🚘

أدب الطّف أو شعراء الحسين عليه السلام - ج ٨

جواد شبّر

أدب الطّف أو شعراء الحسين عليه السلام - ج ٨

المؤلف:

جواد شبّر


الموضوع : الشعر والأدب
الناشر: دار المرتضى
🚘 نسخة غير مصححة

مولى للنظم يكمّله

فيقيم الملك ويقعده

نفحات الطي بعنصره

تبدو ، والطيّب مولده

صلحت لله سريرته

فالصالح ما كتبت يده

يا ثالث بدري عالمنا

بل أنت لفضلك مفرده

مَن قاسك في أحد فأنا

في وصف علاك افنّده

مولى يحلولي المدح به

فلهذا رصت أُردده

ترجم له صاحب الذريعة وصاحب الحصون المنيعة وقال : كانت لي معه صحبة وصداقة وسافر إلى عدن ونال منها ثروة عظيمة ، وكان عالماً بالايقاع مشهوراً بصناعة الموسيقي وقد تخرج عليه جماعة ، وكان له ديوان شعر قد جمعه في حياته وله شعر كثير في مدح الأئمة عليهم‌السلام وله اليد الطولى في التشطير والتخميس أقول : ذكر أكثره الخاقاني في ( شعراء الحلة ) واليعقوبي في ( البابليات ) ، وقال يرثي أمير المؤمنين عليه‌السلام :

أيا عين جودي في دم الدمع واجمدِ

ويا نار قلبي كيف لم تتوقّد

وهذا أمير المؤمنين أصابه ابن

ملجم في محرابه بمهند

فيا شمس غيبي يا نجوم تساقطي

فسرّ هداك مات في سيف ملحد

فمن لليتامى والأيامى ومَن به

بنو مضر تعلو بمجدٍ وسؤدد

وصيّك يا خير النبيين رأسه

لقد شجّ في المحراب في سيف معتدي

تهدم من ذاك الحمى اليوم سوره

فقم وانشر الرايات في كل مشهد

ونادي بأعلى الصوت يا آل غالب

غدا الدهر في قطع من الليل أسود

أيضرب بالمحراب رأس عميدكم

ويلتذّ منكم هاشميٌ بمرقد

سيوفكم فلّت أم الخيل عطّلت

أُم السمر أمست بينكم في تأوّد

فوالله لا أنسى عليا وشيبه

يخضب من قانى الدم المتورد

وحفّ به أبناؤه وتصارخت

عليه اليتامى من ذرارى محمد

١٢١

وأعول جبريل الأمين تهدمت

من الدين أركان بها الدين يهتدى

الا إن أشقى الأشقياء بسيفه

تعمّد أتقى الأتقيا صهر أحمد

وكبّرت الأملاك في أفق السما

وكلٌ ينادي مات والله سيدي (١)

وقال مخاطباً أبا الفضل العباس ابن أمير المؤمنين عليهما‌السلام :

أبا الفضل يا من به يُرتجى

محط الخطايا من المذنبين

فحقّق رجائي بما رمته

فأنت المشفع في العالمين

وأنت ابن قطب رحى الكائنات

وصي النبي الكتاب المبين

فلا تتركني في حيرة

فغيركم ليس لي من معين

وترجم له الشيخ محمد حرز الدين في ( معارف الرجال ) وأتى على طائفة من شعره وقال : توفي في طهران سنة (١٣٢٠) واقبر هناك بمقبرة الشاه عبد العظيم الحسني.

__________________

١ ـ عن مخطوط الدر المنظوم في الحسين المظلوم للسيد حسن الموسوي الخطيب.

١٢٢

السيد ميرزا الطالقاني

المتوفى ١٣١٥

من شعره في رثاء الحسين :

طربت وما شوقي لباسمة الثغر

وهمتُ وما وجدي لساكنة الخدر

ولست بصب هاجه رسم منزل

ورجعُ حمامات ترجّع في الوكر

وليس حنيني للركائب قوّضت

فقوّض يوم البين من قبلها صبري

وليس بكائي للغوير وبارق

ولكن لآل المصطفى السادة الغر

فكم لهم يوم الطفوف نوائب

بكتها السما والأرض بالأدمع الحمر

غداة تداعت للحسين عصابة

مدرعة بالشرك والغيّ والغدر

وجاءت لأخذ الثار طالبة بما

سقاها علي في حنين وفي بدر

فثارت حماة الدين من آل غالب

يهزهم شوق إلى البيض والسمر

فكم ثلموا البيض الصفاح وحطّموا

الرماح وقاموا للكفاح على جمر

برغم العلى خروا على الأرض سجّداً

وظل وحيداً بعدهم واحد الدهر

ومنها :

