دراسات في علم الأصول - ج ٣

آية الله السيّد علي الشاهرودي

دراسات في علم الأصول - ج ٣

المؤلف:

آية الله السيّد علي الشاهرودي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مركز الغدير للدراسات الإسلامية
المطبعة: محمّد
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٤٧
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣   الجزء ٤
  نسخة غير مصححة

ولو لم نقل بالصلح القهري ولا بهذه القاعدة ، أو لم نقل بكون جواز التصرف الظاهري لمن بيده المال موضوعا لجواز تصرف غيره ممن انتقل إليه واقعا ، فيلتزم بعدم جواز تصرف من انتقل إليه النصفان فيهما وبعدم جواز تصرف مشتري الجارية فيما إذا لم يرد في ذلك نصّ ، وإنما النص ورد بتنصيف الدرهم بينهما لا في جواز تصرف الشخص الثالث في مجموعها ، ولو فرض ورود النص بذلك كان اللازم تأويله ، لأن حجية القطع ضرورية.

الفرع الثاني : فيما لو اختلف المتبايعان في الثمن أو في المثمن بعد اتفاقهما على وقوع أصل البيع ، كما لو اتفقا على وقوعه بإزاء ثمن معين فرضه عشرة دنانير واختلفا في المثمن ، فادعى البائع ان المبيع عبد وادعى المشتري انه جارية ، فان أقام أحدهما بخصوصه البينة فالقول قوله ، وإلّا فان حلف أحدهما ونكل الآخر يسمع دعواه ، وان تحالفا يحكم بالانفساخ القهري ورجوع الثمن إلى مالك مالكه والعبد أو الجارية إلى البائع. وفي هذا الفرض لو انتقل العبد والجارية معا إلى ثالث ، فهو يعلم إجمالا بعدم جواز تصرفه في أحدهما لكونه ملكا للمشتري يقينا ، مع أنهم أفتوا بجواز تصرفه فيهما معا.

والجواب عنه : انه ان قلنا : بأن التحالف بنفسه موجب للانفساخ ، فبالتحالف ينفسخ البيع واقعا ويرجع كل من العوضين إلى ملك مالكه الأصلي ، فلا إشكال. واما إذا قلنا : بعدمه ، وفرضنا ان الانفساخ ظاهري فحينئذ إن قلنا بكفاية تصرف ذي اليد ظاهرا في جواز تصرف غيره فيه واقعا فلا إشكال أيضا ، وإلّا فنلتزم بعدم جواز تصرف الشخص الثالث فيهما بعد ما لم يرد فيه آية ولا رواية.

الفرع الثالث : لو علم شخص إجمالا بجنابة نفسه أو جنابة صاحبه ، صح له أن يأتم به في الصلاة ، مع أنه يعلم ببطلان صلاته ، أما لجنابته وأما لجنابة إمامه. وهكذا لو علم إجمالا بجنابة أحد شخصين ، يصح له أن يأتم بهما في صلاة واحدة ، كما لو

٨١

اقتدى بأحدهما فحدث له حادث فعدل إلى الآخر مع أنه يعلم ببطلان صلاته لجنابة أحد الإمامين ، وهكذا يجوز له أن يأتم بهما في صلاتين مترتبتين بأن يأتم في صلاة الظهر بأحدهما وفي العصر بالآخر ، مع أنه يقطع ببطلان صلاة العصر تفصيلا ، أما من جهة فوات الترتيب أو من جهة جنابة الإمام.

والجواب عن ذلك : هو أنه لو قلنا : بأن الصحة عند الإمام تكفي في جواز الائتمام به ولو لم تكن صحيحة في نظر المأموم فلا مجال حينئذ لعلم المأموم ببطلان صلاته ، فإذا فرضنا أن المأموم علم بأن الإمام محدث ولكن الإمام لم يكن عالما بذلك وصلى مستصحبا للطهارة صحت صلاة المأموم ، وليس عليه الإعادة وان وجب على الإمام ذلك لو انكشف له الخلاف ، وإذا كان الحال ذلك في العلم التفصيليّ فما ظنك بموارد العلم الإجمالي. واما لو لم نقل بذلك ، واعتبرنا إحراز المأموم صحة صلاة الإمام فلا مناص حينئذ من الحكم ببطلان صلاة المأموم في جميع هذه الفروض ، ولا ضير في ذلك بعد ما لم يرد على صحتها دليل خاص ، والقاعدة تقتضي البطلان.

الفرع الرابع : لو تداعيا ، وقال أحدهما : بعتك الجارية ، وقال الآخر : بل وهبتها لي يتحالفان ، فترد الجارية إلى صاحبها الأول مع العلم التفصيليّ بخروجها عن ملكه.

والجواب عن ذلك : هو أن الهبة تارة تكون جائزة. وأخرى لازمة كما إذا كانت لذي رحم ، أو للزوج أو الزوجة ، أو قصد بها القربة ، فان كانت جائزة فليس هناك علم بالمخالفة ، فان المتحقق واقعا كان هو الهبة ، فيكون نفس دعوى الواهب البيع وانه لم يهبها رجوعا فيها ، وهكذا كما قيل من أن إنكار الوكالة فسخ للوكالة ، وعليه فيحتمل أن تكون الجارية ملكا لمالكها الأول. وأما لو كانت الهبة لازمة ولم يكن للواهب حق الرجوع على تقدير تحققها كان المقام داخلا فيما تقدم من أن

٨٢

التحالف بنفسه يوجب الانفساخ ، فينفسخ العقد سواء كان في الواقع هبة أم كان بيعا.

