دراسات في علم الأصول - ج ٣

آية الله السيّد علي الشاهرودي

دراسات في علم الأصول - ج ٣

المؤلف:

آية الله السيّد علي الشاهرودي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مركز الغدير للدراسات الإسلامية
المطبعة: محمّد
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٤٧
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣   الجزء ٤
  نسخة غير مصححة

نسخه. ولا ريب ان ثبوت الحكم في مقام الجعل لا يتوقف على فعلية الموضوع ، بل يجعل الحكم على موضوعه المقدر وجوده على نحو القضية الحقيقية ، ولا رافع لمثله إلّا النسخ ، فإذا شك في بقائه يتمسك بالاستصحاب من دون دخل في ذلك لوجود الموضوع في الخارج وعدمه.

الثاني : ان يستصحب الحكم الفعلي الكلي عند الشك في سعته وضيقه لأجل الشك في حده ، كما إذا شككنا في ان حرمة وطي الحائض هل ترتفع بارتفاع الحيض ، أو انها باقية إلى زمان الاغتسال ، فان الفقيه عند شكه هذا يفرض امرأة حائضا ثبت حرمة وطيها في الخارج ، ويشك في ارتفاعها بانقطاع حيضها ، فيتمسك بالاستصحاب ، فيفتي بحرمة وطي الحائض على نحو القضية الحقيقية ما لم تغتسل.

والفرق بين هذا القسم والقسم السابق بعد اشتراكهما في عدم توقف جريان الاستصحاب على وجود الموضوع خارجا ان الشك في هذا القسم شك في مقدار المجعول أولا ، وان الموضوع في القضية الحقيقية المجعولة أمر وسيع أو ضيق من أول الأمر. وأما القسم الأول فليس الشك فيه شكا في حد الموضوع ، بل في بقاء الحكم في عمود الزمان على سعة الموضوع أو ضيقه ، ومن ثم ينحصر موجب الشك في القسم الثاني بتبدل خصوصية في الموضوع مع القطع بعدم النسخ ، وعدم تبدل الحكم المجعول أولا ، واما القسم الأول فمنشأ الشك فيه هو احتمال النسخ مع القطع بعدم تبدل شيء من خصوصيات الموضوع ، فالقسمان متعاكسان.

الثالث : ان يستصحب الحكم الجزئي الثابت لموضوع شخصي لأجل الشك في مزيله خارجا ، مع إحراز الحكم الكلي من جهة موضوعه سعة وضيقا ومن حيث عدم نسخه ، كما إذا شككنا في بقاء طهارة ثوب لاحتمال ملاقاته البول خارجا. وإجراء الاستصحاب في هذا القسم غير مختص بالفقيه ، بل هو ثابت في حق كل

٤٦١

مكلف تيقن بحكم ثم شك في بقائه ، ومنشأ الشك في البقاء فيه منحصر بالأمور الخارجية.

إذا عرفت ذلك يظهر لك ان جريان الاستصحاب في محل الكلام إذا كان العذر مقارنا لأول الوقت لا وجه له أصلا ، إذ الحكم في مورده غير متيقن في زمان ليكون الشك في بقائه ، فان اليقين بثبوت الحكم في مقام الجعل وان كان ثابتا إلّا انه غير مرتفع قطعا ، لعدم احتمال النسخ على الفرض. واما الحكم في غير مقام الجعل فلا يقين بثبوته ، إذ المفروض ان التكليف بغير المتعذر من الاجزاء والشرائط مشكوك الحدوث من أول الأمر ، فإذا فرض الفقيه مكلفا تعذر عليه الإتيان بتمام المركب من أول الأمر ، فهو شاك في ثبوت الحكم له ابتداء ، بلا سبق يقين منه ولو بالفرض والتقدير ، فلا يقاس ذلك بالشك في حرمة وطئ الحائض بعد انقطاع حيضها قبل الاغتسال. ولعمري ان ما ذكرناه لواضح لا يكاد يخفى على المحقق المزبور ، إلّا أن الجواد قد يكبوا ، والمعصوم من عصمه الله. هذا ما يقتضيه الأصل العملي.

واما ما تقتضيه الأدلة الخاصة الاجتهادية فهو وجوب الإتيان بالميسور من اجزاء الصلاة وشرائطها ، فانها لا تسقط بحال ، للإجماع المحقق ، ولقوله عليه‌السلام «فانها لا تدع الصلاة بحال» (١) نعم إذا كان المتعذر هي الطهارة الحدثية سقط التكليف بالصلاة ، ووجب قضاؤها لأن الطهور مقوم لها ، لقوله عليه‌السلام «لا صلاة إلّا بطهور» (٢) الدال على نفي مشروعيتها بلا طهارة.

واما غيرها من الواجبات العبادية وغيرها ، فقد استدل على وجوب الإتيان بالميسور منها بروايات.

الأولى : رواية أبي هريرة المروية عن طرق العامة قال : خطبنا

__________________

(١) وسائل الشيعة : ٢ ـ باب ١ من أبواب الاستحاضة ، ح ٥.

(٢) وسائل الشيعة : ١ ـ باب ١ من أبواب الوضوء ، ح ٦.

٤٦٢

رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال : «أيها الناس ، قد فرض الله عليكم الحج فحجوا ، فقال رجل : أكل عام يا رسول الله؟ فسكت. حتى قالها ثلاثا. فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لو قلت : نعم لوجبت ، ولما استطعتم. ثم قال : ذروني ما تركتكم ، فانما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم. فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم. وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه» وسند الرواية منجبر باشتهار الاستدلال به في كلمات الأصحاب. وتقريب الاستدلال : ان كلمة من في قوله عليه‌السلام (منه) ظاهرة في كونها تبعيضية ، لكونها الأصل فيها ، كما ان كلمة (ما) في قوله عليه‌السلام (ما استطعتم) ظاهرة في كونها موصولة ، فيكون مفاد الحديث لزوم الإتيان بما هو المقدور من اجزاء المأمور به وشرائطه.