وراح إلى الفسطاط ينعى جواده

ففرّت بنات الوحي شابكه العشر

فهذي تنادي يا حماي وهذه

رجايَ وهذي لا تبوح من الذعر

( فواحدة تحنو عليه تضمه )

واخرى تنادي والدموع دما تجري

ألا في أمان الله يا مودع الحشا

لهيباً به ذاب الأصم من الصخر

عزيز على الكرار أن ينظر ابنه

يُخلّى ثلاثاً في الطفوف بلا قبر

١٢٣

السيد ميرزا ابن السيد عبد الله بن أحمد بن حسين بن حسن الشهير بمير حكيم الحسيني الطالقاني النجفي ، علامة كبير وأديب شهير وشاعر مقبول. ولد بالنجف عام ١٢٤٦ ونشأ بها ونال حظا وافراً من الأدب وقرض الشعر ، لازم الزعيم الديني الشيخ محمد حسين الكاظمي والشيخ ميرزا حبيب الله الرشتي وتخصص بالفقه ونال درجة الاجتهاد فرجع اليه بالرأي كثير من البلدان. وبالاضافة الى علمه الواسع كان مثالاً للخلق العالي فقد كان يساند الشيخ محمد طه نجف ويحضر بحثه تقوية لجانب الزعامة الروحية ، ذكره الشيخ علي كاشف الغطاء في الحصون والسيد حسن الصدر في التكملة والطهراني في نقباء البشر.

توفي بالنجف الأشرف يوم الخميس ١٣ رجب عام ١٣١٥ ودفن بمقبرة جده السيد مير حكيم في الصحن الحيدري ورثاه فريق من أصدقائه واقيمت له الفواتح في العراق وايران والهند من قبل مقلديه. وهذه احدى روائعه التي قالها في مدح جده أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه‌السلام :

بحبك أيها الظبي الغرير

فؤاد الصب مسجون أسير

تحيد مراوغاً عني نفوراً

كذاك الظبي عادته النفور

ليالٍ أكؤوس الصهباء فيها

علينا في مسرتها تدور

ونحن بها بلا كدرٍ وريب

وحسن الحب أن عفّ الضمير

على وادٍ حصاه يشع نوراً

ومن فيّاحه فاح العبير

يموج غديره بتولى عليٍ

وصفو السلسبيل هو الغدير

وراءك يا حسود فمت بغيظ

فإن أبا تراب هو السفير

* * *

شربت ولاءه بغدير خم

زلالاً إنه العذب النمير

كفته خلافة من بعد طه

بها للمؤمنين هو الأمير

١٢٤

تولاه الاله وقال بلّغ

به وأبن ، فقد حان الظهور

فقام مبلّغاً يدعو بأمر

وعاه ذلك الجمّ الغفير

أضاء الدين والإسلام فيه

فحيدر كله ضوء ونور

وقد ظهرت مناقبه وبانت

كما ظهرت شموس أو بدور

* * *

أبا حسن بصون المجد خذها

مزايا في صفاتك تستنير

بتاج الله قد توجت قدراً

وزيّن في خلافتك السرير

يحار العقل في معناك وصفاً

ولا بدع إذا حار البصير

فضائلك النجوم وليس تحصى

يقلّ بجنبها العدد الكثير

وسل أحداً وخيبر أو حنيناً

بها هل غيرك الأسد الهصور

أجلّك ـ والورى لعلاك دنوا

خضوعاً ـ أن يكون لك النضير

صفاتك كالجواهر ما استعيرت

ومن عَرض سواك المستعير

١٢٥

الشيخ أحمد آل طعّان

المتوفى ١٣١٥

من قصيدة في الحسين :

على الطف عرّج ولا تعجلا

ففيه التعجّل لن يجملا

وحُلّ وكا المدمع المستفيض

وأجر المسلسل والمرسلا

ووشى بها عرصات الطفوف

لتكسي بها خير وشيٍ حلا

على أن أفضل برّ الرسول

بكاؤك قتلى ربى كربلا

ملوك الكمال الكماة الاولى

بنوا إذ بنوا منزلاً أطولا

فمن باسل باسم ثغره

إذا سهل الخطب أو أعضلا

العالم العامل الشيخ أحمد ابن الزاهد العابد الشيخ صالح بن طعان بن ناصر ابن علي الستري البحراني ، ولد سنة ١٢٥١ ه‍ وكان جامعاً لأنواع الكمالات ومحاسن الصفات محبوباً لدى الخاص والعام وهو من الذين عاصرهم صاحب ( نور البدرين ) فقال : لم أرَ في العلماء ممن رأيناهم على كثرتهم مثله. كان من أهل ( سترة ) ـ جزيرة في البحرين ـ ثم انتقل مع والده إلى ( منامه ) وقرأ على السيد علي بن السيد اسحاق أكثر العلوم من نحو وصرف ومعاني وبيان وتجويد ومنطق وغير ذلك حتى أقر اقرانه له بالفضيلة واشتغل بالتصنيف والتأليف وأجوبة المسائل التي ترد عليه حتى منّ الله عليه بالتشرف بزيارة العتبات المقدسة فحضر ابحاث العلماء بالنجف الأشرف كالشيخ الانصاري والملا علي ابن الميرزا خليل ولما توفي الشيخ الانصاري رثاه بقصيدتين

