التّفسير الحديث - ج ١

محمّد عزّة دروزة

التّفسير الحديث - ج ١

المؤلف:

محمّد عزّة دروزة


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: دار الغرب الإسلامي ـ بيروت
الطبعة: ٢
الصفحات: ٥٧٤
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣
  نسخة غير مصححة

الناس وإيجابه بالنسبة لذريته أو أقاربه الأدنين ، ولا يتورط في تأويل يؤيد الاستثناء والأجر اللذين يثيران حيرة وإشكالا. هذا بقطع النظر عن ما في ذلك التفسير من تمحل وتجوز لا يتحملهما مضمون الآية ، وعن ما هنالك من رواية مأثورة عن ابن عباس في صددها تجعلها متسقة كل الاتساق مع النصوص القرآنية الأخرى وتفيد أن قصد الآية تقرير كون حرص النبي على هداية قومه لا يمكن أن يتهم لأنه لا يطلب عليها أجرا وكون مردّ هذا الحرص هو ما بين النبي وقريش من أوشاج القربى حيث لم يكن بطن من بطون قريش إلا وبينه وبين النبي قرابة. وهناك تأويل آخر جاء في تفسير ابن كثير المشهور وهو أن الآية بمعنى أني لا أريد منكم شيئا إلا أن تحترموا قرابتي لكم وتوادوني من أجلها وتكفوا عن الأذى والصدّ والتعطيل وهو تأويل وجيه ومتسق مع روح القرآن واللغة. وننبه على أننا هنا في صدد فهم نصوص القرآن ولسنا في صدد نفي واجب المسلمين في برّ ومودة الصالحين الأتقياء الذين ليست نسبتهم إلى بضعة الرسول محلّ شكّ وريب من أجل هذه النسبة الشريفة الكريمة.

ومن فوائده ملاحظة ما هو موضوع هذا البحث أنها تساعد على معرفة الناسخ والمنسوخ وصور التطورات المتنوعة في سير الدعوة النبوية والسيرة النبوية والتشريع القرآني. فآيات النساء : [١٥ ـ ١٦] مثلّا تشير إلى جريمة الزنا وتعين نصاب شهود ثبوتها ولكنها لا تعين حدا وتكتفي بالأمر بإمساك النساء في البيوت وأذية الزناة بعبارة مطلقة ؛ في حين أن آية سورة النور الثانية تعين حدا للزانين والزانيات مئة جلدة. فملاحظة آيات النساء والنور معا في النظر والتفسير تساعد على معرفة كون آيات النساء قد نزلت قبل آيات النور وأن آيات النور هي المحكمة في جريمة الزنا دون آيات النساء ، وأن في نزول آيات النور بعد آيات النساء تطورا في التشريع القرآني. وفي آية النساء [٢٥] جملة تنصّ على أن حد الإماء المحصنات (المتزوجات) إذا زنين هو نصف حدّ الحرائر المحصنات وهي هذه (فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ) فملاحظة آية النور في تفسير هذه الجملة تساعد على معرفة أن هذه الجملة نزلت

٢٠١

بعد آيات النور ، بعكس الآيات السابقة حيث نزلت آيات النساء قبل آيات النور ، وإنها وضعت في محلّها للتناسب الموجود في سلسلة أحكام الأنكحة والأسرة والمواريث الواردة في سورة النساء ؛ وتساعد كذلك على معرفة صورة من صور التأليف القرآني ، كذلك إذا قرأنا آيتي سورة المنافقون هاتين (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ (٧) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ) (٨). ثم قرأنا آيتي التوبة هاتين (وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (٥٦) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ) (٥٧). استطعنا أن نتبين من ملاحظة آيات السورتين أن المنافقين في المدينة كانوا في أوائل العهد المدني معتدّين بقوتهم ومالهم ومركزهم بينما صاروا في أواخر هذا العهد إلى حالة الخوف والضعف ؛ وأن نلمس صورة تطورية من صور السيرة النبوية ، وأن نحكم على تهافت الرواية التي ذكرت أن معسكر المنافقين عند الاستعداد لغزوة تبوك كان يعادل في سعته وعدده معسكر المؤمنين المخلصين.

والأمثلة في هذا الباب كثيرة جدا ومنبثّة في السور والفصول القرآنية مكيها ومدنيها نبهنا عليها في التفسير. وهذه الكثرة تظهر فائدة هذه الملاحظة في حسن فهم القرآن وتفسيره كما هو واضح.

ـ ١٢ ـ

ولا أدعي بأن هذه الملاحظات جديدة وغير مسبوقة ، ففي «الإتقان» للسيوطي لنفسه ولغيره من العلماء والمؤلفين نبذ عديدة في شروط التفسير وأصوله احتوت غير واحدة من هذه الملاحظات ، كما أن كثيرا من العلماء والباحثين والمفسرين نبهوا عليها بأساليب متنوعة ، ومنهم من فعل ذلك في مقدمات كتبهم التفسيرية أو في ما كتبوه عن القرآن من كتب خاصة بل ومنهم من سار عليها قليلا

٢٠٢

أو كثيرا غير أني لم أر في ما تيسّر لي من الاطلاع عليه من كتب التفسير (١) العديدة القديمة والحديثة أن هذه الملاحظات قد لوحظت جميعها معا في تفسير واحد ، وإن صحّ القول إنها لو حظت متفرقة وبسعة أو إيجاز حيث يمكن أن يكون مفسّر لاحظ بعضا وسار عليه وآخر لاحظ بعضا وسار عليه مع أن ملاحظتها جميعا والسير وفقها جوهري جدا فيما أعتقد لفهم القرآن فهما صحيحا وخدمته خدمة فضلى ، هذا مع اعترافي بالتقصير إزاء ما أحرزه الذين بحثوا في القرآن وعلومه وألفوا فيه وفسروه قديما وحديثا من علم واطلاع وتمكن وممارسة طويلة وتفرغ أطول وخاصة في علوم الصرف والنحو والبلاغة واللغة وأصول الفقه والحديث والرواية والخلافات المذهبية والكلامية ؛ ومع اعترافي بالمجهود الذي بذله كل منهم في خدمة القرآن وتفسيره ؛ وما لكثير من كتب التفسير من خصوصيات مفيدة إما من حيث الإسهاب والإيجاز أو من حيث اللغة والبلاغة ، والقواعد النحوية والصرفية ، أو من حيث التنويه بالمعاني والقضايا وتفريعاتها ، أو من حيث الأحكام واستنباطها ، أو من حيث إبراز ما في القرآن من إشراق وبعد مدى وقوة تلقين وتوجيه ، أو من حيث روايات المناسبات وأسباب النزول والناسخ والمنسوخ ، أو من حيث التعليق على ما فيه من قصص وإيضاحها ، أو من حيث شرح المذاهب الكلامية والفقهية وجدلياتها.