الفرع الخامس : لو أقر شخص بعين لشخص ثم أقر به لشخص آخر ثم لشخص ثالث وهكذا ، يعطي نفس العين للمقر له أولا ويغرم للثاني فصاعدا قيمة العين ، وحينئذ يعلم إجمالا أما بأن العين لم تصل إلى مالكها الواقعي ، أو أن الغرامة لم تصل إلى مالك العين ، فلو اجتمع العين والقيمة عند شخص واحد واشترى بهما شيئا يعلم تفصيلا بعدم جواز تصرفه فيه ، لأن بعض ثمنه كان ملك الغير يقينا ، فلم يدخل المثمن في ملكه.

والجواب عنه : ان هذا الحكم حكم على القاعدة ، فان إقرار المقر أولا أوجب دخول العين في ملك المقر له بمقتضى قاعدة الإقرار ، ولا أثر لإنكاره بعده ثانيا ، ولما أقر للشخص الثاني بمقتضى الدليل المتقدم يحكم بأن العين كان له ، وحيث انه بإقراره الأول أتلف العين يحكم بضمانه لها لحديث من أتلف ، فلا بد وأن يغرم للمالك المثل أو القيمة ، وهكذا الحال في الإقرار الثالث وما بعده ، وحينئذ لو قلنا : بأن الملكية الظاهرية الثابتة لهم هو الموضوع لجواز تصرف من انتقل إليه المال منهم فلا إشكال ، ولا يحصل له علم بعدم جواز التصرف أصلا ، ولو لم نقل : بذلك فنلتزم بعدم جواز التصرف في كلا المالين للعلم الإجمالي ، وهكذا فيما اشترى بهما ، وليس في هذا الالتزام مخالفة لآية ولا لرواية.

هذا ما اقتضته القواعد في الفروع ، والكلمة الفاصلة في المسألة أن من البديهي استحالة زجر الشارع عما قطع المكلف بأنه مرضي المولى ويجب إيجاده ، أو يأمر بما قطع المكلف بأنه لا يريده ولا يرضى بإتيانه.

٨٣
٨٤

الأمر السادس :

منجزية العلم الإجمالي

والكلام فيه يقع في مقامين :

أحدهما : في تنجيز العلم المشوب بالجهل والإجمال ، وانه كالعلم التفصيليّ في ذلك أم لا؟

ثانيهما : في كفاية الامتثال الإجمالي بعد ثبوت التكليف وإمكان امتثاله تفصيلا.

أما المقام الأول : فالبحث فيه يكون من جهتين :

الأولى : في وجوب الموافقة القطعية ، بمعنى عدم إمكان الرجوع في شيء من أطرافه إلى الأصول العملية ، فلا يجوز ارتكاب بعض أطرافه أيضا وان كان ثبوت التكليف فيه مشكوكا. والكلام من هذه الجهة يناسب مبحث البراءة ، فالأنسب ما صنعه الشيخ من إدراجها في مبحث الشك والتعرض لها هناك.

الثانية : في حرمة مخالفته القطعية بارتكاب جميع أطرافه ولو تدريجا ، وعدم جريان الأصول في مجموع الأطراف. وهذه الجهة هي التي يناسب البحث عنها مبحث القطع فنتعرض لها في المقام تبعا للشيخ قدس‌سره ، والكلام فيها يقع في مباحث ثلاثة :

الأول : في أن العقل هل يفرق بين العلم التفصيليّ والإجمالي في كونه منجزا للتكليف أو يراه بيانا بحيث لا يجري معه قبح العقاب بلا بيان؟

٨٥

الثاني : بعد فرض كونه بيانا هل يتمكن الشارع أن يرخص في مخالفته القطعية بارتكاب جميع الأطراف ولو بالتصريح؟

الثالث : في وقوع ذلك وشمول الأدلة لجميع أطراف العلم الإجمالي. ومن الواضح ان هذا المقام مترتب على المقام الثاني ، إذ لو فرض استحالة الترخيص في جميع الأطراف لم يبق مجال للبحث عن دلالة الدليل.

أما البحث الأول : فربما يقال انه يعتبر في موضوع حكم العقل بقبح مخالفة المولى أن يكون المكلف حين العمل عالما بالمخالفة تفصيلا ، واما الإتيان بأمور لا يعلم حين الإتيان بكل واحد منها بمخالفته للمولى ، ولكن بعد الإتيان بالجميع يعلم بتحقق المخالفة في الخارج فلا يحكم العقل بقبحه. وبعبارة أخرى : القبيح مخالفة التكليف الواصل لا تحصيل العلم بالمخالفة ، ولذا لو ارتكب المكلف ما هو مشكوك الحرمة بالشك البدوي تمسكا بأصالة البراءة لا مانع بعد ذلك له من أن يحصل العلم بأن ما فعله كان حراما واقعا بالسؤال عن إمام أو من جفر أو رمل أو من غير ذلك ، فتحصيل العلم بتحقق المخالفة لا يكون معصية.