١٢٦

ورجع إلى بلاده وتردد على القطيف مبلّغاً مرشداً إلى أن توفاه الله ليلة الاربعاء يوم عيد الفطر سنة ١٣١٥ ، وقبره المقدس في الحجرة التي فيها العالم الرباني الشيخ ميثم البحراني المتصلة بالمسجد بقرية ( هلتا ) من الماحوز من البحرين.

أقول وعدد صاحب أنوار البدرين جملة مؤلفاته الكثيرة وقال : وله ديوان شعر في مدح النبي والأئمة عليهم‌السلام ومراثيهم ، جمعه بعض الاخوان وطبعه بعد وفاته وسماه ب‍ ( الديوان الأحمدي ) ولم يستوف جميع أشعاره ، وله في رثاء المرحوم الشيخ مرتضى الانصاري المتوفى ١٢٨١ ه‍.

ومن شعره في الحث على الانفاق :

يا فاعل الخير والاحسان مجتهداً

أنفق ولا تخشَ من ذي العرش إقتارا

فالله يجزيك أضعافاً مضاعفة

والرزق يأتيك آصالاً وأبكارا

وله قصيدة جارى بها الشيخ البهائي والشيخ جعفر الخطي في الإمام المنتظر مطلعها :

سقى عارض الانوا بوطفاء مدرار

معاهد يهدي من شذا طيبها الساري

ولا برحت أيدي اللواقح غضة

توشّي بروداً من رباها بأزهار

وفي الذريعة : الشيخ أحمد بن صالح بن طعان بن ناصر الستري البحراني المولود سنة ١٢٥١ والمتوفى ١٣١٥ صاحب التحفة الأحمدية طبع ديوانه الكبير وترجم له السيد الأمين في الأعيان فقال : كان عالماً علامة فقيهاً اصولياً متبحراً في الحديث والرجال من علماء آل محمد علماً ونسكاً وعبادة جليل القدر كثير التصنيف ، رأس في القطيف والبحرين ، وهو عالم القطيف والمرجع للدنيا والدين بتلك البلاد قصده الطلاب من كل فج ، وله منظومة في التوحيد ، قال ابن اخته في ( أنوار البدرين ) انها لم تتم (١) وترجم له الباحث المعاصر علي الخاقاني في ( شعراء الغرى ) ونقل عن أنوار البدرين جملة مؤلفاته وعدد منها ٣٠ مؤلفاً وطائفة من أشعاره.

__________________

١ ـ عن الذريعة ٨ ج ٢٣ صفحة ٩٩.

١٢٧

أبو الفضل الطهراني

المتوفى ١٣١٦

قال من قصيدة توجد بكاملها في ديوانه المطبوع :

هناء بميلاد فرخ البتول

وسبط الرسول وريحانته

ومَن لاذ فطرس في مهده

فعاد لما كان من عزته

ومَن عوّض الله عن قتله

بأن الأئمة من عترته

وأن يستجاب دعاء الصريخ

إذا ما دعا الله في قبته

وأن جعل الله من فضله

شفاء البرية في تربته

فيا طيبها تربة أخجلت

نوافج مسك على نفحته

فتى سنّ بين الكرام الاباء

فسار الاباة على سنّته

فآثر سلّة بيض السيوف

وورد الحتوف على ذلته

فصال كوالده صولة

غدت ترجف الأرض في خيفته

* * *

الميرزا أبو الفضل الطهراني هو العالم الأديب الأريب يقول الشيخ القمي في ( الكنى ) : هو خاتم رقيمة الأدب والفضل الحاج ميرزا أبو الفضل صاحب كتاب شفاء الصدور في شرح زيارة عاشور ، قال من قصيدة يرثي أباه صاحب التقريرات في الاصول وهو أبو القاسم كلانتر :

دع العيش والامال واطوِ الأمانيا

فما أنت طول الدهر والله باقيا

رمى الدهر من سهم النوائب ماجداً

أغر كريماً طاهر الأصل زاكيا

وعلامة الدنيا وواحد أهلها

ومَن كان عن سرب العلوم محاميا

١٢٨

الى أن قال :

وقد نلت من عبد العظيم جواره

جوارٌ له طول المدى كنت راجيا (١)