__________________

(١) من كتب التفسير التي اطلعت قراءة أو تصفحا على جميع أو بعض أجزائها التفسير المعزو إلى ابن عباس رواية أبي صالح وباب التفسير في البخاري وتفاسير الطبري والنسفي وأبي السعود والطوسي والخازن والرازي والزمخشري والطبرسي والبيضاوي والجوهري وفريد وجدي ورشيد رضا والألوسي وأبي حيان وابن كثير والبغوي والقرطبي والمراغي والعادلي.

٢٠٣
٢٠٤

الفصل الرابع

نظريات وتعليقات على كتب المفسرين ومناهجهم

تمهيد

ومع ما ذكرناه في صدد كتب المفسرين فإن الناظر في كثير منها يلحظ ثغرات عديدة تنقص من قيمة تلك الفوائد التي احتوتها والجهود التي بذلت فيها قليلا أو كثيرا ، وتجعلها غير شافية للنفس شفاء تاما.

ـ ١ ـ

روايات أسباب النزول :

فأولا : إن هناك روايات كثيرة في أسباب النزول ومناسباته وقد حشرت في كثير من كتب التفسير التي كتبت في مختلف الأدوار لا تثبت على النقد والتمحيص طويلا ، سواء بسبب ما فيها من تعدد وتناقض ومغايرة أو من عدم الاتساق مع روح الآيات التي وردت فيها وسياقها بل ونصوصها أحيانا ، ومع آيات أخرى متصلة بموضوعها أو موضحة لها أو عاطفة عليها ، حتى أن الناقد البصير ليرى في كثير من هذه الروايات أثر ما كان من القرون الإسلامية الثلاثة الأولى من خلافات سياسية ومذهبية وعنصرية وفقهية وكلامية قوي البروز ، وحتى ليقع في نفسه أن كثيرا منها منحول أو مدسوس أو محرف عن سوء نية وقصد تشويش وتشويه ودعاية ونكاية وحجاج وتشهير ، أو قصد تأييد رأي على رأي ، وشيعة على شيعة.

والمتبادر أنه لما كان عهد التدوين الذي راجت فيه الرواية تلقف المدونون من الأفواه الغثّ والسمين والصحيح والفاسد والمعقول وغير المعقول والملفق

٢٠٥

والمنحول والمحرف فدونوه وتناقلوه ، وجعله المفسرون القديمون من عمد تفسيرهم ، بل كان وظلّ الركن الأقوى والأوسع في التفسير ، فكان هذا التساهل من جانب المدونين أولا والمفسرين المتقدمين ثانيا باعثا على تسلسل الدور وانتقال الروايات من عهد إلى عهد من دون تحفظ أو تمحيص إلا قليلا حتى صارت كأنها قضايا مسلّمة أو نصوص نقلية يجب الوقوف عندها والتقيد بها أو التوفيق بينها إلخ ، وأدى هذا إلى الوقوع في أخطاء وتشويشات ومفارقات كثيرة ، سواء كان في صدد السيرة النبوية وأحداثها أو ظروف ما قبل البعثة ، أو المفهومات والدلالات والأحكام القرآنية. ولقد كان هذا في أحيان كثيرة مستندا من مستندات أعداء العرب والإسلام المتعقبين للثغرات فيهم ، فتمسكوا بكثير من الروايات الواردة في التفسير مع ما هي عليه من وهن وتهافت فأساؤوا فهم القرآن وخلطوا فيه عن عمد أو غير عمد ، شأنهم في ذلك شأنهم في التمسك بكثير من الروايات الواردة عن السيرة النبوية والبيئة النبوية وظروفها وما بعدها من أحداث الحركة الإسلامية وظروفها وتاريخها. والأمثلة على ذلك كثيرة جدا ، وقد نبهنا عليها في سياق التفسير ، وإليك بعضها على سبيل التمثيل والإيضاح :

(١) فقد نقل الخازن (١) في تفسير أوائل سورة التوبة عن محمد بن إسحاق ومجاهد وغيرهما أن النبي عليه‌السلام أمّر أبا بكر على الحج في أول حجّ بعد فتح مكة وبعث معه أربعين آية من سورة براءة ليقرأها على أهل الموسم ، ثم بعث بعده عليا ليقرأ على الناس صدر براءة ويؤذن بمكة ومنى أن قد برئت ذمة الله وذمة رسوله من كل مشرك ، وأن لا يطوف بالبيت عريان ، وأن أبا بكر رجع فقال يا رسول الله بأبي أنت وأمي أنزل في شأني شيء قال لا ولكن لا ينبغي أن يبلغ هذا

__________________

(١) إن إشارتنا إلى كتب تفسير بعينها في هذا الفصل وغيره لا تعني أن عدا هذه الكتب خال من الثغرات التي ننبه عليها ونمثل لها. فإن أكثر ما اطلعنا عليه من هذه الكتب ينطوي على واحدة أو أكثر من هذه الثغرات ، وبعضها ينقل عن بعض حرفيا وبعضها يعزو إلى بعض والقليل منها تعليق على ما يورده أو ينقله أو يعزوه وكثير منها يورد فيها بدون تعليق كأنما يتبناه أو ليس له اعتراض وتعليق عليه.

