناقش صاحب تفسيرالميزان ٦ / ٥٤ تضعيف صاحب المنار للحديث فقال :

وأنت ترى ما في كلامه من التحكم. أما قوله إن الرواية موضوعة وسورة المعارج هذه مكية ، فيعول في ذلك على ما في بعض الروايات عن ابن عباس وابن الزبير أن سورة المعارج نزلت بمكة ، وليت شعري ما هو المرجح لهذه الرواية على تلك الرواية ، والجميع آحاد.

سلمنا أن سورة المعارج مكية كما ربما تؤيده مضامين معظم آياتها ، فما هو الدليل على أن جميع آياتها مكية ؟ فلتكن السورة مكية والآيتان خاصة غير مكيتين.

كما أن سورتنا هذه أعني سورة المائدة مدنية نازلة في آخر عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وقد

٣١١

وضعت فيها الآية المبحوث عنها ، أعني قوله تعالى : يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك ، الآية ، وهو كغيره من المفسرين مصرون على أنها نزلت بمكة في أول البعثة ! ...

وأما قوله وما حكاه الله من قول بعض كفار قريش الى آخره ، فهو في التحكم كسابقه ، فهب أن سورة الأنفال نزلت قبل المائدة ببضع سنين ، فهل يمنع ذلك أن يوضع عند التأليف بعض الآيات النازلة بعدها فيها ، كما وضعت آيات الربا وآية : واتقوا يوماً ترجعون فيه الى الله : البقرة ـ ٢٨١ ، وهي آخر ما نزل على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله عندهم ، في سورة البقرة النازلة في أوائل الهجرة ، وقد نزلت قبلها ببضع سنين ؟

ثم قوله إن آية : وإذا قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق ، الآية ، تذكيرٌ لما قالوه قبل الهجرة ، تحكمٌ آخر من غير حجة ، لو لم يكن سياق الآيه حجة على خلافه ، فإن العارف بأساليب الكلام لا يكاد يرتاب في أن هذا أعني قوله : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ، لاشتماله على قوله : إن كان هذا هو الحق من عندك بما فيه من اسم الاشاره وضمير الفصل والحق المحلى باللام ، وقوله من عندك ، ليس كلام وثني مشرك يستهزئ بالحق ويسخر منه ، إنما هو كلام من أذعن بمقام الربوبية ، ويرى أن الأمور الحقة تتعين من لدنه وأن الشرائع مثلاً تنزل من عنده ، ثم إنه يتوقف في أمر منسوب الى الله تعالى يدعي مدع أنه الحق لا غيره ، وهو لا يتحمل ذلك ويتحرج منه ، فيدعو على نفسه دعاء منزجر ملول سئم الحياة.

وأما قوله : وظاهر الرواية أن الحارث بن النعمان هذا كان مسلماً فارتد ، ولم يعرف في الصحابة ، تحكمٌ آخر ، فهل يسع أحداً أن يدعي أنهم ضبطوا أسماء كل من رأى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وآمن به ، أو آمن به فارتد !

وإن يكن شيء من ذلك فليكن هذا الخبر من ذلك القبيل.

وأما قوله والأبطح بمكة والنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله لم يرجع من غدير خم الى مكة ، فهو يشهد

٣١٢

على أنه أخذ لفظ الأبطح اسماً للمكان الخاص بمكة ، ولم يحمله على معناه العام وهو كل مكان ذي رمل .. ولا دليل على ما حمله عليه ، بل الدليل على خلافه وهو القصة المسرودة فى الرواية وغيرها ...

قال في مراصد الاطلاع : أبطح بالفتح ثم السكون وفتح الطاء والحاء المهملة : كل مسيل فيه رقاق الحصى فهو أبطح ....

على أن الرواية بعينها رواها غير الثعلبي ، وليس فيه ذكر من الأبطح ، وهي ما يأتي من رواية المجمع من طريق الجمهور وغيرها.

وبعد هذا كله ، فالرواية من الآحاد وليست من المتواترات ، ولا مما قامت على صحتها قرينة قطعية ، وقد عرفت من أبحاثنا المتقدمه أنا لا نعول على الآحاد في غير الأحكام الفرعية ، على طبق الميزان العام العقلائي ، الذي عليه بناء الإنسان في حياته ، وإنما المراد بالبحث الآنف بيان فساد ما استظهر به من الوجوه التي استنتج منها أنها موضوعة. انتهى.

