آيات الغدير

مركز المصطفى للدراسات الإسلامية

آيات الغدير

المؤلف:

مركز المصطفى للدراسات الإسلامية


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز المصطفى للدراسات الإسلامية
الطبعة: ١
ISBN: 964-319-151-6
الصفحات: ٣٧٤
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

دم وضع دماؤنا دم ربيعة بن الحارث كان مسترضعاً في بني سعد فقتلته هذيل ، وربا الجاهلية موضوع ، وأول ربا أضعه ربا عباس بن عبد المطلب ، فإنه موضوع كله. فاتقوا الله في النساء ، فإنما أخذتموهن بأمانة الله ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ، وإن لكم عليهن أن لا يؤطين فرشكم أحداً تكرهونه ، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح ، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف ، وأنتم مسؤلون عني فما أنتم قائلون ؟

قالوا نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت.

فقال بإصبعه السبابة فرفعها الى السماء وينكتها الى الناس : اللهم اشهد ، اللهم اشهد ، اللهم اشهد.

ثم أذن بلال بنداء واحد وإقامة فصلى الظهر ، ثم أقام فصلى العصر ، لم يصل بينهما شيئاً ، ثم ركب حتى وقف ، فجعل بطن ناقته القصواء الى الصخيرات ...

ـ وفي سنن الدارمي : ٢ / ٦٧

عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال : لما كان ذلك اليوم قعد النبي صلى الله عليه وسلم على بعير ، لا أدري جمل أو ناقة ، وأخذ إنسان بخطامه ، أو قال بزمامه

فقال : أي يوم هذا ؟

قال فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه.

فقال : أليس يوم النحر ؟

قلنا : بلى.

قال فأي شهر هذا .... الخ.

الأساس الأول : المساواة الإنسانية

لا نطيل في هذا الأساس لوضوحه ، وقد تقدمت عدة فقرات تتعلق به في نماذج النصوص من خطبه صلى‌الله‌عليه‌وآله .

١٠١

الأساس الثاني : وحدة الأمة الإسلامية

وقد روى المسلمون فقرات الخطب التي تتعلق بالمبادئ الخمس الأولى من هذا الأساس بكثرةٍ وحفظوها وكرروها ، حتى ليتصور الإنسان لأول وهلة أنها الموضوع الوحيد في خطب حجة الوداع !

والسبب في ذلك : أن المجتمع العالمي كان في عصره صلى‌الله‌عليه‌وآله مجتمع تمييز حاد على أساس قومي وقبلي وطبقي .. كما أنه كان مجتمع ( قانون الغلبة والقوة ) فالغالب على حق دائماً ، سواء كان حاكماً ، أو قبيلة ، أو فارساً ، أو صعلوكاً .. لأنه استطاع أن يقهر الآخرين ، أو يغزوهم ويقتلهم ويسرق أموالهم ، أو يغصبها منهم عنوةً ، أو يحتال عليهم بحيلة !

فجاءت تشريعات الإسلام لتلغي ذلك كله ، وتعلن تساوي الناس أمام الشرع ، وتحرم كل أنواع الإعتداء على الحقوق الشخصية ، وتركز احترام الإنسان وملكيته وكرامته.

فالأمر الذي جعلهم يحفظونها أكثر من غيرها من كلمات النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، هو إعجاب المسلمين المؤمنين بها ، وكونها تمثل الحل لمشكلة الغزو والقتل التي كانوا يعانون منها في الجاهلية القريبة.

وقد كان لهذه التوجيهات بصيغها الإلهية والنبوية البليغة ، تأثيرٌ كبيرٌ على مجرى احترام الإنسان وماله وعرضه ورأيه بعد وفاة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، إذ لولاها لساء وضع مجتمع المسلمين أضعافاً مضاعفة عما وصل اليه من سوء ، ولعادت النظرة الى الإنسان والتصرف معه الى الحالة الجاهلية مئة بالمئة !!

والملاحظ بعد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله أن أكثر الناس احتراماً للإنسان وحرياته المشروعة ، هم عترته وأهل بيته الطاهرون ، فعلي عليه‌السلام هو الحاكم الوحيد بعد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله الذي لم يستعمل قانون الطوارئ أو الأحكام العرفية ، ولا أي قانون استثنائي ، حتى مع

١٠٢

خصومه والممتنعين عن بيعته ، بل حتى في حالات الحرب .. مع أنه ابتلي بثلاثة حروب استوعبت مدة خلافته كلها !

بينما استعمل أبو بكر وعمر منطق القوة والقهر في السقيفة ضد الأنصار ، وهموا بقتل سعد بن عبادة ، ثم هاجموا الممتنعين عن بيعتهم وهم مجتمعون في بيت علي وفاطمة عليهما‌السلام ، وكانوا في تعزية بوفاة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ! بل روي أن جنازته كانت مسجاةً لم تدفن بعد ! وهددوهم بإحراق البيت عليهم إن لم يخرجوا ويبايعوا ! ولما تأخروا عن الخروج أشعلوا النار في الحطب وأحرقوا الباب .. الخ. !!

* *

وأما المبدأ السادس من هذا الأساس ( من قال : لا إله إلا الله فقد عصم ماله ودمه ) فقد جاء في رواية تفسير علي بن ابراهيم القمي بصيغة ( وإني أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ). وهو مبدأ له ثلاثة أبعاد :

الأول : أن من أعلن الشهادتين من أي دين أو قبيلة كان فهو مسلم ، يحرم ماله ودمه وعرضه ، إلا إذا انطبقت عليه مواد الفئة الباغية ، أو المفسد في الأرض ، أو قتل أحداً عمداً ، أو ارتد عن الإسلام ، أو زنى وهو محصن ...

الثاني : أن أهل الكتاب مستثنوْن من هذه القاعدة ، والموقف منهم في الحرب والسلم حسب أحكام التعايش الإسلامية الخاصة بهم.