٢٠٦

إلا رجل من أهلي. هذا بينما ورد في البخاري حديث عن أبي هريرة أن أبا بكر بعثه في الحجة التي أمّره رسول الله عليها في رهط يؤذن في الناس يوم النحر أن لا يحج بعد العام مشرك ويطوف بالبيت عريان. وفي الحديث الثاني تعارض مع الأول كما هو ظاهر ، ولقد كان الحديث الأول موضع تأويل متقابل من الشيعة والسنة ، فالأولون احتجوا به لصواب مذهبهم لأنه مؤيد لحق علي في القيام مقام النبي بعده ، وكون ما تمّ هو مخالف لتلقين النبي ، والآخرون قالوا مقابل ذلك إنما بعث النبي عليا في هذه الرسالة حتى يصلي خلف أبي بكر ويراه الناس أنه تحت إمرته ويكون في ذلك تنبيه على إمامة أبي بكر بعد رسول الله ، وأن الأمير على الناس كان أبا بكر ولم يكن عليا وأن في هذا تقديما له عليه ، ولم يكلف من هؤلاء وأولئك نفسه عناء البحث في متن الرواية ، فإنّ ما احتواه حديث بعث النبي مع أبي بكر أربعين آية من صدر سورة براءة يجعل الحديث موضع نظر وتوقف لأن هذا العدد من صدر السورة احتوى مواضيع متنوعة ومنها ما نزل في شؤون أخرى ، ومنها ما هو متصل بسلسلة طويلة من بعده ، بل ومنها ما نزل قبل الفتح المكي على ما ذكرته من روايات أخرى يؤيدها أو يقوم قرينة عليها نصوص بعض هذه الآيات ، هذا فضلا عن رائحة التشاد الحزبي بين الشيعة والسنة القوية في الحديثين وما يمكن أن تعنيه من وضعهما لتأييد كل رأيه وتجريح رأي خصمه هجوما ودفاعا!

(٢) وقد روى السدّي عن الزبير على ما جاء في «كشاف» الزمخشري أنه قال إن آية (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً) [الأنفال : ٢٥] ، نزلت فينا ، وأنه كان يساير النبي يوما فأقبل عليه فضحك له الزبير فقال رسول الله كيف حبك لعلي فقال يا رسول الله بأبي أنت وأمي إني أحبّه كحبي لولدي أو أشدّ قال فكيف أنت إذا سرت إليه تقاتله. هذا في حين أن الآية شديدة الانسجام مع سابقاتها ولا حقاتها ، وأن السياق في صدد تثبيت المسلمين وتذكيرهم وتحذيرهم وعظتهم على أثر التشاد الذي كان بينهم حول غنائم بدر وفي سبيل توطيد طاعة للنبي في نفوسهم ، وفي حين أنه لا يبدو قط أي اتساق وصلة بين الرواية والآية

٢٠٧

معنى أو موضوعا أو مدى ، فضلا عما يلفت النظر فيها من أثر الفتنة التي نجمت مذ مقتل عثمان ومن عدم احتمال صدورها عن الزبير لأن فيها إدانة له.

ومن هذا الباب روايات كثيرة في أسباب نزول آيات كثيرة تضمنت صرف الآيات إلى بعض الصحابة وتشم فيها رائحة الخلاف السني الشيعي ولا تتسق في حال مع الآيات وظروف نزولها وسياقها ، فقد روى بعض الشيعة رواية بأن آية (وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) (٣٣) [الزمر : ٣٣] قد نزلت بحق علي ، وروى بعض السنيين رواية بأنها نزلت في حق أبي بكر ، والسياق يدل على أنها مع ما سبقها ولحق بها عامة متصلة بظروف الدعوة في العهد المكي الذي لم يكن علي في أوائله إلا صبيا ، ومن ذلك ما رواه بعض السنيين من أن آية (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) [الأنفال : ٦٤] ، قد نزلت عند إسلام عمر ، ومن أن جملة (وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) [آل عمران : ١٥٩] ، نزلت في إيجاب مشاورة أبي بكر وعمر ، مع أن آية الأنفال مدنية ومتصلة بظروف الجهاد في العهد المدني وجزء من سياق منسجم ، وأن جملة آية آل عمران من آية يدل مضمونها نفسه على أنها متصلة بموقف بعض المسلمين والمنافقين في ظروف وقعة أحد فضلا عن أنها جزء من سياق منسجم في ظروف هذه الوقعة ، ومن ذلك ما رواه الشيعيون من أن آية (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ) [الصافات : ٢٤] ، قد نزلت في الذين ينكرون حقّ علي في الولاية مع أن السياق عام متصل بظروف الدعوة في العهد المكي ، وفيه حكاية عن ما يراه الكافرون والمؤمنون من المشاهد الأخروية ترهيبا وترغيبا.

(٣) وجاء في البخاري عن أنس أن عمر بن الخطاب قال يا رسول الله يدخل عليك البرّ والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب فأنزل الله آية الحجاب ، بينما جاء في البخاري عن أنس أيضا أنه لما تزوج رسول الله زينب بنت جحش دعا القوم فطعموا ثم جلسوا يتحدثون وإذا هو كأنه يتهيأ للقيام فلم يقوموا فلما رأى ذلك قام فلما قام من قام وقعد ثلاثة نفر فجاء النبي ليدخل فإذا القوم جلوس ثم