* *

وكلام صاحب الميزان في رد تضعيف رشيد رضا للحديث كلامٌ قوي ، لكن ليته بدل أن يضعِّفه هو بدعوى أنه من أخبار الآحاد ، اطلع على مصادره ورواته .. وعلى بحث الأميني حوله في المجلد الأول من الغدير ، وبحث السيد النقوي الهندي في عبقات الأنوار : ٧ و ٨ ، وغيرهما.

ـ ونورد فيما يلي خلاصةً لما كتبه صاحب الغدير ; في : ١ / ٢٣٩ ، قال :

ومن الآيات النازلة بعد نص الغدير ، قوله تعالى من سورة المعارج : سأل سائل بعذاب واقع ، للكافرين ليس له دافع من الله ذي المعارج.

وقد أذعنت به الشيعة وجاء مثبتاً في كتب التفسير والحديث لمن لا يستهان بهم من علماء أهل السنة ، ودونك نصوصها.

٣١٣

ثم أورد صاحب الغدير نصوص ثلاثين مؤلفاً رووا الحديث بعدة طرق ، وفيهم محدثان أقدم من الثعلبي كما تقدم .. ثم أفاض في رد الوجوه التي ذكرها ابن تيمية في كتابه منهاج السنة : ٤ / ١٣ ، وأجاب عنها ، ونورد فيما يلي خلاصتها ، قال :

الوجه الأول : إن قصة الغدير كانت في مرتجع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع ، وقد أجمع الناس على هذا ، وفي الحديث : أنها لما شاعت في البلاد جاءه الحارث ، وهو بالأبطح بمكة ، وطبع الحال يقتضي أن يكون ذلك بالمدينة ، فالمفتعل للرواية كان يجهل تاريخ قصة الغدير.

الجواب : أولاً ما سلف في رواية الحلبي في السيرة ، وسبط ابن الجوزي في التذكرة ، والشيخ محمد صدر العالم في معارج العلى ، من أن مجيء السائل كان في المسجد ـ إن أريد منه مسجد المدينة ـ ونص الحلبي على أنه كان بالمدينة ، لكن ابن تيمية عزب عن ذلك كله ، فطفق يهملج في تفنيد الرواية بصورة جزمية .... فحسب اختصاص الأبطح بحوالي مكة ، ولو كان يراجع كتب الحديث ومعاجم اللغة والبلدان والأدب لوجد فيها نصوص أربابها بأن الأبطح كل مسيل فيه دقاق الحصى.

ـ روى البخاري في صحيحه : ١ / ١٨١ ، ومسلم في صحيحه : ١ / ٣٨٢

عن عبد الله ابن عمر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أناخ بالبطحاء بذي الحليفة فصلى بها.

الوجه الثاني : أن سورة المعارج مكية باتفاق أهل العلم ، فيكون نزولها قبل واقعة الغدير بعشر سنين أو أكثر من ذلك.

الجواب : أن المتيقن من معقد الإجماع المذكور هو نزول مجموع السورة مكياً ، لا جميع آياتها ، فيمكن أن يكون خصوص هذه الآية مدنياً ، كما في كثير من السور.

ولا يرد عليه أن المتيقن من كون السورة مكية أو مدنية ، هو كون مفاتيحها كذلك أو الآية التي انتزع منها اسم السورة ، لما قدمناه من أن هذا الترتيب هو ما اقتضاه التوقيف ، لا ترتيب النزول ، فمن الممكن نزول هذه الآية أخيراً ، وتقدمها

٣١٤

على النازلات قبلها بالتوقيف ، وإن كنا جهلنا الحكمة في ذلك ، كما جهلناها في أكثر موارد الترتيب في الذكر الحكيم ، وكم لها من نظير ومن ذلك :

١ ـ سورة العنكبوت ، فإنها مكية إلا من أولها عشرة آيات ، كما رواه الطبري في تفسيره في الجزء العشرين/ ٨٦ ، والقرطبي في تفسيره ١٣ / ٣٢٣

٢ ـ سورة الكهف ، فإنها مكية إلا من أولها سبع آيات ، فهي مدنية ... كما في تفسير القرطبي ١٠ / ٣٤٦ ، وإتقان السيوطي ١ / ١٦ ...

ثم عدد الأميني سبع عشرة سورة مكية فيها آيات مدنية ، وسوراً مدنية فيها آيات مكية ..

الوجه الثالث : أن قوله تعالى : وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء ، نزلت عقيب بدر بالإتفاق قبل يوم الغدير بسنين.

