🚖

آيات الغدير

مركز المصطفى للدراسات الإسلامية

آيات الغدير

المؤلف:

مركز المصطفى للدراسات الإسلامية


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز المصطفى للدراسات الإسلامية
الطبعة: ١
ISBN: 964-319-151-6
الصفحات: ٣٧٤
🚖 نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

بنو الحارث بن فهر بن مالك

بنو عامر بن لؤى

بنو سهم بن عمرو

بنو جمح بن عمرو

بنو أنمار بن بغيض

بنو تيم بن مرة بن كعب

بنو عدي بن كعب ... الخ.

ولكن الفعل والتأثير كان للقبائل المهمة ، والزعماء المهمين ، وهم بضع قبائل ، والباقون تبعٌ لهم الى حد كبير .. فقد وصف ابن هشام اجتماع دار الندوة الذي بحث فيه قادة القبائل ( مشكلة نبوة محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم ) فقال في ٢ / ٣٣١ : وقد اجتمع فيها أشراف قريش :

من بني عبد شمس : عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، وأبو سفيان بن حرب.

ومن بني نوفل بن عبد مناف : طعيمة بن عدي ، وجبير بن مطعم ، والحارث بن عامر بن نوفل.

ومن بني عبد الدار بن قصي : النضر بن الحارث بن كلدة.

ومن بني أسد بن عبد العزى : أبوالبختري بن هشام ، وزمعة بن الأسود بن المطلب ، وحكيم بن حزام.

ومن بني مخزوم : أبو جهل ابن هشام.

ومن بني سهم : نبيه ومنبه ابنا الحجاج.

ومن بني جمح : أمية بن خلف.

ومن كان معهم وغيرهم ممن لا يعد من قريش ، فقال بعضهم لبعض :

إن هذا الرجل قد كان من أمره ما قد رأيتم ، فإنا والله ما نأمنه على الوثوب علينا فيمن قد اتبعه من غيرنا ، فأجمعوا فيه رأياً.

١٤١

قال : فتشاوروا ثم قال قائل منهم : إحبسوه في الحديد ، وأغلقوا عليه باباً ، ثم تربصوا به...الخ.

ـ وقال في : ٢ / ٤٨٨ مسمياً المنفقين على جيش المشركين في بدر :

وكان المطعمون من قريش ثم من بني هاشم بن عبد مناف : العباس بن عبد المطلب بن هاشم.

ومن بني عبد شمس بن عبد مناف : عتبة بن ربيعة بن عبد شمس.

ومن بني نوفل بن عبد مناف : الحارث بن عامر بن نوفل ، وطعيمة بن عدي بن نوفل ، يعتقبان ذلك.

ومن بني أسد بن عبد العزى : أبا البختري بن هشام بن الحارث بن أسد ، وحكيم بن حزام بن خويلد بن أسد ، يعتقبان ذلك.

ومن بني عبد الدار بن قصي : النضر بن الحارث بن كلدة بن علقمة بن عبد مناف بن عبد الدار. انتهى.

واليك هذا الترتيب الذي رتبه الخليفة عمر لقبائل قريش ، في سجل الدولة لتوزيع العطاءات ، فإنه يدل على تركيبة قبائلها ، وتميز بني هاشم عليهم :

ـ قال البيهقي في سننه : ٦ / ٣٦٤ :

عن الشافعي وغيره ، أن عمر رضي‌الله‌عنه لما دوَّن الدواوين قال : إبدأ ببني هاشم ، ثم قال : حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيهم وبني المطلب ... فوضع الديوان على ذلك ، وأعطاهم عطاء القبيلة الواحدة.

ثم استوت له عبد شمس ونوفل في جذم النسب ، فقال : عبد شمس إخوة النبي صلى الله عليه وسلم لأبيه وأمه دون نوفل ، فقدمهم ، ثم دعا بني نوفل يتلونهم.

ثم استوت له عبد العزى وعبد الدار ، فقال في بني أسد بن عبد العزى أصهار النبي صلى الله عليه وسلم ، وفيهم أنهم من المطيبين ... فقدمهم على بني عبد الدار ، ثم دعا بني عبد الدار يتلونهم.

١٤٢

ثم انفردت له زهرة فدعاها تلو عبد الدار.

ثم استوت له تيمٌ ومخزوم ، فقال في بني تيم إنهم من حلف الفضول والمطيبين وفيهما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقيل ذكر سابقةً ، وقيل ذكر صهراً فقدمهم على مخزوم.

ثم دعا مخزوم يتلونهم.

ثم استوت له سهمٌ وجمحٌ وعديُّ بن كعب ، فقيل له إبدأ بعدي فقال بل أقر نفسي حيث كنت ، فإن الاسلام دخل وأمرنا وأمر بني سهم واحد ، ولكن انظروا بني جمح وسهم ، فقيل قدم بني جمح.

ثم دعا بني سهم ، وكان ديوان عدي وسهم مختلطاً كالدعوة الواحدة ، فلما خلصت اليه دعوته كبر تكبيرة عالية ، ثم قال : الحمد لله الذى أوصل اليَّ حظي من رسوله.

ثم دعا بني عامر بن لؤي ، قال الشافعي : فقال بعضهم إن أبا عبيدة بن عبد الله بن الجراح الفهري لما رأى من تقدم عليه قال : أكل هؤلاء تدعو أمامي ؟!

فقال : يا أبا عبيدة ، إصبر كما صبرتُ أو كلم قومك فمن قدمك منهم على نفسه لم أمنعه ، فأما أنا وبنو عدي فنقدمك إن أحببت على أنفسنا.