٢٠٨

إنهم قاموا فانطلقت فأخبرت النبي أنهم انطلقوا فجاء حتى دخل فذهبت أدخل فألقى الحجاب بيني وبينه وأنزل الله (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِ) إلى آخر آية الأحزاب : [٥٣] ، وهي الآية التي ذكر فيها الحجاب والتي توصف بأنها آية الحجاب والتي نزلت بناء على مراجعة عمر كما جاء في الرواية الأولى ، وجاء كذلك في البخاري عن عائشة أن عمر بن الخطاب كان يقول لرسول الله احجب نساءك فلم يفعل وكان أزواج النبي يخرجن ليلا قبل المناصع (١) فخرجت سودة بنت زمعة وكانت امرأة طويلة فرآها عمر وهو في المجلس فقال عرفتك يا سودة حرصا على أن ينزل الحجاب قالت فأنزل الله آية الحجاب. وجاء في البخاري أيضا عن عائشة قالت خرجت سودة بعد ما ضرب الحجاب لحاجتها وكانت امرأة جسيمة لا تخفى على من يعرفها فرآها عمر بن الخطاب فقال أما والله ما تخفين علينا فانظري كيف تخرجين قالت فانكفأت راجعة إلى رسول الله في بيتي وإنه ليتعشى وفي يده عرق فدخلت فقالت يا رسول الله خرجت لبعض حاجتي فقال عمر كذا وكذا قالت فأوحى الله إليه ثم رفع عنه وأن العرق في يده ما وضعه فقال إنه أذن لكن أن تخرجن. فهذه أربعة أحاديث بخارية حول الحجاب ، وثلاثة منها في مناسبة نزول آية الحجاب في سورة الأحزاب ، وفيها ما فيها من التغاير في هذه المناسبة وكل هذا في حين أن الحجاب المذكور في الآية يعني الستر على باب البيت كما رواه أنس في أحد أحاديثه السابقة وأمر الناس بأن يطلبوا ما يكون لهم من حاجات من زوجات النبي من ورائه ولا يدخلوا عليهن بسبب ذلك كما أن الآية لم تنزل خاصة في الحجاب حتى تسمى آيته كما يظهر ذلك لمن ينعم النظر فيها.

(٤) وروى الضحاك عن ابن عباس على ما جاء في الخازن أن آية (إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً) .. إلخ. [المائدة : ٣٣] ، نزلت في قوم من أهل الكتاب كان بينهم وبين رسول الله عهد وميثاق فنقضوا عهد الله وأفسدوا في الأرض فخير الله رسوله إن يشأ يقتل وإن يشأ يصلب وإن يشأ

__________________

(١) محلات الغائط.

٢٠٩

يقطع الأيدي والأرجل من خلاف بينما روى الكلبي عن ابن عباس أيضا أنها نزلت في قوم هلال بن عويمر وذلك أن النبي وادع هلالا على أن لا يعينه ولا يعين عليه وأن من مرّ بهلال إلى النبي فهو آمن ، فمرّ قوم من بني كنانة يريدون الإسلام بقوم هلال فشدوا عليهم فقتلوهم وأخذوا أموالهم فنزل جبريل بالقضاء فيهم بهذه الآية ، وهذا وذاك في حين أن رواية عن سعيد بن جبير تقول إن الآية نزلت في قوم من عرينه وعكل أتوا رسول الله وبايعوه على الإسلام وهم كذبة ، فاستوخموا المدينة فبعثهم رسول الله إلى إبل الصدقة فارتدوا وقتلوا الراعي واستاقوا الإبل. فهذه ثلاث روايات في سبب نزول آية كل منها مخالف للأخرى من حيث القصة وكل منها يفيد أن الآية نزلت مستقلة بسبب حادث معين ، واثنتان منها على تخالفها مرويتان عن ابن عباس ، مع أن الذي ينعم النظر في سياق الآية يجدها غير منفصلة عن السياق السابق الذي يدور الحديث فيه عن اليهود والتنديد بهم ويربط حاضرهم بماضيهم ، ثم يجد في الآية التالية لها ما يدل على أن الذين هم موضوع الكلام ليسوا في متناول يد النبي وأن ما نسب إليهم إنما صدر عنهم في ظرف كفرهم ، وأنها أمرت بقبول توبتهم أي إسلامهم إذا تابوا قبل أن يقعوا في متناول يد النبي ويجد السياق التالي لها متصلا بالسياق السابق أيضا [الآيات ٣٢ ـ ٣٧ المائدة].

ولقد روى البخاري حديثا عن أنس بن مالك في قصة عرب عكل وعرينه التي ذكرت في الرواية المعزوة إلى سعيد بن جبير جاء فيه أن النبي سمّر أعينهم كواها بأسياخ النار وقطع أيديهم وأرجلهم وتركهم في ناحية الحرة حتى ماتوا ، ولم يرد في هذا الحديث أن الآية نزلت فيهم كما أنها لا تحتوي تسمير العينين ومحال أن يخالف النبي نصّ الآية لو أنها نزلت فيهم.

ـ ٢ ـ

روايات التفسير :

ثانيا : إن هناك أولا تفسيرا كاملا معزوا إلى ابن عباس رواية أبي صالح عن الكلبي احتوى تفسيرات لغوية وكثيرا من أسباب النزول وتأويلات للقصص

