🚖

آيات الغدير

مركز المصطفى للدراسات الإسلامية

آيات الغدير

المؤلف:

مركز المصطفى للدراسات الإسلامية


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز المصطفى للدراسات الإسلامية
الطبعة: ١
ISBN: 964-319-151-6
الصفحات: ٣٧٤
🚖 نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

قال زياد : فقال عثمان : ما انصرفت الى بلدي بشيء أحب إلي من هذا الحديث.

٢٤٩ ـ حدثني علي بن موسى بن إسحاق عن محمد بن مسعود بن محمد قال : حدثنا سهل بن بحر قال : حدثنا الفضل بن شاذان ، عن محمد بن أبي عمير ، عن عمر بن أذينة عن الكلبي عن أبي صالح : عن ابن عباس وجابر بن عبد الله قالا : أمر الله محمداً أن ينصب علياً للناس ليخبرهم بولايته فتخوف رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقولوا حابا ابن عمه ، وأن يطعنوا في ذلك عليه فأوحى الله إليه : ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ) الآية ، فقام رسول الله بولايته يوم غدير خم.

٢٥٠ـ حدثني محمد بن القاسم بن أحمد في تفسيره قال : حدثنا أبو جعفر محمد بن علي الفقيه قال : حدثنا أبي قال : حدثنا سعد بن عبد الله قال : حدثنا أحمد بن عبد الله البرقي عن أبيه عن خلف بن عمار الاسدي عن أبي الحسن العبدي عن الاعمش عن عباية بن ربعي : عن عبد الله بن عباس عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ( وساق ) حديث المعراج الى أن قال : وإني لم أبعث نبياً إلا جعلت له وزيراً وإنك رسول الله ، وإن علياً وزيرك. قال ابن عباس : فهبط رسول الله فكره أن يحدث الناس بشيء منها إذ كانوا حديثي عهد بالجاهلية ، حتى مضى ( من ) ذلك ستة أيام ، فأنزل الله تعالى : فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك ، فاحتمل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله حتى كان يوم الثامن عشر أنزل الله عليه ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ) ثم إن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمر بلالاً حتى يؤذن في الناس أن لا يبقى غداً أحداً إلا خرج الى غدير خم ، فخرج رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والناس من الغد فقال : يا أيها الناس إن الله أرسلني إليكم برسالة ، وإني ضقت بها ذرعاً مخافة أن تتهموني وتكذبوني حتى عاتبني ربي فيها بوعيد أنزله علي بعد وعيد ، ثم أخذ بيد علي بن أبي طالب فرفعها حتى رأى الناس بياض إبطيهما ثم قال : أيها الناس الله مولاي وأنا مولاكم ، فمن كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله. وأنزل الله ( اليوم أكملت لكم دينكم ). انتهى.

٢٠١

رأي أهل البيت عليهم‌السلام في الآية

ـ في تفسير العياشي : ١ / ٣٣١

عن أبي صالح ، عن ابن عباس وجابر بن عبد الله قالا : أمر الله تعالى نبيه محمداً صلى‌الله‌عليه‌وآله أن ينصب علياً عليه‌السلام علماً للناس ، ويخبرهم بولايته ، فتخوف رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أن يقولوا حابى ابن عمه ، وأن يطعنوا في ذلك عليه ، فأوحى الله اليه : يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس ..

ـ وفي الكافي : ١ / ٢٩٠ :

محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ومحمد بن الحسين جميعاً ، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع ، عن منصور بن يونس ، عن أبي الجارود ، عن أبي جعفر عليه‌السلام قال : سمعت أبا جعفر صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : فرض الله عز وجل على العباد خمساً ، أخذوا أربعاً وتركوا واحدة ، قلت : أتسميهن لي جعلت فداك ؟

فقال : الصلاة ، وكان الناس لا يدرون كيف يصلون ، فنزل جبرئيل عليه‌السلام فقال : يا محمد أخبرهم بمواقيت صلاتهم.

ثم نزلت الزكاة فقال : يا محمد أخبرهم من زكاتهم ما أخبرتهم من صلاتهم.

ثم نزل الصوم ، فكان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله إذا كان يوم عاشورا بعث الى ما حوله من القرى فصاموا ذلك اليوم ، فنزل شهر رمضان بين شعبان وشوال.

ثم نزل الحج ، فنزل جبرئيل عليه‌السلام فقال : أخبرهم من حجهم ما أخبرتهم من صلاتهم وزكاتهم وصومهم.

ثم نزلت الولاية .... وكان كمال الدين بولاية علي بن أبي طالب عليه‌السلام فقال عند ذلك رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : أمتي حديثو عهدٍ بالجاهلية ، ومتى أخبرتهم بهذا في ابن عمي يقول قائل ويقول قائل ، فقلت في نفسي من غير أن ينطق به لساني ، فأتتني عزيمة من الله عز وجل بتلة ، أوعدني إن لم أبلغ أن يعذبني ، فنزلت : يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي

٢٠٢

القوم الكافرين ، فأخذ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بيد علي عليه‌السلام فقال : أيها الناس إنه لم يكن نبي من الأنبياء ممن كان قبلي إلا وقد عمره الله ثم دعاه فأجابه ، فأوشك أن أدعى فأجيب ، وأنا مسؤولٌ وأنتم مسؤولون ، فماذا أنتم قائلون ؟

فقالوا : نشهد أنك قد بلغت ونصحت وأديت ما عليك ، فجزاك الله أفضل جزاء المرسلين.

فقال : اللهم اشهد ، ثلاث مرات.

ثم قال : يا معشر المسلمين هذا وليكم من بعدي ، فليبلغ الشاهد منكم الغائب.

