دراسات في علم الأصول - ج ٣

آية الله السيّد علي الشاهرودي

دراسات في علم الأصول - ج ٣

المؤلف:

آية الله السيّد علي الشاهرودي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مركز الغدير للدراسات الإسلامية
المطبعة: محمّد
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٤٧
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣   الجزء ٤
  نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

مقدمة الطبعة الأولى

المطبوعة في النجف الأشرف عام ١٣٧٦ ه‍ ق

بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم

حمدا لك اللهم على ما وهبتنا من المعارف ، فأصبحنا نستضيء بها إلى سبيل الهداية واليقين ، وأمسينا نرتع في فيوضاتك وآلائك مع التقصير عن أداء شكر البعض منها ، وصلاة على سيد أنبيائك وخاتم رسلك المنتجب من شعاعك الأقدس «محمد» وعلى آله أمناء وحيك المبين ، والادلاء إلى نهجك القويم ، وعلى صحبهم الذين اقتفوا أثرهم ، ومشوا على ضوء تعاليمهم ، واللعنة الدائمة على من عاندهم واغتصب حقوقهم.

وبعد فقد أودعت في كتابي هذا ما استفدته في الدورة الثالثة من تحقيقات سيدنا زعيم الدراسة العلمية في «جامعة الشريعة» النجف الأشرف ، الذي أظهر من مخبئات حقائق الأصول ما خفى على محققها ، واستخرج دقائق الفروع من معدنها ، فوعت القلوب لطائف إشاراته ، وحامت النفوس عليه كالفراش على الضياء ، المحقق البارع في العلوم العقلية والنقلية أستاذ المحققين آية الله في العالمين مولانا «السيد أبو القاسم الخوئي» مد الله أيامه الزاهية ونفع الأمة الاسلامية بافاداته القيمة. ورتبت الكتاب على مقاصد في كل منها أمور ومسائل ، ومن المهيمن عز شأنه نستمد العون والتوفيق في كل الأعمال.

٥
٦

تمهيد

لا يخفى أنّ البحث عن القطع غير داخل في مسائل هذا العلم ، لما ذكرناه في تعريفه من أنّ الميزان في كون المسألة أصولية أن تقع نتيجتها في طريق الاستنباط بأن تكون كبرى كلية لو انضم إليها صغراها أنتجت حكما فرعيا ، ومن البديهي انّ القطع بالحكم لا يقع في طريق الاستنباط ، بل هو بنفسه قطع بالنتيجة وبنفس الحكم الفرعي ، وهذا في القطع الطريقي واضح ، واما الموضوعي أعني القطع المأخوذ في موضوع الحكم كما إذا قال : إذا قطعت بحكم فرعي فتصدق ، فهو وان كان دخيلا في فعلية وجوب التصدق إلّا انّ نسبته إليه نسبة الموضوع إلى حكمه ، كالخمر بالقياس إلى الحرمة ، وليس وجوب التصدق مستنبطا من القطع بالحكم الفرعي ، وإنما هو مستنبط من الدليل الدال عليه. نعم انّ القطع يتعلق بنتيجة علم الأصول أعني الحكم الفرعي ، أو هو بنفسه نتيجته ، فله شدة مناسبة مع مسائله ، وينبغي أن يبحث عنه فيه استطرادا ، كما له أيضا من بعض الجهات مناسبة مع علم الكلام الباحث عن المبدأ والمعاد واستحقاق العقاب.

وكيف كان قد قسم شيخنا الأنصاري قدس‌سره (١) المكلف بأنه إذا التفت إلى حكم شرعي فاما أن يحصل له القطع به ، واما يحصل له الظن به ، واما يحصل له الشك ، فجعل التقسيم ثلاثيا ، وعلى هذا التقسيم بنى كتابه على مقاصد ثلاث (الأول) في القطع (والثاني) في الظن (والثالث) في الشك ، ثم ذيلها بخاتمة باحث فيها عن التعادل

__________________

(١) فرائد الأصول : ١ ـ ٤٧ (ط. جامعة المدرسين).

٧

والتراجيح.