٢١٠

والتعابير والمشاهد والأوصاف القرآنية وتعليقات عليها ، وثانيا أقوالا كثيرة جدا في كتب التفسير معزوة إلى ابن عباس منها ما ورد في ذلك التفسير ومنها ما لم يرد ، واحتوت هي الأخرى تفسيرات لغوية وأسباب نزول وتأويلات للقصص والتعابير والمشاهد والأوصاف القرآنية وتعليقات عليها. وثالثا أقوالا كثيرة جدا كذلك في كتب التفسير معزوة إلى علماء من التابعين وتابعي التابعين أمثال مجاهد والضحاك وقتادة والحسن البصري وعكرمة وسعيد ومسروق ومحمد القرظي وسفيان بن عيينة وعطاء إلخ فيها كذلك تفسيرات لغوية وأسباب نزول وتعليقات وتأويلات بل وهناك روايات عن كتب تفسير معزوّة إلى بعض هؤلاء مثل مجاهد والضحاك وقتادة وسفيان ، وقد وصف السيوطي ما ورد عن ابن عباس من روايات تفسيرية بكلمة «لا تحصى» دلالة على كثرته ، وذكر أن عدد مثل هذه الروايات المروية عن الصدر الأول قد بلغ بضعة عشر ألفا ، والأرجح أن هذا العدد لا يشمل ما يرويه الشيعة بطرقهم وشروطهم الخاصة التي لا يستقيم كثير منها عند السنيين ولا يحتجون بها والتي ربما بلغ عددها نفس العدد أو زاد ، وكثير من الأقوال المنسوبة إلى هذا الصدر ومن يليه يصح عليها ما قلناه في الفقرة السابقة من أنه لا يثبت على النقد والتمحيص للأسباب التي ذكرناها هناك ، ومن حيث ما يقع في النفس من تلقفها من الأفواه وتدوينها في عهد رواج الرواية فاختلط حابلها بنابلها وغثّها بسمينها وصحيحها بباطلها ، وظهر على كثير منها أثر تلك الخلافات السياسية والحزبية والكلامية والمذهبية والعنصرية ، ومن حيث ما يقع في النفس من قصد التشويش والتشويه في بعضها وتعمد النحل والتلفيق في بعض آخر منها ، وفي بعضها ما هو أدخل في باب الخرافة منه في باب الحقيقة أو الاحتمال كما أن كثيرا منها لا يصح تصديق صدوره عن صحابة وتابعين وتابعي تابعين وخاصة من علمائهم الأجلاء المشهورين في سلامة المنطق والفهم والذكاء والدراية والورع. ويؤيد هذا قول الإمام الشافعي بأنه لم يثبت عن ابن عباس مما عزي إليه من روايات التفسير إلا نحو مئة ، بينما المنسوب إليه يبلغ بضعة آلاف ، ويؤيده كذلك موقف الإمام الحنبلي من هذه الروايات حيث يسلك روايات التفسير المعزوة إلى

٢١١

الصحابة والتابعين ـ وكل ذلك مما يدخل في شمول كتب الحديث ـ في سلك روايات الملاحم والمغازي من حيث غلبة احتمال تسرب الأخطاء والمبالغات وعدم صحة السند فيقول إنها لا أصل لها.

ومع ذلك فقد صارت هي الأخرى من عمد المفسرين القديمين وكتبهم وانتقلت من دور إلى دور حتى استفاضت في كتب التفسير جميعها تقريبا وغدت نصوصا نقلية يوقف عندها ويتقيد بها بل ويحتج بها بسبب مكانة المصدر الذي نسبت إليه بدءا ، ولم تحظ إلا بقليل من النقد والتمحيص ، بل وإن ما جرح منها ظل ينتقل من دور إلى دور ويستفيض في كتب التفسير ، ويورد في سياق الآيات من جملة الأقوال والتأويلات ، ومنها ما لا يذكر جرحه ، ولقد جرح بعض علماء القرآن والرواية رواية ابن الكلبي بل سمّاه بعضهم بالكذاب ، ولكن كثيرا مما رواه أخذه المفسرون القدماء وتنوقل عنهم دورا بعد دور ، منهم ما ذكر راويه ومنهم ما لم يذكر ، ودخل كذلك في عداد النصوص المروية التي يوقف عندها ويتقيد ويحتج بها ، وهذا شأن كثير من الروايات المجروحة أيضا ، فأدى ذلك كله إلى أخطاء وتشويشات وتشويهات ومفارقات ومجادلات كثيرة ، وكان وسيلة من وسائل غمز الأغيار والباحثين المستشرقين وطعنهم أيضا كما كان ذلك في روايات الأسباب والمناسبات على ما ذكرناه قبل والأمثلة على ذلك كثيرة جدا نورد بعضها فيما يلي للتمثيل والإيضاح :

(١) ففي تفسير سورة القلم من تفسير ابن عباس المذكور أن النون هو السمكة التي تحمل الأرضين على ظهرها ، وهي في الماء وتحتها الثور وتحت الثور صخرة وتحت الصخرة الثرى ولا يعلم ما تحت الثرى إلا الله ـ كأن هذا من العلم الذي عرفه البشر ـ وأن اسم السمكة ليواش ويقال ليوتي واسم الثور يلهموت ويقال يلهوى ويقال ليوتا ، وهي في بحر يقال له عصواص وهو كالصور الصغير في البحر العظيم ، وهذا البحر في صخرة جوفاء ، وفي هذه الصخرة أربعة آلاف خرق يخرج منها الماء. وقد وردت هذه الأقوال بعينها أو مزيدا عليها أو مبدلة بعض الشيء في كتب عديدة من كتب التفسير منها ما عزي إلى ابن عباس عن أبي صالح

٢١٢

عن الكلبي ومنها ما لم يذكر راويه ومصدره.

(٢) وقد صرفت كلمة (ربك) في هذا التفسير في جملة (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا) [المائدة : ٢٤] إلى هارون.

(٣) ولقد علّق فيه على جملة (وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ) بأن الله قد صور آدم بين مكة والطائف.

(٤) وقد صرف فيه المقصود من آيتي الأعراف (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (١٩٠) إلى آدم وحواء. وروى فيه أنهما جعلا لله شركاء في ما أتاهما حيث سمى أحد أولادهما عبد الله والآخر عبد الحارث. وقد ورد هذا القول في الخازن عن ابن عباس بغير ذكر الكلبي بهذا النص : كانت حواء تلد لآدم أولادا فيسميهم عبد الله وعبيد الله وعبد الرحمن فيصيبهم الموت فأتاهما إبليس فقال إن سرّكما أن يعيش لكما ولد فسمّياه عبد الحرث ـ يعني نفسه ـ فولدت ولدا فسمّياه كذلك فعاش!

(٥) وذكر فيه نسب نمرود هكذا : نمرود بن كنعان بن سنحاريب بن كوش.

(٦) وعلّق فيه على جملة (فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ) [الحجر : ١٩] كل شيء يوزن مثل الذهب والفضة والحديد والصفر والنحاس.