ـ وفي بحار الأنوار : ٩٤ / ٣٠٠

ومن الدعوات في يوم عيد الغدير ما ذكره محمد بن علي الطرازي في كتابه رويناه بإسنادنا الى عبد الله بن جعفر الحميري قال : حدثنا هارون بن مسلم عن أبي الحسن الليثي ، عن أبي عبد الله جعفر بن محمد عليهما‌السلام أنه قال لمن حضره من مواليه وشيعته : أتعرفون يوماً شيد الله به الإسلام ، وأظهر به منار الدين ، وجعله عيداً لنا ولموالينا وشيعتنا ؟

فقالوا : الله ورسوله وابن رسوله أعلم ، أيوم الفطر هو يا سيدنا ؟

قال : لا.

قالوا : أفيوم الأضحى هو ؟ قال : لا ، وهذان يومان جليلان شريفان ، ويوم منار الدين أشرف منهما وهو اليوم الثامن عشر من ذي الحجة ، وإن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لما انصرف من حجة الوداع ، وصار بغدير خم ، أمر الله عز وجل جبرئيل عليه‌السلام أن يهبط على النبي وقت قيام الظهر من ذلك اليوم ، وأمره أن يقوم بولاية أمير المؤمنين عليه‌السلام وأن ينصبه علماً للناس بعده ، وأن يستخلفه في أمته ، فهبط إليه وقال له : حبيبي محمد إن الله يقرؤك السلام ويقول لك : قم في هذا اليوم بولاية علي ليكون علماً لأمتك بعدك يرجعون إليه ، ويكون لهم كأنت. فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله : حبيبي جبرئيل ، إني أخاف تغير أصحابي لما قد وتروه ، وأن يبدوا ما يضمرون فيه ، فعرج وما لبث أن

٢٠٣

هبط بأمر الله فقال له : يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس.

فقام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ذَعِراً مرعوباً خائفاً من شدة الرمضاء وقدماه تشويان ، وأمر بأن ينظف الموضع ويقمَّ ما تحت الدوح من الشوك وغيره ففعل ذلك ، ثم نادى بالصلاة جامعة فاجتمع المسلمون ، وفيمن اجتمع أبو بكر وعمر وعثمان وسائر المهاجرين والأنصار ، ثم قام خطيباً ، وذكر الولاية فألزمها للناس جميعاً ، فأعلمهم أمر الله بذلك.

ـ وفي دعائم الإسلام للقاضي النعمان المغربي : ١ / ١٤

وروينا عن أبي جعفر محمد بن علي صلى الله عليه أن رجلاً قال له : يابن رسول الله إن الحسن البصري حدثنا أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قال : إن الله أرسلني برسالة فضاق بها صدري ، وخشيت أن يكذبني الناس ، فتواعدني إن لم أبلغها أن يعذبني.

قال له أبو جعفر : فهل حدثكم بالرسالة ؟

قال : لا.

قال : أما والله إنه ليعلم ما هي ، ولكنه كتمها متعمداً !

قال الرجل : يا بن رسول الله جعلني الله فداك وما هي ؟

فقال : إن الله تبارك وتعالى أمر المؤمنين بالصلاة في كتابه ، فلم يدروا ما الصلاة ولا كيف يصلون ، فأمر الله عز وجل محمداً نبيه صلى‌الله‌عليه‌وآله أن يبين لهم كيف يصلون.

فأخبرهم بكل ما افترض الله عليهم من الصلاة مفسراً ...

وأمر بالزكاة ، فلم يدروا ما هي ، ففسرها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وأعلمهم بما يؤخذ من الذهب والفضة والإبل والبقر والغنم والزرع ، ولم يدع شيئاً مما فرض الله من الزكاة إلا فسره لأمته ، وبينه لهم.

وفرض عليهم الصوم ، فلم يدروا ما الصوم ولا كيف يصومون ، ففسره لهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وبين لهم ما يتقون في الصوم ، وكيف يصومون.

وأمر بالحج فأمر الله نبيه صلى‌الله‌عليه‌وآله أن يفسر لهم كيف يحجون ، حتى أوضح لهم ذلك في سنته.

٢٠٤

وأمر الله عز وجل بالولاية فقال : إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكوة وهم راكعون ، ففرض الله ولاية ولاة الأمر ، فلم يدروا ما هي ، فأمر الله نبيه صلى‌الله‌عليه‌وآله أن يفسر لهم ما الولاية ، مثلما فسر لهم الصلاة والزكاة والصوم والحج ، فلما أتاه ذلك من الله عز وجل ضاق به رسول الله ذرعاً ، وتخوف أن يرتدوا عن دينه وأن يكذبوه ، فضاق صدره وراجع ربه فأوحى إليه : يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس ، فصدع بأمر الله وقام بولاية أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب صلى الله عليه يوم غدير خم ، ونادى لذلك الصلاة جامعة ، وأمر أن يبلغ الشاهد الغائب.

وكانت الفرائض ينزل منها شيء بعد شيء ، تنزل الفريضة ثم تنزل الفريضة الأخرى وكانت الولاية آخر الفرائض ، فأنزل الله عز وجل : اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا.

قال أبو جعفر : يقول الله عز وجل : لا أنزل عليكم بعد هذه الفريضة فريضة ، قد أكملت لكم هذه الفرائض.

وروينا عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أنه قال : أوصي من آمن بالله وبي وصدقني : بولاية علي بن أبي طالب ، فإن ولاءه ولائي ، أمٌر أمرني به ربي ، وعهدٌ عهده إليَّ ، وأمرني أن أبلغكموه عنه.

ـ وروى الحديث الأول في شرح الأخبار : ١ / ١٠١ ، ونحوه في : ٢ / ٢٧٦ ، وفيه :

فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : يا جبرائيل أمتي حديثة عهدٍ بجاهلية ، وأخاف عليهم أن يرتدوا ، فأنزل الله عز وجل : يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ـ في علي ـ فإن لم تفعل فما بلغت رسالته ، والله يعصمك من الناس.

