التّفسير الحديث - ج ١

محمّد عزّة دروزة

التّفسير الحديث - ج ١

المؤلف:

محمّد عزّة دروزة


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: دار الغرب الإسلامي ـ بيروت
الطبعة: ٢
الصفحات: ٥٧٤
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣
  نسخة غير مصححة

التقرير بهذا الأسلوب ذو خطورة تلقينية عظمى في صدد أعمال الناس وتصرفاتهم وتربية نفوسهم وأخلاقهم.

والمؤمن إذا تيقن من هذا واجتهد ليكون من نفسه على نفسه رقيب ، وحسب حساب عاقبة كل ما يقدم عليه نما فيه الوازع الذاتي الذي يزعه عن الإثم والشر ، والحافز الذاتي الذي يحفزه إلى الخير والصلاح والهدى. وفي هذا التعبير على ضوء هذا الشرح الذي نرجو أن يكون فيه الصواب إن شاء الله تدعيم لشرحنا الذي شرحنا به مدى جملة (كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ) أيضا حين إمعان النظر. حيث يتضمن كون الإنسان مسؤولا عمّا يكتسب ويختار من هدى وضلال.

(فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨))

. وهذه الآية تعقيب على الآيات السابقة ، وقد تضمنت تقريرا بأن الكفار والمجرمين لن تنفعهم يوم القيامة شفاعة الشفعاء ، فتحول دون صيرورتهم إلى المصير الرهيب الذي استحقوه بكسبهم.

وقد استهدفت كما هو المتبادر فيما استهدفته تنبيه الكفار إلى أن المرء إنما ينفعه في الدرجة الأولى إيمانه وعمله الصالح ، وحملهم على الارعواء من ضلالهم وعدم الإركان إلى شفاعة الشافعين.

تعليق على عقيدة الشفاعة والشرك عند العرب وهدفها

واستطراد إلى حقيقة فائدة الشفاعة للمؤمنين

وما ورد في ذلك من آيات وأحاديث

ولقد حكت آيات قرآنية عديدة عقائد العرب بالشفاعة بأسلوب يدل على أن ذلك كان يمثل عقيدة الشرك عندهم أو عند أكثريتهم الكبرى ، فقد كانوا يعترفون بالله كالإله الأعظم الخالق المدبر الضار النافع ، على ما حكته آيات كثيرة مثل آيات سورة المؤمنون هذه : (قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ

٤٨١

لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ) (٨٩) ، وآية سورة الزخرف هذه : (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ) (٩) ، وآية سورة العنكبوت هذه : (فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ) (٦٥) ، وآية سورة الزمر هذه : (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ) (٣٨) ، وآية سورة يونس هذه : (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ) (٣١).

ثم يشركون به غيره في العبادة والاتجاه والدعاء ، بقصد الاستشفاع لديه على ما جاء في آيات كثيرة ، منها آية سورة يونس هذه : (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللهِ) [١٨] ، وآية سورة الزمر هذه : (أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ) (٣).

والراجح أن معنى الآية التي نحن في صددها متصل بهذه العقيدة بقصد تزييفها ، وإفهام أصحابها أنهم على ضلال وخسران. وقد تكرر ذلك في آيات عديدة مثل آيات سورة الزمر هذه : (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعاءَ قُلْ أَوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (٤٤) وآية سورة الزخرف هذه : (وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (٨٦) وآية سورة النجم هذه : (وَكَمْ

٤٨٢

مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى) (٢٦).

وأكثر الآيات القرآنية تلهم أن الشفعاء الذين كانوا يعتقدون بهم ويشركونهم مع الله هم الملائكة في الدرجة الأولى على اعتبار أنهم بزعمهم بنات الله وأصحاب الحظوة لديه ، على ما شرحناه في سياق سابق من السورة وعلى ما جاء في آية سورة سبأ هذه : (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ) (٤٠).

ولعل ذلك آت من قياس الله تعالى في أذهانهم على ملوك الدنيا وأصحاب القوة والسلطان فيها ، الذين تحول مشاغلهم ومراكزهم بينهم وبين أصحاب المصالح فيرى هؤلاء أنه لا بد لهم من وسطاء إليهم. وفي اعتبار ذلك شركا مع إيمان العرب بالله وعظمته ينطوي معنى التوحيد الرائع في الإسلام الذي لا يتحمل أي شائبة أو ملابسة بأي تأويل كان.

وعلى كل حال ففي الآية وما جاء في بابها من آيات تلقين مستمر المدى بضلال الاعتماد على شفاعة الشافعين إذا لم يكن المرء من الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، وبأن الشافعين مهما علت مرتبتهم عند الله لا يمكن أن يشفعوا إلّا لمن حاز مبدئيا رضاء الله وآمن به واتقاه وفي هذا ما فيه الوازع والحافز.