والجواب عنه هو أن وصول التكليف وانطباقه وان كان مأخوذا في موضوع حكم العقل بالقبح ، وإلّا لحكم بقبح المخالفة في الشبهات البدوية أيضا ، ولكن تمييز ما يحصل به المخالفة عن غيره غير لازم ، وبما أن المفروض في المقام وصول التكليف غير أن متعلقه لم يتميز في الخارج كان العقاب مع البيان لا محالة ، مثلا إذا علم إجمالا بحرمة شرب أحد المائعين ، فالحرمة تكون واصلة بالعلم بثبوته وان لم يكن موردها متميزا عن غيره ، ومن الواضح ان تمييز الحرمة عن غيره لا دخل له في حكم العقل بقبح الفعل ، والدليل في أمثال هذه الموارد منحصر بمراجعة الوجدان والعقلاء ، فانا نراهم لا يفرقون في الحكم بالقبح بين ما إذا عرف العبد ابن المولى بشخصه فقتله أو علم إجمالا بكونه في جملة أشخاص فقتلهم أجمع.

٨٦

وبالجملة هذا الإشكال مغالطة ناشئة من الخلط بين الوصول والتمييز ، فان وصول التكليف الفعلي هو الموضوع لحكم العقل بقبح المخالفة ، ولا ربط لهذا بتمييز المكلف به أصلا ، ولذلك لا ريب في حكم العقل بقبح ارتكاب جميع أطراف العلم الإجمالي دفعيا كالنظر إلى امرأتين يعلم بحرمة النّظر إلى أحدهما ، كما في ارتكاب المحرم تفصيلا مع أن موضوع التكليف الواقعي غير مميز ، فلا يعتبر في القبح إلّا وصول التكليف الفعلي ، وهو متحقق في محل الكلام.

المبحث الثاني : ذهب صاحب الكفاية رحمه‌الله إلى إمكان جعل الأصول العملية في جميع أطراف العلم الإجمالي ، بل ادعى وقوعه (١) كما في موارد الشبهة غير المحصورة ، وذلك لانحفاظ مرتبة الحكم الظاهري فيها ، وذكر انه لا مضادة بين الحكم الواقعي والظاهري ليقال أن ذلك مستلزم للعلم بثبوت المتضادين ، فانه لو كان بينهما مضادة لما أمكن جعل الحكم الظاهري في الشبهات البدوية لاستلزامه احتمال الجمع بين متضادين ، ومن الواضح ان احتمال اجتماعهما مستحيل كالقطع به ، إذ العقل بعد استقلاله باستحالة الاجتماع كيف يحتمل وقوعه ، ولما أمكن الرجوع إلى الأصول العملية في الشبهة غير المحصورة أيضا ، وإذا لم تكن هناك مضادة فلا مانع من جعل الحكم الظاهري في موارد الشبهة المحصورة أيضا أي فيما كان مخالفته مع الحكم الواقعي معلوما ، ولا يتوهم من ذلك صحة جعله مع العلم التفصيليّ ، لأن رتبة الحكم الظاهري معه غير محفوظة والمانع فيه عدم الانحفاظ لا التضاد. والحاصل أن رتبة الحكم الظاهري لو كانت محفوظة مع الشك في الحكم الواقعي مطلقا فلا مانع من جعله في أطراف العلم الإجمالي للجهل بالواقع في كل واحد من الأطراف بخصوصه ، ولو لم يكن الرتبة محفوظة لما أمكن جعله في الشبهة البدوية والشبهة غير

__________________

(١) كفاية الأصول : ٢ ـ ٣٥.

٨٧

المحصورة ، وأما في مورد العلم التفصيليّ فلا موضوع لجعل الحكم الظاهري ، لأن الجهل بالواقع مأخوذ في موضوعه ، هذا توضيح ما ذكره في الكفاية.

والجواب عن ذلك أن الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي لا يبتني على اختلاف مرتبتهما ، ولا على كون الأحكام الواقعية غير فعلية من جميع الجهات ، بل على أن الأحكام لا مضادة بينها في أنفسها ، فان الحكم ليس إلّا اعتبار شيء على ذمة المكلف ، ومن الواضح أنه لا تنافي في الأمور الاعتبارية ، فالتنافي بين الأحكام لا بد وأن يكون أما من جهة المبدأ وأما من جهة المنتهى ، ونعبّر عن الأول مسامحة بالعلة وعن الثاني بالمعلول ، والمراد من المبدأ على رأي العدلية ومن وافقهم هو المصلحة أو المفسدة ، وعلى مسلك الأشاعرة المنكرين لتبعية الأحكام لهما هو الشوق والكراهة ، ومن المنتهى مقام امتثال الأحكام ، وحينئذ فلازم اجتماع الحكمين كالوجوب والحرمة وقوع التضاد بين المصلحة والمفسدة في المتعلق ، أو الشوق والكراهة وتعلقهما بشيء واحد وهكذا في اجتماع الوجوب أو الحرمة مع الترخيص هذا من حيث المبدأ.

وأما من حيث المنتهى فلعدم تمكن المكلف من امتثالهما ولو كان في غاية الطاعة والانقياد للمولى كسلمان ونظرائه ، فلا بد في الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري من علاج هاتين الحيثيتين وبالجملة لا تنافي بين الحكمين ذاتا ، سواء كانا واقعيين أو ظاهريين ، أو كان أحدهما واقعيا والآخر ظاهريا ، إذ الإنشاء بمجرده خفيف المئونة ، ولا مضادة بين قول افعل وقول لا تفعل ، ولا بين اعتبارين سواء كانا إلزاميين أو كان أحدهما إلزاميا والآخر ترخيصيا وذلك واضح.