ويقول الشيخ القمي : والميرزا أبو الفضل عالماً فاضلاً فقيهاً اصولياً متكلماً عارفاً بالحكمة والرياضة مطلعاً على السير والتواريخ ، أديباً شاعراً حسن المحاضرة ينظم الشعر الجيد ، له ديوان شعر بالعربية ، ومن شعره في الحجة ابن الحسن صاحب الزمان صلوات الله عليه :

يا رحمة الله الذي

عمّ الأنام تطوّلا

وابن الذي في فضله

نزل الكتاب مرتلا

لذنا ببيتك طائفين

تخضعاً وتذللا

فعسى نفوز برحمة

من ربنا رب العلى

وله أيضاً :

مولاي يا باب الحوائج إنني

بك لائذ وإلى جنابك أرتجي

لا أرتجي أحداً سواك لحاجتي

أحداً سواك لحاجتي لا أرتجي

توفي في طهران ١٣١٦ ونقل إلى النجف الأشرف ودفن في وادي السلام ، وديوانه يضم الكثير من مراثي أهل البيت عليهم‌السلام ومدائحهم وقسم كبير في النصائح والمواعظ كما له طائفة كبيرة من الشعر في مدح السيد المجدد السيد حسن الشيرازي. يشتمل ديوانه على ٤٠٧ صفحات طبع في طهران سنة ١٣٧٠ رأيته بمكتبة أمير المؤمنين العامة بالنجف برقم ٥٥٤ / ٤٠ وفيه قصيدة يجاري بها تائية دعبل بن علي الخزاعي ، وأولها :

شجاني نياح الورق في الشجرات

فهاجت إلى عهد الحمى صبواتي

ولا يغيب عنا بأن المجارين لقصيدة دعبل بن علي الخزاعي هم عشرات من الشعراء وشرحت عدة شروح طبعت مستقلة.

__________________

١ ـ لأنه دفن في جوار عبد العظيم الحسني بالري قرب طهران وفي صحن حمزة ابن الإمام موسى الكاظم عليه‌السلام في مقبرة أبي الفتوح الرازي. أقول : وعبد العظيم الحسني جليل القدر عظيم الشأن وعلى جانب عظيم من التقوى والعبادة ، أشاد إمامنا محمد الجواد بشأنه وجلالته وقد ترجمنا له ترجمة مفصلة في كتابنا ( الضرائح والمزارات ).

١٢٩

الشيخ حسن مصبّح

المتوفى ١٣١٧

من شعره في الحسين :