الثالث : أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله أشهد أمته أنه تقيد في الجهاد بأمر ربه عز وجل ، ولم يتعداه .. فمهمته في الجهاد إنما كانت على تنزيل القرآن ، وتحقيق إعلان الشهادتين فقط ، أي لتكوين الشكل الكلي للأمة ، ولم يؤمر بقتال المنحرفين ، أو الذين يريدون أن ينحرفوا من المسلمين ، لأن ذلك قتالٌ على التأويل ، يكون من بعده ، لا في عهده.

* *

١٠٣

وأما المبدأ السابع ( ختام النبوة به صلى‌الله‌عليه‌وآله وختام الأمم بأمته ) فقد ورد في رواية مجمع الزوائد المتقدمة وغيرها ( فقال لا نبي بعدي ، ولا أمة بعدكم ، فاعبدوا ربكم ، وأقيموا خمسكم ، وصوموا شهركم ، وأطيعوا ولاة أمركم ، ثم ادخلوا جنة ربكم ).

وهو مبدأ هيمنة شريعته صلى‌الله‌عليه‌وآله على شرائع الأنبياء السابقين عليهم‌السلام .. وردُّ مدعي النبوة الكذابين ، الذين ظهر بعضهم في زمنه صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وظهر عددٌ منهم بعده.

كما أنه يعطي الأمة الإسلامية شرف ختام أمم الأنبياء عليهم‌السلام ، ويلقي عليها مسؤولية هذه الخاتمية في هداية الأمم الأخرى.

وقد حدد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله لهم الخطوط العامة بعبادة الله تعالى والصلاة والصوم وإطاعة ولي الأمر .. ولكن لا يبعد أن الراوي نقل ما حفظه من كلامه صلى‌الله‌عليه‌وآله ونسي بعضه كالزكاة والحج.

ومن الملاحظ في هذه المبدأ وجود فريضة إطاعة ولي الأمر على لسان النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وإذا أوجب الله تعالى إطاعة أحدٍ بدون شروط ، فمعناه أنه معصومٌ لا يظلم ولا يأمر ولا ينهى إلا بالحق .. وبما أن النص النبوي لم يذكر شروطاً لإطاعة أولي الأمر ، فيكون مقصوده الإثني عشر إماماً المعينين من الله تعالى ، الذين بشر الأمة بهم.

* *

وأما المبدأ الثامن ( شهادة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله على الأمة في الآخرة ، وموافاتها له على الحوض ) فقد ورد في مصادر متعددة كما مر ، وفي بعضها ( ألا وإني فرطكم على الحوض وأكاثر بكم الأمم ، فلا تسودوا وجهي ) وفي بعضها ( وإني مكاثرٌ بكم الأمم ، فلا تقتتلن بعدي ) وهو أسلوبٌ نبوي فريدٌ في التأكيد على الأمة في وداعها ، بأنها ستوافي نبيها بين يدي ربها ، ويكون كل فردٍ منها بحاجة ماسةٍ الى أن يسقى من حوض الكوثر ، شربةً لا يظمأ الإنسان بعدها أبداً ، ويصلح بها بدنه لدخول الجنة.

فهذا التوجيه منه صلى‌الله‌عليه‌وآله كمثل أبٍ يقول لأولاده : إعملوا بوصيتي ، فإني مسافرٌ عنكم ، وسوف أرجع اليكم وآتي بأموالٍ كثيرة ، وتكونون في حالة فقرٍ شديدة ، وسأعرف من يعمل بوصيتي منكم ، ومن يخالفني !

١٠٤

وأما المبدأ التاسع ( تحذير الأمة من محقرات الأعمال ) ففيه إلفاتٌ الى قاعدة مهمة في السلوك الفردي والإجتماعي ، وهي أن الإنحراف يبدأ بأمر صغير ، أو أمور تبدو بسيطة ، يحتقرها الإنسان ولا يراها مهمةً في ميزان التقوى .. وإذا بها تستتبع أموراً أخرى ، وتجره الى هاوية الهلاك الأخروي ، أو الدنيوي !

وهو أمرٌ مشاهد سواءً في حالات الهلاك الفردي أو الإجتماعي ..

فقد يتسامح المسلم في النظر الى امرأة أجنبية تعجبه ، ويتسامح في الحديث معها ، ثم في التصرف .. حتى ينجر أمره الى الفاحشة !

وقد يتسامح في اتخاذ صديق سوء ، ولا ينصت الى صوت ضميره الديني ، ونصح ناصحيه .. حتى يغرق معه في بحر ظلمه للناس ، أو بحر انحرافه ورذيلته !

وقد تتسامح الأمة في اعتداء الأجانب عليها ، أو في نفوذهم السياسي ، أو الإقتصادي أو الثقافي في بلادها .. فينجر الأمر الى تسلطهم على مقدراتها ، وسيطرتهم عليها !

أو يتسامح المجتمع في مظهر من مظاهر الفساد والمنكر أول ما يحدث في محلة أو منطقة منه ، أو في فئة من فئاته ..

أو يتسامح المجتمع في شروط حاكمه ، ووزرائه وقضاته ، أو في ظلمهم وسوء سيرتهم .. فينجر ذلك الى شمول الفساد في المجتمع ، وتسارع هلاكه !

فالمحقرات من الذنوب هي المواقف أو التصرفات الصغيرة ، التي تكون في منطق الأحداث والتاريخ بذوراً غير منظورة ، لشجرة شرٍّ كبيرة ، على المستوى الفردي أو الإجتماعي !!

وبهذا ورد تفسيرها عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله في مصادر الطرفين ..

ـ ففي الكافي ٢ / ٢٨٨ ، عن الإمام الصادق عليه‌السلام قال : إن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله نزل بأرض قرعاء ، فقال لأصحابه : إئتوا بحطبٍ ، فقالوا : يا رسول الله نحن بأرضٍ قرعاء ما بها من حطب ! قال : فليأت كل إنسانٍ بما قدر عليه ، فجاؤوا به حتى رموا بين يديه ، بعضه على بعض ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : هكذا تجتمع الذنوب ، ثم قال : إياكم والمحقرات

١٠٥

من الذنوب ، فإن لكل شيء طالباً ، ألا وإن طالبها يكتب ما قدموا وآثارهم ، وكل شيء أحصيناه في إمام مبين. انتهى.