الجواب : كأن هذا الرجل يحسب أن من يروي تلك الأحاديث المتعاضدة يرى نزول ما لهج به الحارث بن النعمان الكافر من الآية الكريمة ... في اليوم المذكور.

والقارئ لهاتيك الأخبار جد عليم بمينه في هذا الحسبان ، أو أنه يرى حجراً على الآيات السابق نزولها أن ينطق بها أحدٌ ، فهل في هذه الرواية غير أن الرجل المرتد الحارث أو جابر تفوه بهذه الكلمات ؟ وأين هو من وقت نزولها ، فدعها يكن نزولها في بدر أو أحد ، فالرجل أبدى كفره بها كما أبدى الكفار قبله إلحادهم بها !

لكن ابن تيمية يريد تكثير الوجوه في إبطال الحق الثابت.

الوجه الرابع : أنها نزلت بسبب ما قاله المشركون بمكة ، ولم ينزل عليهم العذاب هناك لوجود النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، لقوله تعالى : وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ، وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون.

الجواب : لا ملازمة بين عدم نزول العذاب في مكة على المشركين ، وبين عدم نزوله هاهنا على الرجل ، فإن أفعال المولى سبحانه تختلف باختلاف وجوه الحكمة.

٣١٥

ثم أورد الأميني عدداً من الذين دعا عليهم النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله فعذبهم الله تعالى ، ثم قال : ولو كان وجود الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله مانعاً عن جميع أقسام العذاب بالجملة ، لما صح ذلك التهديد ، ولما أصيب النفر الذين ذكرناهم بدعوته ، ولما قتل أحد في مغازيه بعضبه الرهيف ، فإن كل هذه من أقسام العذاب ، أعاذنا الله منها.

الوجه الخامس : أنه لو صح ذلك لكان آيةً كآية أصحاب الفيل ، ومثلها تتوفر الدواعي لنقله ، ولما وجدنا المصنفين في العلم من أرباب المسانيد والصحاح والفضايل والتفسير والسير ونحوها ، قد أهملوه رأساً فلا يروى إلا بهذا الإسناد المنكر ، فعلم أنه كذب باطل.

الجواب : إن قياس هذه التي هي حادثة فردية ، لا تحدث في المجتمع فراغاً كبيراً يؤبه له ، وورائها أغراض مستهدفة تحاول إسدال ستور الإنساء عليها كما أسدلوها على نص الغدير نفسه ... مجازفةٌ ظاهرةٌ ، فإن من حكم الضرورة أن الدواعي في الأولى دونها في الثانية ....

وأما ما ادعاه ابن تيمية من إهمال طبقات المصنفين لها ، فهو مجازفة أخرى ، لما أسلفناه من رواية المصنفين لها من أئمة العلم ، وحملة التفسير ، وحفاظ الحديث ، ونقلة التاريخ ....

لم نعرف المشار إليه في قوله : بهذا الإسناد المنكر ! فإنه لا ينتهي إلا الى حذيفة بن اليمان الصحابي العظيم ، وسفيان بن عيينة المعروف بإمامته في العلم والحديث والتفسير ، وثقته في الرواية.

وأما الإسناد إليهما ، فقد عرفه الحفاظ والمحدثون والمفسرون المنقبون في هذا الشأن ، فوجدوه حرياً بالذكر والإعتماد ، وفسروا به آيات من الذكر الحكيم ، من دون أي نكير ، ولم يكونوا بالذين يفسرون الكتاب بالتافهات.

نعم : هكذا سبق العلماء وفعلوا ، لكن ابن تيمية استنكر السند ، وناقش في المتن لأن شيئاً من ذلك لا يلائم دعارة خطته.

٣١٦

الوجه السادس : أن المعلوم من هذا الحديث أن حارثاً المذكور كان مسلماً باعترافه بالمبادئ الخمسة الإسلامية ، ومن المعلوم بالضرورة أن أحداً من المسلمين لم يصبه عذاب على العهد النبوي.

الجواب : إن الحديث كما أثبت إسلام الحارث ، فكذلك أثبت ردته برده قول النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وتشكيكه فيما أخبر به عن الله تعالى ، والعذاب لم يأته حين إسلامه ، وإنما جاءه بعد الكفر والإرتداد ... على أن في المسلمين من شملته العقوبة لما تجرؤوا على قدس صاحب الرسالة ... ثم ذكر الأميني عدداً من الذين دعا عليهم النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله من المسلمين ، منهم من ذكره مسلم في صحيحه عن سلمة بن الأكوع : أن رجلاً أكل عند النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله بشماله ، فقال : كل بيمينك. قال : لا أستطيع ، قال : لا استطعت ! قال : فما رفعها الى فيه بعد .. الخ. !