فالمضادة بين حكمين لا بد وأن يكون بالعرض أما من ناحية المبدأ والعلة وأما من ناحية المنتهى والمعلول ، فان لازم اجتماع الوجوب والحرمة مثلا في مورد هو وجود المصلحة والمفسدة الملزمتين بلا كسر وانكسار في البين ، أو ثبوت الشوق

٨٨

والكراهة معا في محل واحد ، وهو من اجتماع الضدين ، ولازم اجتماع الإلزام والترخيص معا هو أن لا يكون في الفعل الواحد اقتضاء الإلزام بالفعل أو الترك وأن يكون فيه ذلك ، وهذا معنى التنافي من حيث المبدأ.

وأما من حيث المنتهى وهو التضاد في مرحلة حكم العقل بالامتثال فلأنّه بعد ما فرض ان المولى أمر بشيء ونهى عنه فلا محالة يحكم العقل بلزوم امتثالهما معا ، فيقع التضاد في حكمه بالامتثال ، وهكذا لو أمر بشيء أو نهى عن شيء ورخص فيه يقع التنافي في حكمه بلزوم امتثال التكليف الإلزاميّ وحكمه بالترخيص في الفعل والترك ، فدائما يكون التنافي بين الحكمين عرضيا.

إذا عرفت ذلك بان لك انه لا تنافي بين الحكم الواقعي والظاهري في الشبهات البدوية لا من ناحية المبدأ ولا من ناحية المنتهى. أما من ناحية المبدأ ، فلأن المصلحة في الحكم الظاهري إنما تكون في نفس الجعل لا في المجعول ، سواء كان الحكم الظاهري ترخيصا لمصلحة التسهيل أو كان إلزاميا ، فلا يلزم من مخالفته مع الحكم الواقعي اجتماع المصلحة والمفسدة أو الإرادة والكراهة أصلا. وأما من ناحية المنتهى ، فلأن مورد الحكم الظاهري هو الشك في الواقع وعدم تنجزه ووصوله إلى المكلف ، فما لم يصل الواقع لا يحكم العقل بلزوم امتثاله ، وإذا وصل وحكم العقل بلزوم امتثاله لا يبقى مجال للحكم الظاهري لارتفاع موضوعه بوصول الواقع ، فلا يقع التنافي بينهما في مقام الامتثال أيضا. إذا تجلى هذا وضح لنا ان التنافي بين الحكم الواقعي والظاهري في أطراف العلم الإجمالي إنما هو في مرحلة المنتهى والمعلول لما تقدم من أن الواقع يكون واصلا بالعلم الإجمالي ، ولا يفرق بينه وبين العلم التفصيليّ ، فيحكم بلزوم امتثال الواقع الواصل به ، وإذا كان الحكم الظاهري على خلاف يلزم محذور اجتماع المتنافيين من ناحية الامتثال ، فلا تقاس به الشبهة البدوية أبدا.

٨٩

نعم يبقى الإشكال في جريان الأصول وثبوت الحكم الظاهري في أطراف الشبهة غير المحصورة مع أن الواقع فيها وأصل كما في المحصورة.

والتحقيق : في الجواب عنه أنه لو كان المراد من غير المحصورة الّذي يجري في أطرافه الأصول مجرد كون أطراف العلم الإجمالي كثيرة كما هو أحد القولين في المسألة لما كان لهذا الإشكال مدفع ، إذ لا فرق بين قلة الأطراف وكثرتها فيما تقدم ، ولكن الصحيح أن الشبهة غير المحصورة التي لا يكون العلم الإجمالي فيها منجزا ويجري في أطرافه الأصول العلمية إنما هي الشبهة التي بلغت كثرة أطرافها إلى حد لا يمكن إحراز الامتثال فيها أصلا ، أو يكون حرجيا أو عسرا أو ضرريا ، وهذا اصطلاح لا مناقشة فيه ، وعليه فلا يكون الحكم الواقعي فيها لازم الامتثال ، لعدم التمكن منه ، أو لكونه عسرا أو حرجيا أو ضرريا ، وإذا لم يلزم امتثال الحكم الواقعي في مورد لم يكن مانع من جريان الأصول في أطرافه ، فكم فرق بينها وبين الشبهة المحصورة ، فان الحكم الواقعي في المحصورة يجب امتثاله بحكم العقل كما عرفت ، فلا يمكن جعل الحكم الظاهري في موردها. ثم لو تنزلنا عن ذلك وقلنا بانحفاظ مرتبة الحكم الظاهري في الشبهة المحصورة يقع الكلام في المبحث الثالث.

المبحث الثالث : أعني به شمول أدلة الأصول العملية لأطراف العلم الإجمالي وعدمه. فقد منع الشيخ قدس‌سره عن ذلك ، لكونه مستلزما لوقوع المناقضة بين صدر الروايات وذيلها ، وذلك لأن مقتضى إطلاق صدر الروايات كقوله عليه‌السلام في رواية مسعدة ابن صدقة (كل شيء هو لك حلال) (١) وقوله عليه‌السلام في حديث عبد الله بن سنان (كل شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال) (٢) وأمثال ذلك ثبوت الحكم الظاهري في أطراف العلم الإجمالي ، إذ كل واحد من الأطراف يشك في حليته ، فيصدق عليه

__________________

(١) وسائل الشيعة : ١٢ ـ باب ٤ من أبواب ما يكتسب به ، ح ٤.

(٢) المصدر السابق : ح ١.