ـ وفي سنن البيهقي : ١٠ / ١٨٨

عن عبد الله بن مسعود رضي‌الله‌عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إياكم ومحقرات الأعمال ، إنهن ليجمعن على الرجل حتى يهلكنه ، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب لهن مثلاً ، كمثل قوم نزلوا بأرض فلاة فحضر صنيع القوم ، فجعل الرجل يجئ بالعويد ، والرجل يجىَ بالعويد ، حتى جمعوا من ذلك سواداً ، ثم أججوا ناراً ، فأنضجت ما قذف فيها. انتهى.

وهذان الحديثان الشريفان ناظران الى التراكم الكمي للذنوب والأخطاء المحقرة ، وكيف تتحول الى خطر نوعي في حياة الفرد والمجتمع.

وقد يكون الحديثان التاليان ناظرين الى التراكم الكيفي في نفس الإنسان والمجتمع ، وشخصيتهما ..

ـ ففي الكافي : ٢ / ٢٨٧

عن الإمام الصادق عليه‌السلام قال : اتقوا المحقرات من الذنوب ، فإنها لا تغفر ! قلت : وما المحقرات ؟ قال : الرجل يذنب الذنب فيقول : طوبى لي لو لم يكن لي غير ذلك !

ـ وفي سنن ابن ماجة : ٢ / ١٤١٧

عن عائشة قالت : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا عائشة إياك ومحقرات الأعمال ، فإن لها من الله طالباً. في الزوائد : إسناده صحيح ، رجاله ثقات. انتهى. ورواه الدارمي : ٢ / ٣٠٣ ، وأحمد : ٦ / ٧٠ و ١٥١

ومن القواعد الهامة التي نفهمها من هذا التوجيه النبوي : أن الشيطان عندما ييأس من السيطرة على أمة في قضاياها الكبيرة ، يتجه الى التخريب والإضلال عن طريق المحقرات ! ( ألا إن الشيطان قد أيس أن يعبد في بلدكم هذا أبداً ، ولكن سيكون له طاعةٌ في بعض ما تحتقرون من أعمالكم ، فيرضى بها ( سنن ابن ماجة : ٢ / ١٠١٥ )

١٠٦

فقد كان الإسلام الذي أنزله الله تعالى ، وبناه رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله صرحاً كبيراً وقلعةً محكمة ، يئس الشيطان من قدرته على هدمها ، فاتجه الى إقناع شخص من أهلها بسحب حجر واحدٍ صغير من جنب الجدار ، ثم حجرٍ آخر .. وآخر .. حتى يفرغ تحت الأساس فينهار الصرح على من فيه !

ومن الأمور الملفتة التي وردت في التوجيه النبوي في رواية علي بن ابراهيم أن إطاعة الشيطان في محقرات الذنوب عبادةٌ له ، فالذين يبدؤون بالإنحراف في مجتمع ، إنما يعبدون الشيطان ولا يعبدون الله تعالى ، وهم بدعوتهم الى انحرافهم يدعون الأمة العابدة لله تعالى الى عبادة الشيطان .. ( ولكنه راض بما تحتقرون من أعمالكم ، ألا وإنه إذا أطيع فقد عبد ! ).

كما أن شهادة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله بأن الشيطان راض بما تحتقرون من أعمالكم ، شهادةٌ خطيرة يخبر بها عن ارتياح الشيطان من نجاحه في مشروعه في إضلال الأمة ، وهدم صرحها عن طريق المحقرات .. وهو ينفع في تفسير قوله تعالى : ولقد صدق عليهم ابليس ظنه فاتبعوه إلا فريقاً من المؤمنين. سبأ ـ ٢٠

أما أهل البيت عليهم‌السلام فقد اعتبروا أن طمع الأمة بالسلطة بعد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وصراعها عليها ، كان أعظم المحقرات التي ارتكبتها بعد نبيها .. ففي بحار الأنوار : ٢٨ / ٢١٧ عن الإمام الباقر عليه‌السلام قال في تفسير قوله تعالى : ظهر الفساد في البر و البحر بما كسبت أيدي الناس قال : ذلك والله يوم قالت الأنصار : منا أميرٌ ومنكم أمير ! انتهى.

* *

وأما المبدأ العاشر ( تحذير النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله من الكذب عليه ) فقد ورد في روايتي أحمد المتقدمتين وغيرهما ، ووردت فيه أحاديث كثيرة مشددة في مصادر الشيعة والسنة ، تدل على أن هذه المشكلة كانت موجودة في حياة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأنه أخبر بأنها ستزداد من بعده ، ويكثر الكذابون عليه !

١٠٧

والمتأمل في هذه المشكلة ينفر من هؤلاء الكذابين ، لأن عملهم عملٌ شيطاني من شأنه أن يشوه الإسلام ويزوره ، ويمنع وصوله الى الأجيال .. خاصة أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله لم يكن مأموراً بفتح جبهة داخلية مع أصحابه أبداً ، ولم يؤمر بفضح هؤلاء الكذابين ولا بمعاقبتهم على كذبهم الماضي أو الآتي !!

فهل يكفي في معالجة المشكلة تحذير الكذابين ، وتحذير الأمة منهم ؟!

من الواضح أن ذلك العلاج لا يؤثر إلا تقليل حجم المشكلة الكمي ، ولذا فإن تصريح النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله بوجودها ، وإخباره باستمرارها وتفاقمها بعده ، دليلٌ على أنه وضع لها بأمر ربه الحكيم ، علاجاً كافياً ..

وقد كان العلاج وجوب عرض أحاديثه التي تروى عنه على الثقلين اللذين تركهما في الأمة وأوصاها بهما .. فكل حديث خالف كتاب الله تعالى فهو زخرفٌ باطل ، يستحيل أن يكون صادراً من النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، لأنه لا يقول مايخالف القرآن .. وكل حديث يخالف ما ثبت عن عترته الذين هم مع القرآن ، فهو باطلٌ أيضاً لأنهم مع القرآن دائماً ، ولأنهم ورثة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله والمبينون علومه للأمة من بعده.