قال فقدم معاوية بعدُ بني الحارث بن فهر ، فصل بهم بين بني عبد مناف وأسد بن عبد العزى.

وشجر بين بني سهم وعدي شيء في زمان المهدي فافترقوا ، فأمر المهدي ببني عدي فقدموا على سهم وجمح ، للسابقة فيهم.

* *

وقد اعترف الجميع بأن فرع هاشم كانوا متميزين على بقية الفروع في فكرهم وسلوكهم ، متفوقين في فعاليتهم وقيمهم .. وأن جمهور القبائل والملوك كانوا

١٤٣

يحترمونهم احتراماً خاصاً .. حتى حسدهم زعماء قريش ، وتحالفوا ضدهم من أيام هاشم وعبد المطلب.

فقد رتب هاشم ( رحلة الصيف ) الى الشام وفلسطين ومصر لقبائل قريش كلها ، فسافر في الصحاري والدول ، وفاوض رؤساء القبائل ، والملوك ، الذين تمر في مناطقهم قوافل قريش ، وعقد معهم جميعاً معاهداتٍ بعدم الغارة على قوافل قريش وضمان سلامتها.

وقد فرحت قبائل قريش بهذا الإنجاز ، وبادرت الى الإستفادة منه ، ولكنها حسدت هاشماً ، وتمنى زعماؤها لو أن ذلك تم على يدهم ، وكان فخره لهم.

وقد توفي هاشم مبكراً في إحدى سفراته في أرض غزة ، في ظروف من حق الباحث أن يشك فيها !

ولكن بيت هاشم لم ينطفئ بعده ، فسرعان ماظهر ولده عبد المطلب ، وساد في قومه ، وواصل مآثر أبيه ، فرتب لقريش رحلة الشتاء الى اليمن ، وعقد معاهداتٍ لحماية قوافلها مع كل القبائل التي تمر عليها ومع ملك اليمن ، وفاز بفخرها كما فاز أبوه بفخر رحلة الصيف.

* *

وعلى الصعيد المعنوي ، كانت قبائل قريش ترى أن بني هاشم وعبد المطلب يباهون دائماً بانتمائهم الى إسماعيل ، واتباعهم لملة ابراهيم ، كأنهم وحدهم أبناء إسماعيل وابراهيم عليهما‌السلام.

وتفاقم الأمر عندما أخذ عبد المطلب يدعي الإلهام عن طريق الرؤيا الصادقة ، وأخبرهم بأن الله تعالى أمره بحفر زمزم التي جفت وانقرضت من قديم ، فحفرها ونبع ماؤها بإذن الله تعالى ، ووجد فيها غزالين من ذهب ، فزين بذهبهما باب الكعبة ففاز بمأثرةٍ جديدة وصار ـ بسبب شحة الماء في مكة ـ ساقي الحرم والحجيح !

١٤٤

ثم طمأن الناس عند غزو الحبشة للكعبة ، بأن الجيش لن يصل اليها ، وأن الله تعالى سيتولى دفعهم ، فصدقت نبوءته ، وأرسل الله عليهم طيراً أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل ، فجعلهم كعصف مأكول.

ثم وضع عبد المطلب للناس مراسم وسنناً ، كأنه نبي أو ممهد لنبي ، فجعل الطواف سبعاً وكان بعض العرب يطوفون بالبيت عريانين لأن ثيابهم ليست حلالاً ، فحرم عبد المطلب ذلك. ونهى عن قتل الموؤودة. وأوجب الوفاء بالنذر ، وتعظيم الاشهر الحرم. وحرم الخمر. وحرم الزنا ووضع الحد عليه ، ونفى البغايا ذوات الرايات الى خارج مكة. وحرم نكاح المحارم. وأوجب قطع يد السارق. وشدد على القتل ، وجعل ديته مئة من الإبل.

وقد عظمت مكانة عبد المطلب في قريش وفي قبائل العرب ، وكان زعماء قريش يأكلهم الحسد منه ! حتى جروه مرتين الى المنافرة والإحتكام الى الكهان فنصره الله عليهم بكرامة جديدة ، وتعاظمت مكانته أكثر !

ولعل أكثر ما أثار زعماء قريش في آخر أيام عبد المطلب ، أنه ادعى أنه مثل جده ابراهيم عليه‌السلام ، ونذر أن يذبح أحد أولاده قرباناً لرب الكعبة .. الخ.

وما أن استراح زعماء قريش من عبد المطلب ، حتى ظهر ولده أبو طالب وساد في قومه وفي قريش والعرب ، وأخذ مكانة أبيه وجده ، وواصل سيرة أبيه عبد المطلب ومقولاته.

وفي أيام أبي طالب وقعت المصيبة على زعماء قريش عندما ادعى ابن أخيه محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله النبوة ، وطلب منهم الإيمان به وإطاعته !

وزاد من خوفهم أن عدداً من بني هاشم وبني المطلب آمنوا بنبوته ، وأعلن عمه أبو طالب حمايته لابن أخيه النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ليبلغ رسالة ربه بكامل حريته ، وهدد قريشاً بالحرب إن هي مست منه شعرة ، ووقف في وجه مؤامراتها ، وأطلق قصائده في

١٤٥

فضح زعماءها فسارت بشعره الركبان يمدح فيه محمداً صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ويهجو زعماء قريش حتى أنه سمى زعيم مخزوم أبا الحكم ( أحيمق مخزوم ) كما سماه ابن أخيه محمد ( أبا جهل ) !!

ونشط الزعماء القرشيون في مقاومة النبوة بأنواع الإغراءات والتهديدات لأبي طالب وابن أخيه محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله .. ففشلوا !