فلم يجد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بداً من أن جمع الناس بغدير خم فقال : أيها الناس إن الله عز وجل بعثني برسالة فضقت بها ذرعاً فتواعدني إن لم أبلغها أن يعذبني ، أفلستم تعلمون أن الله عز وجل مولاي وأني مولى المسلمين ووليهم وأولى بهم من أنفسهم ؟

٢٠٥

قالوا : بلى ، فأخذ بيد علي عليه‌السلام فأقامه ورفع يده بيده وقال : فمن كنت مولاه فعلي مولاه ، ومن كنت وليه فهذا علي وليه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله ، وأدر الحق معه حيث دار.

ثم قال أبو جعفر عليه‌السلام : فوجبت ولاية علي عليه‌السلام على كل مسلم ومسلمة. انتهى.

ورواه بنحوه في تفسير العياشي : ١ / ٣٣٣ ، وفيه :

كنت عند أبي جعفر محمد بن علي عليه‌السلام بالأبطح وهو يحدث الناس ، فقام اليه رجل من أهل البصرة يقال له عثمان الأعشى ، كان يروي عن الحسن البصري .. الخ. وقد تقدمت بعض رواياته في آية إكمال الدين ، وهي في مصادرنا كثيرة وصحيحة.

ملاحظات عامة حول الأقوال المخالفة

الملاحظة الأولى :

مع أن البخاري عقد للآية في صحيحه بابين : الأول في : ٥ / ٨٨ ، وروى فيه حديثاً عن عائشة في التبليغ وعدم الكتمان ، والثاني في : ٨ / ٩ ، وروى فيه عن الزهري في التبليغ ، كما روى حديثين تضمنا الآية في : ٦ / ٥٠ ، وفي : ٨ / ٢١٠ ، وكذا مسلم : ١ / ١١٠

مع هذا فلم يرويا ولا روى غيرهما من أصحاب الصحاح شيئاً في تفسير الآية ، ما عدا رواية الترمذي في الحراسة ، والتي قال عنها إنها غريبة.

ونحن لا نرى أن عدم روايتهم لحديثٍ دليلاً ولا مؤشراً على ضعفه ، فكم من حديثٍ هو أصح مما في الصحاح لم يرووه ، وكم من حديثٍ روته الصحاح ، وذكر له علماء الجرح والتعديل عللاً كثيرة.

لكنا نريد القول : إن أصحاب الصحاح حريصون على رد مذهب أهل البيت عليهم‌السلام ، وهم يعرفون أن آية التبليغ هذه يستدل بها أهل البيت وشيعتهم على مذهبهم ، فلو كان عندهم روايةٌ قويةٌ في ردها لرووها وكرروها ، حتى لا تبقى روايات الشيعة بلا معارض قوي.

٢٠٦

فمن ذلك نستكشف أن سبب تركهم روايتها ليس ضعف سندها ، بل ما رأوه من ضعف متنها ، وتعارض صيغها ، وورود الإشكالات على كل واحدةٍ منها ! فاضطروا الى عدم الرد على روايات الشيعة ، وما وافقها من روايات السنة !!

الملاحظة الثانية :

أن روايات السنيين في تاريخ نزول الآية قد غطَّت الثلاث وعشرين سنة ، التي هي كل مدة بعثة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ما عدا حجة الوداع التي نزلت فيها سورة المائدة !

وهو أمر يوجب الشك في أن الغرض من سعة تلك الروايات واستثنائها تلك الفترة وحدها ، هو التهرب من الفترة التاريخية التي نزلت فيها السورة !

الملاحظة الثالثة :

أن سبب نزول الآية في مصادرنا سببٌ واحد ، بتاريخ واحد ، على نحو الجزم واليقين. أما في مصادر إخواننا السنيين فأسبابٌ متعددة ، بتواريخ متناقضة ، وعلماؤهم منها في شكٍّ وحيرة. وفي رواياتهم ما يوافق قول أهل البيت عليهم‌السلام وإن لم يقبله خلفاء قريش !

وعندما نواجه من كتاب الله تعالى آيةً يتفق المسلمون على أنها نزلت مرة واحدة في تاريخ واحد ، ونجد أنهم يروون تاريخاً متفقاً عليه ، وفيهم أهل بيت نبيهم صلى‌الله‌عليه‌وآله ويروي بعضهم أسباباً أخرى متعارضة مختلفاً فيها .. فإن السبب المجمع على روايته يكون أقوى وأحق بالإتباع والفتوى.

تقييم الأقوال المخالفة على ضوء الآية

في الآية خمس مسائل لا بد من تحديدها لمعرفة السبب الصحيح في نزولها :

المسألة الأولى : في المأمور به في الآية :

لا يستقيم معنى الآية الشريفة إلا بحمل ( أنزل ) فيها على الماضي الحقيقي ، لأنها قالت ( بلغ ما أنزل اليك ) ولم تقل : بلغ ما سوف ينزل اليك .. وبيان ذلك :

٢٠٧

أولاً ، ظهور الفعل في الماضي الحقيقي ، وعدم وجود قرينةٍ توجب حمله على ما سوف ينزله الله تعالى في المستقبل. بل لم أجد استعمال ( أنزل ) في القرآن لما سوف ينزل أبداً ، على كثرة وروده في الآيات.

ثانياً ، أن الآية نزلت في آخر شهور نبوته صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وإذا حملنا الفعل على المستقبل يكون معناها : إنك إن لم تبلغ ما سوف ننزله عليك في هذه الشهور الباقية من نبوتك ، فإنك لم تبلغ رسالة ربك أبداً ! وهو معنى لم تجئ به رواية ، ولم يقل به أحدٌ من علماء الشيعة ، ولا السنة !

وإذا تعين حمل لفظ ( أنزل اليك ) على الماضي الحقيقي ، دلَّ على أن الله تعالى كان أنزل على رسوله أمراً ثقيلاً ، وأمره بتبليغه فكان الرسول يفكر في ثقله على الناس ، وفي كيفية تبليغه لهم ، فجاءت الآية لتقول له : لا تتأخر في التنفيذ ، ولا تفكر في موقف الناس ، هل يؤمنون أو يكفرون .. ولكن نطمئنك بأنهم سوف لن يكفروا ، وسنعصمك منهم. وهذا هو تفسير أهل البيت عليهم‌السلام وما وافقه من أحاديث السنيين.