ولكن لا يخفى عدم صحة الاستدلال المزبور وذلك.

أولا : فلعدم ثبوت الرواية على النحو المذكور ، فانها وان كانت مروية في صحيح مسلم (١) كذلك ، إلّا انها مروية في سنن النسائي الّذي هو أيضا من الصحاح (٢) عندهم بوجه آخر ، وهو قوله عليه‌السلام في آخر الرواية (فإذا أمرتكم بشيء فخذوا به ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه) ومن الظاهر ان كلمة (ما) في هذه الرواية لا تصلح إلّا أن تكون ظرفية زمانية ، فمفادها وجوب الإتيان بالمأمور به عند الاستطاعة والقدرة ، وهو أجنبي عما نحن بصدده. فإذا كان متن الرواية منقولا بطريقين مختلفين في المفاد ، لم يصح الاستدلال بها على أحد الطريقين.

لا يقال : ان اختلاف الطريق لا يضر بالاستدلال بعد كون أحدهما منجبرا بالشهرة عند الأصحاب دون الآخر.

__________________

(١) صحيح مسلم : باب فرض الحج مرة في العمر ، ح ١٣٣٧.

(٢) سنن النسائي : كتاب الحج ، باب ١ ، ح ١.

٤٦٣

فانه يقال : الرواية كما نقلت بوجهين في كتب العامة ، نقلت بوجهين في كتب الخاصة أيضا ، فلا وجه لدعوى انجبار أحد الطريقين دون الآخر ، فالمنجبر على تقدير تسليمه انما هو إحدى الروايتين إجمالا ، فلا يصح الاستدلال بخصوص إحداهما مع عدم ثبوت انجبارها. قال المجلسي في باب صلاة العراة من كتاب البحار (١) (وحكى الشهيد رحمه‌الله في الذكرى (٢) عن شيخه السعيد عميد الدين انه كان يقوى جلوس القائم ليومي للسجود جالسا استنادا إلى كونه حينئذ اقرب إلى هيئة الساجد فيدخل تحت قوله فأتوا به ما استطعتم) ويظهر من هذا الكلام ان الشهيد وشيخه نقلا الرواية بالباء ، وارتضاه المجلسي ، فإذا لم يثبت كون المنقول في كلمات أصحابنا الإمامية كلمة (من).

هذا مضافا إلى ان الانجبار من أصله غير ثابت ، ولو مع اتفاق الناقلين على نقل الرواية مشتملة على كلمة (منه) ، فان شهرة الاستدلال بالرواية الضعيفة في كلمات جماعة من المتأخرين مع عدم انحصار المدرك فيها لا يكشف عن استناد المشهور إليها في مقام العمل ، ومعه لا يحصل الوثوق بصدور الرواية ليدخل في موضوع الحجية ، ولا سيما مثل هذه الرواية التي راويها أبو هريرة ، المعلوم حاله في تعمده الكذب ، ومن أراد الاطلاع على ذلك فليراجع محاله.

وثانيا : فلأنا وان سلمنا ان الظاهر من تركيب الجملة المستدل بها للمقام هو حمل كلمة «من» على التبعيض ، وكون كلمة «ما» موصولة ومفعولا به للإتيان ، إلّا ان هذا المعنى لا ينطبق على مورد الرواية ، فان السؤال فيه عن لزوم تكرار الحج وعدمه ، ومن الظاهر ان لزوم الإتيان بالمقدار المستطاع من أجزاء المركب الواحد

__________________

(١) بحار الأنوار : ٨٣ ـ ٢١٤. كذلك راجع مجلد ٢٢ ـ ٣١.

(٢) ذكرى الشيعة : ٣ ـ ٢٣.

٤٦٤

وعدمه أجنبي عن ذلك ، فلا مناص من حمل الجملة المزبورة على معنى آخر منطبق على موردها.

وتوضيح ذلك : ان محتملات الرواية ثلاثة :

الأول : ما تقدم من كون كلمة (ما) موصولة ومفعولا للإتيان ، وكون كلمة (من) تبعيضية. وهذا المعنى على تقدير ظهور الجملة فيه في نفسها لا بد من رفع اليد عنه ، لعدم انطباقه على المورد.

الثاني : أن تكون كلمة (ما) موصولة ، وتكون كلمة (من) بيانية ليكون حاصل المعنى إذا أمرتكم بطبيعة فأتوا ما استطعتم من افرادها ، ولا يبعد أن لا تكون كلمة (من) إذا كانت بيانية مغايرة في المعنى لها إذا كانت تبعيضية ، غاية الأمر انه يختلف مصداق التبعيض ، فان الفرد بعض الطبيعة الكلية ، كما ان الجزء بعض المركب ، وعليه فكلمة (من) في كلا الاحتمالين مستعملة في التبعيض وان كان التبعيض يختلف باختلاف موارده ، فكما ان كلمة (من) في قولك : اشتريت من البستان نصفه ، مستعملة في التبعيض ، كذلك الحال في قولك : لا أملك من البستان إلّا واحدا.