ولقد قلنا في سياق التعليق على الحياة الأخروية أن المشركين الذين تحكي الآية قولهم كانوا لا يؤمنون بهذه الحياة ولا يخافونها. وهذا ما حكته عنهم آية في هذه السورة تأتي بعد قليل. وقد يرد بناء على ذلك سؤال عن هدف الشفاعة التي كان المشركون يرجونها من الشفعاء المحظيين عند الله. والجواب المتبادر هو أنهم كانوا يفعلون ذلك لضمان قضاء مصالحهم ومآربهم في الدنيا من دفع الضرر وجلب النفع والخير على اختلاف المجالات والحالات والأنواع. وهذا هو ما كانوا يتوخونه بصورة عامة من عبادة الله وعبادة الشركاء على اختلاف مظاهرها وطقوسها. ولقد احتوت آيات عديدة أوردنا بعضها آنفا إيذانا بأن الذين يعبدونهم من دون الله ويشركونهم معه بقصد جلب النفع والخير ودفع الضر والشر في الدنيا لن ينفعوهم في ذلك فأرادت الآية التي نحن في صددها على ما هو المتبادر إيذانهم

٤٨٣

أن شركاءهم المحظيين عند الله لن ينفعوهم في الآخرة أيضا لو قالوا في أنفسهم ذلك إذا كان ما ينذر النبي به حقا.

ونستطرد إلى القول إن القرآن آيات عديدة تقرر نفع الشفاعة وانفساح المجال لها لمن يأذن الله ويرضى ويتخذ عنده عهدا منها آيات سورة النجم [٢٦] وسورة الزخرف [٨٦] التي أوردناها قبل قليل وآية سورة مريم هذه : (لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً) (٨٧) ، وآية سورة طه هذه : (يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً) (١٠٩).

كما أن هناك أحاديث صحيحة عديدة تذكر شفاعة النبي محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم والأنبياء عليهم‌السلام وبعض فئات المؤمنين للمؤمنين. منها حديث رواه الترمذي عن أنس قال : «سألت النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يشفع لي يوم القيامة فقال أنا فاعل ...» (١) وحديث رواه الترمذي أيضا عن عوف بن مالك أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «أتاني آت من عند ربّي فخيّرني بين أن يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة فاخترت الشفاعة وهي لمن مات لا يشرك بالله شيئا» (٢).

وحديث عن أنس أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «أنا أول الناس يشفع في الجنة وأنا أكثر الناس تبعا» (٣). وحديث رواه الترمذي وأبو داود عن جابر قال : «قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم شفاعتي لأهل الكبائر من أمّتي» (٤).

وحديث رواه الاثنان أيضا عن أبي سعيد قال : «قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : إنّ من أمّتي من يشفع للفئام ومنهم من يشفع للقبيلة ومنهم من يشفع للعصبة ومنهم من يشفع للرجل حتى يدخلوا الجنة» (٥). وحديث رواه الاثنان كذلك عن أبي الدرداء

__________________

(١) التاج ج ٥ ص ٣٤٢.

(٢) المصدر نفسه ص ٣٤٨ ـ ٣٦٠.

(٣) المصدر نفسه.

(٤) المصدر نفسه.

(٥) المصدر نفسه.

٤٨٤

قال : «قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم يشفّع الشهيد في سبعين من أهل بيته» (١) ، وحديث رواه ابن ماجه عن عثمان قال : «قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم يشفع يوم القيامة ثلاثة الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء» (٢).

وهناك بضعة أحاديث صحيحة طويلة في شفاعة النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم للناس جميعا للقضاء فيهم يوم القيامة حين يطول عليهم الأمر والجهد ويعتذر الأنبياء ويدلّون الناس على النبي فيسجد لله ويطلب منه الإذن في الشفاعة فيؤذن له (٣).

ومما جاء في بعضها «أنّ الله لما يأذن للنبي بالشفاعة يقول يا ربّ أمّتي أمّتي فيقال له انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبّة من برة أو شعيرة من إيمان فأخرجه منه فأنطلق فأفعل ثم أرجع إلى ربّي فأحمده بتلك المحامد ثم أخرّ له ساجدا فيقال لي يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعطه واشفع تشفّع ، فأقول أمتي أمتي فيقال لي انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه منها فأنطلق فأفعل ثم أعود إلى ربّي فأحمده بتلك المحامد ثم أخرّ له ساجدا فيقال لي يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعطه واشفع تشفّع فأقول يا ربّ أمتي أمتي فيقال لي انطلق فمن كان في قلبه أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه من النار فأنطلق فأفعل».

والإيمان بما جاء في الآيات القرآنية وما ثبت عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم واجب مع الإيمان بأنه لا بد لذلك من حكمة. والمتبادر من فحوى الآيات والأحاديث أن من تلك الحكمة تقرير كون السعادة والنجاة في الإيمان بالله وحده والعمل الصالح الذي يرضى عنه الله والترغيب في ذلك. وفي ذلك ما فيه الفوائد الجليلة في الدنيا بالإضافة

إلى مثل ذلك في الآخرة.

__________________

(١) التاج ج ٥ ص ٣٤٨ ـ ٣٦٠.

(٢) المصدر نفسه.