ثم اتخذوا قراراً باضطهاد المسلمين الذين تطالهم أيديهم ، فهرب أكثرهم الى الحبشة .. وفشل زعماء قريش !

ثم اتخذوا قراراً بالإجماع وضموا اليهم بني كنانة ، بعزل كل بني هاشم ومقاطعتهم مقاطعة تامة شاملة ، وحصروهم في شعبهم ثلاث سنوات أو أربع .. فأفشل الله محاصرتهم بمعجزة !

وما أن فقد بنو هاشم رئيسهم أبا طالب ، حتى اتحد زعماء قريش قراراً بالإجماع بقتل محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله ، الذي بقي بزعمهم بلا حامٍ ولا ناصر .. فأفشل الله كيدهم ونقل رسوله الى المدينة التي أسلم أكثر أهلها !

وحاول القرشيون أن يضغطوا على أهل المدينة بالإغراء والوعيد ، واليهود .. ولكنهم فشلوا ، لأن المدينة صارت في يد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وهي تقع على طريق شريانهم التجاري ، وتهددهم بقطع تجارتهم مع الشام ومنطقتها !

فقرروا دخول الحرب مع ابن بني هاشم ، وحاربوه في بدر ، وأحد ، والخندق .. ففشلوا !

وحاربوه باليهود ، واستنصروا عليه بالفرس والروم .. ففشلوا !

وما هو إلا أن فاجأهم محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله في السنة الثامنة من هجرته .. ودخل عليهم عاصمتهم مكة ، بجيش من جنود الله لا قبل لهم به. فاضطروا أن يعلنوا إلقاء سلاحهم ، والتسليم للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله !

١٤٦

وقام أهل مكة سماطين ينظرون الى دخول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله والى جيشه ..

وتقدم براية الفتح بين يديه شابٌّ أنصاري من قبيلة الخزرج اليمانية ، هو عبد الله بن رواحة ، وهو يقول للفراعنة :

خلُّوا بني الكفار عن سبيلِهِ

فاليوم نضربْكم على تنزيلهِ

ضرباً يزيل الهام عن مَقِيلِهِ

ويذهلُ الخليلَ عن خليله

تالله لا يحكم فينا ابن الدعي (٢)

فقال عمر بن الخطاب : يابن رواحة ، أفي حرم الله وبين يدي رسول الله ، تقول الشعر !!

فقال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : مهْ يا عمر ، فو الذي نفسي بيده ، لكلامه هذا أشد عليهم من وقع النبل ) ! ( البيهقي في سننه : ١٠ / ٢٢٨ ، ونحوه الترمذي : ٤ / ٢١٧ ، والذهبي في سير أعلام النبلاء : ١ / ٢٣٥ )

فعمر يريد أن يخفف على زعماء قريش وقع هزيمتهم ، ولا يتحداهم في عاصمتهم .. ولا ننسى أن عمر من قبيلة عدي الصغيرة ، وأنه نشأ على احترام زعماء قريش وإكبارهم.

ولكن الرؤية النبوية أن هؤلاء الفراعنة لا يفهمون إلا لغة السيوف والسهام ، وأن عمل عبد الله بن رواحة عملٌ صحيحٌ ، وقيمته عاليةٌ عند الله تعالى ، لأنه أشد على أعداء الله من وقع النبل !!

* *

وأعلن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله الأمان لقريش ، وجمع زعماءهم في المسجد الحرام وسيوف جنود الله فوق رؤوسهم .. وشرح لهم تكبرهم وتجبرهم وتكذيبهم لآيات الله ومعجزاته ، وعداءهم لله ورسوله ، واضطهادهم لبني هاشم والمسلمين ، وحروبهم ومكائدهم ضد الإسلام ورسوله ..

١٤٧

ـ قال الطبري في تاريخه : ٢ / ٣٣٧ :

عن قتادة السدوسي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام قائماً حين وقف على باب الكعبة ثم قال :

لا إله الا إلله وحده لا شريك له ، صدق وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده.

ألا كل مأثرةٍ أو دمٍ أو مالٍ يدَّعى ، فهو تحت قدميَّ هاتين ، إلا سدانة البيت وسقاية الحاج ...

يا معشر قريش : إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء. الناس من آدم وآدم خلق من تراب. ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) .. الآية.

يا معشر قريش ويا أهل مكة : ماترون أني فاعلٌ بكم ؟!

قالوا : خيراً ، أخ كريم ، وابن أخ كريم.

ثم قال : إذهبوا فأنتم الطلقاء.

فأعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد كان الله أمكنه من رقابهم عنوةً ، وكانوا له فَيْأً ، فبذلك يسمى أهل مكة الطلقاء. انتهى.

لقد خيرهم صلى‌الله‌عليه‌وآله بين إعلان إسلامهم أو القتل : فأعلنوا إسلامهم ، فقال لهم : إذهبوا فأنتم الطلقاء ، وذلك يعني أنه منَّ عليهم بحياتهم ، مع أنهم يستحقون أن يتخذهم عبيداً ، أو يقتلهم !!

ويعني أن إعلان إسلامهم الشكلي ، لم يرفع جواز استرقاقهم أو قتلهم !