حيّ دار الأحباب بالدهناء

كم بها طاب مربعي وثوائي

تلك دار عرفت فيها التصابي

بعد ما قوّض الصبا عن فنائي

لست أنسى مهما نسيتُ ظباءً

في حماها أخجلن ريم الظباءِ

بلحاظ ترمي سهاماً ولكن

لم تصب غير فلذة الأحشاءِ

وثغور تضم لعسة ريق

هي أحلى من راحة الصهباء

تلك تفترّ عن جمان أنيق

إن بدا شقّ مهجة الظلماء

وخدود كأرجوانٍ عليها

طاف ماء الشباب في لئلاء

وقدود تميس كالبان ليناً

هي ريّانة بماء الصباء

وخصور تكاد تنقدّ مهما

هبّ ريح الصبا بلين الهواء

يا خليليّ كم ليالٍ تقضّت

مزهرات بروضة غناءِ

نادمتني الحسان فيها ونامت

أعين العاذلين والرقباءِ

ليت شعري هل يسمح الدهر فيها

بعدما أذعنت لجدّ انقضاء

لكن الدهر شأنه الغدر لا

تلقاء إلا معانداً للوفاءِ

بل له الغدر بالأماجد حتى

أشرقتهم صروفه بالعناء

ودهتهم بكل لأواء جلّت

أن يرى مثلها بنو حواءِ

١٣٠

أي عذر له وآل رسول الله

شتى مخافة الطلقاءِ

ملكت إمرة عليها ضلالا

حسد الفضل والنهى والعلاء

وسقتها باكؤس الجور حتفاً

فيه غصت شجى لهى العلياءِ

ضاق رحب الفلى بها حيث حلّت

وترامت بها أكفّ البلاء

يوم جاء الحسين في خير صحب

وكرام من آله النجباء

حلّقت فيهم عن الضيم عزاً

أنفسٌ دونها ذرى الجوزاء

اسدُ غاب إن صرّت الحرب نابا

أجمها في الهياج بيض الضُباءِ

تخذتها أبناء في يوم بؤس

فرأتها من أكرم الأبناء

أضرموها وغىً بأمضى شفار

أنحلتها غمداً طلى الأعداءِ

هي غرثى الشبا وقد أوردوها

من رقاب الكماة بحر دماء

وثووا في الصعيد صرعى ولكن

لم يبلّو الحشى بقطرة ماء

وغدا السبط مفرداً بين قوم

كفروا بالكتاب والأنبياء

تارة للنساء يرنو وطوراً

ينظر الماجدين رهن الثواء

* * *

الحسن بن محسن الملقب بمصبح (١) الحلي. كان عالماً فاضلاً أديباً شاعراً ، أخذ صبغة الشعر عن الكوازين الشيخ صالح والشيخ حمادي وعن الشيخ حمادي نوح وأقام بالنجف يطلب العلم عشرين سنة. له ديوان شعر في ستمائة صفحة جمعه بنفسه ونسخه بخطه ، ولد في الحلة حوالي سنة ١٢٤٧ ودرس مبادئ النحو والصرف والمعاني والبيان على أبيه وغيره من مشايخ الفيحاء ثم بعث به والده إلى النجف وعمره لم يبلغ العشرين سنة للدراسة ولم يزل مقيماً بها حتى توفي أبوه فعاد إلى الحلة وأقام بها إلى أن توفي سنة ١٣١٧ وكان على محجة أسلافه من

__________________

١ ـ نسبه إلى جده الأعلى الشيخ مصبح ـ بتشديد الباء الموحدة ـ يرجع أصله إلى قبيلة آل يسار التي يقطن معظمها بين سدة الهندية والحلة.

١٣١

النسك والصلاح فقد حج مكة المكرمة ٢٥ مرة متطوعاً تارة ونائباً ومعلماً اخرى حتى توفاه الله فنقل الى النجف ودفن فيها وكان على جانب عظيم من عزة النفس وعلو الهمة ، تعرف على امراء آل رشيد ومدحهم ولم يقبل عطاياهم لطيف المحاضرة حسن المحاورة ، كثير النظم شاعراً مبدعاً. قال الشيخ اليعقوبي في ( البابليات ) وللمترجم له ثلاث روضات ـ والروضة هي أن يلتزم الشاعر يجعل أول كل بيت من القصيدة وآخره على حرف واحد من الألف إلى الياء فيكون مجموعها (٢٨) قصيدة ، وفي ذلك من التكلف والتعسف ما لا يخفى على أرباب هذه الصناعة.

أما روضات المترجم له فالاولى في الغزل ، والثانية في مدح أمير المؤمنين علي (ع) ، والثالثة في رثاء الحسين عليه‌السلام واليك نماذج من روضته الحسينية قال في حرف الباء :

بان العزاء وواصل الكربُ

بالطف يوم تفانت الصحبُ

بلّغ بني فهر وقل لهم

أودى بشامخ عزكم خطب

بعد ابن فاطمة يسوغ لكم

من سلسبيل فراتها شرب

بدر إذا ما شعّ في غسق

منه يضييء الشرق والغرب

بدرت اليه ضلالة ورمت

تلك الأشعة بالخفا حرب

بأبي القتيل وحوله فئة

أخنى عليها الطعن والضرب

بلغوا بموقفهم ذرى شرف

من دونه العيوق والقطب

بك يا محانى كربلا غربت

أقمار مجد ضمها الترب

بكت السماء دما وحقّ لها

من جوّها تتساقط الشهب

بدرت تطارح نوح نسوتها

ورق الحمى وأنينها ندب

بأبي عقائلهم وقد برزت

حرى الفؤاد ورحلها نهب

بكرت تجاذبها براقعها

حرب ولا من هاشم ندب

١٣٢

ومن روضته الحسينية في حرف التاء :

تجاذنبي فؤادي النائبات

وتمضغه أسى منها لهاةُ

تعمدني من الأرزاء سهم

به ثكلت حشاشتها الهداة

تحييها الملائك كل يوم

وتغلبها على الأمر الطغاة

تمدّ لها الأكف بنو الأماني

وتقطع كفها ظلماَ شباة

تبارك مبدع الألطاف فيها

ومن وصف الاله بها صفات

تضييء بكربلا منهم بدورٌ

برغم الدين تمحقها ظُباة

توفّوا بالفرات ولم يبلّوا

أُواماً ليته غاض الفرات

تقلّبهم على الرمضاء عدواً

بأرجلها الخيول الصافنات

ومن روضته الحسينية في حرف الثاء :

ثلّة قلّ عدّها وهي عزماً

في الوغى لا تروعها الأحداثُ

ثكلت منهم الشريعة غلباً

لهم وحيها القديم تراث

ثم جلّى الوحيد عزماً وحزماً

فهو الصقر والكماة بغاث

ثغرة الدين سدّها وعليه

فخر هذا الزمان طراً يُلاث

ثلج القلب في الكريهة لا

يرهب قرناً ولا لديه اكتراث

ثلّث النيرين منه محيّاً

فسنا الضوء بينها أثلاث

ثلّه صارم القضا ولعمري

كان قدماً به القضاء يُغاث

ثغر دين الاله قطب فهذي

محصنات النبي أسرى غراث

ثكلت صيدها فعادت نهابا

للأعادي برودها والرعاث

ثوب هذا المصاب عمر الليالي

ليس يبلى والحادثات رثاث

ومن روضته الحسينية في حرف السين :

