آيات الغدير

مركز المصطفى للدراسات الإسلامية

آيات الغدير

المؤلف:

مركز المصطفى للدراسات الإسلامية


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز المصطفى للدراسات الإسلامية
الطبعة: ١
ISBN: 964-319-151-6
الصفحات: ٣٧٤
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

رأي أهل البيت عليهم‌السلام

ـ قال العياشي في تفسيره : ١ / ٢٨٨

عن عيسى بن عبد الله ، عن أبيه ، عن جده ، عن علي عليه‌السلام قال : كان القرآن ينسخ بعضه بعضاً ، وإنما كان يؤخذ من أمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بآخره ، فكان من آخر ما نزل عليه سورة المائدة ، فنسخت ما قبلها ولم ينسخها شيء. لقد نزلت عليه وهو على بغلته الشهباء ، وثقل عليه الوحي ، حتى وقفت وتدلى بطنها ، حتى رأيت سرتها تكاد تمس الأرض ، وأغمي على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله حتى وضع يده على ذؤابة شيبة بن وهب الجمحي ، ثم رفع ذلك عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقرأ علينا سورة المائدة ، فعمل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وعملنا. انتهى.

ويقصد علي عليه‌السلام بذلك : أن المسح على القدمين في الوضوء هو الواجب ، وليس غسلهما ، لأن المسح نزل في سورة المائدة ، وعمل به النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله والمسلمون ولم ينسخ. ورواه في تفسير نور الثقلين : ١ / ٥٨٢ و : ٥ / ٤٤٧

ـ وفي الكافي : ١ / ٢٨٩

علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن عمر بن أذينة ، عن زرارة والفضيل بن يسار وبكير بن أعين ومحمد بن مسلم وبريد بن معاوية وأبي الجارود ، جميعاً عن أبي جعفر عليه‌السلام قال : أمر الله عز وجل رسوله بولاية علي وأنزل عليه : إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ، وفرض ولاية أولي الأمر ، فلم يدروا ما هي ؟ فأمر الله محمداً صلى‌الله‌عليه‌وآله أن يفسر لهم الولاية ، كما فسر لهم الصلاة والزكاة والصوم والحج ، فلما أتاه ذلك من الله ضاق بذلك صدر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وتخوف أن يرتدوا عن دينهم ، وأن يكذبوه ، فضاق صدره وراجع ربه عز وجل فأوحى الله عز وجل إليه : يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ، والله يعصمك من الناس ، فصدع بأمر الله تعالى ذكره ، فقام بولاية علي عليه‌السلام يوم غدير خم ، فنادى الصلاة جامعة ، وأمر الناس أن يبلغ الشاهد الغائب ـ

٢٤١

قال عمر بن أذنية : قالوا جميعاً غير أبي الجارود ـ وقال أبو جعفر عليه‌السلام : وكانت الفريضة تنزل بعد الفريضة الأخرى وكانت الولاية آخر الفرائض ، فأنزل الله عز وجل : اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي. قال أبو جعفر عليه‌السلام : يقول الله عز وجل : لا أنزل عليكم بعد هذه فريضة ، قد أكملت لكم الفرائض.

ـ وفي تاريخ اليعقوبي : ٢ / ٤٣

وقد قيل إن آخر ما نزل عليه : اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ، وهي الرواية الصحيحة ، الثابتة الصريحة.

مصادر السنيين الموافقة لرأي أهل البيت عليهم‌السلام

ـ الدر المنثور : ٢ / ٢٥٢

وأخرج سعيد بن منصور ، وابن المنذر ، عن أبي ميسرة قال : آخر سورة أنزلت سورة المائدة ، وإن فيها لسبع عشرة فريضة.

ـ المحلى : ٩ / ٤٠٧

روينا من طريق عائشة أم المؤمنين رضي الله عنهما أن سورة المائدة آخر سورة نزلت ، فما وجدتم فيها حلالاً فحللوه ، وما وجدتم فيها حراماً فحرموه. وهذه الآية في المائدة فبطل أنها منسوخة ، وصح أنها محكمة.

ـ المحلى : ٧ / ٣٨٩

فإن هذا قد عارضه ما رويناه عنها من طريق ابن وهب ، عن معاوية بن صالح ، عن جري بن كليب ، عن جبير بن نفير قال : قالت لي عائشة أم المؤمنين : هل تقرأ سورة المائدة ؟ قلت : نعم ؟ قالت : أما إنها آخر سورة نزلت ، فما وجدتم فيها حراماً فحرموه. انتهى. ورواه أحمد في مسنده : ٦ / ١٨٨ ، ورواه البيهقي في سننه : ٧ / ١٧٢ عن ابن نفير ، ونحوه عن عبد الله بن عمرو. ورواه في طبقات الحنابلة : ١ / ٤٢٧ ، ورواه الحاكم : ٢ / ٣١١ وقال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.

٢٤٢

ثم روى عن عبد الله بن عمرو أن آخر سورة نزلت سورة المائدة وقال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. انتهى. وستعرف أنهما لم يخرجاه مراعاة لعمر حيث ادعى أن آخر ما نزل من القرآن غير المائدة.

ـ وفي مجمع الزوائد : ١ / ٢٥٦

وعن ابن عباس أنه قال : ذكر المسح على الخفين ، وعند عمر سعدٌ وعبد الله بن عمر ، فقال عمر : سعد أفقه منك ، فقال عبد الله بن عباس : ياسعد إنا لا ننكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح ، ولكن هل مسح منذ نزلت المائدة ، فإنها أحكمت كل شيء ، وكانت آخر سورة نزلت من القرآن ، ألا تراه قال ...