(٣) المصدر نفسه.

٤٨٥

(فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١))

(١) التذكرة : كناية عن الدعوة النبوية.

(٢) حمر : جمع حمار. وقيل إن هذا الجمع خاص بحمار الوحش وقد ورد في سورة لقمان لفظ (حمير) جمعا لحمار.

(٣) مستنفرة : شاردة.

(٤) قسورة : من أسماء السبع.

والآيات استمرار للسياق وتعقيب عليه ، حيث تندد بالكفار وتتساءل عن سبب إعراضهم عن الدعوة النبوية وفرارهم منها ، كما تفرّ الحمر الوحشية من السبع حين يبدو لها.

(بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً (٥٢) كَلاَّ بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ (٥٣) كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَما يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (٥٦))

والآيات استمرار للسياق وتعقيب استدراكي وتنديدي عليه.

وقد تلهم الآية الأولى أن الكفار تحدوا النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم بإنزال صحف مكتوبة على كل منهم لتكون برهانا على صحة دعواه ودعوته ، كما تحتمل أن تكون في معرض التنديد بشدة عنادهم ، حتى لكأنهم يريدون ليؤمنوا ويصدقوا أن ينزل على كل منهم كتاب خاص من السماء (١). وقد روى بعض المفسرين (٢) أن المشركين قالوا للنبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إن سرك أن نتبعك فأتنا بكتاب خاصة إلى فلان وفلان نؤمر فيه

__________________

(١) انظر تفسير الآيات في تفسير الطبري وابن كثير ففيهما ما يدعم الوجهين.

(٢) انظر تفسير الآيات في الطبري.

٤٨٦

باتباعك» كما روى بعضهم أنهم قالوا له : «ليصبح عند رأس كل رجل منا كتاب منشور من الله أنك رسوله نؤمر فيه باتباعك» (١). ولقد حكت إحدى آيات سورة الإسراء ذلك عنهم فعلا في مناسبة أخرى كما ترى فيها : (أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولاً) (٩٣).

والآية الثانية احتوت تقريرا لواقع الحال من أمرهم وسبب عدم استجابتهم بأسلوب الزجر والاستدراك وهو عدم خوفهم من الآخرة وجحودهم بها. وتلهم أنها بسبيل تسلية النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

والآيتان الثالثة والرابعة احتوتا ردا على تحدّيهم وشدة عنادهم في صورة تقرير لمهمة النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم التي هي تذكير وتبليغ للناس ثم تركهم لاختيارهم ومشيئتهم في الاستجابة إليها.

أما الآية الخامسة فإنها احتوت تقريرا بأن مشيئة الناس في التذكر والاستجابة منوطة بمشيئة الله الذي هو الجدير بالاتقاء والخشية والذي هو القادر على العفو والمغفرة.

ولقد روى الترمذي في سياق الآية الأخيرة حديثا عن أنس بن مالك قال : «قال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم في هذه الآية (هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ) قال : قال الله عزوجل أنا أهل أن أتّقى فمن اتقاني فلم يجعل معي إلها فأنا أهل أن أغفر له» (٢).

حيث ينطوي في الحديث توضيح فيه تبشير وترغيب للمتقين.

تعليق على تعبير

(وَما يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ)

ولقد يبدو فيما جاء في الآية الخامسة من إناطة تذكر الناس بمشيئة الله نقض

__________________

(١) انظر تفسير الآيات في الخازن.

(٢) التاج ج ٤ ص ٢٤٨.

٤٨٧

أو تحديد لما جاء في الآية [٣٧] من تقرير المشيئة للناس إطلاقا. ولقد قال بعض العلماء والمفسرين إن هذه الآية وما في بابها مثل آية سورة الإنسان هذه : (وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ) بسبيل تقرير أن الناس إنما يشاءون بقوة المشيئة التي خلقها الله فيهم. وقال آخرون إن إناطة مشيئة الناس بمشيئة الله تعالى السابقة على مشيئتهم تعني مفهومها الظاهر إطلاقا فلا يشاءون إلّا ما شاء الله (١). وقد كانت هذه الآية وما يماثلها مدار جدل بين علماء المذاهب الكلامية بسبب ما يبدو من التعارض بينها وبين الآيات الأخرى التي تقرر قابلية الاختيار والمشيئة في الناس إطلاقا.