سلّ الجوى قلبي ولا من آسِ

والجسم أحرقه لظى أنفاسي

١٣٣

سارت ركائب آل بيت محمد

تجتاز بين دكادك ورواسي

سل عنهم وادي الطفوف فقد زها

خصباً بغيث نوالها الرجاس

سقت الروابي العاطشات من الدما

وعلى الظما سبط النبي تواسي

سيان يوم الروع غرب سيوفها

الموت كل مخمد الأنفاس

سئمت لقاءهم الكماة فأحجمت

رعباً ولم تظفر بغير اليأس

سمحت بأنفسها انتصاراً للهدى

والدين طعناً للقنا المياس

ومن روضته في حرف القاف :

قل للمقادير كفاك سبّة

إذ خنتِ من آل النبي الموثقا

قد عفّر الصعيد منهم أوجهاً

من نورها الليل البهيم أشرقا

قد غسّلتها جاريات دمها

وكفنتها الريح برداً عبقا

قلب الهدى والدين والمجد معاً

ذكا بواري حزنها واحترقا

قم يا أمين الله يا حيدرة الطه‍

‍ر ويا حتف العدا في الملتقى

قد حلّ في الطف بنوك وبها

ظِفر الردى انشبه كفّ الشقا

قام على ساق لها الحرب وقد

جثت غضاباً ما تولّت فرقا

قوّمت السمر بكف عزمة

قد أرعفتها بالطعان علقا

ومن روضته في حرف الكاف ويخص فيها العباس بن علي :

كيف أقوى على الأسى وحماكا

يا إمام الورى أُبيح انتهاكا

كنت كالنيرين تهدى إلى الرشد

بدين له الاله ارتضاكا

كلما أسدل الضلال ظلاما

بعمود فلقته من هداكا

كفرت بالاله قوم أضاعت

حرمات الهدى بسفك دماكا

كرّ شبل الوصي فيها أبو الفضل

فطاشت لا تستطيع حراكا

كالئاً صفوة الاله أخاه

من شأى في علائه الأفلاكا

١٣٤

ومن روضته في حرف اللام :

لا أراني سلوت رزءك كلا

يا قتيلاً بفقده العيش ولّى

لمن العين تذخر الدمع بخلا

بعد يوم أبكى منى والمصلّى

ليت شعري غداة خرّ صريعا

سبط طه كيف النهار تجلى

لم أخل يصرع القضا مَن اليه

كان حكم القضاء عدلاً وفصلا

لكن الله شاء أن يصطفيه

شافعاً للورى فعزّ وجلا

لستَ أنت القتيل يا خير هاد

بل قلوب الورى لرزئك قتلى

لست أنت العفير في الترب وجهاً

بل محيّا الهدى تعفّر ذلا

لارقا للعيون دمع ، ودمع الدين

من فوق وجينته استهلا

لست أنسى بنات أحمد لما

فقدت عزّها فلم تر ظلا

لفّها الوجد بعد سلب رداها

وكساها من البراقع ثكلا

ليت حامي الحمى يصوّب طرفا

فيرى عزّها تحوّل ذلا

ومن الروضة الحسينية في حرف الصاد :

صدع الفؤاد بحادث غراصِ

خطب به الداني انطوى والقاصي

صغرت به الارزاء بل شابت به

ممن أضلّته السماء نواصي

صادٍ قضى ابن محمد في كربلا

في ما حضيه مودة الاخلاص

صافته نصرتها بيوم مكدر

والموت فيه جائل القنّاص

صدّت عن الخدر الطغام وأفرغت

صبراً ودرع الصبر خير دلاص

صدعت صفاة الشرك ضامية الحشا

وغدت تطالب خصمها بقصاص

صالت وقد لبس القتام ضحى الوغى

تدعو النجاء ـ ولات حين مناص

صكت جموعهم بأية غارة

شعواء تختطف الهزبر العاصي

صبرت كما صبر الكرام وطيبها

فعلا تضوّع من شذا الاعياص

١٣٥

صرم القضاء بسيفه أرواحها

ورمى بها جنح الهدى بحصاص

صمدت اليها القوم تبرد غلّها

ضرباً يزيل كلا كلا ونواصي

صرعى بحرّ الشمس في صيخودةٍ

رمضاؤها مشبوبة الأعراص

صدع المصاب بهم حشا ابن محمد

لا غرو ، كل درة الغواص

صابته رامية المنايا غرة

بسهام مَن لله فيها عاصي

صهلت عواديها وجالت فوقه

من كل ممدود القرى رقاص

صكت خيام المحصنات بغارة

حيث العدو بسلبها متواصي

صارت توزع رحلها وتسومها

خسفاً ولم تظفر لها بخلاص

صعداء أزهر فوقها رأس الذي

من فتية بيض الوجوه خماص

صانت امية في الخدور نساءها

وبنات أحمد في متون قلاص

صفدت لشقوتها إمام زمانها

زين العباد منزّه الأعياص

ومن روضته في حرف الغين :