وأورد صاحب الكفاية (١) على هذا التقسيم حيث أفاد انه لا بدّ وان يكون المراد من الحكم الأعم من الواقعي والظاهري ، لاشتراكهما في الأثر ، فلا وجه للاختصاص ، وكذلك لا بد وأن يراد منه الحكم الفعلي ، إذ لا أثر للقطع أو الظن أو الشك في الحكم الإنشائي ، وعلى ذلك فلا وجه لتثليث الأقسام ، بل الصحيح أن يجعل التقسيم ثنائيا بأن يقال : انّ المكلف إذا التفت إلى حكم شرعي واقعي أو ظاهري فاما أن يحصل له القطع به أو لا ، وعلى الثاني لا بدّ له من الرجوع إلى ما يستقل به العقل من متابعة الظن والعمل به على الحكومة لو تم ذلك كبرى بتمامية مقدمات الانسداد وصغرى بحصول الظن الشخصي له بالحكم الواقعي أو الظاهري بمعنى الظن بالطريق ، كالظن بحجية الشهرة ، وإلّا فإلى الأصول العملية العقلية من قبح العقاب بلا بيان والاشتغال والتخيير بحسب اختلاف الموارد ، ثم قال : وإن أبيت إلّا عن تثليث الأقسام فالأولى أن يقال : انّ المكلف أما أن يحصل له القطع أو لا ، وعلى الثاني أما أن يقوم عنده طريق معتبر أو لا ، لأن لا يتداخل الأقسام ، فإن الظن غير المعتبر يكون محكوما بحكم الشك ، والأمارة ربما لا توجب الظن بل تكون مع الشك وهي مع ذلك حجة ، إذ لا يعتبر في حجيتها عدم الظن بالخلاف ، فكيف باعتبار الظن بالوفاق ، فانّ ظهور الأمر حجة ولو لم يوجب الظن الشخصي أصلا ، هذا حاصل ما أفاده بتوضيح منا.

ونقول : الأنسب بمباحث الأصول هو الّذي صنعه الشيخ قدس‌سره وذلك لأنّ الغرض من الأصول هو تحصيل المؤمّن فانّ المكلف بعد التفاته إلى التكاليف وإلى أنه عبد لا يكاد يطمئن ويخرج من التحير إلّا بعد تحصيل المؤمّن في أعماله ، وهذا هو

__________________

(١) كفاية الأصول : ٢ ـ ٥.

٨

غرض الأصولي ، والمناسب لهذا الغرض هو تثليث الأقسام ، لأنّ المؤمن الذاتي هو القطع ، فانّ المكلف إذا قطع بالإباحة يرى نفسه مأمونا في الفعل والترك ، وإذا قطع بالحرمة يكون مأمونا في فرض الترك ، وإذا قطع بالوجوب يكون مأمونا في فرض الفعل ، فالمؤمن الأول هو القطع ، فلا بدّ من البحث عنه في الأصول ولو استطرادا ، والمؤمن الثاني هو الظن ، وذلك لأنّ مراد الشيخ قدس‌سره من الظن على ما صرح به في أول بحث البراءة هو الكاشف المعتبر شرعا لا كل ظن ، ومن الواضح انه قطع تنزيلي وحجة ، وهذا هو المؤمن الثاني ، وإذا لم يحصل له هذا ولا ذاك وبقي شاكا فحيث لا معنى لحجية الشك وأن يكون طريقا فلا بدّ له من الرجوع إلى الأصول العملية الشرعية والعقلية ، وهي تكون مؤمنا له ، مثلا بعد ما ثبت نجاسة الماء المشكوك نجاسته المسبوق بها بحكم الاستصحاب يكون المكلف مأمونا في الإتيان بالتيمم بدل الوضوء عند انحصار الماء به ، وبالجملة في فرض الشك لا بدّ له من تحصيل القطع بالحكم الظاهري ، وهو الحكم الّذي أخذ في موضوعه الشك.

فما أفاده من انّ المراد من الحكم لا بدّ وأن يكون الأعم من الظاهري والواقعي غير سديد ، إذ القطع بالحكم الظاهري لا مورد له إلّا في فرض الشك في الحكم الواقعي والعلم بحكم الشاك فكيف يجعل في عرض الحكم الواقعي ، ومجرد وجود الجامع بينهما لا يوجب جعل التقسيم ثنائيا ، وإلّا فيمكن تصوير الجامع بين القسمين أيضا وهو حصول المؤمن ، فلا وجه للتقسيم أصلا.

والحاصل التقسيم إنما هو للإشارة إلى مباحث الكتاب ، فالأولى ما أفاده الشيخ لا ما ذكره في الكفاية.