٩٠

هذا العنوان ، ومقتضى إطلاق ذيلها والغاية المذكورة فيها أعني بها العلم بالحكم الواقعي أو معرفته الشامل للعلم الإجمالي هو عدم ثبوت الحكم الظاهري في بعض الأطراف ، وهذا معنى المناقضة بين الصدر والذيل ، فان نقيض الموجبة الكلية هي السالبة الجزئية ، فلا بد من رفع اليد عن إطلاق صدر الروايات وتقييده بالشبهات البدوية ، أو عن إطلاق ذيلها وتقييده بالعلم التفصيليّ ، ولا مرجح لأحدهما على الآخر ، فلا محالة تكون الروايات من هذه الجهة مجملة ، فلا بد من الرجوع في مورد العلم الإجمالي إلى حكم العقل ، وقد عرفت ان العقل لا يفرق بين العلم الإجمالي والتفصيليّ في المنجزية بعد ما لم يكن في موارد العلم ولو كان إجماليا مجالا لقاعدة قبح العقاب بلا بيان.

ثم انه قدس‌سره ذكر شبهة لإثبات اختصاص الغاية بالعلم التفصيليّ وحاصلها (١) : أن كلمة «بعينه» المذكورة في ذيل بعض الأخبار الواردة في المقام دالة على اعتبار العلم التفصيليّ في حصول الغاية. وأجاب عنها بأنه لا يستفاد من هذه الكلمة إلّا التأكيد ، فانه يصح عرفا أن يقال أعرف نجاسة إناء زيد بعينه فيما إذا علم بنجاسته وتردد بين إناءين ولم يكن إناء زيد متميزا عن غيره.

أقول : يرد على ما أفاده.

أولا : ان العلم أو ما هو بمعناه المأخوذ غاية في هذه الروايات ظاهر عرفا في خصوص ما يكون منافيا للشك في كل من الأطراف ، وبعبارة أخرى : ظاهر قوله عليه‌السلام : «لا تنقض اليقين أبدا بالشك وانما تنقضه بيقين آخر» (٢) هو أن الغاية إنما هو اليقين المتعلق بعين ما تعلق به الشك بحيث يكون رافعا له لا مطلق اليقين ولو تعلق بغير ما كان الشك متعلقا به ، وهذا واضح جدا ، وعليه فالغاية لا تحصل بالعلم

__________________

(١) فرائد الأصول : ٢ ـ ٤٠٤ ـ ٤٠٥ (ط. جامعة المدرسين).

(٢) وسائل الشيعة : ١ ـ باب ١ من أبواب نواقض الوضوء ، ح ١.

٩١

الإجمالي ، ولا يشمله ذيل هذه الأخبار ، فالإطلاق في صدرها بلا معارض.

وثانيا : أن الشيخ قدس‌سره لا يلتزم بهذا ، إذ لازمه عدم جريان الأصول في أطراف العلم الإجمالي ولو لم يكن منجزا بخروج بعض أطرافه عن محل الابتلاء أو بغير ذلك ، فإذا علم المقلد إجمالا بموت أحد شخصين مردد بين مقلده وشخص آخر أجنبي عنه فان لازم ذلك أن لا يتمكن من إجراء الاستصحاب في حياة مقلده.

وثالثا : ان ما أفاده من أن كلمة «بعينه» لا تدل على اعتبار التمييز بل تكون للتأكيد وان كان متينا في الجملة ، ولكنه لا يتم في جميع الروايات الثلاثة التي ذكرت فيها هذه الكلمة ، فان في رواية عبد الله بن سنان عن الصادق عليه‌السلام : (كل شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه) (١) ومن الواضح أن معرفة الحرام من الشيء بعينه فرع تمييزه عن غيره ، وهكذا معرفة النجس من الشيء ، وهذا بخلاف معرفة أن الشيء نجس بعينه الّذي مثل به الشيخ قدس‌سره ، وكم فرق بين التعبيرين بحسب الظهور العرفي ، فذيل هذه الرواية غير شامل لأطراف العلم الإجمالي ، فلا مانع من التمسك بإطلاق صدرها وان قلنا بإجمال غيرها من الروايات ، وسيأتي تفصيل الكلام إن شاء الله في خاتمة الاستصحاب.

فالصحيح : أن المانع عن إجراء الأصول في المقام ثبوتي لا إثباتي.

المقام الثاني : في كفاية الامتثال الإجمالي. لا شبهة في حكم العقل والشرع بحسن الاحتياط وان استلزم ذلك التكرار فيما إذا لم يتمكن المكلف من الامتثال التفصيليّ. لأنه غاية ما يمكنه العبد المطيع في الانقياد لمولاه. واما مع التمكن من الامتثال التفصيليّ ، فيقع الكلام تارة : في الواجبات التوصلية ويلحقها الوضعيات من الطهارة والعقود والإيقاعات ، وأخرى : في العبادات.

__________________

(١) وسائل الشيعة : ١٢ ـ باب ٤ من أبواب ما يكتسب به ، ح ١.

٩٢

اما التوصليات ، فيكفي فيها الامتثال الإجمالي ، حيث أن الغرض منها مجرد تحقق المأمور به في الخارج كيف اتفق ، وبالإتيان بجميع المحتملات يتحقق ذلك قطعا ، كما أن في الطهارة وأمثالها أيضا يحصل الغرض بذلك ، فلو غسل المتنجس بما يعين أحدهما ماء مطلق قطعا والآخر مضاف تحصل الطهارة يقينا ، وإذا احتاط المكلف بالجمع بين إنشاءات متعددة يعلم إجمالا بصحة بعضها كما لو أوقع صيغة النكاح بجميع محتملاتها يقطع بحصول الزوجية وان لم يتميز عنده السبب المؤثر.