* *

ومما صادفته في تصفحي ، ما ارتكبه الشيخ ناصر الدين الألباني من تعصبٍ مفضوح للقرشيين ، حيث ضعف هذا الحديث ! فقال في سلسلة أحاديثه الضعيفة

١٤٨

٣ / ٣٠٧ برقم ١١٦٣ : ضعيف. رواه ابن إسحاق في السيرة ٤ / ٣١ ـ ٣٢ ، وعنه الطبري في التاريخ ٣ / ١٢٠ ، ونقله الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية ٤ / ٣٠٠ ـ ٣٠١ ، ساكتاً عليه. وهذا سندٌ ضعيف مرسل ، لأن شيخ ابن إسحاق فيه لم يسمَّ ، فهو مجهول. ثم هو ليس صحابياً ، لأن ابن إسحاق لم يدرك أحداً من الصحابة ، بل هو يروي عن التابعين وأقرانه ، فهو مرسل ، أو معضل. انتهى.

وكأن هذا المحدث لم يطلع على وجود هذا الحديث ومؤيداته في المصادر الأخرى ، ولم ير المحدثين والفقهاء وهم يرسلونه إرسال المسلمات ..

وما أدري هل هو جهلٌ بالتاريخ والحديث الى هذا الحد .. أم حبٌّ للقرشيين ومحاولةٌ لتخليصهم من صفة الرق الشرعية للرسول وآله صلى‌الله‌عليه‌وآله ؟!

فإن مسألة الطلقاء ثابتة مشهورة عند جميع الفرق ، واسم ( الطلقاء ) كالعلم لأكثر قريش ، وهو كثيرٌ في مصادر الحديث ، وقد دخلت أحكامه في فقه المذاهب.

ـ فقد روى البخارى في صحيحه : ٥ / ١٠٥ ـ ١٠٦

قال لما كان يوم حنين التقى هوازن ومع النبي صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف والطلقاء ، فأدبروا ...

ـ وفي مسلم : ٣ / ١٠٦ : ومعه الطلقاء فأدبروا عنه حتى بقي وحده !!

ونحوه في : ٥ / ١٩٦ ونحوه في مسند أحمد : ٣ / ١٩٠ و ٢٧٩

والصحيح أنه لم يثبت معه إلا بنو هاشم.

ـ وفي مسند أحمد : ٤ / ٣٦٣ : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : المهاجرون والأنصار أولياء بعضهم لبعض ، والطلقاء من قريش والعتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض ، الى يوم القيامة.

وقد صححه الحاكم في المستدرك : ٤ / ٨٠ ، وقال عنه في مجمع الزوائد : ١٠ / ١٥ :

رواه أحمد والطبراني بأسانيد ، وأحد أسانيد الطبراني رجاله رجال الصحيح ، وقد جوده رضي‌الله‌عنه وعنا ، فإنه رواه عن الأعمش عن موسى بن عبد الله بن يزيد بن عبد الرحمن بن هلال العبسي ، عن جرير وموسى بن عبد الله بن هلال العبسي.

١٤٩

ـ وقال الشافعي في كتاب الأم : ٧ / ٣٨٢

قال الأوزاعي : فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عنوة ، فخلى بين المهاجرين وأرضهم ودورهم بمكة ، ولم يجعلها فيئاً.

قال أبو يوسف رحمه‌الله : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عفا عن مكة وأهلها وقال :

من أغلق عليه بابه فهو آمن ، ومن دخل المسجد فهو آمن ، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، ونهى عن القتل إلا نفراً قد سماهم ، إلا أن يقاتل أحدٌ فيقتل ، وقال لهم حين اجتمعوا في المسجد : ما ترون أني صانعٌ بكم ؟ قالوا : خيراً ، أخ كريم ، وابن أخ كريم.

قال : إذهبوا فأنتم الطلقاء. ولم يجعل شيئاً قليلاً ولا كثيراً من متاعهم فيئاً. وقد أخبرتك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس في هذا كغيره ، فهذا من ذلك ، وتفهَّم فيما أتاك عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فإن لذلك وجوهاً ومعاني. انتهى.

وراجع أيضاً مغني ابن قدامة : ٧ / ٣٢١ ، ومبسوط السرخسي : ١٠ / ٣٩ ، ومسند أحمد : ٣ / ٢٧٩ ، وسنن البيهقي : ٦ / ٣٠٦ ، و : ٨ / ٢٦٦ و : ٩ / ١١٨ ، وكنز العمال : ١٢ / ٨٦.

ـ وفي كنز العمال : ٥ / ٧٣٥ : قال لهم عمر : إن هذا الأمر لا يصلح للطلقاء ولا لأبناء الطلقاء ، فإن اختلفتم فلا تظنوا عبد الله بن أبي ربيعة عنكم غافلاً ـ ابن سعد. انتهى.

وكذلك الأمر في مصادرنا :

ـ ففي نهج البلاغة شرح الشيخ محمد عبده : ٣ / ٣٠ في جواب علي عليه‌السلام لمعاوية :

وزعمت أن أفضل الناس في الإسلام فلانٌ وفلانٌ ، فذكرت أمراً إن تم اعتزلك كله ، وإن نقص لم تلحقك ثلمته.

وما أنت والفاضل والمفضول والسائس والمسوس ؟! وما للطلقاء وأبناء الطلقاء والتمييز بين المهاجرين الأولين ، وترتيب درجاتهم ، وتعريف طبقاتهم.

هيهات ، لقد حنَّ قدحٌ ليس منها ، وطفق يحكم فيها من عليه الحكم لها.

ألا تربع أيها الإنسان على ظلعك ، وتعرف قصور ذرعك ، وتتأخر حيث أخرك

١٥٠

القدر ، فما عليك غلبة المغلوب ، ولا لك ظفر الظافر .. وإنك لذهاب في التيه رواغ عن القصد.