الأساس الثالث : وحدة شريعة المسلمين وثقافتهم

وقد وردت مبادئ هذا الأساس في فقرات متعددة من خطب حجة الوداع ، ذكرنا منها أداء الأمانة وتشريعات الإرث والديات والحج .. ويوجد في الخطب الشريفة تشريعاتٌ أخرى أيضاً.

ومن الواضح أن العامل الأساسي في وحدة ثقافة الأمة الإسلامية على اختلاف بلادها وقومياتها ، هو وحدة عقيدتها وشريعتها .. وأن كل الدول والحضارات لم تستطع أن تحقق بين الشعوب التي شملتها ماحققه الإسلام من وحدة في التصور والسلوك ، ما زالت قائمة الى اليوم بين شعوبه ، رغم كل العوامل المضادة !

١٠٨

الأساس الرابع : مبادئ مسيرة الدولة والحكم بعد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله

ـ مبدأ البشارة بالأئمة الإثني عشر من عترته.

ـ مبدأ التأكيد على الثقلين : القرآن والعترة.

ـ مبدأ إعلان علي ولياً للأمة من بعده ، والإمام الأول من الإثني عشر.

ـ مبدأ أداء الفرائض ، وإطاعة ولاة الأمر.

ـ مبدأ تخليد تعاهد قريش على حصار بني هاصم.

ـ مبدأ تحذير قريش أن تطغى من بعده صلى‌الله‌عليه‌وآله .

ـ مبدأ تحذيره الصحابة من الإرتداد والصراع على السلطة.

وقد تقدم البحث في حديث الأئمة الإثني عشر ، الذي شهدت رواياته بأنه صدر في خطب حجة الوداع.

والعاقل لا يمكنه أن يقبل أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله قد أخفى هوية هؤلاء الأئمة الإثني عشر المعينين من الله تعالى .. أو أنه طرح موضوعهم وهو يودع الأمة لمجرد إخبارها بوجودهم ، كما تدعي قريش ورواتها !

وأما المبدأ الثاني من هذا الأساس ( التأكيد على الثقلين : القرآن والعترة ) فقد روتها مصادرنا في خطبة الغدير ، وفي خطبة مسجد الخيف أيضاً ، وربما في غيرها من خطب حجة الوداع ، كما تقدم في رواية تفسير علي بن ابراهيم.

أما مصادر السنيين فقد روت بشكل واسع تأكيد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله على الثقلين القرآن والعترة في خطبة غدير خم فقط ، وصححوا روايتها ، وقد تقدم أن الطبري المعروف قد ألف كتاباً من مجلدين جمع فيه أحاديث الغدير وطرقها وأسانيدها.

أما في بقية خطب حجة الوداع ، فقد رواها من صحاحهم المعروفة الترمذي في سننه : ٥ / ٣٢٨ عن جابر بن عبد الله قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجته يوم عرفة وهو على ناقته القصواء يخطب فسمعته يقول :

يا أيها الناس ، إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا : كتاب الله وعترتي أهل

١٠٩

بيتي. وفي الباب عن أبي ذر ، وأبي سعيد ، وزيد بن أرقم ، وحذيفة بن أسيد. هذا حديث غريب حسن ، من هذا الوجه. وزيد بن الحسن قد روى عنه سعيد بن سليمان ، وغير واحد من أهل العلم. انتهى.

ومن الملاحظ أن عدداً من المصادر السنية روت وصية النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله في حجة الوداع بالكتاب وحده ، بدون العترة !

ففي صحيح مسلم : ٤ / ٤١ ( وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به : كتاب الله ) ومثله في أبي داود : ١ / ٤٢٧ ، وسنن البيهقي : ٥ / ٨ ، ونحوه في ابن ماجة : ٢ / ١٠٢٥ ، وفي مجمع الزوائد : ٣ / ٢٦٥ : بصيغة ( أيها الناس إني تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا : كتاب الله فاعملوا به ).

والمتتبع لأحاديث الباب يطمئن بأن الذي حصل هو إسقاط العترة من الرواية التي رواها هؤلاء ، إما لنسيان الراوي ، أو بسبب رقابة قريش على خطب نبيها صلى‌الله‌عليه‌وآله !

والدليل على ذلك : أن نفس المصادر التي روت هذا الحديث ناقصاً في حجة الوداع ، روته تاماً في غيرها ، فيحمل الناقص على التام !

فقد روى مسلم والبيهقي وابن ماجة والهيثمي بروايات متعددة ، وصية النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله بالقرآن والعترة معاً ، وتأكيداته المتكررة على ذلك ..

ـ ففي صحيح مسلم : ٧ / ١٢٢ :

عن زيد بن أرقم ( قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فينا خطيباً بماء يدعى خماً ، بين مكة والمدينة ، فحمد الله وأثنى عليه ، ووعظ وذكر ، ثم قال :

أما بعد ، ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب ، وأنا تارك فيكم ثقلين : أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور ، فخذوا بكتاب الله ، واستمسكوا به فحث على كتاب الله ورغب فيه ، ثم قال :

وأهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي.

١١٠

فقال له حصين : ومن أهل بيته يا زيد ، أليس نساؤه من أهل بيته ؟

قال : نساؤه من أهل بيته ، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده.

قال : ومن هم ؟

قال : هم آل علي ، وآل عقيل ، وآل جعفر ، وآل عباس.

قال : كل هؤلاء حرم الصدقة ؟

قال : نعم. انتهى.

ورواه البيهقي في سننه ٧ / ٣٠ و ١٠ / ١١٤.

وفي مجمع الزوائد : ١ / ١٧٠ : عن زيد بن ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إني تركت فيكم خليفتين : كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض. رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات ). ورواه بنحوه : ٩ / ١٦٢ وقال : رواه أحمد وإسناده جيد.

وأما أبو داود فلم يرو حديثاً صريحاً في الثقلين ، ولكنه عقد في سننه : ٢ / ٣٠٩ كتاباً باسم ( كتاب المهدي ) وروى فيه حديث الأئمة الإثني عشر وبشارة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله بالإمام المهدي وأنه من ذرية علي وفاطمة عليهما‌السلام ، وروى عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله قوله ( لو لم يبق من الدهر إلا يوم لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملأها عدلاً كما ملئت جوراً ). انتهى.