وهذا الاحتمال في نفسه وان كان وجيها ، ومعه لا يتم الاستدلال ، إلّا أنه أيضا لا ينطبق على المورد ، فان الحج وان قيل بوجوبه على المستطيع في كل سنة ، وقد ورد على طبقه روايات عديدة ، إلّا أنه خلاف المشهور بين المسلمين قاطبة ، وخلاف ظاهر الرواية المزبورة ، فانها ظاهرة في عدم وجوبه إلّا مرة واحدة ، وعلى تقدير القول بوجوب التكرار في الحج لا ينبغي الشك في أن غيره من الواجبات ليس كذلك ، مع ان الرواية ظاهرة في إعطاء ضابطة كلية غير مختصة بباب الحج ، فإذا لا يمكن حمل الرواية على هذا المعنى أيضا.

الثالث : أن تكون كلمة (من) زائدة كما في قوله تعالى (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا

٤٦٥

مِنْ أَبْصارِهِمْ)(١) وقوله تعالى (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ)(٢) على ما احتمله بعضهم ، أو تكون بمعنى الباء ، فيكون الضمير حينئذ مفعولا لكلمة (فأتوا) ، ولفظ (ما) ظرفية زمانية ، فالمعنى إذا أمرتكم بشيء فأتوه عند استطاعتكم ، فلا يستفاد من الرواية إلّا اشتراط التكليف بالقدرة الساري في جميع التكاليف الشرعية. وهذا الاحتمال لا مناص من الالتزام به بعد عدم انطباق الاحتمالين الأولين على مورد الرواية ، فلو سلم انه في نفسه خلاف الظاهر ، فالقرينة القطعية ساقتنا إلى الأخذ به ، ومعه لا مجال للاستدلال بها في محل الكلام.

الثانية : المرسلة المحكية عن غوالي اللئالي كما في عوائد النراقي رحمه‌الله عن عليعليه‌السلام انه قال : «ما لا يدرك كله لا يترك كله» (٣) ، وتقريب الاستدلال بها ان لفظ الكل المذكور في الرواية لا يمكن أن يراد به العموم المجموعي ولا الاستغراقي في كلتا الفقرتين ، إذ لا يعقل الحكم بوجوب إتيان ما لا يتمكن المكلف من مجموعه أو جميعه ، فلا مناص من ان يراد به في الفقرة الأولى العموم المجموعي ، وفي الثانية العموم الاستغراقي ، ليكون المراد النهي عن ترك الجميع عند تعذر المجموع ، فيكون مفاد الرواية أنه إذا ترك المجموع لتعذره فلا يجمع في الترك ، بل يقتصر على ترك البعض دون بعض. وهذا المعنى يشمل الكلي الّذي له افراد متعددة تعذر الجمع بينها دون بعض والمركب من اجزاء مختلفة الحقيقة قد تعذر بعضها ، فان العام إذا كان ملحوظا بنحو العموم المجموعي لا يفرق فيه بين كون أجزائه متفقة الحقيقة أو مختلفة. وعليه فكل ما كان الواجب ذا افراد أو ذا أجزاء متعددة وجب الإتيان بما هو المقدور من أجزائه أو افراده.

__________________

(١) النور : ٣٠.

(٢) النمل : ٢٣.

(٣) عوالي اللئالي : ٤ ـ ٥٨.

٤٦٦

وأشكل في الكفاية (١) على الاستدلال بها بان ظهور إطلاق النهي في التحريم يعارضه إطلاق الموصول للمستحبات أيضا ، وبما أنه لا مرجح لأحدهما على الآخر ، لا يستفاد منها إلّا رجحان الإتيان بما هو المقدور من الأجزاء دون وجوبه.

ويرد عليه : أولا : بما ذكرناه في محله من أن كلا من الوجوب والحرمة انما هو بحكم العقل ، وخارج عن دائرة المستعمل فيه ، وان الصيغة مطلقا لا تستعمل إلّا في معنى واحد ، وكل مورد ثبت فيه الترخيص في الفعل أو الترك يحكم فيه بالاستحباب أو الكراهة ، وإلّا فالعقل يستقل بلزوم الإطاعة جريا على مقتضى قانون العبودية والمولوية ، وعليه فالموصول وان كان شاملا للمستحبات إلّا ان ثبوت الترخيص بترك المقدور من أجزائها لا ينافي حكم العقل بلزوم الإتيان بالمقدور من اجزاء الواجب بعد عدم ثبوت الترخيص فيها.

وثانيا : ان رجحان الإتيان بالمقدور من أجزاء الواجب يستلزم وجوبه ، لعدم القول بالفصل ، فان أمره دائر بين كونه واجبا أو غير مشروع ، فرجحانه مستلزم لوجوبه لا محالة ، وقد تقدم نظير ذلك في الاستدلال بآية النفر.

والتحقيق في الجواب أن يقال : أن الرواية على تقدير تسليم دلالتها لم يثبت انجبارها بعمل الأصحاب ، إذ لم نعثر عليها في غير كتاب العوائد فلا وثوق باعتماد الأصحاب عليها ، مع عدم وجدانها في كتب من تقدم على صاحب غوالي اللئالي. على أن دلالتها مخدوشة من وجهين.

الأول : أن ظاهر الرواية أن كل طبيعي وجب الإتيان بأفراده على نحو الاستغراق ، ولم يتمكن المكلف من الإتيان بجميعها وجب الإتيان بما تمكن ولو كان

__________________

(١) كفاية الأصول : ٢ ـ ٢٥٣.

٤٦٧

فردا واحدا ، فان تعذر بعض أفراد الواجب لا يوجب إلّا سقوط نفسه دون غيره من الافراد الممكنة ، وعلى هذا فالحكم في الرواية إرشادي غير مختص بمورد دون مورد. واما إذا حملناها على تعذر المركب مع التمكن من الإتيان ببعض أجزائه ، فلا بد من تقييدها بما إذا كان المتمكن منه معظم الأجزاء ، فانه إذا كان المتعذر هو المعظم لم يجب الإتيان بالباقي بلا كلام ، والتقييد خلاف الأصل.