فلم يتكلم أحد.

رواه الطبراني في الأوسط ، وروى ابن ماجة طرفاً منه ، وفيه عبيد بن عبيدة التمار وقد ذكره ابن حبان في الثقات ، وقال : يُغرب. انتهى.

يقصد الهيثمي أن الرواية ضعيفةٌ بهذا الراوي ، الذي هو ثقة عند ابن حبان ، ولكنه يروي روايات غريبة ، أي مخالفة لمقررات المذهب الرسمي الذي يقول إن الواجب هو غسل الرجلين في الوضوء ، ويقول إن المائدة ليست آخر سورة نزلت !

ـ وفي الدر المنثور : ٢ / ٢٥٢

وأخرج أبو عبيد عن ضمرة بن حبيب وعطية بن قيس قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : المائدة ( من ) آخر القرآن تنزيلاً ، فأحلوا حلالها وحرموا حرامها. انتهى.

ويشك الإنسان في كلمة ( من ) التي تفردت بها هذه الرواية ، وكأن راويها أضافها للمصالحة بين الواقع وبين ما تبنته السلطة ، وجعلته مشهوراً.

ـ وفي تفسير التبيان : ٣ / ٤١٣

وقال عبد الله بن عمر : آخر سورة نزلت المائدة.

٢٤٣

ـ وفي الغدير : ١ / ٢٢٨

ونقل ابن كثير من طريق أحمد والحاكم والنسائي عن عايشة : أن المائدة آخر سورة نزلت. انتهى.

ويتضح من مجموع ذلك أن المتسالم عليه عند عند أهل البيت عليهم‌السلام أن آخر ما نزل من القرآن سورة المائدة .. وأنه مؤيدٌ برواياتٍ صحيحة وكثيرة ، في مصادر إخواننا .. بل يمكن القول بأن آية ( اليوم أكملت لكم دينكم ) وحدها تكفي دليلاً على أنها آخر نزلت في آخر ما نزل من كتاب الله تعالى ، لأنها تنص على أن نزول الفرائض قد تمت بها ، فلا يصح القول بأنه نزل بعدها فريضة ، على أنه وردت نصوصٌ بذلك كما تقدم عن الإمام الباقر عليه‌السلام ، وكما سيأتي من رواية الطبري والبيهقي وقول السدي. وعليه ، فكل ما نزل بعدها من القرآن ، لا بد أن يكون خالياً من الفرائض والأحكام ، لأن التشريع قد تم بنزولها ، فلا حكم بعدها !

الآراء المخالفة والمتناقضة

ولكن هذا الأمر المحدد الواضح ، صار غير واضحٍ ولا محددٍ عندهم !! وكثرت فيه الروايات وتناقضت ! وزاد في الطين بلةً أن المتناقض منها صحيحٌ بمقاييسهم ! وأنها آراء صحابةٍ كبارٍ لايجرؤون على ردهم !

ولعل السيوطي استحى من كثرة الأقوال في آخر ما نزل من القرآن ، فأجملها إجمالاً ، ولم يعددها أولاً وثانياً كما عدد الأقوال الأربعة في أول ما نزل !!

ونحن نعدها باختصار ، لنرى أسباب نشأتها !

١ ـ أن آخر آية هي آية الربا ، وهي الآية ٢٧٨ من سورة البقرة.

٢ ـ أن آخر آية هي آية الكلالة ، أي الورثة من الأقرباء غير المباشرين ، وهي الآية ١٧٦ من سورة النساء.

٣ ـ أن آخر آية هي آية ( واتقوا يوماً ترجعون فيه الى الله .. ) البقرة ـ ٢٨١.

٢٤٤

٤ ـ أن آخر آية هي آية ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم ... ) التوبة ـ ١٢٨.

٥ ـ أن آخر آية هي آية ( وما أرسلنا من قبلك من رسول ... ) الأنبياء ـ ٢٥.

٦ ـ أن آخر آية هي آية ( فمن كان يرجو لقاء ربه ... ) الكهف ـ ١١٠.

٧ ـ أن آخر آية هي آية ( ومن يقتل مؤمنا متعمداً ... ) النساء ـ ٩٣.

٨ ـ أن آخر سورة نزلت هي سورة التوبة.

٩ ـ أن آخر سورة نزلت هي سورة النصر.

هذا ما جاء فقط في إتقان السيوطي ١ / ١٠١ ، وقد تبلغ أقوالهم ورواياتهم ضعف هذا العدد ، لمن يتتبع المصادر !!

كيف نشأت هذه الآراء المتناقضة

القصة التالية تعطينا ضوءً على نشأة هذا الإضطراب والضياع :

سئل الخليفة عمر ذات يوم عن تفسير آية الربا وأحكام الربا ، فلم يعرفها فقال : أنا متأسف ، لأن هذه الآية آخر آية نزلت ، وقد توفي النبي ولم يفسرها لي !

ومن يومها دخلت آيات الربا على الخط ، وشوشت على سورة المائدة ، وصار ختام ما نزل من القرآن مردداً بين المائدة ، وبين آيات الربا !

ولكن الربا ذكر في أربع سور من القرآن : في الآيتين ٢٧٥ ـ ٢٧٦ من سورة البقرة والآية ١٦١ من سورة النساء ، والآية ٣٩ من الروم ، والآية ١٣٠ من آل عمران ... وبعض هذه السور مكي وبعضها مدني ! فأي آيةٍ منها قصد الخليفة ؟!