والذي يؤكد ما ذكرناه من أن الوصية بالعترة حذفت من خطب حجة الوداع : أن الكلام النبوي الذي هو جوامع الكلم ، له خصائص عديدة يتفرد بها .. ومن خصائصه أنه يستعمل تراكيب معينة لمعان معينة ، لا يستعملها لغيرها ، فهو بذلك يشبه القرآن. وتركيب ( ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي ) خاصٌّ لوصيته للأمة بالقرآن والعترة ، لم يستعمله صلى‌الله‌عليه‌وآله في غيرهما أبداً .. كما أن تعبير : إني تارك فيكم الثقلين لم يستعمله في غيرهما أبداً.

ولذلك عندما قال لهم في مرض وفاته : إيتوني بدواة وقرطاس أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً .. فهمت قريش أنه يريد أن يلزم المسلمين بإطاعة الأئمة من عترته

١١١

بشكل مكتوب ، فرفضت ذلك بصراحةٍ ووقاحةٍ ! وقد روى البخاري هذه الحادثة في ست أماكن من صحيحه !! وروت المصادر أن عمر افتخر في خلافته ، بأنه بمساعدة قريش حال دون كتابة ذلك الكتاب !!

وغرضنا هنا أن نلفت الى أن ورود هذا التركيب في أكثر رواياتهم لخطب حجة الوداع للقرآن وحده دون العترة ، يخالف الأسلوب النبوي ، وتعبيره المبتكر في الوصية بهما معاً .. خاصةً وأن الترمذي رواهما معاً !

والنتيجة أن بشارة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله لأمته في حجة الوداع بالائمة الإثني عشر ، ووصيته بالثقلين ، وجعله عترته الطاهرين علياً وفاطمة والحسن والحسين عدلاً للقرآن في وجوب الإتباع ، أمرٌ ثابتٌ في مصادر جميع المسلمين .. لا ينكره إلا من يريد أن يتعصب لقبيلة قريش ، في مقابل الله تعالى ورسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله .

وأما المبدأ الثالث من هذا الأساس ( إعلان علي ولياً للأمة من بعده ) فهو صريح حديث الغدير ، ولا يتسع موضوعنا لذكر أسانيده ونصوصه ، ودلالتها على ذلك .. وقد تكفلت بذلك المصادر الحديثية والكلامية ، ومن أقدمها كتاب ( الولاية ) للطبري السني ، ومن أواخرها كتاب الغدير للعلامة الأميني.

وأما المبدأ الرابع من هذا الأساس ( تأكيده صلى‌الله‌عليه‌وآله على أداء الفرائض وإطاعة ولاة الأمر ) فقد تقدم ذكره في فقرات الأساس الثاني ، وقد اعترف الفخر الرازي وغيره في تفسير قوله تعالى ( أطيعوا وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) بأن غير المعصوم لا يمكن أن يأمرنا الله تعالى بطاعته بدون شرط ، لأنه يكون بذلك أمرَ بالمعصية ! فلا بد أن يكون أولوا الأمر في الآية معصومين .. وكذلك الحديث النبوي الشريف في حجة الوداع ، وغيرها.

وأما المبدأ الخامس من هذا الأساس ( تخليده صلى‌الله‌عليه‌وآله مكان تعاهد قريش على حصار بني هاشم ) فقد رواه البخاري في صحيحه : ٥ / ٩٢ قال :

١١٢

عن أبي هريرة رضي‌الله‌عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : منزلنا إن شاء الله إذا فتح الله ، الخيف ، حيث تقاسموا على الكفر. انتهى.

ورواه في : ٤ / ٢٤٦ و : ٨ / ١٩٤ ورواه في : ٢ / ١٥٨ ، بنص أوضح ، فقال :

عن أبي هريرة رضي‌الله‌عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم من الغد يوم النحر وهو بمنى : نحن نازلون غداً بخيف بني كنانة ، حيث تقاسموا على الكفر. يعني بذلك المحصب ، وذلك أن قريشاً وكنانة تحالفت على بني هاشم وبني عبد المطلب أو بني المطلب ، أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم حتى يسلموا إليهم النبي صلى الله عليه وسلم !!. انتهى.

ورواه مسلم : ٤ / ٨٦ ، وأحمد : ٢ / ٣٢٢ و ٢٣٧ و ٢٦٣ و ٣٥٣ و ٥٤٠

ورواه البيهقي في سننه : ٥ / ١٦٠ ، بتفاوت وقال ( أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح من حديث الأوزاعي ) وقد رواه مسلم عن الأوزاعي ، ولكن البخاري لم يروه عنه ، بل عن أبي هريرة ، ولم نجد في طريقه الأوزاعي ، فهو اشتباهٌ من البيهقي ، أو سقطٌ من نسخة البخاري التي بأيدينا.

وفي رواية البيهقي عن الأوزاعي زيادة ( أن لا يناكحوهم ، ولا يكون بينهم شيء حتى يسلموا اليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ).

كما أن في رواياتهم تفاوتاً في وقت إعلان النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله للمسلمين عن مكان نزوله في منى ، فرواية البخاري تذكر أنه أعلن ذلك في منى بعد عرفات ، بينما تذكر رواية الطبراني أنه أعلن ذلك في مكة قبل توجهه الى الحج .. وهذا أقرب الى اهتمامه صلى‌الله‌عليه‌وآله بالموضوع ، وحرصه على تركيزه في أذهان المسلمين ، خاصةً أنه نزل في هذا المنزل ، وبات فيه ليلة عرفات ، وهو في طريقه اليها ، وقد تقدم ذلك في رواية الدارمي ، ثم نزل فيه طيلة أيام التشريق ! قال في مجمع الزوائد : ٣ / ٢٥٠ :

عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل يوم التروية بيوم : منزلنا غداً إن شاء الله بالخيف الأيمن ، حيث استقسم المشركون. رواه الطبراني في الكبير والأوسط ، ورجاله ثقات. انتهى.