غارت بحار الدين والشرك طغى

لما على الحق الضلال نبغا

غماء أودت بحشاشات الهدى

حزناً لارزاء الهداة البلغا

غير عجيب منك يا دهر الجفا

تطرد آساداً وتأوي الوزغا

غادرت آساد الشرى فريسة

للذئب حتى في دماها ولغا

غداة حفّت بالحسين عصب

شيطانها للشرك فيها نزغا

غالبت الدين اجتهاداً للشقا

هيهات ما في نفسها لن تبلغا

غنّى لها الشرك غروراً فصبت

وارتاح مها القلب والسمع صغى

غدا اليها السبط في أراقم

تنفث سماً في حشى مَن قد بغى

غارت ولولا ما قضى الله لها

في الفوز بالحتف أبادت من طغى

غول المنايا غالها فانتثرت

صرعى وحزناً بازل الدين رغى

١٣٦

غفت برغم المجد منها أعين

كم سهرت ترتاح حباً للوغى

غمار هيجاها فريداً خاضها

السبطُ وفيها زاخر الحتف طغى

غادٍ بها ورائح يختطف الارواح

حتى لم يزل مبلّغا

غرائب الطعن أراها بغتة

ونال بالصارم منها المبتغى

غارت مياه الأرض فالسبط قضى

ظماً ومنها جرعةً ما بلغا

غلالة الذلّ لقد لبستها

يا حرب ، والعار لها قد صغا

ومن الروضة الحسينية في حرف الهاء :

هان صعب الخطوب حيث تناهى

لرزايا الهداة من آل طه

هم هداة الأنام علماً ونسكا

وبها باريء النسائم باها

هدّ ركن الهدى غداة ألمّت

بهم الحادثات من مبتداها

هدمت عزها أباطيل قوم

كان في الغيّ والضلال اقتداها

هدرت للوغى فحول لويٍّ

فأطارت من الكماة حشاها

هتفت باسمها المنايا بيوم

فيه لم تبلغ النفوس مناها

هال أقدامها الكماة فطاشت

لاندهاش بها فسيح خطاها

هي في حزمها أشدّ نفوذاً

في حشا الخصم من نصول قناها

هجرت طيب عيشها واستطارت

لوصال الحمام حين دعاها

هل أتى مثلها سمعت كرام

قد سعت للردى بها قدماها

هاك مني جوى يزيل الرواسي

وببرحائه يضيق فضاها

هبّ حامي الذمار للحرب فرداً

صكّ داني الجموع في أقصاها

ومن رثائه في الإمام الحسين (ع) :