الثاني : أن أمر الرواية في نفسه دائر بين حملها على موارد تعذر المركب مع التمكن من بعض أجزائه ، ليكون الوجوب المستفاد منها مولويا بعد سقوط المركب بتعذره ، وبين حملها على موارد تعذر بعض أفراد الواجب مع التمكن من البعض الآخر ، ليكون الوجوب إرشاديا إلى حكم العقل من عدم سقوط وجوب شيء بتعذر غيره ، وبما أنه لا جامع بين الوجوب الإرشادي والمولوي لتكون الرواية شاملة لكلا الأمرين ، ولا قرينة على تعيين أحدهما مع قطع النّظر عما ذكر في الوجه الأول ، فتكون الرواية مجملة لا يصح الاستدلال بها.

فان قلت : ان ظهور الأمر في المولوية يعين الاحتمال الأول ، فتختص الرواية بموارد تعذر بعض أجزاء المركب.

قلت : هذا يصح فيما إذا علم متعلق الأمر وشك في كونه مولويا. وأما إذا دار أمر المتعلق بين ما لا يصح تعلق الأمر به إلّا إرشاديا وما يكون الأمر به مولويا ، فلا ظهور للأمر في تعيين متعلقه ، فان ظهور الأمر في المولوية ليس ظهورا وضعيا ليكون قرينة على تعيين المتعلق ، بل هو ظهور مقامي ناشئ من التصدي للجعل والتشريع ، فلا يصلح قرينة لتعيين المتعلق.

وبذلك يظهر عدم دلالة الرواية الثانية على وجوب الباقي من أجزاء المركب مع الغض عن جميع ما ذكرناه من المناقشة فيها.

الرواية الثالثة : المرسلة المنقولة في العوائد أيضا عن كتاب عوالي اللئالي عن

٤٦٨

علي عليه‌السلام (الميسور لا يسقط بالمعسور) (١) وهي مشتركة مع الرواية المتقدمة من حيث المناقشة في السند ، فيجري فيها ما قدمناه.

واما من حيث الدلالة ، فتحقيق الكلام فيها يتوقف على بيان محتملات الرواية ، وهي أمور :

الأول : أن يكون كلمة «لا يسقط» نهيا ابتداء ، وعليه فيجري فيه ما ذكرناه من إجمال الرواية ، وعدم ظهور النهي في كونه مولويا أو إرشاديا. واما ما ذكره في الكفاية (٢) من أن شمول الرواية للمستحبات مانع عن التمسك بها للحكم بوجوب الباقي من أجزاء المركب الواجب ، فقد عرفت الجواب عنه ، فلا حاجة إلى الإعادة.

إلّا أن التحقيق : أن هذا الاحتمال ساقط في نفسه ، فان النهي مولويا كان أو إرشاديا لا بد وأن يتعلق بفعل المكلف وما هو تحت اختياره وجودا وعدما ، ومن الظاهر أن سقوط الواجب عن ذمة المكلف كثبوته مما يرجع أمره إلى الشارع ، ولا معنى لنهي المكلف عنه.

الثاني : أن يكون كلمة (لا يسقط) نفيا قصد به الإنشاء ، فالجملة وان كانت خبرية صورة إلّا أنها إنشائية معنى ، فيجري على هذا الاحتمال جميع ما ذكرناه على الاحتمال الأول.

الثالث : أن تكون الجملة خبرية محضة أريد بها الاخبار عن عدم سقوط الوجوب أو الاستحباب عند تعذر بعض الأجزاء من المركب ، أو بعض الأفراد من الطبيعي ، على نحو المجاز في الإسناد ، أو على نحو الحقيقة فيه ، فان السقوط والثبوت كما يصح إسنادهما إلى الحكم ، كذلك يصح إسنادهما إلى نفس الواجب أو

__________________

(١) عوالي اللئالي : ٤ ـ ٥٨.

(٢) كفاية الأصول : ٢ ـ ٢٥٢.

٤٦٩

المستحب ، فيقال الصلاة ثابتة في الذّمّة أو ساقطة عنها. وكيف كان فالرواية دالة على بقاء الحكم أو متعلقه في الذّمّة ولو تعذر بعض أجزائه أو بعض أفراده ، بلا محذور في الجمع بينهما. بل هي دالة أيضا على وجوب المرتبة النازلة من الشيء إذا تعذرت المرتبة العالية منه في فرض كون المرتبة النازلة في الصدق العرفي ميسورا من المرتبة العالية.

ولكن الصحيح : أن ما ذكرناه وان كان غاية ما يمكن أن يقرب به دلالة الرواية على ما نحن بصدده ، إلّا أنه غير خال عن الخدشة ، فان لفظ السقوط المذكور في الرواية قرينة على اختصاصها بموارد تعذر بعض الأفراد دون بعض ، فان غير المتعذر كان وجوبه ثابتا قبل تعذر المتعذر ، فهو باق على ما كان عليه ، وأما بعض المركب فلم يكن واجبا إلّا بوجوب ضمني سقط بسقوط المركب بتعذره ، فلو كان ثابتا بعد ذلك فهو ثبوت جديد وجعل حادث. فلا معنى للاخبار عن عدم سقوطه بتعذر غيره. وكذلك الحال في المرتبة النازلة عند تعذر المرتبة العالية ، فان المرتبة النازلة على تقدير وجوبها وثبوتها في الذّمّة ثابتة بثبوت جديد وجعل حادث. فإرادة معنى عام من الرواية شامل لموارد تعذر بعض الافراد وتعذر بعض الاجزاء ، وتعذر المرتبة العالية يحتاج إلى عناية ومسامحة ، لا يصار إليها إلّا بقرينة.