المسألة الثانية : فيما يصحح الشرط والمشروط به في التبليغ :

وقد اتضح ذلك من المسألة الأولى ، وأنه لا معنى لقولك : يا فلان بلغ رسائلي التي سوف أرسلها معك ، فإنك إن لم تفعل لم تبلغ رسائلي ! لأنه من المعلوم أنه إن لم يفعل ، فلم يبلغ رسائلك ، ويكون كلامك من نوع قول الشاعر :

وفسر الماء بعد الجهد بالماءِ !

نعم يصح أن تقول له عن رسالة معينة فعلية أو مستقبلية : إن هذه الرسالة مهمة وضرورية جداً ، وإن لم تبلغها ، فإنك لم تبلغ شيئاً من رسائلي !

ـ قال في تفسير الميزان : ٦ / ٤٩ :

فالكلام موضوع في صوره التهديد وحقيقته بيان أهميه الحكم ، وأنه بحيث لو لم يصل الى الناس ولم يراع حقه كان كأن لم يراع حق شيء من أجزاء الدين.

فقوله : وإن لم تفعل فما بلغت ، جملة شرطية سيقت لبيان أهميه الشرط وجوداً

٢٠٨

وعدماً ، لترتب الجزاء الأهم عليه وجوداً وعدماً ، وليست شرطية مسوقة على طبع الشرطيات الدائرة عندنا ، فإنا نستعمل إن الشرطيه طبعاً فيما نجهل تحقق الجزاء للجهل بتحقق الشرط ، وحاشا ساحة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله من أن يقدر القرآن في حقه احتمال أن يبلغ الحكم النازل عليه من ربه ، وأن لا يبلغ ! انتهى.

المسألة الثالثة : في نوع تخوف النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله :

ولا بد من القول بأن الخوف الذي كان عند النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله كان خوفاً على الرسالة ، وليس على شخصه من القتل أو الأذى ، وذلك لعصمته وتقواه وشجاعته صلى‌الله‌عليه‌وآله .

فإن الله تعالى كان أخبر رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله من الأيام الأولى لبعثته ، بثقل مسؤولية النبوة والرسالة ، وجسامة تبعاتها .. وكان صلوات الله عليه وآله موطِّناً نفسه على كل ذلك ، فلا معنى لأن يقال بأنه تلكأ بعد ذلك أو تباطأ أو امتنع في أول البعثة ، أو في وسطها أو في آخرها ، حتى جاءه التهديد والتطمين !!

وقد تبين مما تقدم أن الخوف على الرسالة الذي كان يعيشه النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله عند نزول الآية ، ليس إلا خوفه من ارتداد الأمة ، وعدم قبولها إمامة عترته من بعده.

المسألة الرابعة : في معنى الناس في الآية :

ـ قال الفخر الرازي في تفسيره : ٦ جزء ١٢ / ٥٠ :

واعلم أن المراد من ( الناس ) ها هنا الكفار بدليل قوله تعالى : إن الله لا يهدي القوم الكافرين ... لا يمكنهم مما يريدون. انتهى.

ولا يمكن قبول ذلك ، لأن نص الآية العصمة من ( الناس ) وهو لفظ أعم من المسلمين والكفار ، فلا وجه لحصره بالكفار ..

وقد تصور الرازي أن المعصوم منهم هم الذين لا يهديهم الله تعالى ، وأن المعنى : إن الله سيعصمك من الكفار ولا يهديهم. ولكنه تصورٌ خاطىَ ، لأن ربْط عدم هدايته تعالى للكفار بالآية يتحقق من وجوه عديدة .. فقد يكون المعنى : سيعصمك من كل الناس ، ولا يهدي من يقصدك بأذى لأنه كافر. أو يكون المعنى : بلغ وسيعصمك الله

٢٠٩

من الناس ، ومن أبى ما تبلغه فهو كافر ، ولا يهديه الله تعالى. وقد ورد شبيه هذا المعنى في البخاري : ٨ / ١٣٩ قال : عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى ! قالوا : يا رسول الله ومن يأبى ! قال : من أطاعني دخل الجنة ، ومن عصاني فقد أبى. انتهى.

فإبقاء لفظة ( الناس ) على إطلاقها وشمولها للجميع ، يتناسب مع مصدر الأذى والخطر على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله الذي هو غير محصور بالكفار ، بل يشمل المنافقين من الأمة أيضاً. بل عرفت أن الخطر كاد يكون عند نزول الآية محصوراً فيهم.

ولكن الرازي يريد إبعاد الذم في الآية عن المنافقين ، وإبعاد الأمر الالهي فيها عن تبليغ ولاية أمير المؤمنين علي عليه‌السلام !

المسألة الخامسة : في معنى العصمة من الناس :

وقد اتضح مما تقدم أن العصمة الإلهية الموعودة في الآية ، لابد أن تكون متناسبة مع الخوف منهم ، ويكون معناها عصمته صلى‌الله‌عليه‌وآله من أن يطعنوا في نبوته ويتهموه بأنه حابى أسرته واستخلف عترته ، وقد كان من مقولاتهم المعروفة أن محمداً صلى‌الله‌عليه‌وآله يريد أن يجمع النبوة والخلافة لبني هاشم ، ويحرم قبائل قريش ..!!

وكأنه صلى‌الله‌عليه‌وآله هو الذي يملك النبوة والإمامة ويعطيهما من جيبه !!

فهذا هو المعنى المتناسب مع خوف الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله وأنه كان يفكر بينه وبين نفسه بما سيحدث من تبليغه ولاية علي عليه‌السلام.