وتبرع المبررون للخليفة وقالوا إن مقصوده الآية ٢٧٨ من سورة البقرة ! فصار مذهبهم أن آخر آية نزلت من القرآن وضعت في سورة البقرة ، التي نزلت في أول الهجرة ! وصار مذهبهم أن تحريم الربا تشريعٌ إضافي ، لأنه نزل بعد آية إكمال الدين! ولعلهم يتصورون أنه لا بأس بهذه المفارقة في نزول القرآن والوحي ، مادام هدفهم هدفا شرعياً صحيحاً هو الدفاع عن خليفة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله !

٢٤٥

ـ قال الإمام أحمد في مسنده : ١ / ٣٦ :

عن سعيد بن المسيب قال : قال عمر رضي‌الله‌عنه : إن آخر ما نزل من القرآن آية الربا ، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض ولم يفسرها ، فدعوا الربا والريبة !! ورواه في كنز العمال : ٤ / ١٨٦ عن ( ش وابن راهويه حم ه‍ وابن الضريس وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه ق في الدلائل ).

ـ وقال السرخسي في المبسوط : ٢ / ٥١ و ١٢ / ١١٤ :

فقد قال عمر رضي‌الله‌عنه : إن آية الربا آخر ما نزل ، وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يبين لنا شأنها !

ـ وقال السيوطي في الإتقان : ١ / ١٠١

وأخرج البخاري عن ابن عباس قال : آخر آية نزلت آية الربا. وروى البيهقي عن عمر مثله ... وعند أحمد وابن ماجه عن عمر : من آخر ما نزل آية الربا. انتهى.

ولكن إضافة ( من ) في هذه الرواية لا تحل المشكلة ، كما لم تحلها في سورة المائدة ، لأن الروايات الأخرى ليس فيها ( من ) وهي نص على أن آية الربا آخر ما نزل !

قصة ثانية !

وذات يومٍ بل ذات أيام .. لم يعرف الخليفة عمر معنى الكلالة ، وتحير فيها ، واستعصى عليه فهمها ، الى آخر عمره ! فقال وقالوا عنه : إنها آخر آية نزلت ، وتوفي النبي قبل أن يبينها له ، أو بينها له بياناً ناقصاً !

ـ ففي البخارى : ٥ / ١١٥

عن البراء رضي‌الله‌عنه قال : آخر سورة نزلت كاملة براءة ، وآخر آية نزلت خاتمة سورة النساء : يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ... ونحوه في : ٥ / ١٨٥

ـ وقال السيوطي في الإتقان : ١ / ١٠١

فروى الشيخان عن البراء بن عازب قال آخر آية نزلت : يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ، وآخر سورة نزلت براءة.

٢٤٦

ـ وفي مسند أحمد : ٤ / ٢٩٨

عن البراء قال : آخر سورة نزلت على النبى صلى الله عليه وسلم كاملة براءة ، وآخر آية نزلت خاتمة سورة النساء : يستفتونك ... الى آخر السورة .... الى آخره !

ومن يومها دخلت آية الكلالة على الخط ، وشاركت في التشويش على سورة المائدة ! وصار ختام ما نزل من القرآن مردداً بين آيات الربا والكلالة ، وبقية المائدة بما فيها آيتا العصمة من الناس ، وإكمال الدين !

وقد راجعت ما تيسر لي من مصادر إخواننا في مسألة الربا والكلالة ، فهالتني مشكلة الخليفة معهما ، خاصةً مسألة الكلالة ، حتى أنه جعلها من القضايا الهامة على مستوى قضايا الأمة الإسلامية الكبرى ، وكان يطرحها من على منبر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله واستمر يطرحها كمشكلة كبرى ، حتى ساعات حياته الأخيرة ، وأوصى المسلمين بحلها ! الأمر الذي يدل على شعوره العميق بالحرج أمام المسلمين ، لعدم تمكنه من استيعابها !! ففي صحيح البخاري : ٦ / ٢٤٢

عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : خطب عمر على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إنه قد نزل تحريم الخمر ، وهي من خمسة أشياء : العنب والتمر والحنطة والشعير والعسل. والخمر ما خامر العقل. وثلاث وددت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفارقنا حتى يعهد إلينا عهداً : الجد ، والكلالة ، وأبواب من أبواب الربا. انتهى. ورواه مسلم في : ٢ / ٨١ ، بتفصيل أكثر ، وروى نحوه في : ٥ / ٦١ و٨ / ٢٤٥ ، ورواه ابن ماجة في : ٢ / ٩١٠ ، وقال عنه السيوطي في الدر المنثور : ٢ / ٢٤٩ : وأخرج عبد الرزاق والبخاري ومسلم وابن جرير وابن المنذر عن عمر ...

ويدل هذا الصحيح المؤكد ، على أن عمر لم يسأل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله عن الكلالة.

وقد صرح بذلك صحيح الحاكم الذي رواه في المستدرك : ٢ / ٣٠٣ ، فقال :

محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة يحدث عن عمر بن الخطابرضي‌الله‌عنهقال : أكون سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثلاثٍ أحب إلي من حمر النعم : عن

٢٤٧

الخليفة بعده ، وعن قوم قالوا نقرُّ بالزكاة في أموالنا ولا نؤديها إليك ، أيحل قتالهم ؟ وعن الكلالة. هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. انتهى.

ولكن في صحيح مسلم أن عمر سأل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله عنها مرراً !!