فتحصل من جميع ما ذكرناه أنه لا دليل على وجوب الإتيان بالميسور من اجزاء الواجب عند تعذر بعضها ، فالمرجع حينئذ هو الأصل العملي ، وقد مر الكلام فيه. نعم قد عرفت وجوب الإتيان بما تمكن من أجزاء الصلاة ، لقيام الدليل عليه بالخصوص.

التنبيه الرابع : فيما إذا تردد الأمر بين جزئية شيء أو شرطيته وبين مانعيته أو قاطعيته. والكلام فيه يقع في مسائل.

٤٧٠

الأولى : فيما إذا كان الواجب واقعة واحدة شخصية ، ولم يكن له أفراد طولية ولا عرضية ، كما إذا ضاق وقت العمل ، ولم يتمكن المكلف إلّا من صلاة واحدة ، ودار أمره بين الصلاة عاريا أو في الثوب المتنجس. والحكم فيه هو التخيير ، فان الموافقة القطعية متعذرة ، فتنتهي النوبة إلى الموافقة الاحتمالية ، وقد مر الكلام في كبرى ذلك في ما تقدم.

الثانية : ما إذا كانت الوقائع متعددة ، ولم يكن للواجب أفراد دفعية ولا تدريجية ، كما إذا دار أمر شيء بين كونه شرطا في الصوم ، أو مانعا عنه ، فان أفراد الصوم بما أنها متعددة فالإتيان بذلك الشيء في يوم وتركه في يوم آخر موجب للمخالفة القطعية ، وقد مر أن العقل يحكم بقبح المخالفة القطعية ولو كانت تدريجية ، حتى مع العلم بالموافقة القطعية أيضا من جهة ، فالحكم في مثله هو التخيير ابتدائيا ، فيختار الفعل في جميع الوقائع ، أو الترك كذلك ، وقد مر تفصيل الكلام فيه.

الثالثة : ما إذا كان الواجب واحدا له أفراد طولية ، بحيث يتمكن المكلف من الإتيان بفرد ثم الإتيان بفرد آخر ، فهل الحكم في مثل ذلك هو التخيير أيضا ، أو أنه لا بد من الاحتياط ، والإتيان بالعمل مع ذلك الشيء مرة ، ومع عدمه أخرى؟ ظاهر شيخنا العلامة الأنصاري قدس‌سره ابتناء المسألة على النزاع في دوران الأمر بين الأقل والأكثر ، فعلى القول بالاشتغال هناك لا بد من الاحتياط في المقام ، وعلى القول بالبراءة فيه يحكم بالبراءة في المقام ، فان العلم الإجمالي باعتبار وجود شيء أو عدمه لا أثر له بعد عدم تمكن المكلف من المخالفة العملية ، لدوران أمره بين الفعل والترك ، فلم يبق إلّا الشك في الاعتبار ، وهو مورد لأصالة البراءة (١).

وقد أورد عليه المحقق النائيني رحمه‌الله. بما حاصله (٢) : أن المأمور به إذا كان طبيعيا

__________________

(١) فرائد الأصول : ٢ ـ ٥٠٢ ـ ٥٠٣ (ط. جامعة المدرسين).

(٢) فوائد الأصول : ٤ ـ ٢٦١ ـ ٢٦٢.

٤٧١

ذا أفراد طولية ، ودار أمره بين اعتبار وجود شيء أو عدمه فيه ، فالمكلف متمكن من الموافقة القطعية بإتيانهما ، ومن المخالفة القطعية بتركهما ، فلا محالة يكون العلم منجزا للتكليف فيجب الاحتياط. وأما عدم التمكن من المخالفة القطعية في الفرد الخارجي المفروض وجوده ، لاستحالة ارتفاع النقيضين ، فهو لا ينافي تنجيز العلم الإجمالي بعد تمكن المكلف من المخالفة القطعية في أصل الواجب ، فان الاعتبار انما هو بما تعلق به التكليف ، لا بالفرد المفروض وجوده.

وما أفاده قدس‌سره متين جدا. ومن الغريب أن الشيخ قدس‌سره قد ذهب إلى وجوب الاحتياط في موارد دوران الأمر بين القصر والتمام مع انها داخلة في كبرى هذه المسألة على التحقيق ، فان السلام في الركعة الثانية على تقدير وجوب القصر واجب فيها ، وعلى تقدير وجوب التمام مانع عن صحتها ومبطل لها.

٤٧٢

خاتمة

في شرائط جريان الأصول

أما الاحتياط ، فلا يعتبر في حسنه شيء سوى تحقق عنوانه ، وكل ما اعتبر في ذلك فهو على تقدير صحته يرجع إلى اعتباره في صدق هذا العنوان ، ضرورة انه مع صدقه وفرض ثبوت الحكم في الواقع لا تبقى حالة منتظرة لحكم العقل بحسنه.

إذا عرفت ذلك فاعلم ان الاحتياط في المعاملات بالمعنى الأعم لا يعتبر في حسنه غير الجمع بين محتملات الواقع ما لم يؤد إلى اختلال النظام. وأما الاحتياط في العبادات فلا ينبغي الشك في حسنه فيما لم يتمكن المكلف من تحصيل العلم أو ما بحكمه ، وكذلك فيما إذا لم يكن الواقع منجزا عليه ، كما في موارد الشبهات البدوية من الشبهات الموضوعية أو الحكمية بعد الفحص وعدم الظفر بالدليل ، وأما إذا كان المكلف متمكنا من الامتثال التفصيليّ ، وكان الواقع منجزا على تقدير وجوده ففي جواز الاحتياط قبل الفحص وعدمه؟ أقوال ، ثالثها : التفصيل بين كون الاحتياط مستلزما للتكرار وعدمه ، ورابعها : التفصيل بين موارد العلم بثبوت التكليف في الجملة وعدمه. والمختار جوازه مطلقا ، وقد تقدم وجهه بما لا مزيد عليه في بحث القطع ، فراجع.