ونقول أولا إن النظم القرآني جرى أحيانا على نسبة كل شيء من أفعال العباد الواقعة أو المتوقعة إلى الله تعالى وعلى جعل كل شيء منها منوطا بمشيئته مع قيام قرائن في الآيات نفسها أو في غيرها على أنها من كسب العباد ومشيئتهم المباشرة فيما يترافق معها أو يترتب عليها من تثريب وتنديد ووعيد لما يكون ضلالات وانحرافات وتنويه ووعد جميل لما يكون استقامة وحقا وهدى. غير أنه جرى أيضا وفي الأعم الأغلب على نسبة الأفعال والمشيئة إلى العباد مما هو مثبوت في مختلف السور بكثرة تغني عن التمثيل بحيث يسوغ القول إن الأسلوب الأول ينبغي أن يؤول على ضوء ما فيه وما في القرآن من قرائن ولا يصح أن يوقف عند كل عبارة لحدتها لأن في ذلك تعريضا للقرآن للتعارض والاختلاف مما يجب تنزيهه عن ذلك ولا سيما إن في القرآن حلا لما يبدو من توهم في ذلك على ما شرحناه في سياق جملة (كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ) [٣١] وإن القول إن الناس يشاؤون بقوة المشيئة التي أودعها الله فيهم هو المتسق مع تقرير المشيئة للعباد وتقرير قابلية الاختيار والكسب فيهم مما انطوى في الآيات السابقة وآيات كثيرة أخرى وهو المتسق مع روح الآية نفسها التي جاءت بعد الآية التي تقرر المشيئة للناس مباشرة. ثم هو المتسق مع حكمة إرسال الرسل ويوم الجزاء الذي يوفى فيه

__________________

(١) انظر تفسيرها في تفسير أبي السعود والنيسابوري.

٤٨٨

الناس جزاء أعمالهم التي اكتسبوها بقوة هذه المشيئة والقابلية للاختيار والكسب التي أودعها الله فيهم بمقتضى إرادته وحكمته ومشيئته الأزلية. وعبارة الآيات ومعظم آيات القرآن التي تنسب الأفعال والتفكير للإنسان من الأدلة التي تكاد تكون حاسمة على ذلك. ويتبادر لنا إلى هذا أنه أريد بالآية تسلية النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم حتى لا يغتم بموقف الإعراض والعناد والمناوأة والتكذيب الذي وقفه الجاحدون. وقد تكرر مثل ذلك في مواضع كثيرة في القرآن مثل آية سورة فاطر هذه : (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ) (٨) ، وآية القصص هذه : (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (٥٦) ، وآية سورة الأنعام هذه : (وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ (٣٥) إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) (٣٦) بحيث تبدو بذلك حكمة التنزيل في الأسلوب. ويلحظ أن الآيات نسبت اكتساب الهدى والاستجابة إلى أصحابها مما قد يكون فيه دليل على صحة تأويلنا ، والله أعلم.

تعليق على تحدي الكفار للنبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم

بالآيات وأجوبة القرآن على ذلك ودلالتها

ولقد تكررت حكاية القرآن لصور عديدة من تحدي الجاحدين ومعجزاتهم ، والآية [٥٢] من هذه الآيات احتوت أولى مرات التحدي ـ إذا صحت روايات المفسرين ـ وليس ما يمنع صحتها ، لأن الصورة مؤيدة بنص قرآني آخر على ما أوردناه قبل ، وذلك بطلب الكفار إنزال كتب إليهم فيها تأييد لصحة رسالة النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأمر باتباعه. وقد ردت الآيات التالية عليهم ، فبينت أن موقفهم هو في حقيقته راجع إلى عدم خوفهم من الآخرة ، وأن رسالة النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم والقرآن الذي يتلوه عليهم تذكرة فمن شاء تذكر واهتدى. ولم تجبهم إلى تحديهم. ولقد ظلت آيات القرآن

٤٨٩

ترد عليهم في كل موقف تحدّ وقفوه ، وكل ما طالبوا ببرهان خارق للعادة مما عبر عنه القرآن بتعبير آية أو آيات بمثل ما ردت عليهم في هذه الآيات من حيث الجوهر ، مع تنوع الصيغ والأساليب دون الاستجابة إلى تحديهم ، موجهة الخطاب إلى العقول لتتدبر وإلى القلوب لترعوي ، ومقررة صراحة حينا وضمنا حينا أن الدعوة النبوية إنما هي دعوة إلى الله وحده والإقرار له بالعبودية ونبذ ما سواه والتزام الأعمال الصالحة ، وتحذير من الكفر والشرك والإثم والفواحش ، وأن مثل هذه الدعوة لا تحتاج إلى معجزات مؤيدة ، وإنما تحتاج طلى تروّ وإذعان ونية حسنة وطوية نقية ورغبة في الحق والخير والهدى وبعد عن العناد واللجاج ، ليرى المرء البرهان على صحتها وقوتها في الكون وما فيه من آيات باهرة وحكمة بالغة ونواميس دقيقة ، وفيما تدعو إليه من مكارم الأخلاق والفضائل وتنهى عنه من الإثم والبغي والفواحش كما تلهم آيات سورة الأنعام هذه : (وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ (٨) وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ (٩) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) (١٠) ، ومثل آيات سورة الأنعام هذه : (وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠٩) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠) وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ) (١١١) وآيات سورة الرعد هذه : (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ) (٧) وآية سورة الرعد هذه : (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ) (٢٧) وآيات سورة الإسراء هذه : (وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا

٤٩٠

كِتاباً نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولاً (٩٣) وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلَّا أَنْ قالُوا أَبَعَثَ اللهُ بَشَراً رَسُولاً (٩٤) قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولاً (٩٥) قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (٩٦) وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً) (٩٧) وآيات سورة العنكبوت هذه : (وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١) قُلْ كَفى بِاللهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وَكَفَرُوا بِاللهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ) (٥٢).