وبما بينا ظهر الجواب عن تداخل الأقسام ، لأنّ المراد من الظن هو الكاشف المعتبر شرعا ، فلا يدخل في الشك ، ولا يدخل الشك فيه أصلا ، والظن غير المعتبر يكون داخلا في الشك فقط.

٩

واما ما أفاده من أنّ المراد من الحكم هو الفعلي دون الإنشائي فهو كما أفاد ، إذ لا معنى للحكم الإنشائي كما سنبينه في أول مبحث الظن إن شاء الله إلّا الحكم المجعول على موضوعه المقدر وجوده ، ومن الواضح انّ تعلق القطع بالحكم الإنشائي بهذا المعنى لا أثر له من حيث العمل به إلّا بعد فعلية موضوعه ، واما الحكم الإنشائي بغير هذا المعنى والفعلية بغير وجود الموضوع وإمكان كون الحكم فعليا من جهة دون أخرى فلا يرجع شيء منها إلى محصل كما ستعرفه إن شاء الله.

إذا عرفت ذلك فيقع البحث في المقصد الأول في أمور :

١٠

مباحث القطع

حجية القطع

التجري

القطع الطريقي والقطع الموضوعي

وجوب الموافقة الالتزامية

القطع الحاصل من أسباب غير متعارفة

منجزية العلم الإجمالي

١١
١٢

الأمر الأوّل :

حجية القطع

والكلام فيها يقع في جهات ثلاث :

الأولى : في انّ طريقيته ذاتية أو جعلية.

الثانية : في أنّ حجيته هل هي من لوازمه الذاتيّة أو ببناء العقلاء أو بحكم العقل؟

الثالثة : هل يمكن للشارع أن يمنع من العمل به أو لا؟

اما الجهة الأولى : فالحق انّ القطع هو نفس الانكشاف والرؤية لا أنه مرآة وما به ينظر ، فهو بنفسه طريق بحسب ماهيته وذاته ، ومن الواضح انّ ثبوت الشيء لنفسه ضروري ، والماهية هي هي بنفسها ، فلا معنى لتوهم جعل الطريقية له أصلا بجميع أنحائه لا بسيطا ، إذ لا يتعلق ذلك بالماهية ، ولا مركبا مستقلا أو تبعا ، نعم يصح تعلق الجعل بوجوده ، إذ يمكن للمولى القادر إيجاد القطع الّذي هو الانكشاف بالتوجه إلى نفس الإنسان وللموالي العرفية بإيجاد معدات القطع مع بيان البراهين ونحوها.

ولا يخفى انّ في كلام الشيخ قدس‌سره خلطا بين مقام طريقية القطع ومقام حجيته (١). هذا كله في الجهة الأولى.

__________________

(١) فرائد الأصول : ١ ـ ٥ (ط. جامعة المدرسين).

١٣

واما الجهة الثانية : أعني حجية القطع وكونه مما يصح أن يحتج به العبد على مولاه عند موافقة القطع للواقع ، وربما يعبر عن هذا المعنى بوجوب متابعة القطع ولزومه ، فالأقوال فيها ثلاثة :

الأول : ما اختاره في الكفاية (١) وهو انّ حجية القطع بمعنى وجوب متابعته والعمل على طبقه من لوازمه الذاتيّة ، بل زاد على هذا مؤثريته في ذلك حيث قال : وتأثيره في ذلك لازم وصريح الوجدان به شاهد.

الثاني : أن تكون ببناء العقلاء ، وعليه تكون داخلة في القضايا المشهورة باصطلاح المنطقيين ، وهي القضايا التي بنى عليها العقلاء حفظا للنظام وإبقاء للنوع ، ومرجع جميعها إلى حسن العدل وقبح الظلم ، وبما انّ الشارع رئيس العقلاء ولم يردع عن هذا البناء يكون ممضى عنده فيجب اتباعه.

الثالث : أن يكون بحكم العقل وإلزامه.

والتحقيق : انّ القول الثالث لا يمكننا المساعدة عليه ، لأن العقل ليس شأنه إلّا الإدراك ، وأما الإلزام والبعث أو الزجر فهو من وظائف المولى وشئونه ، نعم الإنسان بما أنه حيوان يكون محبا لنفسه فبحسب جبلته يتحرك نحو ما يراه منفعة لنفسه ، ويفر عما يراه ضررا على نفسه دنيويا كان أو أخرويا ، وبعبارة أخرى : الحيوان بما هو حيوان يميل بفطرته إلى مشتهيات نفسه ويجتنب عما ينافر طبعه ، ولكن هذا المعنى أجنبي عن إلزام العقل.