ـ قال مسلم في : ٥ / ٦١ : عن معدان بن أبي طلحة أن عمر بن الخطاب خطب يوم جمعة فذكر نبي الله صلى الله عليه وسلم ، وذكر أبا بكر ثم قال : إني لا أدع بعدي شيئاً أهم عندي من الكلالة ! ما راجعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء ما راجعته في الكلالة! وما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي فيه ، حتى طعن بإصبعه في صدري وقال : يا عمر ألا تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء ؟! وإني إن أعش أقض فيها بقضية يقضي بها من يقرأ القرآن ومن لا يقرأ القرآن. انتهى.

يعني أنه سأل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله عنها مراراً فوضحها له مراراً ، ولكنه كرر سؤاله حتى غضب عليه النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله لعدم فهمه لشرحه إياها !

بل يدل الصحيحان التاليان على أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله أخبر عمر أنه سوف لن يفهم الكلالة طول عمره ، أو دعا عليه بذلك !

ـ ففي الدر المنثور : ٢ / ٢٥٠

وأخرج العدني والبزار في مسنديهما ، وأبو الشيخ في الفرائض ، بسند صحيح عن حذيفة قال : نزلت آية الكلالة على النبي صلى الله عليه وسلم في مسيرٍ له ، فوقف النبي صلى الله عليه وسلم ، فإذا هو بحذيفة فلقاها إياه ، فنظر حذيفة فإذا عمر فلقاها إياه. فلما كان في خلافة عمر ، نظر عمر في الكلالة فدعا حذيفة فسأله عنها ، فقال حذيفة : لقد لقانيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقيتك كما لقاني ، والله لا أزيدك على ذلك شيئاً أبداً. انتهى.

ـ وفي كنز العمال : ١١ / ٨٠ حديث ٣٠٦٨٨ عن سعيد بن المسيب أن عمر سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم : كيف يورث الكلالة ؟ قال : أو ليس قد بين الله ذلك ، ثم قرأ : وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة ... الى آخر الآية ، فكأن عمر لم يفهم !

٢٤٨

فأنزل الله : يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة .. الى آخر الآية ، فكأن عمر لم يفهم ! فقال لحفصة : إذا رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم طيب نفس ، فاسأليه عنها فقال : أبوك ذكر لك هذا ؟ ما أرى أباك يعلمها أبداً !!

فكان يقول : ما أراني أعلمها أبداً وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال !! وذكر في مصدره أن ابن راهويه أو ابن مردويه صححه.

ـ بل روى السيوطي في الدر المنثور : ٢ / ٢٤٩ أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله قد كتبها لعمر في كتف ! قال : وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن مردويه عن طاوس ، أن عمر أمر حفصة أن تسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الكلالة ، فسألته فأملاها عليها في كتف ، وقال : من أمرك بهذا أعمر ؟ ما أراه يقيمها ، أو ما تكفيه آية الصيف ؟!!

قال سفيان : وآية الصيف التي في النساء : وإن كان رجلٌ يورث كلالةً أو امرأةٌ ... فلما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، نزلت الآية التي في خاتمة النساء. انتهى.

فانظر الى هذه التناقضات في أحاديث عمر والكلالة ، وكلها صحيحة !

ولاحظ أن الكلالة هي إحدى المسائل الثلاث التي قال البخاري إن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله لم يبينها للأمة ، ولا سأل عمر النبي عنها .. مع أن روايتهم الصحيحة تقول إن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله قد كتب الكلالة لعمر في كتف !

وأما المسألة الثانية التي هي الخلافة ، فقد روى البخاري نفسه أيضاً أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله دعا بدواة وكتف ليكتب للأمة الإسلامية كتاباً لا تضل بعده أبداً ، ولكن عمر أبى ذلك ..

وأما المسألة الثالثة ، وهي أبواب الربا ، فيستحيل أن لا يكون النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله قد بينها وشرحها للمسلمين أيضاً ، وقد يكون كتبها لعمر أو غيره في كتف أيضاً !!

دلالة هاتين القصتين

تدل هاتان القصتان على أن صحاح إخواننا فيها متناقضاتٌ لا يمكن لباحثٍ أن يقبلها جميعاً ، بل لا بد له أن يرجح بعضها ويرد بعضها.

٢٤٩

وكيف يمكن لعاقلٍ أن يقبل في موضوعنا أن عمر لم يسأل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله عن الآية لأنها آخر آية نزلت .. وأنه سأله عنها مراراً ، حتى دفعه بإصبعه في صدره ، وغضب منه ، الخ !!

وكيف يقبل أن الكلالة آخر آية ، وآيات الربا آخر آيات .. الى آخر التناقضات التي ذكرناها ، وأكثر منها فيما لم نذكره !

وتدل القصتان على أن سلطة الخليفة عمر على السنيين بلغت حداً تستطيع معه أن تجعل ادعاءه غير المعقول معقولاً ! وأن المهم عندهم تكييف تفسير القرآن ، وأحداث نزول آياته ، وأسبابها ، وفق ما قاله الخليفة ، حتى لو تناقضت أقواله ، وحتى لو لزم من ذلك إثارة شبهة التناقض في دين الله تعالى ، وفي أفعاله تعالى !

وإذا اعترض أحدٌ على ذلك فهو رافضي ، عدوٌّ للإسلام ورسوله وصحابته !.

وتدل القصتان في موضوعنا على أن آيات الربا وإرث الكلالة ، وربما غيرهما ، حسب رأي الخليفة قد نزلت بعد آية إكمال الدين ، ومعنى ذلك أن الله تعالى قال للمسلمين : اليوم أكملت لكم دينكم ، ولكنه لم يكن أكمل أحكام الإرث والربا وأحكام القتل !!