فهي عصمةٌ في حفظ نبوته عند قريش ، وليست عصمةً من القتل أو الجرح أو الأذى ، كما ادعت الأقوال المخالفة. ولذلك لم تتغير حراسته صلى‌الله‌عليه‌وآله بعد نزول الآية عما قبلها ، ولا تغيرت المخاطر والأذايا التي كان يواجهها ، بل زادت.

والقدر المتيقن من هذه العصمة حفظ نبوة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله في الأمة وإن ثقلت عليهم أوامره ، وقرروا مخالفته. والغرض منها بقاء النبوة ، وتمام الحجة لله تعالى.

وهي غير العصمة الإلهية الأصلية للرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله في أفعاله وأقواله وكل تصرفاته !

٢١٠

وقد وفى الله سبحانه لرسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله علية وآله بما وعد ، فقد أعلن صلى‌الله‌عليه‌وآله في يوم الغدير خلافة علي والعترة عليهم‌السلام ثم أمر أن تنصب لعلي خيمة ، وأن يهنؤوه بالولاية الإلهية عليهم .. ففعلوا ! ولم يخدش أحد منهم في نبوة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله .

ولكنهم عندما توفي فعلوا ما يريدون ، وأقصوا علياً والعترة عليهم‌السلام! بل أحرقوا بيتهم وأجبروهم على بيعة صاحبهم !!

مسألتان تتعلقان بآية العصمة من الناس

يوجد مسألتان ترتبطان بالآية الشريفة ، نتعرض لهما باختصار :

المسألة الأولى : محاربة علي عليه‌السلام بآية تبليغ ولايته :

يشهد جميع المسلمين للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله بأنه بلغ عن ربه كل ما أمره به ، ونصح لأمته ، وتحمل أكثر من جميع الأنبياء صلى‌الله‌عليه‌وآله .

لكنك تجد في مصادر السنيين تهمةً للشيعة بأنهم يقولون إن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله كتم أشياء ولم يبلغها الى الأمة ، والعياذ بالله. ويستدلون لردهم بآية ( بلغ ما أنزل اليك ).

ـ قال القرطبي في تفسيره : ٦ / ٢٤٣

من قال إن محمداً صلى الله عليه وسلم كتم شيئاً من الوحي فقد كذب الله تعالى يقول : يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ، وقبح الله الروافض حيث قالوا : إنه صلى الله عليه وسلم كتم شيئاً مما أوحى إليه كان بالناس حاجة إليه. انتهى.

ـ وقال القسطلاني في إرشاد الساري : ٧ / ١٠٦

وقال الراغب فيما حكاه الطيبي : فإن قيل : كيف قال : وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ، وذلك كقولك إن لم تبلغ فما بلغت !

قيل : معناه وإن لم تبلغ كل ما أنزل اليك ، تكون في حكم من لم يبلغ شيئاً مما أنزل الله ، بخلاف ما قالت الشيعة إنه قد كتم أشياء على سبيل التقية !. انتهى.

٢١١

والظاهر أن قصة هذه التهمة وبيت القصيد فيها هو حديث عائشة القائل : من زعم أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله كتم شيئاً من كتاب الله ، فقد أعظم على الله الفرية. وقد رووه عنها وأكثروا من روايته .. وقصدهم به الرد على علي عليه‌السلام وتكذيبه !

فقد كان علي عليه‌السلام يقول إنه وارث علم النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وإن عنده غير القرآن حديث النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ومواريثه .. فعنده جامعة فيها كل ما يحتاج اليه الناس حتى أرش الخدش.

وكان يقول إن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله قد أخبره بما سيحدث على عترته من بعده حتى هجومهم على بيته وإحراقه ، وإجباره على بيعتهم ، وأنه أمره في كل ذلك بأوامره ..

ونحن الشيعة نعتقد بكل ذلك ، وتروي مصادرنا ، بل ومصادر السنيين عن مقام علي عليه‌السلام وقربه من النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ومكانته عنده ، وشهاداته صلى‌الله‌عليه‌وآله في حقه ما يوجب اليقين بأن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله كان مأموراً من الله تعالى أن يعد علياً إعدادا خاصاً ، ويورثه علمه .. مضافاً الى ما أعطى الله علياً عليه‌السلام من صفات ومؤهلات وإلهام ..

ونعتقد بأن علياً عليه‌السلام طاهرٌ مطهر ، صادقٌ مصدق ، في كل ما يقوله ولو كان شهادةً لنفسه وعترته.

قال السيوطي في الدر المنثور : ٦ / ٢٦٠

وأخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، والواحدي ، وابن مردويه ، وابن عساكر ، وابن النجاري ، عن بريدة قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لعلي : إن الله أمرني أن أدنيك ، ولا أقصيك ، وأن أعلمك ، وأن تعي وحقٌّ لك أن تعي. فنزلت هذه الآية : وتعيها أذن واعية. انتهى.

ثم ذكر السيوطي رواية أبي نعيم في الحلية وفيها : فأنت أذُنٌ واعيةٌ لعلمي. انتهى.

وإذا كان حذيفة بن اليمان صاحب سر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وهو من أتباع علي عليه‌السلام ، فإن علياً هو صاحب أسرار النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وعلومه.

وقد روى الجميع أنه صلى‌الله‌عليه‌وآله عهد اليه أن يقاتل على تأويل القرآن من بعده ، وأخبره أنه سيقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين !

٢١٢

بل الظاهر أن وصايا النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله لعلي كان بعضها معروفاً في حياته ، ومن ذلك وصيته له بأن يسجل مظلوميته ويقيم الحجة على القوم ، ولا يقاتلهم من أجل الخلافة .. فلو لم يكونوا يعرفون ذلك ، لما كانت عندهم جرأة أن يهاجموا علياً في بيته بعشرين مسلح أو خمسين ، ويقتحموا داره ، ثم يلقوا القبض عليه ، ويجروه بحمائل سيفه الى البيعة !!