وامّا القول الثاني فالعقلاء وان بنوا على أحكام وقضايا حفظا للنظام وإبقاء للنوع كما ذكر ، إذ لو لا قبح الظلم لتعدى كل قوي على ضعيف واختل النظام ، ولكنها أجنبية عن المقام.

__________________

(١) كفاية الأصول : ٢ ـ ٨.

١٤

اما أولا : فلأنّ حجية القطع ولزوم الحركة على طبقه كانت ثابتة في زمان وجود آدم عليه‌السلام وقبل وجود عقلاء في العالم.

وثانيا : انّ حكمهم بتلك القضايا إنما هو في الأمور الراجعة إلى حفظ النظام ، وليس متابعة أوامر الشارع في جميع الموارد دخيلة في حفظ النظام ، مثلا الإتيان بالصلاة ربما يقال : لا دخل له في إبقاء النوع ، ولا يلزم من تركه اختلال أصلا.

فالصحيح : هو القول الآخر وان يقال : انّ وجوب متابعة القطع إنما هو بحكم العقل ، لا بمعنى البعث من القوة العاقلة وإلزامها ، بل بمعنى إدراكه حسن متابعته وقبيح مخالفته وصحة ان يعاقب المولى عبده المخالف لقطعه إذا كان مصادفا للواقع ، واستحالة ذلك إذا كان متابعا لقطعه وإن كان مخالفا للواقع ، وكثيرا ما يطلق الحكم على الإدراك العقلي كما هو واضح ، وعلى هذا فيكون من الأمور النظرية لا من القضايا المشهورة.

ولا يخفى انّ التعبير بموافقة القطع ومخالفته لا يخلو عن مسامحة ، فانّ المراد موافقة المقطوع ومخالفته ، وهذا هو المراد من لزوم متابعة القطع عقلا ، وهو من لوازم القطع القهرية لا الجعلية ، فانّ الإدراك من الأمور التكوينية وهكذا متعلقه وهو استحالة العقاب على تقدير موافقته وإمكانه على تقدير مخالفته ، فانّ كلا من الأمرين غير قابل للجعل التشريعي فتلخص انّ حجية القطع حكم عقلي نظري ، ومن لوازم القطع بهذا المعنى ، فلا تكون مجعولة.

واما الجهة الثالثة : فحيث ان صاحب الكفاية قدس‌سره تعرض لها بعد مبحث التجري فنحن نتبعه في ذلك ، ونحيل البحث عنها إلى ذلك المبحث.

ثم انك بعد ما عرفت أنّ ذات القطع هو الانكشاف والطريقية وانّ حجية القطع أي صحة احتجاج العبد به على مولاه وبالعكس إنما هي من لوازم القطع سواء كان قطعا حقيقيا أي موافقا للواقع أو خياليا وهو الجهل المركب ، نقول : لا

١٥

اختصاص لحجية القطع بقطع المجتهد ، بل قطع المقلد أيضا يكون حجة له ، فإذا قطع بالحكم يلزمه متابعته ، وهكذا أحكام الظن والشك غير مختصة بالمجتهدين ، بل يعم المقلدين ، فلا بدّ للمقلد أيضا من تحصيل المؤمن لنفسه وهو اما القطع الوجداني أو القطع التنزيلي أو الرجوع إلى الأصول العملية ، فإذا حصل له القطع بالحكم الواقعي يعمل به ، وإلّا فلا بدّ له من الرجوع إلى ما استقل به العقل من الاحتياط والرجوع إلى المجتهد ، فإذا قطع بفتوى المجتهد أخذ بها ، وإلّا فان كان عنده طريق معتبر فهو وإلّا فيعمل بالأصل العملي ، مثلا إذا كان فتوى المجتهد عنده معلوما سابقا وشك في تبدله يستصحب عدمه.

والحاصل : انّ الفرق بين المجتهد والمقلد انما هو في انّ متعلق قطع المقلد أو ظنه أو شكه يكون ما أفتى به مقلده وطريقه إليه فتواه ، بخلاف المجتهد فانّ متعلق قطعه وظنه وشكه هو الحكم الواقعي وطريقه إليه هو الكتاب والسنة والعقل ، وإلّا فظهور كلام المجتهد يكون حجة على المقلد ويتمسك بإطلاق كلامه كما يتمسك المجتهد بظهورات الكتاب والسنة. وهكذا جميع الطرق العقلائية تكون حجة للمقلد أيضا على ما عرفت ، فلا وجه لتخصيص المقسم وهو المكلف في مقام التقسيم بخصوص المجتهد.