١١٣

والمسألة المهمة هنا : هي هدف الرسول أن يذكِّر قريشاً والمسلمين بحادثةٍ عظيمة وقعت فيهذا المكان ، قبل نحو أربع عشرة سنة من ذلك اليوم فقط ! هذه الحادثة التي تريد قريش أن تدفنها وأن ينساها الناس ، ويريد الله ورسوله أن تخلد في ذاكرة المسلمين والتاريخ ، وكلها عارٌ على قريش ، وفخرٌ للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وبني هاشم .. وهي صورةٌ عن جهود فراعنة قريش ، حيث استطاعوا أن يحققو إجماع قبائلهم ، ويقنعوا قبائل كنانة القريبة من الحرم بتنفيذ مقاطعة تامة على بني هاشم !!

وقد نفذوها لسنين طويلة وضيقوا عليهم اقتصادياً واجتماعياً تضييقاً تاماً ، حتى يتراجع محمد عن نبوته ، أو يسلمه بنو هاشم الى قريش ليقتلوه !!

وقد اعتبر الفراعنة يومذاك أنهم نجحوا نجاحاً كبيراً وحققوا إجماع قريش وكنانة على هذا الهدف الشيطاني ، وكان مؤتمرهم لذلك في المحصب في خيف بني كنانة حيث تقاسموا باللات والعزى على هدفهم ، وبدؤوا من اليوم الثاني بتنفيذه ، واستمر حصارهم ومقاطتهم نحو أربع سنوات الى قبيل هجرته صلى‌الله‌عليه‌وآله من مكة !!

وقد تضامن بنو هاشم مع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله مسلمهم وكافرهم وتحملوا سنوات الحصار والفقر والأذى والإهانة ، في شعب أبي طالب ، ولم يشاركهم في ذلك أحد من المسلمين .. حتى فرج الله عنهم بمعجزة !

لقد أراد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله أن يوعي المسلمين الجدد على تاريخ الإسلام ، وتكاليف الوحي ، ليعرفوا قيمته .. ويوعيهم على معدن الإسلام ومعدن الكفر ليعرفوهما !

كما أراد أن يبعث بذلك رسالةً الى بقية الفراعنة ، الذين ما زالوا أحياء من زعماء قريش ، بأنهم قد تحملوا وزر هذا الكفر والعار ، ثم ارتكبوا بعده ما هو أعظم منه ، ولم يتراجعوا إلا عندما جمعهم في فتح مكة تحت سيوف الأنصار وسيوف بني هاشم ، فأعلنوا إسلامهم خوفاً من القتل .. وها هم اليوم يخططون لوراثة دولة الإسلام التي بناها الله تعالى ورسوله ، وهم كارهون !!

لقد أهلك الله تعالى عدداً قليلاً من أبطال ذلك الحلف الشيطاني ، من سادة

١١٤

مؤتمر خيف المحصب ، بالموت ، وبسيف علي بن أبي طالب .. ولكن العديد مثل سهيل بن عمرو ، وأبي سفيان ، وعكرمة بن أبي جهل ، وصفوان بن أمية بن خلف ، وحكيم بن حزام ، وصهيب بن سنان ، وأبا الأعور السلمي ، وغيرهم من زعماء قريش وكنانة .. مازالو أحياءً ينظرون ، وكانوا حاضرين مع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله في حجة الوداع يسمعون كلامه ويذكرون ماضيهم بالأمس القريب جيداً ، ويتعجبون من عفوه عنهم واكتفائه بإقامة الحجة الدامغة عليهم !

وكانت تصرفاتهم الظاهرة والخفية ، ومنطق الأمور ، وشهادة أهل البيت ، ومجرى التاريخ .. تدل على فرحهم بأن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله يعلن قرب موته ورحيله عنهم ، وأنهم يعدون العدة لما بعده لحصار بني هاشم الجديد !!

فأراد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله أن يذكرهم بخطتهم في حصارهم القديم ، وكيف أحبطه الله تعالى ! وأنه سيحبط حصارهم الجديد أيضاً !!

وأما المبدأ السابع من هذا الأساس ( تحذيره قريشاً أن تطغى من بعده وتفسد ) فقد ذكرته أحاديث مصادرنا ، وذكرته رواية الهيثمي المتقدمة في مجمع الزوائد عن فهد بن البحيري ، الذي استمع على مايبدو الى خطبة يوم عرفة ونقل عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله قوله ( يا معشر قريش لا تجيئوا بالدنيا تحملونها على رقابكم وتجئ الناس بالآخرة ، فإني لا أغني عنكم من الله شيئاً ) انتهى.

ونشكر الله تعالى أن فهدا البحيري هذا كان بدوياً ، ولم يكن قرشياً ولا كنانياً ، وإلا لوضع هذه الرواية في رقبة بني هاشم ، وأبعدها عن قريش ، كما فعل الرواة القرشيون ! فجعلونا نقرأ في مصادر إخواننا السنيين عشرات الأحاديث ( الصحيحة ) في تحذير النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله لبني هاشم وبني عبد المطلب وذمهم !! وعشرات الأحاديث في مدح قريش ووجوب أن تكون القيادة فيهم !! ولا تجد فيها حديثاً في ذم قريش إلا وقد أحبطوا معناه بحديث آخر ، أو حولوه الى مدحٍ لقريش !!

١١٥

وحديث ابن البحيري في حجة الوداع تحذيرٌ نبويٌّ لقريش في محله تماماً .. لأن قريشاً ذات موقع مميزٍ في العرب .. وهي المتصدية لقيادة عرب الجزيرة في حياة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ومن بعده .. فالخطر على أهل بيته من قريش وحدها .. والتحريف الذي يخشى على الإسلام .. والظلم الذي يخشى على المسلمين إنما هو من قريش وحدها .. وبقية الناس تبعٌ لها !

والنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله إنما هو مبلغٌ عن ربه ، ومقيمٌ لحجة ربه ، وعليه أن يحذر وينذر ، ليحيى من حيَّ عن بينة ، ويهلك من هلك عن بينة.