(٧) وفسّرت فيه كلمتا (تَمَنَّى) و (أُمْنِيَّتِهِ) الواردتان في آية الحج (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ) [٥٢] بمعنى قرأ وقراءته فكان هذا التفسير من أركان الأقوال والروايات التي قيلت ورويت في قصة الغرانيق وكون الشيطان هو الذي أجرى على لسان النبي الجملتين (تلك الغرانيق العلى. وإن شفاعتهن لترتجى) في أثناء تلاوة سورة النجم في صلاة أقامها بالمؤمنين في فناء الكعبة ، وكون آيات الحج. هي بسبيل نسخ تلك العبارات

٢١٣

والتنبيه على أنها من إلقاء الشيطان ، مما كان مثار أخذ ورد ومغامز ومطاعن في حين أن عبارات آيات الحج [٥٢ ـ ٥٤] وروحها وسياقها لا يتسق مع ذلك التفسير ولا مع تلك الأقوال قط على ما فصلناه في سياق تفسيرها (١) ، فضلا عما هناك من رواية تفيد أن هذه الآيات نزلت على النبي بطريق هجرته إلى المدينة.

(٨) وقد أولت فيه آيات زواج النبي بمطلقة متبنيه الواردة في سورة الأحزاب تأويلا تنزه رسول الله عنه من عشقه لزينب ومخادعته لزيد كان مثار أخذ وردّ ومغامز ومطاعن أيضا في حين أن عبارة الآيات وظروفها تناقض هذا التأويل. كما فصلناه كذلك في سياق تفسيرها (٢).

(٩) ومما نقل عن ابن عباس من غير طريق ابن الكلبي وأشرك معه غيره من الصحابة والتابعين ما نقله الخازن عن قصة هاروت وماروت العجيبة والشائقة معا حيث جاء فيها أنهما كانا أعبد الملائكة وأنهما عيرا الله في خلقه البشر على عصيانهم وأن الله قد تحداهما أن يثبتا إذا ركب فيهما طبائع البشر ، وأنهما لما انقلبا بشرا زنيا وشربا الخمر وقتلا النفس وسجدا للأصنام وأساءا استعمال اسم الله الأعظم إلخ بتفصيل طويل ، مما لا يتسق مع منطق من جهة وفيه ما فيه من موقف نحو الله من جهة أخرى. ولقد صارت هذه القصة وسيلة لجدل كلامي في عصمة الملائكة ، واحتج القائلون بعدمها بالقصة كحجة نقلية مروية بألفاظ متقاربة عن ابن عباس وعلي بن أبي طالب وابن مسعود وكعب الأحبار والسدي والربيع ومجاهد!

(١٠) ومن ذلك أن لحملة العرش قرونا وأن ما بين أخمص أحدهم إلى كعبه مسيرة خمسمائة عام ومن كعبه إلى ركبته مسيرة خمسمائة عام ومن ترقوته إلى موضع القرط منه مسيرة خمسمائة عام.

(١١) وروى «الكشاف» عن عكرمة في تأويل (كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ) [الفتح : ٢٩] أن هذا مثل ضربه الله لبدء الإسلام

__________________

(١) اقرأ أيضا كتاب «سيرة الرسول» الجزء الأول ففيه بحث وتمحيص.

(٢) المصدر نفسه.

٢١٤

وترقيه فأخرج شطأه بأبي بكر وآزره بعمر واستغلظ بعثمان واستوى على سوقه بعلي. وأثر المقالات الخلافية في ترتيب الخلفاء الراشدين ظاهر القول.

(١٢) وروى «الكشاف» معزوا إلى الحسن في صدد خلق الأرض والسماء أن الله خلق الأرض في موضع بيت المقدس كهيئة الفهر عليها دخان ملتزق بها ثم أصعد الدخان وخلق منها السماوات وأمسك النهر في موضعه وبسط منه الأرض فذلك قوله (كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما) الأنبياء : [٣٠].

(١٣) وروى الخازن معزوا إلى عبد الله بن عمر أن الذين يحملون العرش ما بين سوق أحدهم إلى مؤخر عينيه خمسمائة عام.

(١٤) وروى الخازن أيضا معزوا إلى عروة بن الزبير أن من حملة العرش من صورته على صورة الإنسان ومنهم من صورته على صورة النسر ومنهم من صورته على صورة الثور ومنهم من صورته على صورة الأسد.

(١٥) وروى أيضا معزوا إلى نوفل البكالي في وصف السلسلة التي ذكرت في سورة الحاقة (ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ) (٣٢) ، أن كل ذراع سبعون باعا وكل باع أبعد ما بينك وبين مكة وكان هو في رحبة الكوفة.

(١٦) وروت روايات شيعية عن مقاتل عن أبي عبد الله أنه وجد في كتاب علي بن أبي طالب أن آدم لما هبط إلى الأرض كانت رجلاه بثنية الصفا ورأسه دون أفق السماء وأنه شكا لله حرارة الشمس فأوحى إلى جبريل أن أغمزه فغمزه فصير طوله سبعين ذراعا بذراعه ثم غمز حواء غمزة فصير طولها خمسة وثلاثين ذراعا بذراعها. وقد رأينا تعليقا على رواية تقصير آدم وحواء لمؤلف شيعي آخر حاول فيه أن يعلل أذى الشمس بأن حرارتها تكون من غير جهة الانعكاس وتكون قامة آدم طويلة بحيث تتجاوز طبقة الزمهرير! ثم أيد صحة طول آدم واحتمال تأذيه من حرارة الشمس بقصة عوج بن عناق فذكر كيف كان يأخذ السمكة من قاع البحر ويشويها في عين الشمس ، ولم يكتف المؤلف بهذا فقد أخذ يورد احتمالات ووجوها من طرائفها أن جبريل غمز آدم فجعله سبعين لا سبعين وغمز حواء

٢١٥

فجعلها خمسين وثلثي الخمس لا خمسة وثلاثين وأن من المحتمل أن يكون الناقل وهم في القراءة.

(١٧) وجاء في تفسير القرطبي معزوا إلى ابن عباس أنه كان يوضع لسليمان ستمائة كرسي ثم يجيء أشراف الإنس فيجلسون مما يليه ثم يأتي أشراف الجن فيجلسون مما يلي الإنس ثم يدعو الطير فتظللهم ثم يدعو الريح فتقلهم وتسير بالغداة الواحدة مسيرة شهر.