إن من يحترم نفسه لا يمكنه أن يقبل منطقاً يجادل عن إنسان غير معصوم ليبرئه من التناقض ، حتى لو استلزم ذلك نسبة التناقض الى الله عز وجل ورسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله !

* *

بقية الأقوال :

لا نطيل في ذكر بقية الأقوال ، وأحاديثها الصحيحة عندهم ، بل نجملها إجمالاً :

ـ ففي صحيح البخارى : ٥ / ١٨٢

قال سمعت سعيد بن جبير قال : آية اختلف فيها أهل الكوفة ، فرحلت فيها الى ابن عباس فسألته عنها فقال : نزلت هذه الآية : ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم ( النساء ـ ٩٣ ) هي آخر ما نزل ، وما نسخها شيء.

٢٥٠

ـ وفي البخاري : ٦ / ١٥

عن سعيد بن جبير قال : اختلف أهل الكوفة في قتل المؤمن ، فرحلت فيه الى ابن عباس فقال : نزلت في آخر ما نزل ، ولم ينخسها شيء.

ـ وفي الدر المنثور : ٢ / ١٩٦

وأخرج عبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن جرير والطبراني من طريق سعيد بن جبير قال : اختلف أهل الكوفة في قتل المؤمن ، فرحلت فيها .... هي آخر ما نزل وما نسخها شيء.

وأخرج أحمد ، وسعيد بن منصور ، والنسائي ، وابن ماجة ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والنحاس في ناسخه ، والطبراني من طريق سالم بن أبى الجعد ، عن ابن عباس ... قال : لقد نزلت في آخر ما نزل ما نسخها شيء حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما نزل وحي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال : أرأيت إن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى ؟

قال : وأنى له بالتوبة ؟!.

ـ وفي مجموع النووي : ١٨ / ٣٤٥

قوله تعالى : ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جنهم خالداً فيها .. الآية.

في صحيح البخارى ... هي آخر ما نزل وما نسخها شيء. وكذا رواه مسلم والنسائي من طرق عن شعبة به. ورواه أبو داود عن أحمد بن حنبل بسنده عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس في الآية فقال : ما نسخها شيء. انتهى.

فهل يمكن لمسلم أن يقبل هذه الروايات ( الصحيحة ) من البخاري أو غيره ، ومن ابن عباس أو غيره ، ويلتزم بأن تحريم قتل المؤمن تشريع إضافي في الإسلام ، نزل بعد آية إكمال الدين !

* *

٢٥١

ـ وفي مستدرك الحاكم : ٢ / ٣٣٨

عن يوسف بن مهران ، عن ابن عباس رضي الله عنهما عن أبي بن كعب رضي‌الله‌عنه قال : آخر ما نزل من القرآن : لقد جاءكم رسول من أنفسكم ، عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤف رحيم. حديث شعبة عن يونس بن عبيد صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. انتهى. وهذه الرواية ( الصحيحة ) على شرط الشيخين تقصد الآيتين ١٢٨ ـ ١٢٩ ، من سورة التوبة.

ـ وفي الدر المنثور : ٣ / ٢٩٥

وأخرج ابن أبي شيبة ، واسحق بن راهويه ، وابن منيع في مسنده ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وأبو الشيخ ، وابن مردويه ، والبيهقي في الدلائل ، من طريق يوسف بن مهران ، عن ابن عباس ، عن أبي بن كعب قال : آخر آية أنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم ـ وفي لفظ أن آخر ما نزل من القرآن ـ لقد جاءكم رسول من أنفسكم الى آخر .. الآية.

* وأخرج ابن الضريس في فضائل القرآن ، وابن الأنباري في المصاحف ، وابن مروديه ، عن الحسن أن أبي بن كعب كان يقول : إن أحدث القرآن عهداً بالله ـ وفي لفظ بالسماء ـ هاتان الآيتان : لقد جاءكم رسول من أنفسكم .. الى آخر السورة.

ـ الدر المنثور : ٣ / ٢٩٥

واخرج عبد الله بن أحمد بن حنبل في زوائد المسند ، وابن الضريس في فضائله ، وابن أبي دؤاد في المصاحف : وابن أبي حاتم ، وأبو الشيخ ، وابن مردويه ، والبيهقي في الدلائل ، والخطيب في تلخيص المتشابه ، والضياء في المختارة ، من طريق أبي العالية ، عن أبي بن كعب ، أنهم جمعوا القرآن في مصحف في خلافة أبي بكر ، فكان رجال يكتبون ويمل عليهم أبي بن كعب ، حتى انتهوا الى هذه الآية من سورة براءة : ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم ... قوم لا يفقهون ، فظنوا أن هذا آخر ما نزل من القرآن ، فقال أبي بن كعب : إن النبى صلى الله عليه وسلم قد أقرأني بعد هذا آيتين : لقد

٢٥٢

جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤف رحيم ، فإن تولوا فقل حسبى الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم. فهذا آخر ما نزل من القرآن. قال فختم الأمر بما فتح به بلا إله إلا الله ، يقول الله : وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا يوحي اليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون.

وأخرج ابن أبي دؤاد في المصاحف عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال : أراد عمر بن الخطاب أن يجمع القرآن فقام في الناس فقال : من كان تلقى من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً من القرآن فليأتنا به ، وكانوا كتبوا ذلك في الصحف والألواح والعسب ، وكان لا يقبل من أحد شيئاً حتى يشهد شهيدان ، فقتل وهو يجمع ذلك اليه.