نعم لا يتمكن المقلد من إجراء البراءة ، لا من جهة عدم شمول دليلها له ، بل لأنّ المقلد لا يتمكن من إيجاد شرطها وهو الفحص ، وهذا أيضا لا يوجب اختصاصها بالمجتهد ، بل يكون المقلد نظير المجتهد المحبوس غير المتمكن من الفحص ، فكما لا يجوز له الرجوع إلى البراءة حينئذ لا يجوز للمقلد ذلك بملاك واحد وهو عدم الفحص هذا كله في المقلد.

واما المجتهد فإذا التفت إلى حكم فعلي في حقه فلا إشكال في انه يفتي على طبق قطعه أو ظنه أو الأصول العملية المجعولة للشاك ، واما إذا التفت إلى حكم لا

١٦

يكون في حقه فعليا بل ولا في حق غيره ، كما لو التفت إلى بعض أحكام الحج قبل الموسم ، أو التفت إلى الأحكام المختصة بالنساء كأحكام الحيض ، أو التفت إلى حكم لا يصير فعليا إلى الأبد كبعض فروع العلم الإجمالي ، فوظيفة المجتهد حينئذ تكون كوظيفة الإمامعليه‌السلام وهي بيان الحكم المجعول ، غاية الأمر انّ الإمام عليه‌السلام يخبر عن الواقع والمجتهد عن مؤدى الطريق.

وبالجملة في هذا الفرض لا يتم ما ذكره في الكفاية (١) من انه لا بدّ وان يراد من الحكم خصوص الفعلي إذ لا أثر للإنشائي ، نعم انما يتم ذلك فيما إذا التفت إلى الحكم المتعلق بنفسه. وكيف كان فلو حصل له القطع بالحكم أو الظن به من طريق معتبر يفتي به ، وإلّا فلا بدّ له من الرجوع إلى الأصول العملية ، وهذا المقام من المشكلات من حيث انّ الأصول العملية جريانها بالقياس إلى كل أحد فرع حصول الشك له ، مثلا الرجوع إلى الاستصحاب فرع أن يكون نفس ذاك المكلف متيقنا سابقا وشاكا لاحقا في الحكم الفعلي عليه ، فكيف يفتي المجتهد بمؤدى الأصول في فرع لا يكون له مساس به ولا يكون فعليا عليه مع انّ المقلد الّذي يريد أن يعمل ليس له يقين سابق ولا شك لاحق بل لم يلتفت إلى الحكم بعد أصلا ، ولذا التجأ الشيخ رحمه‌الله إلى نيابة المجتهد عن المقلد ولكن لا بدّ وان يسأل قدس‌سره عن الدليل على هذه النيابة.

وحاصل الكلام في المقام انّ المكلف إذا التفت إلى حكم نفسه فان حصل له القطع يكون منجزا ، وإلّا فان كان عنده طريق معتبر فيعمل على طبقه ، وان لم يكن هذا ولا ذاك فينتهي إلى الأصول العملية ، وفي هذا الفرض لا فرق بين المجتهد والمقلد إلّا في خصوص البراءة ، فانّ المقلد لا يكون متمكنا من إحراز شرط إجرائها وهو الفحص ، وإلّا فالأصول تجري في حق المقلد كما تجري في حق المجتهد.

__________________

(١) كفاية الأصول : ٢ ـ ٥.

١٧

واما إذا التفت إلى حكم غيره ، أعني الحكم الكلي المجعول بنحو القضية الحقيقية ويختص ذلك بالمجتهد ، فان حصل له القطع يكون أثره جواز الإفتاء بما قطع به لا تنجز متعلقه عليه ، إذ لا يكون متعلقا بحكم نفسه ، وإلّا فان كان له طريق معتبر عنده فيفتي على طبقه ويكون قيام الطريق مجوزا لإفتائه ، فانه لا فرق بين قيام طريق معتبر على حكم وبين تعلق القطع به إلّا في أنّ الثاني قطع وجداني والأول قطع تعبدي. وان لم يكن هذا ولا ذاك وبقي شاكا ، فان كان شكه موردا للاستصحاب بأن كان مسبوقا باليقين فهو ينقسم إلى قسمين : لأنّ الشك في الحكم بعد كونه متيقنا تارة : يكون من جهة احتمال النسخ ، وأخرى : يكون من جهة الشك في سعة المفهوم وضيقه ، كالشك في حرمة العصير الزبيبي بسبب الشك في شمول دليل حرمة العصير العنبي للزبيبي أو يكون لغير ذلك.