وأما المبدأ الثامن من هذا الأساس ( تحذيره الصحابة من الإرتداد والصراع على السلطة ) فقد روته مصادر الجميع بصيغتين : مباشرة ، وغير مباشرة ..

أما غير المباشرة فهي قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله ( لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض ) وقد تقدم في نصوص الخطب أن ابن ماجة عقد في سننه : ٢ / ١٣٠٠ باباً تحت هذا العنوان وقال فيه إن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ( استنصت الناس فقال ... ويحكم أو ويلكم ، لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض ... فلا تقتتلن بعدي ).

وهذا يعني أن ذلك سوف يقع منهم ، وقد أخبرهم أنهم سيفعلون ، ولكنه صلى‌الله‌عليه‌وآله استعمل كل بلاغته وكل عاطفته ، وكل موجبات الخوف والحذر .. ليقيم الحجة عليهم لربه عز وجل ، حتى إذا وافوه يوم القيامة لا يقولوا : لماذا لم تحذرنا !

والذين يحذرهم من الإقتتال ليسوا إلا الصحابة لا غير .. لا غير .. لا اليهود ولا القبائل العربية ، ولا حتى زعماء قريش بدون شركائهم من الصحابة ..

فالدولة الإسلامية كانت قائمة ، وقد حققت مركزيتها على كل الجزيرة ، والخوف من الإقتتال بعد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ليس من القبائل التي خضعت للاسلام طوعاً أو كرهاً ، مهما كانت كبيرةً وموحدةً مثل هوازن وعطفان .. فهي لا تستطيع أن تطمح الى قيادة هذه الدولة ، وإن طمحت فلا حظَّ لها في النجاح ، إلا بواسطة الصحابة ..

١١٦

واليهود قد انكسروا وأجلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله قسماً منهم من الجزيرة ، ولم تبق لهم قوة عسكرية تذكر .. ومكائدهم وخططهم مهما كانت قويةً وخبيثةً ، فلا حظَّ لها في النجاح إلا .. بواسطة الصحابة ..

وزعماء قريش ، مع أنهم يملكون جمهور قبائل قريش ، فهم لا يستطيعون أن يدعوا حقاً في قيادة الدولة بعد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله لأنهم كلهم طلقاؤه ، يعني كان للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله الحق في أن يقتلهم ، أو يتخذهم عبيداً ، فاتخذهم عبيداً وأطلقهم .. فلا طريق لهم للقيادة إلا بواسطة العدد الضئيل من الصحابة ، من القرشيين المهاجرين ..

وبذلك يتضح أن تحذيره صلى‌الله‌عليه‌وآله من الصراع بعده على السلطة ، ينحصر بالصحابة المهاجرين ، ثم بالأنصار فقط .. وفقط !!

وهنا يأتي دور التحذير المباشر ، الذي لا ينقصه إلا الأسماء الصريحة .. وقد جاء هذا الإعلان النبوي على شكل لوحةٍ من الغيب ، عن النتيجة والمصير الذي يمشي اليه هؤلاء الصحابة المنحرفون المحرِّفون !

لوحةٌ أخبره بها جبرئيل عليه‌السلام عن الله تعالى ، يومَ يجعل الله محمداً صلى‌الله‌عليه‌وآله رئيس المحشر ، ويعطيه جبرئيل لواء الحمد ، فيدفعه النبي الى علي بن أبي طالب ، فهو حامل لوائه في الدنيا والآخرة ، ويكون جميع أهل المحشر تحت قيادة محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله .. ويفتخر به آدم عليه‌السلام ، حتى يدعى أبا محمد .. صلى‌الله‌عليه‌وآله .

ويعطي الله تعالى رسوله الشفاعة وحوض الكوثر ، فيفد عليه الوافدون من الأمم فيشفع لهم ويعطيهم بطاقة للشرب من حوض الكوثر ، ليتغير بذلك الكأس تركيبهم الفيزيائي ، وتصلح أجسادهم لدخول الجنة ، والخلود في نعيمها ..

وعندما يفد عليه أصحابه تحدث المفاجأة :

يأتي النداء الالهي بمنع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله من الشفاعة لهم ، ومنعهم من ورود الحوض ، ويؤمر ملائكة العذاب بأخذهم الى جهنم !!

هذا هو مستقبل هؤلاء الصحابة على لسان أصدق الخلق !!

١١٧

إنه صورةٌ رهيبةٌ ، جاء بها جبرئيل الأمين ، لكي يبلغها النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله الى الأمة في حجة الوداع !!

إنها أعظم كارثةٍ على صحابةِ أعظم رسول صلى‌الله‌عليه‌وآله .. ولا بد أن سببها أنهم سوف يوقعون في أمته من بعده أعظم ... كارثة !!

ولا ينجو من هؤلاء الصحابة إلا مثل ( همل النعم ) كما في روايات محبيهم الصحيحة بأشد شروط الصحة .. وهو تعبيرٌ نبويٌّ عجيب ، لأن همل النعم هي الغنم أو الإبل الفالتة من القطيع ، الخارجة على راعيه ! وهو يدل على أن قطيع الصحابة في النار ، وهملهم الذي يفلت منهم ، يفلت من النار الى الجنة !!

بل ذكر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله أن الصحابة الجهنميين زمرتان ، مما يدل على أنهم خطان من صحابته لاخطٌ واحد ، وتقدم قول الحاكم عن حديثه : صحيحٌ على شرط الشيخين ، وفيه ( ثم أقبلت زمرةٌ أخرى ، ففعل بهم كذلك ، فلم يفلت إلا كمثل النعم !! )

إنها مسألةٌ مذهلةٌ .. صعبةُ التصور والتصديق ، خاصةً على المسلم الذي تربى على حب كل الصحابة ، وخير القرون ، والجيل الفريد ، وحديث أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم .. وعلى الصور واللوحات الرائعة للصحابة ، التي كبر معها وكبرت معه .. فإذا به يفاجأ بهذه الصورة الشيطانية المخيفة عنهم !!