ـ وفي الكافي : ٣ / ٥١٢

من أسلم طوعاً تركت أرضه في يده ... وما أخذ بالسيف فذلك الى الإمام يقبِّله بالذي يرى كما صنع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بخيبر ... وقال : إن أهل الطائف أسلموا وجعلوا عليهم العشر ونصف العشر ، وإن أهل مكة دخلها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله عنوةً فكانوا أسراء في يده ، فأعتقهم وقال : إذهبوا فأنتم الطلقاء.

قريش بعد فتح مكة

ماذا فعلت قريش بعد أن اضطر بقية فراعنتها وألوف الطلقاء من أتباعهم الى الدخول في الإسلام ؟؟

من الطبيعي أن مشاعر الغيظ والكبرياء القرشي بقيت محتدمةً في قلوب أكثرهم إن لم نقل كلهم .. ولكن في المقابل ظهر فيهم منطقٌ يقول : إن دولة محمد دولتنا .. فمحمد أخٌ كريمٌ ، وابن أخٍ كريم ، ودولته دولة قريش ، وعزه عزها وفخره فخرها ، فهو مهما كان ابن قريش الرحيم ، ودولته أوسعُ من دولة قريش وأقوى ، والمجال أمام زعمائها مفتوحٌ من داخل هذه الدولة ، فلماذا نحاربها ، ولماذا نتركها بأيدي الغرباء من الأوس والخزرج اليمانيين !.

أما مسألة من يرث دولة محمد بعده ، فهي مسألةٌ قابلةٌ للعلاج ، وهي على كل حال مسألةٌ قرشيةٌ داخلية !!

من البديهي عند الباحث أن يفهم أن قريشاً وجهت جهودها لمرحلة ما بعد محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله وأن الهدف الأهم عندها كان : منع محمد أن يرتب الأمر من بعده لبني هاشم ، ويجمع لهم بين النبوة والخلافة على حد تعبير قريش !

فالنبوة لبني هاشم ، ولكن خلافة محمد يجب أن تكون لقريش غير بني هاشم !

١٥١

لكن رغم وجود هذا المنطق ، فإن النصوص واعترافات بعض زعمائهم تدل على أنهم كانوا يعملون على كل الجبهات الممكنة ! وأن أكثريتهم كانوا يائسين من أن يشركهم محمد في حكم دولته ، لأنه يعمل بجدٍّ لتركيز حكم عترته من بعده ..

لذلك اتجه تفكيرهم بعد فتح مكة الى اغتيال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله .. وسرعان ما حاولوا تنفيذ ذلك في حنين ..!!

إن فراعنة قريش كفراعنة اليهود أبناء عمهم ، فهم لا يعرفون الوفاء ، بل كأنهم إذا لم يغدروا بمن عفا عنهم وأحسن اليهم ، يصابون بالصداع !!

لقد اعلنوا إسلامهم ، وادعوا أنهم ذهبوا مع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ليساعدوه في حربه مع قبيلتي هوازن وغطفان ، وكان عدد جيشهم ألفين ، وعدد جيش النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله الذي فتح مكة عشرة آلاف ، وعندما التقوا بهوازن في حنين انهزموا من أول رشق سهام ، وسببوا الهزيمة في صفوف المسلمين فانهزموا جميعاً ، كما حدث في أحد !

وثبت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ومعه بنو هاشم فقط ، كالعادة ، وقاتلوا بشدةٍ مع مئة رجعوا اليهم مئة من الفارين حتى ردوا الحملة ، ثم رجع المسلمون الفارون .. وكتب الله النصر.

وفي أثناء هزيمة المسلمين ، قامت قريش بعدة محاولاتٍ لقتل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله !

نكتفي منها بذكر ما نقله زعيم بني عبد الدار النضير بن الحارث ، الذي سيأتي ذكره في تفسير الآية الثالثة ! ونقله عنه محب له ولقريش ولبني أمية هو ابن كثير فقال في سيرته : ٣ / ٦٩١ :

كان النضير بن الحارث بن كلدة من أجمل الناس ، فكان يقول : الحمد لله الذي من علينا بالإسلام ، ومن علينا بمحمد صلى الله عليه وسلم ، ولم نمت على ما مات عليه الآباء ، وقتل عليه الإخوة وبنو العم.

ثم ذكر عداوته للنبي صلى الله عليه وسلم وأنه خرج مع قومه من قريش الى حنين ، وهم على دينهم بعد ، قال : ونحن نريد إن كانت دائرة على محمد أن نغير عليه ، فلم يمكنا ذلك.

١٥٢

فلما صار بالجعرانة فوالله إني لعلى ما أنا عليه ، إن شعرت إلا برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أنضير ؟

قلت : لبيك.

قال : هل لك الى خير مما أردت يوم حنين مما حال الله بينك وبينه ؟

قال : فأقبلت إليه سريعاً.

فقال : قد آن لك أن تبصر ما كنت فيه توضع !

قلت : قد أدري أن لو كان مع الله غيره لقد أغنى شيئاً ، وإني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اللهم زده ثباتاً.

قال النضير : فوالذي بعثه بالحق لكأن قلبي حجرٌ ثباتاً في الدين ، وتبصرة بالحق. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الحمد لله الذي هداه. انتهى.

وأنت تلاحظ أن هذه الكلام يتضمن إقراراً من هذا الزعيم القرشي على نفسه ، وإقرار الإنسان على نفسه حجة .. وأنه يتضمن ادعاء منه بإيمانه بالله تعالى ، فقد ذكر أنه تشهده الشهادة الأولى فقط ، ولم يذكر الثانية !

ولكن الدعوى لا تثبت بادعاء صاحبها بدون شهادة غيره !