وأما الرجوع إلى البراءة ، فلا ريب في اعتبار الفحص في جواز الرجوع إلى البراءة العقلية ، فان موضوع حكم العقل بقبح العقاب انما هو عدم البيان ، فما لم يحرز

٤٧٣

ذلك بالفحص لا يستقل العقل بقبح العقاب كما هو ظاهر.

واما البراءة النقليّة فقد استدل لاعتبار الفحص في جريانها ، وتقييد إطلاق أدلتها بأمور.

الأول : دعوى الإجماع على ذلك.

ويرد عليه : أن اتفاق الفقهاء على وجوب الفحص في الشبهات الحكمية وان كان محققا إلّا أنه لا يكون إجماعا مصطلحا ، لأنه معلوم المدرك ، فلا يكون كاشفا عن قول المعصوم.

الثاني : أن العلم الإجمالي بثبوت تكاليف إلزامية في الشريعة مانع عن الرجوع إلى البراءة قبل الفحص.

وأورد على ذلك في الكفاية (١) بما حاصله : أن موجب الفحص لو كان هو العلم الإجمالي لزم جواز الرجوع إلى البراءة قبل الفحص بعد انحلاله بالظفر على المقدار المعلوم بالإجمال ، مع أنه غير جائز قطعا ، فلا بد من أن يكون المدرك أمرا آخرا غير العلم المزبور.

وأشكل عليه المحقق النائيني قدس‌سره بأن المعلوم بالإجمال في المقام بما أنه ذو علاقة وتمييز غير قابل للانحلال بالظفر على المقدار المعلوم بالإجمال ، فان الواقع المعلوم قد تنجز حينئذ بما له من العلامة والتمييز ، فكيف يعقل انحلاله قبل الفحص وان كان بعد الظفر بالمقدار المعلوم ، كما لو علم بالدين المردد بين الأقل والأكثر مع العلم بكونه مضبوطا في دفتره ، فهل يتوهم أحد جواز الرجوع إلى البراءة في المقدار الزائد على المتيقن قبل الفحص عما في دفتره؟! والمقام من هذا القبيل ، فان التكاليف المعلومة بالإجمال نعلم بثبوتها في الكتب المعتبرة عند الشيعة ، وعليه فالظفر بالمقدار المتيقن

__________________

(١) كفاية الأصول : ٢ ـ ٢٥٦.

٤٧٤

لا يوجب انحلال العلم الإجمالي ليصح الرجوع إلى البراءة بعد ذلك قبل الفحص. نعم إذا لم يكن المعلوم بالإجمال ذا علامة وتمييز وكان عدده مرددا بين الأقل والأكثر جاز الرجوع إلى البراءة في مثل ذلك ، لكن المقام ليس من هذا القبيل كما عرفت (١).

والتحقيق في المقام أن يقال : ان كون المعلوم بالإجمال ذا علامة وتمييز لو سلم منعه عن انحلال العلم الإجمالي فانما يمنع فيما إذا لم يكن بنفسه مردد بين الأقل والأكثر ، كما إذا علمنا بوجود نجس بين آنية عديدة مردد بين الواحد والأكثر ، وعلمنا أيضا نجاسة إناء زيد بخصوصه المعلوم وجوده فيها ، فلو علم بعد ذلك بنجاسة إناء معين منها وجدانا أو تعبدا من دون إحراز كونه إناء زيد أمكن القول بعدم كونه موجبا لانحلال العلم الإجمالي الثاني ، الّذي لمتعلقه علامة وتمييز ، فان العلم الأول وان لم يكن مقتضيا للتنجيز حينئذ في غير ما علم نجاسته بخصوصه ، إلّا ان العلم الثاني مقتضى للتنجيز ، فلا يمكن الرجوع إلى الأصل في غيره ، لاحتمال انطباق إناء زيد عليه. وأما إذا كان المعلوم المفروض كونه ذا علامة وتمييز بنفسه مرددا بين الأقل والأكثر ، وظفرنا على المقدار المتيقن ، فلا مانع من الرجوع إلى الأصل في غيره ، فإذا علمنا بنجاسة إناء زيد المعلوم وجوده بين إناءات كثيرة ، وتردد بين كونه إناء واحدا أو أكثر ، ثم علم بعد ذلك كون إناء بخصوصه إناء زيد لم يكن مانع من الرجوع إلى الأصل في غيره.

والمقام من هذا القبيل ، فان التكاليف المعلومة بالإجمال بعنوان كونها مسطورة في الكتب المعتبرة بأنفسها مرددة بين الأقل والأكثر ، فإذا ظفرنا فيها بالمقدار المتيقن لم يكن مانع من الرجوع إلى الأصل في غيرها من جهة العلم

__________________

(١) فوائد الأصول : ٤ ـ ٢٧٩ ـ ٢٨٠.

٤٧٥

الإجمالي ، فعدم جوازه حينئذ لا بد من أن يستند إلى أمر آخر غير العلم الإجمالي كما ذكره صاحب الكفاية.