فقام عثمان بن عفان فقال : من كان عنده شيء من كتاب الله فليأتنا به ، وكان لا يقبل من أحد شيئاً حتى يشهد به شاهدان ، فجاء خزيمة بن ثابت فقال : إني رأيتكم تركتم آيتين لم تكتبوهما !

فقالوا : ما هما ؟

قال : تلقيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم : ولقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم .. الى آخر السورة.

فقال عثمان : وأنا أشهد أنهما من عند الله ، فأين ترى أن نجعلهما ؟

قال : إختم بهما آخر ما نزل من القرآن ، فختمت بهما براءة. انتهى.

وشبيه به في سنن أبي داود : ١ / ١٨٢ ، وقد بحثنا هذه الروايات في كتاب تدوين القرآن.

* *

ـ وفي صحيح مسلم : ٨ / ٢٤٣

عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال : قال لي ابن عباس : تعلم ـ وقال هارون تدري ـ آخر سورة نزلت من القرآن نزلت جميعاً ؟

٢٥٣

قلت نعم ، إذا جاء نصر الله والفتح. قال : صدقت.

وفي رواية ابن أبي شيبة : تعلم أي سورة ، ولم يقل آخر.

ـ وفي سنن الترمذي : ٤ / ٣٢٦

وقد روي عن ابن عباس أنه قال : آخر سورة أنزلت : إذ جاء نصر الله والفتح.

ـ وفي الغدير : ١ / ٢٢٨ : وروى ابن كثير في تفسيره : ٢ / ٢

عن عبد الله بن عمر أن آخر سورة أنزلت سورة المائدة والفتح ( يعني النصر ).

ـ وفي الدر المنثور : ٦ / ٤٠٧

وأخرج ابن مردويه والخطيب وابن عساكر عن أبي هريرة في قوله : إذا جاء نصر الله والفتح ، قال : علمٌ وحدٌّ حده الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ، ونعى اليه نفسه ، إنك لا تبقى بعد فتح مكة إلا قليلا.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن مردويه عن ابن عباس قال : آخر سورة نزلت من القرآن جميعاً : إذا جاء نصر الله والفتح.

* *

ـ وفي المجعم الكبير للطبرانى : ١٢ / ١٩

عن ابن عباس قال : آخر آية أنزلت : واتقوا يوماً ترجعون فيه الى الله. انتهى. وهي الآية ٢٨١ من سورة البقرة !

* *

ونذكر في آخر ادعاءاتهم في آخر آيةٍ من القرآن : أن معاوية بن أبي سفيان أدلى بدلوه في هذا الموضوع ، ونفى على المنبر أن تكون آية ( اليوم أكملت لكم دينكم .. ) آخر ما نزل ، وأفتى للمسلمين بأن آخر آيةٍ نزلت هي الآية ١١٠ من سورة الكهف ، وأنها وكانت تأديباً من الله لنبيه !! ففي المعجم الكبير للطبراني : ١٩ / ٣٩٢ :

عمرو بن قيس أنه سمع معاوية بن أبي سفيان على المنبر نزع بهذه الآية : اليوم

٢٥٤

أكملت لكم دينكم .. قال : نزلت يوم عرفة في يوم جمعة ، ثم تلا هذه الآية : فمن كان يرجو لقاء ربه ... وقال : إنها آخر آية نزلت .... تأديباً لرسول الله .. انتهى.

وقد التفت السيوطي الى أن كيل التناقض قد طفح لإبعاد آية إكمال الدين عن ختم القرآن ، وحجة الوداع ، وغدير خم .. فاستشكل في قبول قول معاوية وعمر ! ولكنه مرَّ بذلك مروراً سريعاً ، على عادتهم في التغطية والتستر والروغان !

قال في الإتقان : ١ / ١٠٢

من المشكل على ما تقدم قوله تعالى : اليوم أكملت لكم دينكم ، فإنها نزلت بعرفة في حجة الوداع وظاهرها إكمال جميع الفرائض والأحكام قبلها. وقد صرح بذلك جماعة منهم السدي ، فقال : لم ينزل بعدها حلالٌ ولا حرامٌ ، مع أنه ورد في آية الربا والدين والكلالة أنها نزلت بعدها !

وقد استشكل ذلك ابن جرير وقال : الأولى أن يتأول على أنه أكمل لهم الدين بإفرادهم بالبلد الحرام ، وإجلاء المشركين عنه حتى حجه المسلمون ، لا يخالطهم المشركون ! انتهى.

ومعنى كلام ابن جرير الطبري الذي ارتضاه السيوطي : أن حل التناقض في كلام الصحابة بأن نقبله ونبعد إكمال الدين وإتمام النعمة عن التشريع وتنزيل الأحكام والفرائض ، ونحصره بتحرير مكة فقط ، حتى تسلم لنا أحاديث عمر عن الكلالة والربا وحديث معاوية في آخر آية في ( تأديب النبي ) !!

إنها فتوى تتكرر أمامك من العلماء السنيين بوجوب قبول كلام الصحابة ـ ما عدا أهل بيت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ـ حتى لو استلزم ذلك تفريغ آيات الله تعالى وأحاديث رسوله من معانيها ! فهم عملياً يعطون الصحابة درجة العصمة ، بل يعطونهم حق النقض على كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، لأنهم يجعلون كلامهم حاكماً عليه !

ثم يفرضون عليك أن تقبل ذلك وتغمض عينيك ، وتصمَّ سمعك عن صراخ ضحاياهم من الآيات الظاهرة والأحاديث الصحيحة !!