لتذكار يوم الطف عيشي منغصُ

وطرف الهدى من صيّب الدمع أحوصُ

يمثّله قلبي لعيني فتنثني

كأن لها داء العمى يتربص

١٣٧

فيا ليت شعري هل أُصيب حشى الهدى

بقارعة منها الهدى يتقلّص

كنازلة في يوم حلّ ابن فاطم

ثرى كربلا فيه الرواحل ترقص

باصحاب صدق ناهضين إلى العلا

بأحساب مجد في علاها تقعصوا

تعالى بها فخراً سما المجد مذ غدت

لنصر الهدى بالسيف والرمح تقعص

مساعير حرب فيهم تهتدى الوغى

بكل محياً ما عن البدر ينقص

اسودٌ تحاماها الاسود بسالة

بيوم لها داعي الردى يتربص

قساور في الهيجاء منها أراقمٌ

لها نفثة الدرع المجهم تخلص

إلى أن جرى حكم الاله فغودرت

ضحايا على وجه البسيطة تفحص

أُفدّيهم صرعى تضوّع نشرهم

بأنوار قدس نحوها الشمس تشخص

فعاد فتى الهيجاء فرداً بعزمةٍ

طموح الردى يعطو بها ويقلّص

يراودها ثبت الجنان فلم تخل

سوى أنه باز المنايا مغرّص

أما ومساعيه الحسان تحفّها

مزايا لها طرف الكواكب أحرص

فلو شاء أن يمحو بكف اقتداره

سواد الورى فهو الحريّ المرخّص

ولكنه اختار المقامة راغباً

بمقعد صدق بالنعيم يقمص

بسهم القضا قلب أُصيب فغاله

على عجل من أسهم الشرك مشقص

بضاحية هيجاء يذكو شياحها

وعين ذكاً من نور معناه ترمص

وأعظم ما لاقى الحشا بعد قتله

جوىً فيه يغلو الصبر والدمع يرخص

دخولهم بالصافنات وبالقنا

خدوراً تحاماها الاسود فتنكص

وقد كنّ قبل الطف غابات ملبد

ببيض المواضي والقنا الخط تحرص

يطوف على أبوابها ملك السما

خصوصاً ومن نور الإمامة يقبص

فأضحت تقاضاها الطغاة ديونها

بنهب وإحراق ورحل يقلص

اسارى على عجف من النيب هزل

صعاب إذا ما أمعن السير ترهص

فايّاً تقاسى من جوى ، أخدورها

هتكن ولا حام يذب ويحرص

١٣٨

أم السبط والأطياب صرعى على الثرى

لها نسجت من بارع الريح أقمص

أم الناهك السجاد والقيد عضّه

وأغلاله جيد الإمامة تقرص

أألله حامي الدين كوكب عزه

به لبني الزرقاء أعداه تشخص

تجرّعه صابا وإن هو يشتكي

لغوباً اليه السوط بالقسر يخلص

إلى الله أشكو لوعه : ترقص الحشا

جوىً ولديها أدمع العين ترخص

وقال في الامام الحسين عليه‌السلام :

القلب أزمع عن هواه وأعرضا

لما نأى عنه الشباب مقوّضا

فالشيب داعية المنون وواعظ

بمثاب حجة فاحص لن يدحضا

أو بعد ما ذهب الصبا أيدي سبا

ترجو البقاء أسالمتك يد القضا

هيهات فاتك ما تروم فإنه

وطرٌ تقضّى من زمانك وانقضى

وأقم لنفسك مأتماً حيث الذي

أضحى يؤمّك عنك أمسى معرضا

فالجسم أنحله الفتور وعاث في

أحشاك عضب النائبات المنتضى

روّح فؤادك بالتقى وأرح به

نفساً بيوم معادها تلقى الرضا

وأندب أئمتك الكرام فقد قضى

هذا الزمان عليهم ما قد قضى

ما بين من لعب السمام بقلبه

فوهى وكان لشانئيه ممرضا

ومن اغتدى طعم السيوف بمعركٍ

لقنا نفوس الدارعين تمخضا

حذر الدنية باذلاً حوباءه

ومَن ارتدى بالعزّ لا يخشى القضا

فمتى اُباء الضيم حلّ بساحها

ذلٌ وترضى طرفها أن يغمضا

فانظر بعين القلب قتلى كربلا

حيث العدو بجمعه سدّ الفضا

لم تلو جيداً للدنية واصطلت

هيجاء غرب لسانها قد نضنضا

بأبي الذين تسرعوا لحمامهم

دون الحسين فاحرزوا عين الرضا

رووا صدى البيض الحداد وفي الحشا

شعل الظما تشتد لا شعل الغضا

كم أنعش العافين فضل نوالهم

واخصوصب الوادي بذاك وروّضا

١٣٩

وارتاح بالعز المؤيد جارهم

ونزيلهم نال الكرامة والرضى

ما شاقهم زهر الجنان إلى الردى

وحرير سندسها وعيش يرتضى

لكنما غضباً لدين آلهها

قامت لنصر المجتبى ابن المرتضى

فقضوا كما شاؤا فتلك جسومهم

فوق الصعيد بنورها الهادي أضا

وقال أيضاً في رثاء الامام عليه‌السلام :

يا دهر حسبك جائرا تسطو

فاقصر أمالك بالوفا ربطُ

كم شامخ بالعز ملتمع

بملاط فخر زانه ملط

بيدي صروفك لا بهدم يد

سامي ذرى علياه ينحطّ

ومهذب فيه العلى شمخت

سبط اليدين لسانه سلط

إن عطّ ملبسه لحادثة

فقلوب أهل الفضل تنعط

وإذا العلى برزت بجليتها

فعلاؤها لعقودها سمط

خبطت به الدنيا وكم بوغىً

لحسامه إن زارها خبط

الله كيف جمعتَ غاشية

يا دهر لما تجتمع قط

في كربلا من حيث جاش بها

من حزب آل امية رهط

يوم به جمع ابن فاطمة

عزماً له الأفلاك تنحط

بأماجد من دونه احتقبت

أذراع حزم نسجها سبط

قامت على ساق عزائمها

فجثت وبرق سيوفها يخطو

وعلى الظما شربت دماءهم

بيض الضبا والذبّل الرقط

لم تنتهل من بارد عذب

أحشاؤها وغليلها يعطو

حتى قضت والفخر يغبطها

وإلى القيامة ذلك الغبط

فغدا ابن فاطمة ولا عضد

إلا العليل وصارم سلط

بأبي الوحيد وطوع راحته

يوم الهياج القبض والبسط

١٤٠