أما في الأول فللمجتهد أن يجري الاستصحاب في يقينه وشكه ، فانه كان متيقنا بالحكم السابق المجعول ويشك في ارتفاعه بالنسخ ، فيفتي ببقائه بحكم الاستصحاب ، ولا مجال في هذا الفرض لإجراء الاستصحاب بلحاظ حال المقلد ، إذ ليس له يقين ولا شك.

واما في الثاني مثل ما لو شك في طهارة الماء القليل المتنجس المتمم كرا ونجاسته ، فيمكن إلحاقه بالقسم الأول ، بأن يجري المجتهد فيه الاستصحاب بلحاظ يقينه وشكه في الحكم الكلي كما في القسم الأول بعينه ، ويمكن أن يجري الاستصحاب بلحاظ حال المقلد ويقينه وشكه ، فانّ المقلد على الفرض كان عالما بنجاسة هذا الماء ويشك في طهارته بعد إتمامه كرا ، لأنه مقلد لهذا المجتهد الّذي هو شاك في ذلك ، فيجري الاستصحاب في حقه ويفتي له بمؤداه ، وهكذا فيما إذا شك في ثبوت بعض أقسام الخيار ونفوذ الفسخ إلى غير ذلك وأمثلته كثيرة في الفقه ، وامّا ان كان موردا للاحتياط كما في الشبهة قبل الفحص مثلا ، أو كان موردا للتخيير فالأمر واضح ، إذ

١٨

لا فرق في حكم العقل بلزوم الاحتياط في موارده بين المجتهد والمقلد ، فكلاهما محكومان بذلك ، وهكذا في حكمه بالتخيير ، والإشكال انما هو فيما إذا كان الشك موردا للبراءة فانّ حديث الرفع وقبح العقاب بلا بيان إنما يجريان عند الشك في الحكم الفعلي بعد الفحص عن الدليل ، والمفروض انّ المجتهد ليس شاكا في الحكم الفعلي فلا بدّ وأن يكون إجراء البراءة بلحاظ حال المقلد ، فانّ المقلد لهذا المجتهد الشاك لا محالة في مقام العمل والالتفات إلى وظيفته الفعلية يبقى شاكا في حكمه الفعلي ، والمفروض أنّ هذا المجتهد قد فحص ولم يظفر على دليل فيرشد مقلده إلى ذلك ويعرّفه مورد البراءة ويفتي له بمقتضاها ، مثلا إذا التفت المجتهد إلى حكم الحائض وانه هل يجوز لها الاجتياز في المسجد أم لا ، فلا معنى لإجراء البراءة عن حرمته بلحاظ شكه ، ولكن حيث انّ هذه المرأة تقلده فتتحير في ظرف العمل وبعد ما فحص المجتهد عن البيان ولم يظفر به تكون المرأة بنظره موردا لجريان البراءة فيفتي بها في حقها.

والحاصل مما ذكرناه انّ حق التقسيم أن يكون هكذا بأن يقال : المكلف إذا التفت إلى حكم نفسه ، فاما أن يحصل له القطع فهو منجز له ، واما أن يحصل له طريق معتبر فكذلك ، وإلّا فيرجع إلى الأصول العملية ، وإذا التفت إلى حكم كلي فان قطع بالحكم فأثره جواز الإفتاء به ، وان حصل عنده طريق معتبر فكذلك ، وإلّا فينتهي إلى الأصول العملية ، فان كان الشك موردا للاستصحاب وكان من قبيل الأول له أن يجري الاستصحاب بلحاظ يقينه وشكه ، وان كان من قبيل الثاني فله إجراء الاستصحاب بلحاظ حال المقلد كما له إجرائه بلحاظ حال نفسه ، وهكذا إذا كان موردا للاحتياط أو التخيير ، وأما ان كان موردا للبراءة فلا مناص من إجرائها بلحاظ حال المقلد فقط بعد ما يراه موردا لها ، وهكذا كله واضح.

١٩
٢٠