الوجه السابع : أن الحارث بن النعمان غير معروف في الصحابة ، ولم يذكره ابن عبد البر في الإستيعاب وابن مندة وأبو نعيم الإصبهاني وأبو موسى في تآليف ألفوها في أسماء الصحابة ، فلم نتحقق وجوده.

الجواب : إن معاجم الصحابة غير كافلةٍ لاستيفاء أسمائهم ، فكل مؤلف من أربابها جمع ما وسعته حيطته وأحاط به إطلاعه ، ثم جاء المتأخر عنه فاستدرك على من قبله بما أوقفه السير في غضون الكتب وتضاعيف الآثار ، وأوفى ما وجدناه من ذلك كتاب الإصابة بتمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني ، ومع ذلك فهو يقول في مستهل كتابه : ومع ذلك فلم يحصل لنا من ذلك جميعاً الوقوف على العشر من أسامي الصحابة بالنسبة الى ما جاء عن أبي زرعة الرازي قال : توفي النبي صلى الله عليه وسلم ومن رآه وسمع منه زيادة على مائة ألف إنسان ، من رجل وامرأة ، كلهم قد روى عنه سماعاً أو رؤية ....

وبعد هذا كله فالنافي لشخصٍ لم يجد اسمه في كتب هذا شأنها خارجٌ عن ميزان النصفة ، ومتحايد عن نواميس البحث ، على أن من المحتمل قريباً أن مؤلفي معاجم الصحابة أهملوا ذكره لردته الأخيرة. انتهى.

٣١٧

ونضيف الى ما ذكره صاحب الغدير رحمه‌الله وما تقدم :

أولاً : أن من الأدلة القوية على صحة هذا الحديث أنه لا يمكن أن ينشأ من فراغ ، وأن احتمال وضعه من قبل رواة الخلافة القرشية غير معقول ، لأنهم لا يقدمون على وضع حديث يثبت أن ولاية علي عليه‌السلام نزلت من السماء قبل بيعة أبي بكر في السقيفة وأن الله تعالى عاقب من اعترض عليها بحجر من السماء ، كما عاقب أصحاب الفيل الكفار !

كما أن القول بتسرب الحديث من مصادر الشيعة الى مصادر السنة بابٌ خطيرٌ عليهم .. فلو قبلوا بفتحه لانهار بناء صحاحهم كلها ، ثم انهارت الخلافة القرشية وسقيفتها ! وذلك لأن رواة هذه الأحاديث ( الشيعية ) هم رواة أصول عقيدة الخلافة القرشية وبناة قواعدها .. فهم مجبورون على توثيقهم وقبول رواياتهم ، ومنها هذه الروايات التي تضر أصول مبانيهم !

ثانياً : أن المتفق عليه في مصادر الشيعة والسنة أقوى من المختلف فيه .. لأنك عندما ترى أن مذاهب المسلمين كلها تروي حديثاً ، يقوى عندك احتمال أن يكون صدر عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وعندما يرويه بعضها ويرده بعضها تنزل عندك درجة الإحتمال ومما يزيد في درجة احتمال الصحة : أن يكون الطرف الراوي للحديث متضرراً منه ضرراً مؤكداً ، ومتحيراً في كيفية التخلص منه !

وحديثنا من هذا النوع ، فهو حديثٌ يتضرر منه أتباع خلافة قريش من المسلمين ويبغضه عَبَدَةُ قبيلة قريش من النواصب.

أما أتباع أهل بيت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله فيحتجون به ، وتخبت له قلوبهم.

ثالثاً : أن الإختلاف في اسم الشخص الذي نزل عليه حجر السجيل ، لا يضر في صحة الحديث ، إذا تمت بقية شروطه .. خاصةً أن اسمه صار سوأةً على أقاربه وعشيرته ، ولا بد أنهم عملوا على إخفائه ونسيان أمره ، حتى لا يعيرهم به المسلمون ، كما قال الاميني.

٣١٨

على أن للباحث أن يرجح أن اسم المعترض هو : جابر بن النضر بن الحارث بن كلدة العبدري ، وليس الحارث بن النعمان الفهري .. بدليل أن الحافظ أبي عبيد الهروي المتوفى سنة ٢٢٣ ، ضبطه في تفسيره بهذا الإسم ، وكل العلماء السنيين يحترمون علم أبي عبيد ، وخبرته بالأحاديث ، وقدم عصره.