لقد كان علي عليه‌السلام معجزةً وأسطورةً في القوة والشجاعة ، وفي الهيبة والرعب في قلوب الناس .. وأكثر الذين هاجموه في داره كانوا معروفين بالخوف والفرار في عدة حروب .. ولم يكن أحدٌ منهم ولا من غيرهم يجرأ أن يقف في وجه علي عليه‌السلام إذا جرد ذا الفقار !!

ولكنهم كانوا مطمئنين أن إطاعته للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله تغلب شجاعته وغيرته ، وأنه سيعمل بالوصية ، ولن يجرد ذا الفقار ، حتى لو ضربت الزهراء عليها‌السلام وأسقط جنينها !!

والحاصل أن الخلافة القرشية قد ردت أقوال علي بأن عنده مواريث النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وعلمه ، ونفت أن يكون النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ورث عترته شيئاً لا علماً ولا أوقافاً ولا مالاً ! وبذلك صادر أبو بكر مزرعة فدك ، التي كان النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله أعطاها الى فاطمة عليها‌السلام عندما نزل قوله تعالى ( وآت ذا القربى حقه ) !

بل زادت السلطة على نفي كلام علي ، وحاولت أن تستفيد من آية الأمر بالتبليغ التي هي موضوع بحثنا فقالت : من قال إن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله قد بلغه وحده أموراً وأحكاماً ، ولم يبلغها الى الأمة عامة ، فقد اتهم النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله بأنه قصر في تبليغ الأمة ، وهو نوع من الكفر به صلى‌الله‌عليه‌وآله !! ومقولة عائشة المتقدمة هي مقولة السلطة في رد قول علي عليه‌السلام ..

ـ قال البخاري في صحيحه : ٥ / ١٨٨ :

باب يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك. عن عائشة رضي الله عنها قالت : من حدثك أن محمداً صلى‌الله‌عليه‌وآله كتم شيئاً مما أنزل عليه ، فقد كذب ، والله يقول يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك. الآية. انتهى. ثم كرر البخاري ذلك في : ٦ / ٥٠ و ٨ / ٢١٠ ، ومسلم : ١ / ١٠ ، والترمذي : ٤ / ٣٢٨ ... وغيرهم.

٢١٣

ولكن هذه العملية من السلطة تتضمن مغالطتين : في توسيع معنى المأمور بتبليغه وفي توسيع معنى المأمور بتبليغهم !

كما تتضمن تحريفاً لمقولة علي عليه‌السلام وشيعته !

فليس كل شيء قاله الله تعالى لرسوله أوجب عليه أن يبلغه .. فإن علوم النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وما أوحى الله اليه ، وما ألهمه إياه ، وما شاهده في إسرائه ومعراجه .. أوسع مما بلغه لعامة الناس ، بأضعافٍ مضاعفة ، ولا يمكن أن يوجب الله تعالى عليه تبليغها ، لأن الناس لا يطيقونها حتى لو كانوا مؤمنين !

ولا كل شيء أمره أن يبلغه ، أمره أن الى كل الناس بدون استثناء .. فهناك أمورٌ عامةٌ لكل الناس ، وقد بلغها لهم ، وأمور خاصةٌ لأناسٍ خاصين مؤمنين أو كافرين ، وقد بلغها لأصحابها ، مثل قوله تعالى ( قل لهم في أنفسهم قولاً بليغا ) .. الخ.

ولم يقل عليٌّ عليه‌السلام ولا أحدٌ من شيعته إن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله لم يبلغ ، بل قالوا إنه كلم الناس على قدر عقولهم ، وعلى قدر تحملهم وتقبلهم ، وأنه لذلك بلغ علياً عليه‌السلام أكثر من غيره واستودعه علومه ، كما أمره الله تعالى ..

وليس في هذا تهمة بعدم التبليغ ، كما زعم القرطبي والقسطلاني. بل هي قولٌ بتبليغ إضافي خاصٍ بعلي والزهراء والحسنين عليهم‌السلام !

بل إن علياً وشيعته قالوا إن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله قد بلغ الأمة أموراً كثيرة ، تتعلق بعترته وغيرهم كما ترى في كتابنا هذا .. فتبليغه عندهم أوسع مما يقول به القرشيون.

ولكن القرشيين يظلمون علياً عليه‌السلام ويفترون عليه ، ويتغاضون عن تصريح عمر بأن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله لم يبين عدة آيات مثل الكلالة والربا ! كما تقدم في آية إكمال الدين !!

والنتيجة أن الأمر بالتبليغ وامتثاله ، لا يتنافى مع تخصيص النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله لعلي عليه‌السلام بعلومٍ عن غيره ، لأن ذلك مما أمره بتبليغه له.

كما لا يتنافى مع التقية التي قد يستعملها النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله مع قريش أو غيرها ، لأنه مأمورٌ بالعمل بالحكمة لأهداف الإسلام ، وبالتقية ومداراة الناس ..

٢١٤

ـ ففي الكافي : ٢ / ١١٧ ، عن الإمام الصادق عليه‌السلام قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : أمرني ربي بمداراة الناس ، كما أمرني بأداء الفرائض.

ـ وفي مجمع الزوائد ٨ / ١٧

عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : رأس العقل بعد الإيمان بالله التودد الى الناس.

وعن بريدة قال : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأقبل رجل من قريش فأدناه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقربه ، فلما قام قال : يا بريدة أتعرف هذا ؟

قلت : نعم ، هذا أوسط قريش حسباً ، وأكثرهم مالاً ، ثلاثاً.

فقلت يا رسول الله قد أنبأتك بعلمي فيه ، فأنت أعلم.

فقال : هذا ممن لا يقيم الله له يوم القيامة وزناً.