ويمكن أن يقال : بانحلال العلم الإجمالي بالظفر بالمقدار المتيقن في القسم الأول أيضا ، وذلك لأن الميزان في الانحلال كما عرفت سابقا عدم تعارض الأصول في الأطراف بقاء ، ومن الظاهر أنه بعد العلم بنجاسة إناء معين في المثال المتقدم مع احتمال انطباق إناء زيد عليه لا علم بوجود نجاسة في غيره من الإناءات ، فلا مانع من جريان الأصل فيها ، لأنه بلا معارض. والسر في ذلك أن العلم بوجود نجس مردد بين الواحد والأكثر ، والعلم بنجاسة إناء زيد بخصوصه يرجعان إلى العلم بوجود نجس واحد بعنوانين ، فإذا علمنا نجاسة واحد معين من الإناءات لم يمكن الرجوع إلى الأصل فيه ، فيجري في غيره من المحتملات بلا معارض.

واما ما ذكر من عدم جواز الرجوع إلى البراءة بعد الظفر بالمقدار المتيقن من الدين المضبوط في الدفتر فان صح فلا بد من أن يستند إلى أمر آخر غير العلم الإجمالي ، كما ادعى ذلك في موارد الشك في بلوغ المال حد النصاب ، وفي حصول الاستطاعة في الحج ونحوهما ، إذ لو فرضنا عدم التمكن من الرجوع إلى الدفتر لضياعه أو غير ذلك لم يكن مانع من الرجوع إلى الأصل في الزائد على المتيقن ، مع أنه لو كان العلم الإجمالي هو الموجب للاحتياط لم يكن فرق بين التمكن من الفحص وعدمه كما هو ظاهر.

الثالث : حكم العقل بوجوب الفحص ، وعدم جواز الرجوع إلى البراءة قبله ، فانه كما يحكم بقبح العقاب بلا بيان من المولى ، كذلك يستقل بوجوب الفحص عن أحكام المولى ، فانه مقتضى العبودية والمولوية. والسر فيه أن العادة بعد ما جرت على أن إيصال التكاليف لا يكون على وجه القهر والإجبار ، لا يلزم على المولى إلّا بيان أحكامه على النحو المتعارف ، وجعله في معرض الوصول إلى عبيده ، واما فعلية

٤٧٦

الوصول إليها فهي من وظائف العبد ، جريا على مقتضى عبوديته من تحصيل إرادات المولى والعمل على طبقها ، وهذا الحكم العقلي بمنزلة القرينة المتصلة المانعة عن انعقاد الظهور في الإطلاق في الأدلة النقليّة الدالة على البراءة ، وعليه فهي من الأول مختصة بما بعد الفحص في الشبهات الحكمية.

الرابع : الآيات الدالة على وجوب التعلم مقدمة للعمل ، منها : ما ورد في تفسير قوله تعالى (فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ)(١) من أنه يقال : للعبد يوم القيامة هل علمت ، فان قال : نعم قيل : له فهلا عملت ، وان قال : لا قيل : فهلا تعلمت حتى تعمل (٢).

الخامس : الأخبار الدالة على وجوب التوقف إلى لقاء الإمام عليه‌السلام وبما أن مورد جملة منها قبل الفحص ، فالنسبة بينها وبين أخبار البراءة نسبة العموم المطلق ، فتختص أخبار البراءة بما بعد الفحص. وقد تقدم الكلام في ذلك في بحث البراءة.

وبما ذكرناه ظهر الحال في اختصاص أدلة حجية الاستصحاب بما بعد الفحص أيضا. كما ظهر عدم جواز الرجوع إلى التخيير العقلي قبل الفحص. وملخص الكلام أن الأصول العقلية قاصرة في نفسها عن الشمول لما قبل الفحص ، لأن موضوعها لا يحرز إلّا به ، فلا مقتضى لها قبل ذلك أصلا. واما الأصول الشرعية فأدلتها وإن كانت مطلقة في نفسها إلّا أنها مقيدة بما بعد الفحص بالقرينة العقلية المتصلة والنقليّة المنفصلة.

بقي التنبيه على أمور :

الأمر الأول : هل يعتبر في الفحص اللازم في جواز الرجوع إلى الأصل ان

__________________

(١) الأنعام : ١٤٩.

(٢) أمالي الطوسي : المجلس الأول ، ح ١٠.

٤٧٧

يفحص بمقدار يحصل له القطع بعدم الدليل ، أو يكتفي فيه بالظن ، أو لا بد من حصول الاطمئنان بالعدم؟ فيه وجوه. والأظهر هو الأخير. أما عدم اعتبار الظن فلعدم الدليل عليه. واما عدم لزوم تحصيل القطع فلأنه مستلزم للعسر والحرج ، مضافا إلى عدم الدليل عليه ، فيتعين الأمر في الاحتمال الأخير ، وهو كفاية الاطمئنان المعبر عنه بالعلم العادي ، فانه حجة ببناء العقلاء ، ولم يردع عنه ، وهو يحصل بالفحص عن مظان وجود الدليل وعدم وجدانه فيها.

الأمر الثاني : بعد ما عرفت أن وجوب تعلم الأحكام الشرعية مما لا ريب فيه ، قد وقع الإشكال في أنه طريقي لا يترتب العقاب عند تركه إلّا على مخالفة الواقع على تقدير وجوده كما هو المشهور ، أو أنه نفسي والعقاب على تركه ولو لم يصادف الواقع ، كما عن المحقق الأردبيلي وصاحب المدارك ، وقد مال إليه صاحب الكفاية (١) أيضا في آخر كلامه؟ والظاهر هو الأول ، إذ لا دليل على كونه نفسيا إلّا ما يتوهم من كونه مقتضى ظهور الأوامر المتعلقة بالتعلم ، ولكن الظاهر منها كون التعلم مقدمة للعمل ، كما هو صريح الرواية المزبورة الواردة في تفسير قوله عزّ شأنه (فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ) ، وعليه فلو ترك التعلم ولم يتحقق مخالفة الواقع أحيانا لا يستحق العقاب إلّا من جهة التجري.