لو كان المتكلم عن الصحابة غير الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله لقالوا عنه إنه عدوٌّ للإسلام ولرسوله يريد أن يكيد للإسلام عن طريق الطعن في صحابة الرسول .. صلى‌الله‌عليه‌وآله .

ولكن المتكلم هو .. الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله .. بعينه .. بنفسه .. وكلامه ليس اجتهاداً منه ولا رأياً رآه ، حتى تقول قريش إنه يتكلم في الرضا والغضب ، وكلامه في الغضب ليس حجة .. بل هو وحيٌ نزل عليه من رب العالمين !!

إنها حقيقةٌ مرةٌ .. ولكن هل يجب أن تكون الحقيقة دائماً حلوةً كما نشتهي .. وأن يكون الحق دائماً مفصلاً على مزاجنا ، مطابقاً لموروثاتنا ؟!

وماذا نصنع إذا كانت أحاديث الصحابة المطرودين ، المرفوضين ، الممنوعين من

١١٨

ورود الحوض مستفيضةٌ في الصحاح ، وهي في غير الصحاح أكثر .. وهي تصرح بأنه لا ينجو منهم إلا مثل الهمل !!

ـ قال الجوهري في الصحاح : ٥ / ١٨٥٤

والهمل بالتحريك : الإبل التي ترعى بلا راع ، مثل النفش ، إلا أن النفش لا يكون إلا ليلاً ، والهمل يكون ليلاً ونهاراً. يقال : إبلٌ هملٌ وهاملة وهمال وهوامل.

وتركتها هملاً أي سدى ، إذا أرسلتها ترعى ليلاً ونهاراً بلا راع.

وفي المثل : اختلط المرعي بالهمل. والمرعي الذي له راع. انتهى.

ولكن السؤال هو : لماذا طرح الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله موضوعهم في حجة الوداع ؟!

الجواب : لأن الله تعالى أمره بذلك ، فهو لا ينطق عن الهوى ، ولا علم له من نفسه بما سيفعله أصحابه من بعده ، ولا بما سيجري له معهم يوم القيامة !!

والسؤال الآخر : وماذا فعل الصحابة بعد الرسول ؟ هل كفروا وارتدوا كما يقول الحديث ؟ هل حرفوا الدين ؟ هل اقتتلوا على السلطة والحكم ؟!

والجواب : إقبل ما يقوله لك نبيك صلى‌الله‌عليه‌وآله ، واسكت ، ولا تصر رافضياً !

والسؤال الآخر : لماذا اختار الله تعالى هذا الأسلوب في التحذير ، ولم يهلك هؤلاء الصحابة ، الذين سينحرفون ، أو يأمر رسوله بقتلهم ، أو يكشفهم للمسلمين ليحذروهم !

والجواب : هذه سياسته سبحانه وتعالى في إقامة الحجة كاملة على العباد ، وترك الحرية لهم .. ليحيى من حيَّ عن بينة ، ويهلك من هلك عن بينة .. ولا يسأل عما يفعل ، وهم يسألون .. فهو سبحانه مالكهم له حق سؤالهم ، وهو لا يفعل الخطأ حتى يحاسب عليه .. وهو أعلم ، وغير الأعلم لا يمكنه أن يحاسب الأعلم ويسأله !

والسؤال الآخر : ماذا كان وقع ذلك على الصحابة والمسلمين ؟! ألم يهرعوا الى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ليحدد لهم الطريق أكثر ، ويعين لهم من يتبعونه بعده ، حتى لا يضلهم هؤلاء الصحابة الخطرون ؟!

١١٩

والجواب : لقد عين لهم الثقلين من بعده : كتاب الله وعترته ، وبشرهم باثني عشر إماماً يكونون منهم بعده ..

وقبل حجة الوداع وبعدها ، طالما حدد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله لهم عترته وأهل بيته بأسمائهم : علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم‌السلام ، حتى أن الأحاديث الصحاح تقول إنه حددهم حسياً فأدار عليهم كساءً يمانياً ، وقال للمسلمين : هؤلاء عترتي أهل بيتي !!

ولم يكتف بذلك حتى أوقف المسلمين في رمضاء الجحفة بغدير خم ، وأخذ بيد علي عليه‌السلام وبلغ الأمة إمامته من بعده ، ونصب له خيمةً ، وأمر المسلمين أن يسلموا عليه بإمرة المؤمنين ، ويباركوا له ولايته عليهم التي أمر بها الله تعالى .. فهنؤوه جميعاً وباركوا له ، وأمر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله نساءه وكن معه في حجة الوداع ، أن يهنئن علياً فجئن الى باب خيمته وهنأنه وباركن له .. معلناتٍ رضاهن بولايته على الأمة.

ثم أراد صلى‌الله‌عليه‌وآله في مرض وفاته أن يؤكد الحجة على الأمة بوثيقةٍ مكتوبة ، فطلب منهم أن يأتوه بدواة وقرطاس ليكتب لهم كتاباً لن يضلوا بعده أبداً .. ولكنهم رفضوا ذلك بشدة ! وقالوا له : شكراً أيها الرسول ، لقد قررنا أن نضل ، عالمين عامدين مختارين !! لأنا لانريد أن تكتب لنا أطيعوا بعدي عترتي علياً ، ثم حسناً ، ثم حسيناً ، ثم تسعة من ذرية الحسين !

فهل تريد من نبيك صلى‌الله‌عليه‌وآله أن يقيم الحجة أكثر من هذا ؟!

الأساس الخامس : عقوبة المخالفين للوصية النبوية بأهل بيته عليهم‌السلام

وهي عقوبةٌ أخروية ، تتناسب مع مسؤولية النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله في التبليغ ، والشهادة على الأمة .. وقد جاءت شديدةً قاطعة ، بصيغة قرارٍ من الله تعالى بلعن المخالفين لرسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله في أهل بيته ، وطردهم من الرحمة الإلهية ، وحكماً بعدم قبول توبتهم نهائياً واستحقاقهم العذاب في النار.

وربما يزيد من شدتها ، أنها كانت آخر فقرة من خطبته صلى‌الله‌عليه‌وآله !!

١٢٠