ولكن الشيخ قدس‌سره ناقش في الاحتياط في باب العقود والإيقاعات باختلال قصد الإنشاء مع الترديد. لكنا قد ذكرنا في محله أن التردد فيما هو الممضى من السبب شرعا أجنبي عن الترديد في الإنشاء والاعتبار الّذي هو أمر نفساني قائم بالمعتبر. ويلحقها أيضا الاحتياط في العبادات في الشبهات الموضوعية التي هي مجرى البراءة قبل الفحص ، كما لو نذر المكلف أن يصلي في كل مسجد في البلد ثم شك في مسجدية موضع منه وكان متمكنا من الفحص وإحراز الواقع فلم يفعل وصلى فيه رجاء ، وهكذا في الشبهة الحكمية بعد الفحص إذا كانت بدوية ، بل لا يبعد أن يقال : أن هذا الامتثال الّذي رخص المولى بتركه أرقى بمراتب من الامتثال التفصيليّ في موارد يكون التكليف فيها منجزا ، وعليه فان صادف الاحتياط الواقع كان ما أتى به إطاعة وإلّا كان انقيادا.

واما الاحتياط في العبادات في الشبهات الحكمية مع تنجز الواقع فقد وقع الكلام في حسنه بين الأعلام ، وحيث أنه تارة : لا يستلزم التكرار ، وأخرى : يستلزمه ، وعلى التقديرين تارة ، يكون التكليف المعلوم بالإجمال استقلاليا ، وأخرى : يكون ضمنيا ، ثم ما لا يستلزم التكرار اما أن يكون أصل التكليف محرزا والشك في الخصوصية من الوجوب والندب ، واما أن لا يكون أصل التكليف

٩٣

معلوما لاحتمال الإباحة ، فهنا مسائل ، ولكننا ندرج بعضها في بعض تحفظا على الاختصار.

فنقول : إذا لم يكن الاحتياط مستلزما للتكرار ، وكان أصل التكليف محرزا ليس هناك ما يوهم المنع عن الامتثال الإجمالي إلّا توهم اعتبار قصد الوجه وتمييز عنوان الأمر من الوجوب والاستحباب ، وهو غير معتبر قطعا ، لأنا لم نعثر على شيء يدل على اعتباره ، والإجماع المدعى ليس إجماعا تعبديا ، لاحتمال أن يكون منشؤه الوجوه التي ذكرها المتكلمون التي لا ترجع إلى محصل ، ولو شك في ذلك فالمرجع هو البراءة على المختار من أن اعتبار القربة وما يرجع إليها لا بد وأن يكون بحكم الشارع لا العقل ، وعلى مسلك صاحب الكفاية مجرد عدم التنبيه على اعتبار مثل هذا مما يغفل عنه العامة كاشف عن عدم اعتباره(١).

واما إذا لم يكن أصل التكليف معلوما ، فربما يمنع فيه عن الاحتياط لوجهين :

الأول : اعتبار قصد الوجه ، وقد مر الكلام فيه.

الثاني : أن العقل الحاكم في باب الطاعة والعصيان يعتبر في حقيقة الإطاعة أن يكون انبعاث العامل نحو عمله عن بعث المولى لا عن احتماله ، فهو يستقل بكون الامتثال الاحتمالي في طول الامتثال اليقيني ، فلا يكتفي بالتحرك عن احتمال التكليف على تقدير ثبوته مع التمكن من التحرك عن نفس التكليف ، وعلى تقدير تسليم عدم استقلاله بذلك فهو غير مستقل بعدمه أيضا ، فتصل النوبة إلى قاعدة الاشتغال ، لما عرفت من أن الشك إذا تعلق بمرحلة الامتثال كان موردا للاشتغال دون البراءة ، وإلى هذا ذهب المحقق النائيني (٢) قدس‌سره.

__________________

(١) كفاية الأصول : ٢ ـ ٣٩ ـ ٤٠.

(٢) فوائد الأصول : ٣ ـ ٦٨.

٩٤

ولكن الصحيح ما ذهب إليه المشهور ، لأن الإطاعة على ما مر الكلام فيها في مبحث التعبدي والتوصلي ليست إلّا عبارة عن الإتيان بما أمر به المولى بجميع قيوده مضافا إلى المولى ، وليس للعقل وراء حكمه بلزوم الإطاعة شأن أصلا ، ولم يكن مشرعا يحكم بلزوم ما لم يعتبره المولى في متعلق حكمه ، فالشك في اعتبار لزوم الانبعاث عن بعث المولى مع الإمكان يرجع إلى الشك في اعتبار ذلك في المأمور به شرعا مضافا إلى ما اعتبر فيه من قصد القربة ، ومن الواضح انه شك في التقييد الزائد ، فيجري فيه البراءة. وهذا على رأينا من كون اعتبار قصد القربة في العبادات شرعيا ، واما على ما يراه المحقق الخراسانيّ من كونه عقليا فالشك في اعتبار شيء يرجع إلى القربة وان لم يكن مجرى البراءة إلّا انه مع ذلك يحكم بعدم لزوم الانبعاث عن شخص البعث ، فانه على تقدير اللزوم كان على المولى بيانه ، لأنه مما يغفل عنه العامة ، فمن عدم البيان يستكشف عدم اللزوم.