ومهما يكن فقد اعترف زعيم بني عبد الدار أصحاب راية قريش التي يصدر حاملها الأوامر لألفي مسلح في حنين ، بأن إعلان إسلامهم في مكة كان كاذباً ، وبأنه كل زعماء قريش كانوا متفقين على قتل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأنهم حاولوا محاولاتٍ في حنين ولم يتوفقوا .. فقد أحبط الله تعالى خططهم ، وكشف لنبيه صلى‌الله‌عليه‌وآله نواياهم !!

بل تدل أحاديث السيرة ، على أن زعماء قريش لم يملكوا أنفسهم عند انهزام المسلمين في حنين في أول الأمر ، فأظهروا كفرهم الراسخ ، وفضحوا أنفسهم !

ـ ففي سيرة ابن هشام : ٤ / ٤٦

قال ابن اسحاق : فلما انهزم الناس ، ورأى من كان مع رسول الله صلى الله عليه

١٥٣

وسلم من جفاة أهل مكة الهزيمة ، تكلم رجالٌ منهم بما في أنفسهم من الضغن ، فقال أبو سفيان بن حرب : لا تنتهي هزيمتهم دون البحر ، وإن الأزلام لَمَعَهُ في كنانته ! وصرخ جبلة بن الحنبل ـ قال ابن هشام كلدة بن الحنبل ـ وهو مع أخيه صفوان بن أمية مشركٌ في المدة التي جعل له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا بطل السحر اليوم !

قال ابن اسحاق : وقال شيبة بن عثمان بن أبي طلحة أخو بني عبد الدار : قلت اليوم أدرك ثأري من محمد ، وكان أبوه قتل يوم أحد ، اليوم أقتل محمداً ، قال :

فأدرت برسول الله لأقتله ، فأقبل شيء حتى تغشى فؤادي فلم أطلق ذاك ، وعلمت أنه ممنوعٌ مني !! انتهى.

وهذا آخر من أصحاب راية جيش قريش المسلمة ، يعترف بأنه في حنين عند الهزيمة أو بعدها ( دار ) مرة أو مراتٍ حول النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ليقتله !

إن الناظر في مقومات شخصيات زعماء قريش ، وتفكيرهم واهتماماتهم ، يصل الى أن قناعة بأن عنادهم بلغ حداً أنهم اتخذوا قراراً بأن يكذبوا بكل الآيات والمعجزات التي يأتيهم بها محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ويكفروا بكل القيم والأعراف الإنسانية التي يدعو اليها ويعاملهم بها .. وأن لا يدخلوا في دينه إلا في حالتين لا ثالثة لهما :

إذا كان السيف فوق رؤوسهم !

أو صارت دولة محمد وسلطانه بأيديهم !

لقد حاربوا هذا الدين ونبيه صلى‌الله‌عليه‌وآله بكل الوسائل حتى عجزوا وانهزموا ..

ثم واصلوا تآمرهم ومحاولاتهم اغتيال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله حتى عجزوا ..

ثم جاؤوا يشترطون الشروط مع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ليأخذوا سهماً من دولته فعجزوا ..

ثم جاؤوا يدعون أنهم أصحاب الحق في دولة نبيهم صلى‌الله‌عليه‌وآله لأنه من قبائل قريش !!!

ـ قال في مناقب آل أبي طالب : ٢ / ٢٣٩

قال الشريف المرتضى في تنزيه الأنبياء : إن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله لما نص على أمير المؤمنين

١٥٤

بالإمامة في ابتداء الأمر ، جاءه قوم من قريش وقالوا له : يا رسول الله إن الناس قريبوا عهد بالإسلام لا يرضون أن تكون النبوة فيك والإمامة في ابن عمك علي بن أبي طالب .. فلو عدلت به الى غيره ، لكان أولى !

فقال لهم النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله : ما فعلت ذلك لرأيي فأتخير فيه ، لكن الله تعالى أمرني به وفرضه عليَّ.

فقالوا له : فإذا لم تفعل ذلك مخافة الخلاف على ربك ، فأشرك معه في الخلافة رجلاً من قريش تركن الناس اليه ، ليتم لك أمرك ، ولا تخالف الناس عليك. فنزلت الآية : لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين.

عبد العظيم الحسني عن الصادق عليه‌السلام في خبر : قال رجل من بني عدي اجتمعت اليَّ قريش ، فأتينا النبي فقالوا : يا رسول الله إنا تركنا عبادة الأوثان واتبعناك ، فأشركنا في ولاية علي فنكون شركاء ، فهبط جبرئيل على النبي فقال : يا محمد لئن أشركت ليحبطن عملك .. الآية. انتهى. ( والحديث الأول في تنزيه الأنبياء/ ١٦٧ )

* *

قريش تتمحور حول زعامة سهيل بن عمرو

رغم خيانات زعماء قريش بعد فتح مكة وتآمرهم ، فقد حاول الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله أن يستقطبهم ، فأكرمهم وتألفهم وأعطاهم أكثر غنائم المعركة ، وأطمعهم بالمستقبل إن هم أسلموا وحسن إسلامهم .. الخ.

لقد أمر الله رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله أن يقاوم عُقَدهم بنور الحلم ، وظلماتهم بنور الإحسان ..!!

وفي هذه الفترة تراجعت زعامة أبي سفيان ، ولم يبق منها إلا ( أمجاد ) حربه مع محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فشخصية أبي سفيان تصلح للزعامة في الحرب فقط وفي التجارة ، ولا تصلح في السلم للزعامة والعمل السياسي ، لذلك تراه بعد أن انكسر في فتح مكة ذهب الى المدينة وطلب منصباً من محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله فعينه جابياً للزكاة من بعض القبائل !!