وهذه الردود القوية على تحدي الكفار هي بسبيل تقرير أن الدعوة إلى الله ومكارم الأخلاق لا تحتاج إلى معجزات وأن الذين حسنت طواياهم ونواياهم وصدقت رغباتهم في الحق والحقيقة آمنوا ، ففيها ما يكفي لحملهم على الارعواء والاستجابة. أما الذين خبثت نواياهم وانعدمت فيهم الرغبة في الحق والحقيقة فلن يؤمنوا مهما رأوا من الآيات والمعجزات. ولئن لم يكن بدّ من آية فهي القرآن الذي يتلى عليهم وفيه الكفاية كل الكفاية. وهكذا تنفرد الدعوة القرآنية والرسالة المحمدية عما سبقها ، من حيث إنها لم تقم على الخوارق استجابة للتحدي وإنما قامت على خطاب العقل والقلب والبرهنة بما في الكون من إبداع ونظام وعظمة يدل على وجود الله عزوجل واستحقاقه وحده للخضوع والعبادة والاتجاه وبطلان الشرك والوثنية والعقائد المتناقضة مع ذلك هم بما انطوى في هذه الدعوة من مبادئ الحق والخير والبر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإحلال الطيبات وتحريم الخبائث والفواحش والآثام ما ظهر منها وما بطن والحث على التضامن والتعاون ومنع الاستعلاء والاستغلال وإقامة مجتمع إنساني عام يتساوى فيه الناس في الحقوق والواجبات ، ويتكافلون فيها ويسود فيه الحق والعدل والحرية والمعروف والخير.

٤٩١

ولعل مما يحسن أن يضاف إلى هذا من حكمة الله في عدم الاستجابة إلى تحدي الكفار أن الأنبياء السابقين قد جاؤوا لقومهم وأن المعجزات التي أظهرها الله على أيديهم هي لإقناع جيل هذا القوم الذي كانت رسالة الأنبياء لهم في حين أن الله سبحانه قد شاء أن تكون رسالة محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم لجميع الأجيال ودين الإنسانية العام في جميع الأزمنة والأمكنة. وهو ما انطوى في آيات عديدة أوردنا بعضها في تعليقنا على جملة (رَبِّ الْعالَمِينَ) في سياق تفسير سورة الفاتحة ، وفي هذا لا تغني المعجزة لأنها غير دائمة الأثر. وقد تنكر من الأجيال الآتية فكان الإقناع وقوة البرهان ومخاطبة العقل والقلب والقرآن المجيد الذي ينطوي فيه كل ذلك بأروع وأقوى ما يكون هي الحجج المؤيدة لصدق الرسالة المحمدية التي تظل واردة وقائمة راهنة بكل قوتها في كل ظرف ومكان. ولقد جاء في سورة الإسراء هذه الآية : (وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ) [٥٩] وهي عظيمة المدى والدلالة بسبيل ما نحن في صدده حيث تضمنت تقريرا ربانيا صريحا بأن الله عزوجل امتنع عن إظهار المعجزة على يد النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم إجابة على تحدي الكفار وتعليلا لذلك بأن الأمم السابقة قد كذبت بالمعجزات التي أظهرها الله على أيدي أنبيائه السابقين ولم يتحقق المقصود منها.

ولقد روى البخاري ومسلم حديثا عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم جاء فيه : «ما من نبي إلّا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر وإنما الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إليّ فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة» حيث يتساوق الحديث مع التلقين القرآني بأن معجزة النبوة المحمدية هي ما أوحاه الله تعالى إلى النبي من قرآن وحكمة فيهما الهدى والرحمة وأسباب الصلاح والنجاة للبشر في دنياهم وآخرتهم.

ونريد أن ننبه إلى أمر وهو أن ما قررناه استلهاما من الآيات القرآنية هو بسبيل الردّ على تحدي الكفار للنبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم وطلبهم منه الإتيان بالمعجزات والخوارق لتأييد صلته بالله ؛ وإننا لا ننكر أن الله عزوجل قد أظهر على يد النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم معجزات متنوعة الصور في ظروف كثيرة له خاصة وله وللمسلمين عامة على ما تدل عليه

٤٩٢

آيات قرآنية عديدة مما سوف ننوه به في مناسباته وعلى ما ورد في أحاديث عديدة قوية الأسانيد سنوردها في مناسبات آتية.

نقول هذا ونحن نعرف أن هناك أحاديث قوية الأسانيد بأن ما احتوته الآية الأولى من سورة القمر من انشقاق القمر بناء على تحدي الكفار قد وقع فعلا. غير أن هناك ما يمكن إيراده في هذا الصدد على ما سوف نذكره في سياق تفسير هذه الآية.