ومما حققناه يظهر الحال في موارد احتمال تكليف ضمني ، فانه إذا لم يكن الاحتياط فيها مستلزما للتكرار لم يكن مانع عنه ، سواء في ذلك العلم بالمحبوبية مع الشك في خصوصيتها والجهل بأصل المحبوبية ، فإذا شك في جزئية السورة جاز الإتيان بها رجاء سواء علم رجحانها في الجملة أم لم يعلم ، نعم لا بد من عدم احتمال مانعيتها وإلّا خرج عن الفرض وهو عدم استلزام الاحتياط التكرار.

بل أن الاحتياط في الواجبات الضمنية أولى بالجواز من الاحتياط في الواجبات الاستقلالية بناء على أن المانع من الاحتياط في العبادة هو لزوم قصد الوجه غير المتحقق مع الاحتياط ، وذلك فان قصد الوجه على تقدير لزومه مختص بالواجبات الاستقلالية ولا يعم الواجبات الضمنية ، والوجه في ذلك ان مدرك اعتباره امران.

أحدهما : الإجماع المنقول على ذلك ، وهو غير شامل للمقام ، لأن المشهور

٩٥

ذهبوا إلى عدم اعتباره فيه.

ثانيهما : ان حسن الأفعال أو قبحها إنما يكون بالعناوين القصدية ، وربما لا يكون الفعل حسنا إلّا إذا قصد بذلك العنوان الخاصّ ، فنحتمل دخل بعض العناوين في حسن العمل المأمور به ، وحيث لا يميزه المكلف فلا بد من الإشارة الإجمالية إليه بالإتيان به بالعنوان الّذي أوجبه الشارع ، وهذا يكون عنوانا إجماليا لكل ما له دخل في اتصاف العمل بالحسن.

وهذا أيضا غير جار في الأجزاء ، فان قصد وجوب مجموع العمل والأمر المتعلق بالكل يكفي في قصد العنوان الحسن إجمالا ، فلا حاجة إلى قصد الوجه في كل جزء من الأجزاء مستقلا ، وليس لكل جزء حسن مستقل ليقصد وجهه لتحقق الحسن فيه. نعم بناء على أن المانع من جواز الاحتياط حكم العقل بكون الامتثال الاحتمالي في طول الامتثال القطعي كان الاحتياط في موارد احتمال التكليف الضمني والاحتياط في موارد احتمال التكليف الاستقلالي من واد واحد.

واما ما أفاده المحقق النائيني قدس‌سره من كفاية الانبعاث عن الأمر المتعلق بالمجموع في كون شخص الأمر داعيا ، ولا يتوقف ذلك على أن يكون المحرك نحو كل جزء من العمل هو الأمر الضمني المتعلق بشخصه.

فيرد عليه : ان الأمر المتعلق بالكل هو بعينه متعلق بالأجزاء ، ولذا ذكرنا في بحث مقدمة الواجب أن الأجزاء يستحيل اتصافها بالوجوب الغيري ، فالمحرك لكل جزء حين الإتيان به لا بد من أن يكون هو المحرك للمركب لا محالة ، وعليه فإذا شك في جزئية شيء كان المحرك له احتمال الأمر دون نفسه ، وهذا ظاهر جدا. نعم الإشكال في كفاية الامتثال الاحتمالي مع التمكن من الامتثال القطعي موهون من أصله.

هذا كله إذا لم يكن الاحتياط مستلزما للتكرار.

٩٦

واما إذا كان مستلزما له ، كما في دوران الأمر بين القصر والإتمام ، فربما يستشكل في حسن الاحتياط من وجوه.

الأول : انه يكون لعبا وعبثا بأمر المولى.

وأجاب عنه في الكفاية (١) :

أولا : بأنه يمكن أن يكون التكرار ناشئا من غرض عقلائي ، فلا يكون لعبا وعبثا.

وثانيا : ان الإتيان بما ليس بمأمور به في الواقع وان كان لعبا وعبثا واما الإتيان بما هو مصداق الواجب فليس هو بلعب ولا عبث ، ومن الظاهر ان ضم اللعب إليه لا يوجب كونه لعبا. وبعبارة أخرى : لزوم اللعب في المقام على تقدير تسليمه انما هو في كيفية الامتثال ، أي في كيفية إحراز الامتثال وتحصيل اليقين به ، فان الإتيان بغير المأمور به لا دخل له في تحقق أصل الامتثال ، وإنما هو مقدمة علمية.

ولا يخفى أن الجواب الصحيح عن الإشكال إنما هو هذا الجواب. وأما الجواب الأول فهو بمجرده غير واف بدفع الإشكال ، فان اللعب اللازم في المقام ان سرى إلى الامتثال فلا يجدي عدمه إذا كان التكرار بغرض عقلائي ، إذ اللازم هو صدور العبادة عن قصد قربي ، ولا يجدي في صحتها مطلق الغرض العقلائي.

الثاني : ما تقدم من المحقق النائيني رحمه‌الله من حكم العقل بطولية الامتثالين ، فلا يحسن الاحتياط مع التمكن من الامتثال القطعي (٢).

والجواب عنه : مضافا إلى ما تقدم ، أن في الفرض يكون التحرك عن التحريك الجزمي لا محالة ، إذ المفروض العلم بثبوت أصل التكليف ، ففي الإتيان بكل من

__________________

(١) كفاية الأصول : ٢ ـ ٤٠.