(١٨) وجاء فيه معزوا إلى جابر بن عبد الله إلى النبي عليه‌السلام أنه كان نقش خاتم سليمان بن داود «لا إله إلّا الله محمد رسول الله».

(١٩) وجاء فيه أيضا معزوا إلى الحسن أن الجياد المذكورة في قصة سليمان في سورة ص (إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ) (٣١) ، خرجت من البحر لها أجنحة ، ومعزوا إلى الضحاك أنها كانت منقوشة ذات أجنحة ، ومعزوا إلى علي أن الشيطان أخرجها مجنحة من مروج البحر وكانت عشرين فرسا.

(٢٠) وفي الخازن عن البغوي عن الثعلبي عن كعب الأحبار أن موسى نظر في التوراة فقال إني أجد أمة هي خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالكتاب الأول والآخر ويقاتلون أهل الضلالة حتى يقاتلوا الأعور الدجال ، ربّ اجعلهم أمتي قال هي أمة محمد يا موسى. قال ربّ إنّي أجد أمة هم الحمادون المحكمون إذا أرادوا أمرا قالوا نفعل إن شاء الله فاجعلهم أمتي قال هي أمة محمد. قال ربّ إني أجد في التوراة أمة يأكلون كفاراتهم وصدقاتهم ـ وكان الأولون يحرقون كفاراتهم بالنار ـ وهم المستجيبون والمستجاب لهم الشافعون والمشفوع لهم فاجعلهم أمتي. قال هي أمة محمد. ويستمر الكلام فيتناول بضع صور أخرى من هذا القبيل. ونقول بهذه المناسبة إن المفسرين كثيرا ما نقلوا عبارات وجملا على أنها واردة في التوراة والإنجيل ومنها ما يشبه بعض آيات وعبارات القرآن ، ويعزون ذلك إلى كعب الأحبار أو عبد الله بن سلام أو ابن عباس أو بعض التابعين ومن جملة ذلك ما رواه البيهقي عن ابن عباس أن سورة

٢١٦

الكهف تسمى في التوراة الحائلة وسورة يس المعمة كأنما كل سورة في القرآن لها ما يقابلها أو لها ذكر في التوراة.

(٢١) وجاء في الخازن أن سعيد بن جبير قال عن ألواح موسى إنها من ياقوتة حمراء ، وإن الكلبي قال إنها من زبرجدة خضراء ، وإن ابن جريج قال إنها من زمرد وإن الله أمر جبريل فجاء بها من جنة عدن وكتبها بالقلم الذي كتب به الذكر واستمد ـ أي أخذ الحبر ـ من نهر النور ، وإن الربيع بن أنس قال إن الألواح كانت من زبرجد ، وإن وهبا قال : إن الله أمر جبريل فقطعها من صخرة صماء عينها له ثم شقها الله بأصبعه وسمع موسى صريف الأقلام بالكلمات العشر وكان ذلك أول يوم من ذي الحجة ، وكان طول الألواح عشرة أذرع على طول موسى واختلفوا في عدد الألواح فروي عن ابن عباس أنها كانت سبعة ، وروى عنه رواية أخرى أنها لوحان ورجحه الفراء وقال إنما جمعت على عادة العرب في إطلاق الجمع على الاثنين ، وإن وهبا قال إنها عشرة وإن مقاتلا قال إنها تسعة ، وإن الربيع بن أنس قال إنها كانت وفر سبعين بعيرا يقرأ الجزء منها في سنة ولم يقرأها إلا أربعة نفر موسى ويوشع وعزير وعيسى.

(٢٢) وجاء في الخازن عن الربيع عن أنس أن درجات الجنة سبعون ما بين الدرجتين حضر الفرس المضمر سبعين سنة.

(٢٣) وجاء فيه عن ابن مسعود أن ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام وما بين كل سماء وسماء خمسمائة عام وفضاء كل سماء وأرض خمسمائة عام وما بين السماء السابعة والكرسي خمسمائة عام وما بين الكرسي والماء خمسمائة عام والعرش على الماء والله على العرش. وهناك خبر عن ابن عباس أن المسافة ...

فحاول أحد المفسرين التوفيق بين القولين فقال إن الخلاف في قدر المسافة على اختلاف سير الدواب.

(٢٤) وجاء فيه معزوا إلى ابن عمر أن السور الذي ذكر في القرآن (فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ) [الحديد : ١٣] ، هو سور

٢١٧

بيت المقدس الشرقي باطنه فيه المسجد وظاهره من قبله العذاب وادي جهنم.

وهذا قليل جدا من كثير جدا مما ورد من هذا الباب معزوا مثل ما تقدم إلى صحابة وتابعين عن الخلق والتكوين والقصص وتأويل الآيات والأحداث المتصلة بالسيرة النبوية وظروف الدعوة.

وهذا غير ما روي من روايات تأويلية وتفسيرية كثيرة جدا في كتب السنة والشيعة معزوة إلى صحابة أو تابعين ممن عرفوا بالعلم والدراية والورع وسلامة المنطق متناقضة من جهة ويبرز فيها أثر الخلافات الحزبية والمذهبية والسياسية بروزا واضحا من جهة أخرى. وفي كل هذا ما هو ظاهر من الإغراب والتخمين بل والتخريف وعدم الاتساق مع مرامي الآيات ومضمونها وظروفها ، ودلائل الجهل بحقائق الكتب المنزلة ومحتوياتها وبما هو معروف إذ ذاك من الحقائق العلمية والتاريخية والجغرافية مما يشوش على الراغب في تفهم القرآن ويجعل القرآن عرضة للحجاج والجدل والأخذ والرد ، ويشوه أسماء كثير من أصحاب رسول الله وتابعيهم ، ويجعل المسلم يقف موقف الحيرة والبلبلة مما نقل عنهم.