تعليق على مدى الآية

(كَلَّا بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ)

وبمناسبة هذه الآية في هذه السورة نقول إن الآيات القرآنية المكية التي ينطوي فيها المعنى المقرر في الآية قد تكررت بسبيل تعليل موقف الكفار الجحودي والمناوىء والعدواني والمستكبر والمستهتر والساخر بالوعيد والإنذار الربانيين. من ذلك آية سورة النحل هذه : (إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ) (٢٢) وآية سورة المؤمنون هذه : (وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ) (٧٤) وآية سورة الزمر هذه : (وَإِذا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) (٤٥) وآية سورة النجم هذه : (إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى) (٢٧).

والموضوع في أصله متصل بموضوع جحود الكفار للآخرة الذي نبهنا عليه في التعليق على الحياة الأخروية في تفسير سورة الفاتحة. غير أن النقطة الجديرة بالتنبيه في هذا المقام هي ما انطوى في الآية التي نحن في صددها وأمثالها من تلقين جليل وتعليل لموقف الكفار. فالذي لا يخاف الآخرة لا يأبه كثيرا للحق والخير في شتى ساحاتهما ولا يندفع فيهما اندفاعا ذاتيا وجدانيا إذا لم يأمل في مقابلة وجزاء في الدنيا. ولا يتورع عن الإثم والمنكر إذا ما تيقن الخلاص من

٤٩٣

العقوبة. وفي سورة الأنعام آية داعمة لذلك بأسلوب إيجابي وهي : (وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ) (٩٢) ومن هذا الباب آية سورة هود هذه : (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ) (١٠٣) وهكذا تكون الآيات قد انطوت على تقرير أثر الإيمان بالآخرة في سلوك الناس سلبا وإيجابا. وهو متسق مع ما جاء في تعليقنا السابق وداعم له.

وإذا كان من المحتمل أن يكون بعض الناس يقدمون على عمل الخير والامتناع عن الإثم والشرّ بدون إيمان بالله واليوم الآخر فإن أغلب هؤلاء يستهدفون جزاء ما ولو معنويا في الدنيا. فضلا عن أن ذلك الاحتمال يظل بعيدا بالنسبة للكثرة الكاثرة في أغلب المواقف. وإذا كان من المحتمل أن يكون كثير من المؤمنين بالله واليوم الآخر لا يقدمون على الخير ولا يمتنعون عن الإثم إلّا بقوة ما يتحققون من نيله من ثواب وعقاب دنيويين في الدرجة الأولى فإن أمثال هؤلاء لا يمكن أن يوصفوا بصفة الإيمان الصحيح السليم أولا وإن إيمان هؤلاء يظل على كل حال ذا قوة وازعة ورادعة ثانيا.

تعليق على مدى ما ينطوي في جملة

(بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً)

ويتبادر لنا من هذه الجملة أنها تنطوي على قرينة أو دليل على أن عدد الذين يقرأون ويكتبون من سامعي القرآن كبير. وعلى أن المعتاد عندهم أن يكتب على صحف تطوى وتنشر أي على ورق أو رقوق ناعمة رقيقة. وفي هذا نقض لما في الأذهان من ضعف الثقافة العربية وضيق نطاقها في عصر النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم وبيئته (١).

__________________

(١) انظر أيضا فصل الحياة العقلية في كتابنا عصر النبي عليه‌السلام وبيئته قبل البعثة.

٤٩٤

سورة المسد

فيها دعاء على أبي لهب وإنذار له ولامرأته بالنار. ورواية سبب نزولها لا تتسق مع رواية تبكير نزولها. ورواية تبكير نزولها أكثر اتساقا مع مضمونها. ولعلها تلهم أن يكون موقف أبي لهب وامرأته من أبكر وأول مواقف الصدّ والمناوأة التي واجهها النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأنه كان لهذا الموقف أشد الأثر في نفس النبي وسير الدعوة.

(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)

(تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ (٢) سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥))

(١) تبت : خسرت أو هلكت ، والمصدر تبّ وتباب ، والكلمة دعاء بالخسران أو الهلاك.

(٢) الجيد : العنق.

(٣) مسد : ليف أو حديد أو نار على اختلاف الأقوال. ومما قيل إن المسد نبات ذو ألياف تجدل منه حبال متينة.

في آيات السورة دعاء على أبي لهب بالهلاك والخسران ، وتقرير بأنه لن يغني عنه ماله وما كسبه شيئا ، وأنه سيصلى نارا عظيمة هو وامرأته حمالة الحطب التي سوف يكون في جيدها حبل من مسد ، تقاد به.

٤٩٥

والروايات مجمعة على أن أبا لهب هذا هو عم النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأن اسمه عبد العزى ؛ وأن امرأته هي أم جميل أخت أبي سفيان (١) والمرجح أن كنية «أبي لهب» هي كنية قرآنية على سبيل الهجو فصارت له علما.