(٢) فوائد الأصول : ٣ ـ ٧٣.

٩٧

العملين يكون منبعثا عن البعث اليقيني ، غاية الأمر أنه لا تمييز حال الإتيان ، وهذا أجنبي عن الانبعاث عن الاحتمال.

نعم إذا كان المكلف قاصدا للامتثال الاحتمالي بالإتيان ببعض المحتملات يكون حينئذ منبعثا عن احتمال البعث ، وهذا خارج عن محل البحث.

وبما تقدم وضح حسن الاحتياط في التكاليف الضمنية ولو كان ذلك مستلزما للتكرار ، كالإتيان بقراءتين في ظهر يوم الجمعة إحداهما جهرية والأخرى إخفاتية بناء على ما هو الصحيح من جواز ذلك وعدم استلزامه القرآن المبطل للصلاة عند بعض. هذا تمام الكلام في فرض التمكن من الامتثال التفصيليّ العلمي.

وأما إذا كان المكلف متمكنا من الامتثال التفصيليّ الظني ، فان كان الظن ، معتبرا بدليل خاص فهو ملحق بالقطع ، بل هو قطع تعبدا ، فيجري فيه ما يجري في القطع الوجداني ، ولا فرق بينهما إلّا أنه مع القطع بالحكم لا مجال للاحتياط بخلاف الظن به ، فان مورد الاحتياط معه باق ، إذ الاحتمال الوجداني المصحح للاحتياط لا يرتفع بالظن ولو كان حجة شرعا ، بل يكون الاحتياط في مثل هذه الموارد من أرقى مراتب العبودية والانقياد.

نعم قد وقع الكلام في تقديم الإتيان بالمحتمل على المظنون ، وعليه يبتني ما نسب من الخلاف إلى الشيخ والسيد الشيرازي قدس‌سرهما في حاشية نجاة العباد (١) في مسألة دوران الأمر بين القصر والإتمام في المسافر إلى أربع فراسخ إذا لم يرد الرجوع ليومه ، فنسب إلى الشيخرحمه‌الله تقديم التمام على القصر عند الاحتياط ، ونسب إلى الميرزا رحمه‌الله عكس ذلك ، ومنشأ الاختلاف بينهما هو الخلاف فيما يظهر من الأدلة.

__________________

(١) نجاة العباد : ١٣٦.

٩٨

وكيف كان فقد أفاد المحقق النائيني رحمه‌الله تقديم الإتيان بالمظنون على الإتيان بالمحتمل (١) جريا على مبناه من كون مراتب الامتثال طولية.

ولكنك خبير بأن الطولية أجنبية عن المقام ، لأن الإتيان بالمحتمل يكون بداعي احتمال البعث والتحريك سواء قدم أو أخر ، والإتيان بالمظنون يكون بداعي الأمر الجزمي الثابت باليقين التعبدي على التقديرين ، فلا فرق بين التقديم والتأخير أصلا.

وأما الظن الانسدادي فظاهر كلام الشيخ قدس‌سره أنه متأخر عن الامتثال الإجمالي (٢) حتى أنه تعجب ممن يعمل بالطرق والأمارات من باب الظن المطلق ثم يذهب إلى تقديم الامتثال الظني على الإجمالي ، وسيظهر أن تعجبه في غير محله.

والتحقيق : أنه لو جعل من مقدمات الانسداد بطلان الاحتياط وكونه غير مرضي للشارع ، أما بدعوى الإجماع على ذلك أو من جهة منافاة الاحتياط لاعتبار قصد الوجه في العبادة ، فلا محالة يستكشف من ذلك إنا أن الشارع قد جعل لنا حجة في تعيين أحكامه ، وإلّا لزم التكليف بما لا يطاق ، ثم أن العقل بالسبر والتقسيم يعين لنا تلك الحجة الشرعية في الظن ، وعليه يكون الظن معتبرا شرعا ، ولا فرق حينئذ بين الظن المطلق والظن الخاصّ إلّا من حيث الكاشف ودليل الحجية ، فلا تكون حجية الظن متوقفة على عدم وجوب الاحتياط ، أو على عدم إمكان ليقال كيف يعقل أن يكون الاحتياط في طول الامتثال الظني مع توقف حجيته على عدم وجوب الاحتياط ، فلا مناص للقائل بتأخر الامتثال الإجمالي عن التفصيليّ من الالتزام به في الظن الانسدادي أيضا.

__________________

(١) فوائد الأصول : ٣ ـ ٧٢.

(٢) فرائد الأصول : ١ ـ ٧١ ـ ٧٢ (ط. جامعة المدرسين).

٩٩

واما لو جعل من مقدمات الانسداد عدم وجوب الاحتياط لعدم التمكن منه ، أو لاستلزامه العسر والحرج ، أو الاختلال في النظام فلا يستكشف من تمامية المقدمات حجية الظن شرعا ، وإنما يستنتج منها حكم العقل بتضييق دائرة الاحتياط في المظنونات ، فالإتيان بالمظنونات حينئذ كالإتيان بالمحتملات والموهومات لا بد وأن يكون برجاء الأمر واحتمال البعث لعدم قيام حجة على ثبوته ، بل إذا أتى بالمظنون بداعي الأمر الجزمي كان تشريعا محرما ، وعليه فلا يكون الامتثال التفصيليّ ممكنا ، فلا معنى للقول بتأخر الامتثال الإجمالي من الامتثال الظني حينئذ.

١٠٠