وجابر بن النضر شخصيةٌ قرشية معروفة ، لأنه ابن زعيم بني عبد الدار ، حامل لواء قريش يوم بدر .. فلا يبقى لابن تيمية والنواصب حجةٌ في رد الحديث !

على أن الباقين الذين وردت أسماؤهم في روايات الحديث ، كالحارث الفهري وغيره ، ترجم لهم المترجمون للصحابة أيضاً ، أو ترجموا لمن يصلحوا أن يكونوا أقارب لهم.

المسألة السادسة : طرق وأسانيد حديث حجر الغدير

أولاً : طرق وأسانيد المصادر السنية

الطريق الأول : حديث أبي عبيد الهروي في كتابه : غريب القرآن ، وقد تقدم ، وهو بمقاييس أهل الجرح والتعديل السنيين بقوة المسند المقبول.

الطريق الثاني : حديث الثعلبي عن سفيان بن عيينة .. وله أسانيد كثيرة ، وأكثر الذين ذكرهم صاحب الغدير ، رووه عن الثعلبي بأسانيدهم اليه ، أو نقلوه من كتابه.

ـ وذكر السيد المرعشي عدداً منهم في إحقاق الحق : ٦ / ٣٥٨ ، قال :

ـ العلامة الثعلبي في تفسيره ( مخطوط ) : روى بسنده عن سفيان بن عيينة رحمه‌الله سئل عن قوله تعالى : سأل سائل بعذاب واقع ، فيمن نزلت ؟ فقال للسائل : لقد سألتني عن مسألة لم يسألني عنها أحد قبلك ، حدثني أبي ، عن جعفر بن محمد عن آبائه رضي الله عنهم ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان بغدير خم نادى الناس فاجتمعوا ، فأخذ بيد علي رضي‌الله‌عنه وقال : من كنت مولاه فعلي مولاه ، فشاع ذلك فطار في البلاد ، وبلغ ذلك الحارث ( خ. الحرث ) بن النعمان الفهري ، فأتي رسول الله

٣١٩

صلى الله عليه وسلم على ناقة له ، فأناخ راحلته ونزل عنها ، وقال : يا محمد أمرتنا عن الله عز وجل أن نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله فقبلنا منك ، وأمرتنا أن نصلي خمساً فقبلنا منك ، وأمرتنا بالزكاة فقبلنا منك ، وأمرتنا أن نصوم رمضان وأمرتنا بالحج فقبلنا ، ثم لم ترض بهذا حتى رفعت بضبعي ابن عمك تفضله علينا فقلت من كنت مولاه فعلي مولاه ! فهذا شيء منك أم من الله عز وجل ؟!

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : والذي لا إله إلا هو إن هذا من الله عز وجل.

فولى الحارث بن النعمان يريد راحلته وهو يقول : اللهم إن كان ما يقول محمد حقا فأمطر علينا حجارةً من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ، فما وصل الى راحلته حتى رماه الله عز وجل بحجر سقط على هامته فخرج من دبره فقتله ، فأنزل الله عز وجل ( سئل سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع من الله ذي المعارج ).

ـ ومنهم العلامة الحمويني في فرائد السمطين ( المخطوط ) قال :

أخبرني الشيخ عماد الدين عبد الحافظ بن بدران بن شبل المقدسي بمدينة نابلس فيما أجازني أن أرويه عنه ، عن القاضي جمال الدين عبد القاسم بن عبد الصمد بن محمد الأنصاري إجازة ، عن عبد الجبار بن محمد الخوارزمي البيهقي إجازة ، عن الإمام أبي الحسن علي بن أحمد الواحدي رحمه‌الله قال : قرأت على شيخنا الأستاد أبي إسحاق الثعلبي رحمه‌الله في تفسيره أن سفيان بن عيينة .. فذكر الحديث بعين ما تقدم عن تفسير الثعلبي.

ـ ومنهم العلامة الزرندي في نظم درر السمطين / ٩٣ ط. مطبعة القضاء :

روى الحديث بعين ما تقدم عن تفسير الثعلبي.

ـ ومنهم العلامة ابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة / ٢٤ ط. الغري

روى الحديث نقلاً عن الثعلبي بعين ما تقدم عن تفسيره بلا واسطة.

ـ ومنهم العلامة عبد الرحمن الصفوري في نزهة المجالس ٢ / ٢٠٩ ط. القاهرة :

روى الحديث نقلاً عن تفسير القرطبي بعين ما تقدم عن تفسير الثعلبي.

٣٢٠