٢٥٥

ونتيجة هذا المنطق : أن آية اليوم أكملت لكم دينكم ليست آخر آية ، ولا سورتها آخر سورة ، ولا معناها أكملت لكم الفرائض والأحكام ، بل أكملت لكم فتح مكة !

وأن معنى ( اليوم ) في الآية ليس يوم نزول الآية ، بل قبل سنتين من حجة الوداع !

وسوف تعرف أن الخليفة عمر أقر في جواب اليهودي بأن معنى اليوم في الآية : يوم نزولها ، وليس يوم فتح مكة ! بل قال القرطبي إن اليوم هنا بمعنى الساعة التي نزلت فيها الآية ، كما سيأتي.

نص الآية الكريمة

يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلاً من ربهم ورضواناً ، وإذا حللتم فاصطادوا ، ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا ، وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ، واتقوا الله إن الله شديد العقاب.

حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم ، وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام ، ذلكم فسق ، اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون ـ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ـ فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم. المائدة ٢ ـ ٣

* *

آية إكمال الدين واللحوم المحرمة

أول ما يواجه الباحث في آية إكمال الدين غرابة مكانها في القرآن ، فظاهر ما رواه المحدثون والمفسرون عنها ، أنها نزلت في حجة الوداع آية مستقلة لا جزء آية .. ثم يجدها في القرآن جزءً من آية اللحوم المحرمة ، وكأنها حشرت حشراً في وسطها ، بحيث لو رفعنا آية إكمال الدين منها لما نقص من معناها شيء ، بل لاتصل السياق !!

٢٥٦

فما هي الحكمة من هذا السياق ؟ وهل كان هذا موضعها الأصلي من القرآن ، أم وضعت هنا باجتهاد بعض الصحابة ؟!

نحن لا نقبل القول بوقوع تحريف في كتاب الله تعالى ، معاذ الله ، لكن نتساءل عسى أن يعرف أحد الجواب : ما هو ربط آية إكمال الدين باللحوم المحرمة ؟

ألا يحتمل أن تكون بالأساس في خاتمة سورة المائدة مثلاً ، ولم يلتفت الى ذلك الذين جمعوا القرآن ، فوضعوها هنا.

ثم .. قد يقبل الإنسان أن تكون الآية نزلت بعد آيات بيان أحكام اللحوم ، ولكن كيف يمكن أن ينزلها الله تعالى في وسط أحكام اللحوم ! فإذا قال الله تعالى : أكملت لكم دينكم ، فقد تمت الأحكام ، فكيف يقول بعدها مباشرة : فمن اضطر في مخمصةٍ غير متجانفٍ لإثمٍ فإن الله غفور رحيم ؟! ثم يقول بعدها مباشرة : يسألونك ماذا أحل لهم ، قل أحل لكم الطيبات وما علمتم ... الى آخر أحكام الدين الذي قال عنه أحكم الحكماء سبحانه قبل لحظات : إنه قد أكمله وأتمه ؟!!

ـ قال في الدر المنثور : ٢ / ٢٥٩ :

وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله : اليوم أكملت لكم دينكم قال : هذا نزل يوم عرفة ، فلم ينزل بعدها حرامٌ ولا حلالٌ. انتهى.

ـ وقال في : ٢ / ٢٥٧

وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس .... فلما كان واقفاً بعرفات نزل عليه جبريل وهو رافع يده والمسلمون يدعون الله : اليوم أكملت لكم دينكم ، يقول حلالكم وحرامكم ، فلم ينزل بعد هذا حلالٌ ولا حرامٌ. انتهى.

والأحاديث والأقوال في عدم نزول أحكام بعد الآية كثيرة ، وقد مر بعضها ، ولا تحتاج الى استقصائها بعد أن كان ذلك يفهم من الآية نفسها .. ويؤيده ما ذكره اللغويون في معنى الكمال والتمام

٢٥٧

ـ قال الزبيدي في تاج العروس : ٨ / ١٠٣ :

( الكمال : التمام ) وهما مترادفان كما وقع في الصحاح وغيره ، وقد فرق بينهما بعض أرباب المعاني ، وأوضحوا الكلام في قوله تعالى اليوم : أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ، وبسطه في العناية ، وأوسع الكلام فيه البهاء السبكي في عروس الأفراح. وقيل : التمام الذي تجزأ منه أجزاؤه كما سيأتي ، وفيه ثلاث لغات ( كمل كنصر وكرم وعلم ) قال الجوهري والكسر أردؤها ، وزاد ابن عباد : كمل يكمل مثل ضرب يضرب ، نقله الصاغاني ( كمالاً وكمولاً فهو كامل وكميل ) جاؤوا به على كمل.

وقال في ص ٢١٢ : ( وتمام الشيء وتمامته وتتمته ما يتم به ) وقال الفارسي : تمام الشيء ماتم به بالفتح لا غير يحكيه عن أبي زيد. وتتمة كل شيء ما يكون تمام غايته ، كقولك هذه الدراهم تمام هذه المائة ، وتتمة هذه المائة.

قال شيخنا : وقد سبق في كمل أن التمام والكمال مترادفان عند المصنف وغيره ، وأن جماعة يفرقون بينهما بما أشرنا اليه. وزعم العيني أن بينهما فرقا ظاهراً ولم يفصح عنه.

وقال جماعة : التمام الإتيان بما نقص من الناقص ، والكمال الزيادة على التمام ، فلا يفهم السامع عربياً أو غيره من رجل تام الخلق إلا أنه لا نقص في أعضائه ، ويفهم من كامل ، وخصه بمعنى زائد على التمام كالحسن والفضل الذاتي أو العرضي. فالكمال تمامٌ وزيادة ، فهو أخص.