ولقد روى الشيخان والترمذي عن ابن عباس قال : «لمّا نزلت (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) [الشعراء / ٢١٤] خرج رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم حتّى صعد الصفا فهتف يا صباحاه فاجتمعوا إليه فقال أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلا تخرج من سفح هذا الجبل أكنتم مصدقيّ؟ قالوا : ما جرّبنا عليك كذبا. قال : فإنّي نذير لكم بين يدي عذاب شديد. قال أبو لهب تبا لك ما جمعتنا إلّا لهذا ، ثم قام فنزلت (تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَ) [المسد / ١]» (٢).

وإلى هذا الحديث الذي أورده أيضا الطبري والمفسرون الآخرون (٣) رووا روايات أخرى كسبب نزول السورة منها «أنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم لما نزلت (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) [٢١٤] جمع أقاربه فدعاهم إلى الإسلام فقال له أبو لهب تبا لك سائر اليوم ألهذا دعوتنا؟» ومنها : «أن أبا لهب قال للنبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم : ما ذا أعطى يا محمد إن آمنت بك؟ قال : كما يعطى المسلمون. فقال : ما لي عليهم فضل. قال : وأيّ فضل تبتغي؟ قال : تبا لهذا من دين أن أكون أنا وهؤلاء سواء فأنزل الله سورة (تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَ) [١]».

ونلحظ في صدد الرواية الأولى والثانية أنهما تقتضيان أن تكون سورة المسد نزلت بعد سورة الشعراء التي منها آية : (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) مع أن الروايات مجمعة تقريبا على وضع سورة المسد كسادس سورة أو خامس سورة في ترتيب النزول بينما تأتي سورة الشعراء كرابعة وأربعين أو خامسة وأربعين في هذا

__________________

(١) انظر تفسير السورة في تفسير ابن كثير والبغوي وغيرهما.

(٢) التاج ج ٤ ص ٢٦٨.

(٣) انظر تفسير النيسابوري والطبرسي وابن كثير والبغوي والخازن أيضا.

٤٩٦

الترتيب (١) أي أنها نزلت بعد سورة المسد بثلاث سنين على الأقل. وروح آية (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) تلهم أنها لم تنزل مبكرة (٢). لذلك فنحن نتوقف في الروايات ، وإشراك امرأة أبي لهب مما يقوي صواب توقفنا إن شاء الله.

ولقد ذكرت الروايات (٣) أن إحدى بنات النبي كانت مخطوبة أو زوجة لعتبة بن أبي لهب وأن بيت النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان مجاورا لبيت أبي لهب. فمما يمكن أن يرد على البال بقوة أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد اتصل بعمه عقب نزول الوحي عليه في أول من اتصل بهم ودعاه في أول من دعا. فالرجل عمه وجار بيته وصهره ، ولعله كان يكثر التردد على بيته. ومن المعقول أن يفاتحه قبل الناس وأن يفضي إليه بأمره ؛ وأن يطلب منه التصديق والتعضيد ولعله كان واثقا كل الثقة بأنه سيقابل بالحسنى والإجابة ، وبأنه واجد في عمه العضد القوي والسند الأمين. فلم يلبث أن خاب أمله فقوبل أسوأ مقابلة ، وكان من عمه وزوجته أشد موقف في الأذى والعناد والتعطيل ، والقطيعة حتى لقد روي (٤) أن أبا لهب كان يسير وراء النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم فكلما رآه يكلم أحدا جاء إليه وقال له : أنا عمه فلا تصدقه فإنه ذاهب العقل ، وأن زوجته كانت تضع الأقذار أمام بيته وتشيع عنه الإشاعات السيئة. وأن الزوجين حملا ابنهما على تطليق بنت النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وعمومة أبي لهب للنبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم مما يزيد في شدة موقفه في نفس النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم وفي الغرباء كما هو بدهي. ونعت امرأة أبي لهب بحمالة الحطب يلهم أنها كانت ذات تأثير قوي في الموقف فيزداد شدة ولعلها كانت تقوي زوجها وتنفخ في روحه كلما أنست فيه جنوحا إلى الفتور والتروي ، بسبب ما كان

__________________

(١) انظر تراتيب النزول المروية في كتابنا سيرة الرسول ج ١ ص ١٣٤ ـ ١٣٥ والإتقان في علوم القرآن ج ١ ، ص ٢٦.

(٢) يذكر الطبري في تاريخه ج ٢ ص ٦١.

(٣) انظر مجمع الزوائد ، مكتبة القدسي ج ٩ ص ٢١٣ ـ ٢١٤.

(٤) انظر سيرة ابن هشام ج ٢ ص ٣٢ مطبعة حجازي وتفسير السورة في تفسير ابن كثير والبغوي والطبري والنيسابوري وابن عباس ، والجزء والصحف المذكورة آنفا من مجمع الزوائد.

٤٩٧

يربطه بالنبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم من روابط العصبية التي كانت تقاليدها شديدة الرسوخ في بيئة النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فكان تأثيرها عاملا قويا في شذوذ هذا العم عن سائر أعمامه وسائر أفراد عشيرته الذين كانوا يحمون النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم وينصرونه بقوة العصبية برغم أن أكثرهم ظلوا في العهد المكي نائين عن اعتناق الإسلام.