ثم إنه ربما يشكل في وجوب التعلم فيما إذا كان الواجب مشروطا بشرط غير حاصل ، ولم يكن المكلف متمكنا من الإتيان به في ظرفه ، لتركه التعلم من جهة أنه في ظرف إمكان التعلم لم يثبت وجوب الواجب ليجب تعلمه ، وفي ظرف حصول الشرط لا قدرة على الامتثال. ولعل هذا الإشكال هو الّذي أوجب القول بالوجوب النفسيّ ، فلا مناص من تفصيل الكلام لتحقيق الحال في المقام فنقول : قد يكون

__________________

(١) كفاية الأصول : ٢ ـ ٢٥٩.

٤٧٨

وجوب الواجب فعليا والوقت متسعا للإتيان به وللتعلم. وهذا مما لا ينبغي الإشكال في وجوب التعلم فيه تخييرا بينه وبين الاحتياط ، فان تخيل طولية الامتثال الإجمالي إنما هو في فرض تمكن المكلف من الامتثال التفصيليّ في ظرف العمل ، واما التمكن منه قبل العمل بحيث يجب حفظ القدرة عليه فلم يقل به أحد فيما نعلم.

وقد يكون الواجب فعليا ، ولا يكون الوقت متسعا للإتيان به وللتعلم ، إلّا أن المكلف يتمكن من امتثال الواجب وإحرازه بالاحتياط. ولا ينبغي الشك في تخييره حينئذ بين التعلم قبل حصول الشرط والاحتياط بعده.

وقد يكون الواجب فعليا مع عدم اتساع الوقت له وللتعلم ، لكن لا يتمكن المكلف من الاحتياط وإحراز الامتثال وان كان متمكنا من الإتيان بأصل الواجب ، مثاله ما إذا شك في فعل من افعال الفريضة في أثنائها مع عدم تعلمه لحكمه قبل ذلك ، فانه وان كان متمكنا من الإتيان بالمشكوك ، ومن المضي في الصلاة من دون إتيانه ، إلّا أنه لا يتمكن من الاحتياط ، وفي مثل ذلك لا بد من التعلم قبل الابتلاء بالشك ، لحكم العقل بوجوب دفع العقاب المحتمل عند فعلية الشك ، ولظهور الأدلة في وجوب التعلم في مثل ذلك ، ولا دافع لاحتمال العقاب إلّا التعلم ومعرفة أن الشك قبل التجاوز يجب الاعتناء به والإتيان بالمشكوك ، وبعد التجاوز عن المحل لا بد من المضي وعدم الاعتناء بالشك.

وقد لا يكون الواجب فعليا بعد حصول الشرط ، لعدم التمكن من الإتيان به ولو كان ذلك من جهة تركه التعلم قبل ذلك ، مع عدم سعة الوقت له وللتعلم معا ، مثاله كما إذا فرضنا ان غير العربي لم يتعلم القراءة قبل الوقت ، ولم يكن متمكنا من تعلمها والإتيان بها بعد دخوله. والإشكال المزبور انما يختص بهذا الفرض.

والصحيح فيه أن يقال : ان القدرة المعتبرة في مثل هذا الواجب ان كانت

٤٧٩

معتبرة عقلا من باب استحالة التكليف بما لا يطاق ، وغير دخيلة في ملاكه ، فلا ينبغي الشك في وجوب التعلم قبل الوقت ، للتحفظ على الملاك في ظرفه وان لم يكن التكليف فعليا في زمان ، وذلك لحكم العقل بقبح تفويت الملاك الملزم ، كحكمه بقبح مخالفة التكليف الفعلي. وان كانت القدرة في ظرف العمل معتبرة شرعا ودخيلة في ملاك الواجب ، فالظاهر عدم وجوب التعلم حينئذ من دون فرق بين القول بكونه طريقيا والقول بكونه نفسيا اما على الطريقية فالأمر ظاهر ، إذ لا يترتب على ترك التعلم فوت واجب فعلي ولا ملاك ملزم ، واما على القول بكون الوجوب نفسيا فلأن الواجب إنما هو تعلم الأحكام المتوجهة إلى شخص المكلف ، ولذا لا يجب على الرّجل تعلم أحكام الحيض ونحوه بالضرورة ، فإذا فرضنا أن التكليف لا يكون فعليا في حق المكلف أبدا ، لعدم حصول شرطه ، كيف يجب في مورده التعلم. فالإنصاف أن الإشكال المزبور في هذا الفرض متين لا دافع له.

الأمر الثالث : هل يختص وجوب التعلم بما إذا علم المكلف أو اطمأن بابتلائه بالواقعة التي لا يعلم حكمها ، كمسائل الشكوك المتعارفة التي يعم الابتلاء بها ، أو أنه يعم موارد احتمال الابتلاء أيضا؟ وجهان.

ربما يقال : بعدم وجوب التعلم بمجرد احتمال الابتلاء ، نظرا إلى استصحاب عدم الابتلاء بالواقعة ، ومن الظاهر أن ما لا يبتلى به المكلف بالوجدان أو بالتعبد لا يجب تعلم حكمه ، وبذلك يفرق بين المقام وما إذا علم الابتلاء وشك في سعة الوقت للتعلم والإتيان بالواجب ، فان هذا الشك لا بد فيه من الاحتياط بالتعلم قبل الوقت ، لأن في تركه احتمال العقاب على مخالفة الواجب المعلوم في ظرفه ، وهذا بخلاف المقام ، فان مقتضى الاستصحاب فيه عدم توجه التكليف إلى المكلف فيما بعد ، فلا يجب التعلم.

وقد أورد على ذلك بوجهين.

٤٨٠