وقد يطلق كل على الآخر تجوزاً ، وعليه قوله تعالى : اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي. كذا في كتاب التوكيد لابن أبي الإصبع.

وقيل التمام يستدعي سبق نقص ، بخلاف الكمال. وقيل غير ذلك ، مما حرره البهاء السبكي في عروس الأفراح ، وابن الزملكاني في شرح التبيان ، وغير واحد.

٢٥٨

قلت وقال الحراني : الكمال : الإنتهاء الى غاية ليس وراءها مزيد من كل وجه. وقال ابن الكمال : كمال الشيء : حصول ما فيه الغرض منه ، فإذا قيل كمل فمعناه حصل ما هو الغرض منه. انتهى.

وبعد السؤال عن مكان الآية يواجهنا السؤال عن معناها ، وسبب نزولها .. وفي ذلك ثلاثة أقوال :

القول الأول

قول أهل البيت عليهم‌السلام أنها نزلت يوم الخميس الثامن عشر من ذي الحجة في الجحفة ، في رجوع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله من حجة الوداع ، عندما أمره الله تعالى أن يوقف المسلمين في غدير خم ، قبل أن تتشعب بهم الطرق ، ويبلغهم ولاية علي عليه‌السلام من بعده ، فأوقفهم وخطب فيهم وبلغهم ما أمره به ربه. وهذه نماذج من أحاديثهم :

فقد تقدم ما رواه الكليني في الكافي : ١ / ٢٨٩

عن الإمام محمد الباقر عليه‌السلام وفيه ( وقال أبو جعفر عليه‌السلام : وكانت الفريضة تنزل بعد الفريضة الأخرى ، وكانت الولاية آخر الفرائض ، فأنزل الله عز وجل : اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ، قال أبو جعفر عليه‌السلام : يقول الله عز وجل : لا أنزل عليكم بعد هذه فريضة ، قد أكملت لكم الفرائض.

ـ وعن علي بن إبراهيم ، عن صالح بن السندي ، عن جعفر بن بشير ، عن هارون بن خارجة ، عن أبي بصير ، عن أبي جعفر عليه‌السلام قال : كنت عنده جالساً فقال له رجل : حدثني عن ولاية علي ، أمن الله أو من رسوله ؟

فغضب ثم قال : ويحك كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أخوف ( لله ) من أن يقول ما لم يأمره به الله !! بل افترضه الله ، كما افترض الصلاة والزكاة والصوم والحج. انتهى.

ـ وفي الكافي : ١ / ١٩٨

أبو محمد القاسم بن العلاء رحمه‌الله رفعه عن عبد العزيز بن مسلم قال : كنا مع الرضا عليه‌السلام بمرو ، فاجتمعنا في الجامع يوم الجمعة في بدء مقدمنا ، فأداروا أمر

٢٥٩

الامامة وذكروا كثرة اختلاف الناس فيها ، فدخلت على سيدي عليه‌السلام فأعلمته خوض الناس فيه ، فتبسم عليه‌السلام ثم قال :

يا عبد العزيز جهل القوم وخدعوا عن آرائهم ، إن الله عز وجل لم يقبض نبيه صلى‌الله‌عليه‌وآله حتى أكمل له الدين ، وأنزل عليه القرآن فيه تبيان كل شيء ، بين فيه الحلال والحرام والحدود والأحكام ، وجميع ما يحتاج إليه الناس كملاً ، فقال عز وجل : ما فرطنا في الكتاب من شيء ، وأنزل في حجة الوداع وهي آخر عمره صلى‌الله‌عليه‌وآله : اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا.

وأمر الامامة من تمام الدين ، ولم يمض صلى‌الله‌عليه‌وآله حتى بين لأمته معالم دينهم ، وأوضح لهم سبيلهم ، وتركهم على قصد سبيل الحق ، وأقام لهم علياً عليه‌السلام علماً وإماماً ، وما ترك شيئاً تحتاج إليه الأمة إلا بينه ، فمن زعم أن الله عز وجل لم يكمل دينه فقد رد كتاب الله ، ومن رد كتاب الله فهو كافر به.

هل يعرفون قدر الإمامة ومحلها من الأمة ، فيجوز فيها اختيارهم ؟!

إن الامامة أجل قدراً ، وأعظم شأناً ، وأعلى مكاناً ، وأمنع جانباً ، وأبعد غوراً ، من أن يبلغها الناس بعقولهم ، أو ينالوها بآرائهم ، أو يقيموا إماماً باختيارهم.

إن الإمامة خص الله عز وجل بها إبراهيم الخليل عليه‌السلام بعد النبوة والخلة ، مرتبةً ثالثة ، وفضيلة شرفه بها ، وأشاد بها ذكره فقال : إني جاعلك للناس إماماً ، فقال الخليل عليه‌السلام سروراً بها : ومن ذريتي ؟ قال الله تبارك وتعالى : لا ينال عهدي الظالمين. فأبطلت هذه الآية إمامة كل ظالم الى يوم القيامة ، وصارت في الصفوة.

ثم أكرمه الله تعالى بأن جعلها في ذريته أهل الصفوة والطهارة ، فقال : ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلاًّ جعلنا صالحين. وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين.

فلم تزل في ذريته ، يرثها بعض عن بعض ، قرناً فقرناً ، حتى ورثها الله تعالى النبي عليه‌السلام فقال جل وتعالى : إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين

٢٦٠