١٥٥

أما الزعيم الذي يجيد العمل لمصلحة قريش المنكسرة عسكرياً .. فقد وجدته قريش في سهيل بن عمرو ، العقل السياسي المفكر والمخطط ..

وسرعان ما صار سهيل محوراً لقريش ، ووارثاً لقيادة زعمائها الذين قتلهم محمد أو أماتهم رب محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله .

وسهيل بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود ، هو في نظر قريش : قرشي أصيل. ولئن كان من بني عامر بن لؤي ، الذين هم أقل درجة من بني كعب بن لؤي ( سيرة ابن هشام : ٢ / ٤٨٩ ) ، ولكنه صاحب تاريخ مع محمد ، فهو من الزعماء الذين فاوضوا أبا طالب بشأنه.

وهو من أعضاء دار الندوة الذين قرروا مقاطعة بني هاشم.

وهو من الذين ائتمروا على قتله عندما ذهب الى الطائف ، وقرروا نفيه من مكة ، وهددوه بالقتل إن هو دخلها ، ورفضوا أن يجيروه حتى يستطيع الدخول الى مكة وتبليغ رسالة ربه .. ففي تاريخ الطبري : ٢ / ٨٢ : أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله قال للأخنس بن شريق : ائت سهيل بن عمرو فقل له إن محمداً يقول لك : هل أنت مجيري حتى أبلغ رسالات ربي ؟ فأتاه فقال له ذلك ، قال فقال : إن بني عامر بن لؤي لا تجير على بني كعب ! انتهى.

وهو من الزعماء الذين واصلوا العمل لقتل محمد بعد وفاة أبي طالب ، حتى أنجاه الله منهم بالهجرة.

وهو أحد الذين حبسوا المسلمين وعذبوهم على إسلامهم ، ومن المعذبين على يده ولده أبو جندل.

وهو أحد قادة المشركين في بدر ، وأحد أثريائهم الذين كانوا يطعمون الجيش.

وهو أحد الذين كانوا يؤلمون قلب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بفعالياتهم الخبيثة ، فلعنهم الله تعالى وطردهم من رحمته ، وأمر رسوله أن يلعنهم ، ويدعو عليهم في صلاته.

وهو أحد المنفقين أموالهم على تجهيز الناس لحرب النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله في أحد والخندق وغيرهما.

١٥٦

ـ قال في سير أعلام النبلاء : ١ / ١٩٤

يكنى أبا يزيد ، وكان خطيب قريش وفصيحهم ومن أشرافهم ... وكان قد أسر يوم بدر وتخلص. قام بمكة وحض على النفير ، وقال : يال غالب أتاركون أنتم محمداً والصباة يأخذون عيركم ! من أراد مالاً فهذا مال ، ومن أراد قوة فهذه قوة.

وكان سمحاً جواداً مفوهاً.

وقد قام بمكة خطيباً عند وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بنحو من خطبة الصديق بالمدينة فسكنهم !! وعظم الإسلام. انتهى.

وهو الذي انتدبته قريش لمفاوضة محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله في الحديبية ، وقد أجاد المفاوضة وشدد عليه بالشروط ، ولم يقبل أن يكتب في المعاهدة ( رسول الله ) ووقع الصلح معه نيابة عن كل قريش.

وهو المعروف عند قريش بأنه سياسي حكيم ، أكثر من غيره من فراعنتها.

وهو أخيراً من أئمة الكفر الذين أمر الله رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله بقتالهم ! وإعلانه الإسلام تحت السيف لا يغير من آيات الله شيئاً ! ففي تفسير الصنعاني : ١ / ٢٤٢ : عن قتادة في قوله ( وقاتلوا أئمة الكفر ... ) هو أبو سفيان بن حرب ، وأمية بن خلف ، وعتبه بن ربيعة ، وأبو جهل ، وسهيل بن عمرو. انتهى.

وقد اختار سهيل بن عمرو البقاء في مكة بعد فتحها ودخولها تحت حكم النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ولم يهاجر الى المدينة كبعض الطلقاء ، ولم يطلب من محمد منصباً ، لأن كبرباءه القرشي وتاريخه في الصراع مع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله يأبيان عليه ذلك !!

ولكنه قبل هدية النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله في حنين وكانت مئة بعير ، بينما كان رفضها في أيام القحط والسنوات العجاف التي حدثت على قريش بدعاء النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ثم أشفق عليهم وأرسل اليهم مساعدة ، وكانت أحمالاً من المواد الغذائية ، فقبلها أكثرهم وكان سهيل ممن رفضوها !

١٥٧

إنه تاريخٌ طويلٌ مشرقٌ عند القرشييين ، وإن كان أسود عند الله تعالى ورسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله !! ومن أجل هذا النسب وهذا التاريخ والصفات ، اجتمعت حوله قريش بعد فتح مكة ، وانضوت تحت زعامته !

* *

وكان النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله قد عين حاكماً لمكة بعد فتحها ، هو عتاب بن أسيد الأموي وحعل معه أنصارياً ، ولكن قريشاً كانت تفضل عليه سهيلاً ، وتسمع كلامه أكثر منه !