وقد عقد البخاري في صحيحه أكثر من باب لمدارة الناس ، قال في : ٧ / ١٠٢

باب المداراة مع الناس. ويذكر عن أبي الدرداء إنا لنكشر في وجوه أقوام ، وإن قلوبنا لتلعنهم ... عن عروة بن الزبير أن عائشة أخبرته أنه استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال : إئذنوا له فبئس ابن العشيرة أو بئس أخو العشيرة ، فلما دخل ألان له الكلام ، فقلت يا رسول الله : قلت ما قلت ، ثم ألنت له في القول ؟! فقال : أي عائشة إن شر الناس منزلة عند الله من تركه أو ودعه الناس ، اتقاء فحشه. انتهى.

ـ وفي وسيط النيسابوري ٢ / ٢٠٨

وقال الأنباري : كان النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله يجاهر ببعض القرآن أيام كان بمكة ، ويخفي بعضه اشفاقاً على نفسه من شر المشركين اليه ، والى أصحابه ... انتهى.

المسألة الثانية : الرد بالآية على من زعم أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله قد سُحِر :

فقد استدل عددٌ من علماء الفريقين بالآية على كذب الروايات التي تزعم أن يهودياً قد سحر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله فأخذ مشطه صلى‌الله‌عليه‌وآله وبعض شعره ، وجعل فيه سحراً ودفنه

٢١٥

في بئر .. وزعموا أن ذلك السحر أثَّر في النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله فصار يتخيل أنه فعل الأمر ولم يفعله !! وأنه بقي مدةً على تلك الحالة رجلاً مسحوراً ! حتى دله رجل أو ملك أو جبرئيل ، على الذي سحره وعلى البئر التي أودع المشط والمشاطة ، فذهب النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله الى البئر ، ولكنه لم يستخرج المشط منها ، لأنه كان شفي من السحر ، ولم يرد أن يثير فتنة ، فأمر بدفن البئر !!

فقد روى البخاري هذه التهمة عن عائشة في خمس مواضع من صحيحه ، ففي : ٤ / ٩١ :

عن عائشة قالت : سُحِرَ النبى صلى الله عليه وسلم ، وقال الليث كتب الى هشام أنه سمعه ووعاه عن أبيه عن عائشة قالت سحر النبي صلى الله عليه وسلم حتى كان يخيل اليه أنه يفعل الشيء وما يفعله ، حتى كان ذات يوم دعا ودعا ، ثم قال : أشعرت أن الله أفتاني فيما فيه شفائي ؟ أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي ، والآخر عند رجلي ، فقال أحدهما للآخر :

ما وجع الرجل ؟

قال : مطبوب !

قال : ومن طَبَّهُ ؟

قال : لبيد بن الأعصم ؟

قال : في ماذا ؟

قال : في مشط ومشاقة وجف طلعة ذكر !

قال : فأين هو ؟

قال : في بئر ذروان !

فخرج اليها النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم رجع فقال لعائشة حين رجع : نخلها كأنها روس الشياطين !

فقلت : استخرجته ؟

فقال : لا ، أما أنا فقد شفاني الله ، وخشيت أن يثير ذلك على الناس شراً ، ثم

٢١٦

دفنت البئر!! انتهى. ورواه في : ٤ / ٦٨ ، و : ٤ / ٢٨ ـ ٢٩ و١٦٤ ، ورواه مسلم في : ٧ / ١٤ ، وغيره .. وغيره.

وقد رد هذه التهمة علماء الشيعة قاطبةً ، وقد تجرأ قليل من العلماء السنيين على ردها ! ومما استدلوا به آية ( والله يعصمك من الناس ).

ـ قال الطوسي في تفسير التبيان : ١ / ٣٨٤

ما روي من أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله سحر ـ وكان يرى أنه يفعل مالم يفعله ـ فأخبار آحادٍ لا يلتفت اليها ، وحاشا النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله من كل صفة نقصٍ ، إذ تنفر من قبول قوله ، لأنه حجة الله على خلقه ، وصفيه من عباده ، واختاره الله على علمٍ منه ، فكيف يجوز ذلك مع ما جنبه الله من الفظاظة والغلظة وغير ذلك من الأخلاق الدنيئة والخلق المشينة ، ولا يجوِّز ذلك على الأنبياء إلا من لم يعرف مقدارهم ، ولا يعرفهم حقيقة معرفتهم. وقد قال الله تعالى : والله يعصمك من الناس ، وقد أكذب الله من قال : إن يتبعون إلا رجلاً مسحوراً فقال : وقال الظالمون إن يتبعون إلا رجلاً مسحورا. فنعوذ بالله من الخذلان.

ـ وقال ابن إدريس العجلي في السرائر : ٣ / ٥٣٤

والرسول عليه‌السلام ما سُحِر عندنا بلا خلاف ، لقوله تعالى : والله يعصمك من الناس. وعند بعض المخالفين أنه سُحر ، وذلك بخلاف التنزيل المجيد !

ـ وقال المجلسي في بحار الأنوار : ٦٠ / ٣٨

ومنها سورة الفلق ، فقد اتفق جمهور المسلمين على أنها نزلت فيما كان من سحر لبيد بن أعصم اليهودي لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله حتى مرض ثلاث ليال.

ومنها ما روي أن جارية سحرت عايشة ، وأنه سحر ابن عمر حتى تكوعت يده !

فإن قيل : لو صح السحر لأضرت السحرة بجميع الأنبياء والصالحين ، ولحصلوا لأنفسهم ( على ) الملك العظيم ، وكيف يصح أن يسحر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وقد قال الله : والله يعصمك من الناس ، ولا يفلح الساحر حيث أتى! وكانت الكفرة يعيبون النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله بأنه مسحور ، مع القطع بأنهم كاذبون. انتهى.

٢١٧

وممن رد هذه التهمة من السنيين : النووي في المجموع : ١٩ / ٢٤٣ ، قال :

قلت : وأكتفي بهذا القدر من أحاديث سحر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ... تنبيه : قال الشهاب بعد نقل في التأويلات : عن أبي بكر الأصم أنه قال : إن حديث سحره صلى الله عليه وسلم المروي هنا متروكٌ لما يلزمه من صدق قول الكفرة أنه مسحور ، وهو مخالف لنص القرآن حيث أكذبهم الله فيه.