وإذا صحت رواية كون أم جميل هي أخت أبي سفيان ـ وليس هناك ما ينفيها ـ فلا يبعد أن يكون موقفها متأثرا بموقف أخيها الذي كان من أبرز الزعماء وذوي الشأن في قريش والذي كانت لأسرته المكانة البارزة في مكة ، والذي ظل هو وأسرته يناوئون النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم نحو عشرين سنة أي إلى فتح مكة في العام الثامن من الهجرة مناوأة عنيفة ، وقد قاد زعيمهم أبو سفيان الجيوش التي غزت المدينة دار هجرة النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم مرتين. ولا يبعد أن تكون فكرة النضال الأسروي بين الأسرة الأموية صاحبة الشأن والبروز في مكة والأسرة الهاشمية التي ترشحت للبروز والخلود بدعوة النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم وحركته حافزا أو مقويا لموقف أبي سفيان المناوىء من النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم وموقف أخته زوجة أبي لهب منه أيضا.

وأبو لهب وامرأته هما الشخصان الوحيدان اللذان اختصهما القرآن بالذكر وسوء الدعاء وبصراحة ، وسجل عليهما اللعنة الخالدة على مرّ الدهور. ولا شك في أن هذا يدل على أن موقفهما كان شديد الأثر في نفس النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم وسير دعوته وخاصة في أول أمرها فاستحقا من أجله هذا التخصيص.

وإننا لنرجو أن تكون هذه البيانات والتوجيهات هي المتسقة مع حقيقة الموقف لأنها هي المتسقة مع روح الآيات ومضمونها وإشراك زوجة أبي لهب ثم مع رواية تبكير نزول السورة.

٤٩٨

سورة التكوير

السورة فصلان ، الأول في صدد يوم القيامة وهول أعلامه وحساب الناس فيه ومصائرهم ، والثاني في صدد توكيد صدق ما أخبر به النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم من صلته بوحي الله وملكه ونفي الجنون عنه وصلة الشيطان به. والفصلان على اختلاف موضوعيهما غير منفصلين عن بعضهما ، والمرجح أنهما نزلا متتابعين فوضع الواحد بعد الآخر.

(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)

(إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ (٤) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ (٦) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧) وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠) وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ (١١) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ (١٤))

(١) كورت : سترت أو لفّت. والمقصود إذا ذهب ضوءها وانمحق على الأرجح.

(٢) انكدرت : اغبرّت وانطفأت أو تساقطت على اختلاف الأقوال.

(٣) العشار عطلت : العشار هي النياق وقيل الغمام وتعطيلها بمعنى توقفها عن طبيعتها ومهمتها.

(٤) حشرت : جمعت من كل ناحية.

٤٩٩

(٥) سجرت : تفجرت أو أفرغت أو التهبت على اختلاف الأقوال.

(٦) النفوس زوجت : الناس صنفوا حسب أعمالهم.

(٧) الموءودة : الطفلة التي تدفن في التراب وهي في حالة الحياة بتعمد قتلها.

(٨) كشطت : تمزقت أو تشققت أو كشفت أو أزيلت على اختلاف الأقوال.

(٩) سعرت : أو قدت أو توقدت بشدة.

(١٠) أزلفت : أدنيت أو هيئت لأصحابها (١).

تشير الآيات إلى قيام القيامة أو اليوم الآخر وما يكون حينذاك من انقلاب وتبدل في نواميس الكون كانمحاق ضوء الشمس وانطفاء النجوم وتسيير الجبال وجمع الوحوش وتعطيل العشار عن طبيعتها وتفجير البحار واشتداد حرارة المياه والتهابها ، وتشقق السماء أو انكشافها ، وتصنيف الناس حسب أعمالهم ، ونشر كتب الأعمال وتأجيج النار وتهيئة الجنة ، وحينئذ يرى كل امرئ نتيجة عمله وعاقبة ما قدم بين يديه ، ومن جملة ما يسأل الناس عنه وأد بناتهم بدون ذنب.

والآيات كما يبدو تتضمن توكيدا قويا بمجيء يوم القيامة وأهواله وأماراته التي تسبقه أو ترافقه ومحاسبة الناس على أعمالهم في الدنيا وتوفية كل منهم جزاءه بالجنة والنار.

ولقد روى الترمذي في سياق هذه السورة حديثا عن ابن عمر أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «من سرّه أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأي عين فليقرأ (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ) [التكوير / ١] و (إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ) [الانفطار / ١] و (إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ)» [الانشقاق / ١]» (٢) ومطلع السورتين الثانية والثالثة المذكورتين في الحديث مشابه لمطلع هذه السورة في وصف مشاهد القيامة وأهوالها.

__________________

(١) انظر معاني الكلمات في تفسير الآيات في تفسير الطبري وابن كثير والبغوي والنيسابوري والزمخشري والطبرسي.

(٢) التاج ج ٤ ص ٢٥٢.

٥٠٠