والدليل على ذلك أنه بعد وفاة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ارتدت قريش عن الإسلام ، وخاف حاكمها عتاب أن يقتلوه فاختبأ مع أنه قرشي أموي .. وبعد أيام وصلهم خبر يطمئنهم ببيعة أبي بكر التيمي ، وأن أحداً من بني هاشم لن يحكم بعد محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله فاطمأن سهيل بن عمرو ، وخطب في قريش بنفس خطبة أبي بكر في المدينة ، والتي مفادها أنه من كان يعبد محمداً فإن إلهه قد مات ، ونحن لا نعبد محمداً ، بل هو رسولٌ بلغ رسالته ومات ، وهو ابن قريش وسلطانه سلطان قريش ، وقد اختارت قريش حاكماً لنفسها بعده وهو أبو بكر ، فاسمعوا له وأطيعوا.

لقد طمأنهم سهيل بأن الأمر بيد قريش ، وليس بيد بني هاشم والأنصار اليمانية الذين ( يعبدون ) محمداً ، فلماذا الرجوع عن الإسلام !

فأطاعته قريش وانتهى مشروع الردة !

وأصدر سهيل أمره لعتاب الحاكم من قبل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله : أخرج من مخبئك ، واحكم مكة باسم الزعيم القرشي غير الهاشمي أبي بكر بن أبي قحافة التيمي !

( راجع سيرة ابن هشام : ٤ / ١٠٧٩ ، وفيها : فتراجع الناس وكفوا عما هموا به ، وظهر عتاب بن أسيد ).

سهيل بن عمرو يحاول الإستقلال !

اقتنعت قريش بعد فتح مكة أن العمل العلني ضد محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله محكوم بالفشل ..

١٥٨

فركزت جهودها على العمل السياسي المتقن ، والعمل السري الصامت ، لإبعاد عترته عن الحكم ، وجعله في قريش ..

ولكن المشكلة عندها أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله يسير قدماً في ترتيب الأمر من بعده لعلي .. ومن بعده للحسن والحسين ، أولاد بنته فاطمة .. وقريش لا تطيق علياً ولا أحداً من بني هاشم .. لذلك قرر قادتها وفي مقدمتهم سهيل بن عمرو أن يقوموا بأنشطة متعددة ، منها محاولة جريئة مع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله .. فقد كتبوا اليه ثم جاؤوه وفداً برئاسة سهيل بن عمرو ، طالبين اليه أن يرد ( اليهم ) عدداً من أبنائهم وعبيدهم ، الذين تركوا مكة أو مزارعهم في الطائف ، وهاجروا الى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ليتفقهوا في الدين ، كما تنص الآية القرآنية !

قال سهيل للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله نحن اليوم حلفاؤك ، وقد انتهت الحرب بيننا وتصالحنا ، وأنا الذي وقعت الصلح السابق معك في الحديبية !

وهؤلاء أولادنا وعبيدنا هربوا منا وجاؤوك ، ولم يأتوك ليتفقهوا في الدين كما زعموا ، ثم إن كانت هذه حجتهم فنحن نفقههم في الدين ، فأرجعهم الينا !!

ومعنى هذا الطلب البسيط من زعيم قريش الجديد : أن قريشاً حتى بعد فتح مكة واضطرارها الى خلع سلاحها وإسلامها تحت السيف .. تريد من النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله الإعتراف بأنها وجودٌ سياسيٌّ مستقل ، في مقابل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ودينه ودولته !!

ـ روى الترمذي في : ٥ / ٢٩٨

عن ربعي بن حراش قال : أخبرنا علي بن أبي طالب بالرحبة فقال : لما كان يوم الحديبية خرج إلينا ناس من المشركين فيهم سهيل بن عمرو وأناس من رؤساء المشركين ، فقالوا يا رسول الله : خرج إليك ناس من أبنائنا وإخواننا وأرقائنا ، وليس لهم فقه في الدين ، وإنما خرجوا فراراً من أموالنا وضياعنا ، فارددهم إلينا فإن لم يكن لهم فقه في الدين سنفقههم.

١٥٩

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : يا معشر قريش لتنتهن أو ليبعثن الله عليكم من يضرب رقابكم بالسيف على الدين ، قد امتحن الله قلوبهم على الإيمان ! قالوا من هو يا رسول الله ؟

فقال له أبو بكر : من هو يا رسول الله ؟

وقال عمر : من هو يا رسول الله ؟

قال هو خاصف النعل ، وكان أعطى علياً نعله يخصفها. هذا حديث حسن صحيح غريب ، لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث ربعي عن علي.

ـ وروى أبو داود : ١ / ٦١١

عن ربعي بن حراش عن علي بن أبي طالب قال : خرج عبدانٌ الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يعني يوم الحديبية قبل الصلح ، فكتب إليه مواليهم فقالوا : يا محمد والله ما خرجوا إليك رغبة في دينك ، وإنما خرجوا هرباً من الرق !

فقال ناسٌ : صدقوا يا رسول الله ردهم إليهم !

فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : ما أراكم تنتهون يا معشر قريش حتى يبعث الله عليكم من يضرب رقابكم على هذا !

وأبى أن يردهم وقال : هم عتقاء الله عز وجل. انتهى.

ولا يغرك ذكر الحديبية في الحديث ، فهذا من أساليب الرواة القرشيين في التزوير فالحادثة وقعت بعد فتح مكة ، ولو كانت قبله لطالب سهيلٌ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله بالوفاء لهم بشرطهم ، لأنهم شرطوا على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله في صلح الحديبية أن يرد اليهم من يأتيه منهم ، ولا يردون اليه من يأتيهم من المسلمين !

ولو كانت قبل فتح مكة ، لكانت مطالبةً بشرطهم ، وما استحقت هذا الغضب النبوي الشديد ، وهو لا يغضب إلا بحق ، ولا يغضب إلا لغضب الله تعالى ، ولا يرضى إلا بما يرضي الله تعالى !

١٦٠