ونقل الرازي عن القاضي أنه قال : هذه الرواية باطلةٌ ، وكيف يمكن القول بصحتها والله تعالى يقول : والله يعصمك من الناس ، وقال : ولا يفلح الساحر حيث أتى ، ولأن تجويزه يفضي الى القدح في النبوة ، ولأنه لو صح ذلك لكان من الواجب أن يصلوا الى ضرر جميع الأنبياء والصالحين. انتهى.

ـ والرازي في تفسيره : ١٦ جزء ٣٢ / ١٨٧ قال : قول جمهور المسلمين أن لبيد بن أعصم اليهودي سحر النبى صلى‌الله‌عليه‌وآله فى إحدى عشرة عقدة ... فاعلم أن المعتزلة أنكروا ذلك بأسرهم. وكيف يمكن القول بصحتها والله تعالى يقول : والله يعصمك من الناس ... قال الأصحاب : هذه القصة قد صحت عند جمهور أهل النقل ... الخ. انتهى.

ولكن هؤلاء قلة من علماء السنة ، فأكثرهم يقبلون أحاديث سحر نبيهم !!

وأصل المشكلة عندهم أنهم يقبلون كلام عائشة وكلام البخاري مهما كان ، ولا يسمحون لأنفسهم ولا لأحدٍ أن يبحثه وينقده .. وقد أوقعهم هذا المنهج في مشكلات عقائدية عديدة ، في التوحيد والنبوة والشفاعة .. ومنها أحاديث بدء الوحي وورقة بن نوفل ، وحديث الغرانيق الذي أخذه المرتد سلمان رشدي وحرفه وسماه الآيات الشيطانية .. ومنها أحاديث أن اليهود سحروا النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله التي رواها البخاري عن عائشة !

وقد تحيروا فيها كما رأيت ، ولم يجرأ أحد منهم على القول إنها من المكذوبات على عائشة ، أو من خيالات النساء ..

٢١٨

والرد الصحيح أن تهمة السحر تتنافى مع أصل النبوة ، وأنها تهمة الكفار التي برأ الله نبيه صلى‌الله‌عليه‌وآله ، منها بنص القرآن ، كما تقدم.

أما ردها بآية العصمة فهو ضعيف ، لأنه قد يجاب عنه بأن آية العصمة نزلت في آخر عمره صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقصة السحر المزعومة كانت قبلها.

وأما على تفسيرنا للآية ، فقد عرفت أن القدر المتيقن من العصمة فيها عصمته صلى‌الله‌عليه‌وآله من ارتداد قريش والمسلمين في حياته ، بسبب تبليغه ولاية عترته من بعده .. فيقتصر فيها على هذا القدر المتيقن ، ما لم يقم دليل على شمولها لغيره.

وقد أكثر المفسرون والشراح السنييون من الكلام في هذا الموضوع ، وتجشموا احتمالات كثيرة .. كل ذلك بسبب تفسيرهم الخاطئ للآية وتصورهم أنها تفيد عصمته صلى‌الله‌عليه‌وآله من القتل والسم والجرح والأذى.

ومن ذلك أنهم تصوروا أن الآية تعارض الرواية القائلة إن موته صلى‌الله‌عليه‌وآله استند الى اللقمة التي أكلها من الشاة المسمومة التي قدمتها اليه اليهودية ، ثم أتاه جبريل عليه‌السلام فأخبره فامتنع عن الأكل ، فانتقض عليه سم تلك اللقمة بعد سنة فتوفي بسببه ..

ـ قال في هامش الشفا ١ / ٣١٧ :

فإن قيل : ما الجمع بين قوله تعالى ( والله يعصمك من الناس ) وبين هذا الحديث المقتضي لعدم العصمة ، لأن موته عليه‌السلام بالسم الصادر من اليهودية ؟

والجواب : أن الآية نزلت عام تبوك ، والسم كان بخيبر قبل ذلك.

* *

ومن ذلك ما تحيروا فيه من أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله قد تمنى القتل في سبيل الله تعالى ، مع أنه الآية تدل على عصمته من القتل ، فهل يجوز أن يتمنى النبي شيئاً وهو يعلم أنه لا يكون ؟! قال في فتح الباري في شرح البخاري : ٨ / ٢٦٤٤ : عن أبي هريرة قال سمعت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول .. والذي نفسي بيده لوددت أن أقتل في سبيل الله ....

٢١٩

استشكل بعض الشراح صدور هذا التمني من النبي صلى الله عليه وسلم مع علمه بأنه لا يقتل ، وأجاب بن التين بأن ذلك لعله كان قبل نزول قوله تعالى : والله يعصمك من الناس ، وهو متعقب فإن نزولها كان في أوائل ما قدم المدينة ، وهذا الحديث صرح أبو هريرة بأنه سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنما قدم أبو هريرة في أوائل سنة سبع من الهجرة.

والذي يظهر في الجواب : أن تمنى الفضل والخير لا يستلزم الوقوع ، فقد قال صلى الله عليه وسلم : وددت لو أن موسى صبر ، كما سيأتي في مكانه ، وسيأتي في كتاب التمني نظائر لذلك ، وكأنه صلى الله عليه وسلم أراد المبالغة في بيان فضل الجهاد وتحريض المسلمين عليه ، قال بن التين : وهذا أشبه.

وحكى شيخنا بن الملقن أن بعض الناس زعم أن قوله ( ولوددت ) مدرج من كلام أبي هريرة ، قال : وهو بعيد. ونحوه في عمدة القاري : ٧ جزء ١٤ / ٩٥

ونقول : لو ثبت ذلك عنه صلى‌الله‌عليه‌وآله لكان تمنياً حقيقياً ، لأن الآية إنما تضمن عدم ردة الناس في حياته صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولا ربط لها بضمان عدم القتل والجرح والأذى.

* *

٢٢٠