ـ ٣ ـ

تعليقات المفسرين على القصص :

ثالثا : إن كثيرا من المفسرين قد ولعوا بالتعليق على ما ورد في القرآن من قصص ولعا كبيرا تجاوزوا فيه حدود الروايات المنسوبة إلى الصحابة والتابعين على علّات كثير من هذه الروايات ، وجالوا في ساحات التخمين والتخرص والتكلف والتزيد والمبالغة جولات مسهبة حينا وموجزة حينا آخر ، ومنسوبة إلى رواة من غير تلك الطبقة بالأسماء حينا وبدون أسماء حينا وصادرة عنهم أو موهمة أنها كذلك حينا آخر ، حتى ليقع في نفس القارئ من فحوى عباراتهم وأساليب إيرادهم أحيانا أنهم يعنون أن القصص القرآنية أو بعضها على الأقل قد وردت في القرآن لذاتها ، وبقصد الإخبار والماهيات والحقائق أكثر من قصد العظة والتذكير ، وكثير مما أورده لا يتفق مع دلالات الآيات ولا تتحمله أهدافها ولا تقتضيه عباراتها كما فيه

٢١٨

مفارقات كثيرة وما هو أدخل في باب الخرافة منها في باب الحقائق. وإليك بعض الأمثلة من ذلك للتمثيل والإيضاح :

(١) فهذه سلسلة مما ورد عن ذي القرنين ويأجوج ومأجوج منقولة عن الخازن وأبي السعود والبيضاوي والكشاف ، وأكثرها بتعبير روي وقيل وأحيانا بدون ذلك وقليل منها معزو لقائل معين :

١ ـ إن الله إنما ذكر ذا القرنين لأن حكمته شاءت تخليد اسمه في القرآن على مرّ الدهور لما بلغه من عظمة السلطان وسعة الملك.

٢ ـ إن ذا القرنين دخل الظلمة في طلب عين الحياة ، وإن الخضر كان من رجال جيشه فوقع على العين فاغتسل وشرب منها.

٣ ـ إن عمر ذي القرنين ألف وثلاثون سنة.

٤ ـ وقال ابن جريج كان عند العين الحمئة مدينة يقال لها الجاسوس لها اثنا عشر ألف باب وسكانها من نسل ثمود الذين آمنوا بصالح ولو لا ضجيج أهلها لسمع الناس وجيب الشمس حين تغيب.

٥ ـ إن يأجوج أمة ومأجوج أمة ، وكل أمة أربعة آلاف أمة ، ولا يموت الرجل منهم حتى يرى من صلبه ألف رجل قد حمل السلاح ، وهم ثلاثة أصناف صنف منهم أمثال الأرز شجر بالشام طوله عشرون ومئة ذراع ، وصنف منهم عرضه وطوله سواء عشرون ومئة ذراع وهؤلاء لا يقوم لهم جبل ولا حديد ، وصنف منهم يفترش أحدهم أذنه ويلتحف بالأخرى ، ولا يمرون بفيل ولا وحش ولا خنزير إلا أكلوه ، ومنهم من طوله شبر. وقال كعب إن آدم احتلم ذات يوم وامتزجت نطفته بالتراب فخلق الله من ذلك الماء يأجوج ومأجوج ، فهم متصلون بنا من جهة الأب دون الأم.

٦ ـ كان لذي القرنين قرنان فأمر قومه بتقوى الله فضربوه على قرنه الأيمن فمات فأحياه الله ثم بعثه فأمرهم بتقوى الله فضربوه على قرنه الأيسر فمات فأحياه الله.

٢١٩

٧ ـ سخر الله لذي القرنين السحاب فحمل عليه ، ومدّ له الأسباب وبسط له النور فكان الليل والنهار عليه سواء. وخاطبه قائلا إني باعثك إلى أمم مختلفة ألسنتهم ، منهم أمتان بينهما طول الأرض إحداهما عند مغرب الشمس يقال لها ناسك والأخرى عند مطلعها يقال لها منسك ، ومنهم أمتان بينهما عرض الأرض إحداهما في القطر الأيمن يقال لها هاويل والأخرى في قطر الأرض الأيسر يقال لها تاويل ، ومنهم أمم في وسط الأرض منهم الجن والإنس ويأجوج ومأجوج! فقال بأي قوة أكابدهم وبأي جمع أكاثرهم وبأي لسان أناطقهم ، فقال الله إني سأقويك وأبسط لسانك وأشد عضدك فلا يهولنك شيء ، وألبسك الهيبة فلا يرو عنك شيء وأسخر لك النور والظلمة وأجعلهما من جنودك. فالنور يهديك من أمامك والظلمة تحوطك من ورائك.

٨ ـ إنه الإسكندر الذي ملك الدنيا. وقيل ملكها مؤمنان وهما ذو القرنين وسليمان وكافران وهما نمرود وبختنصر.

٩ ـ قيل إنه كان عبدا صالحا ملكه الله الأرض وأعطاه العلم والحكمة وسخر له النور والظلمة ، فإذا سرى يهديه النور من أمامه وتحوطه الظلمة من ورائه. وقيل كان نبيا وقيل كان ملكا من الملائكة. وعن علي أنه ليس بملك ولا نبي ولكنه عبد صالح ضرب على قرنه الأيمن في طاعة الله فمات ثم بعثه الله فضرب على قرنه الأيسر فمات فبعثه الله فسمي ذا القرنين ، وإن فيكم لمثله. وعلق المفسر قائلا إن عليا أراد نفسه.

١٠ ـ إن معاوية قرأ جملة (عَيْنٍ حَمِئَةٍ) [الكهف : ٨٦] «عين حامية» فقرأها ابن عباس «عين حمئة» فقال معاوية لعبد الله بن عمر كيف تقرأها فقال كما يقرأ أمير المؤمنين ، ثم إن معاوية وجّه إلى كعب الأحبار كيف تجد الشمس تغرب في التوراة قال في ماء وطين فوافق قول ابن عباس.

(٢) وهذه سلسلة أخرى في سياق قصص موسى وفرعون وبني إسرائيل وسليمان منقولة عن «الكشاف». وقد وردت في كتب تفسير أخرى مقاربة أو نصا

٢٢٠