دراسات في علم الأصول - ج ٣

آية الله السيّد علي الشاهرودي

دراسات في علم الأصول - ج ٣

المؤلف:

آية الله السيّد علي الشاهرودي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مركز الغدير للدراسات الإسلامية
المطبعة: محمّد
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٤٧
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣   الجزء ٤
  نسخة غير مصححة

المقام الثاني :

دوران الأمر

بين الأقل والأكثر الارتباطيين

والبحث في هذا انما هو بعد الفراغ عن كون المرجع عند الشك في التكليف هو البراءة ، وعند الشك في المكلف به هو قاعدة الاشتغال. ومنشأ النزاع انما هو ان الشك في الأقل والأكثر بعد فرض كون الواجب ارتباطيا هل هو ملحق بالشك في التكليف ، أو انه ملحق بالشك في المكلف به؟ والكلام في المقام يقع في موردين.

الأول : في الاجزاء الخارجية.

الثاني : في الاجزاء التحليلية كدوران الواجب بين المطلق والمقيد.

دوران الأمر بين الأقل والأكثر في الاجزاء الخارجية :

اما المورد الأول : فيقع الكلام فيه تارة في جريان البراءة العقلية ، وأخرى في جريان البراءة الشرعية.

اما الكلام من الجهة الأولى : فالتحقيق هو جريان البراءة بحكم العقل بقبح العقاب في غير المقدار المتيقن ، لا لما أفاده الشيخ رحمه‌الله من ان وجوب الأقل المردد بين النفسيّ والغيري معلوم ، واما وجوب الأكثر فهو غير محرز ، فيجري فيه الأصل (١) ، فانه مبني على القول باتصاف الاجزاء بالوجوب الغيري ، وكون العلم بالوجوب الجامع بين النفسيّ والغيري موجبا لانحلال العلم بالوجوب النفسيّ ، وكلا الأمرين

__________________

(١) فرائد الأصول : ٢ ـ ٤٦٢ (ط. جامعة المدرسين).

٤٢١

خلاف التحقيق.

اما الأول : فلما بيناه في بحث وجوب المقدمة من استحالة اتصاف الاجزاء بالوجوب الغيري ، والشيخ رحمه‌الله لم يلتزم بذلك أيضا.

واما الثاني : فلان المعلوم بالإجمال إذا كان خصوص الوجوب النفسيّ فالترديد بين كون متعلقه الأقل أو الأكثر لا يرتفع بالعلم بوجوب جامع بينه وبين الوجوب الغيري ، ضرورة انه يعتبر في الانحلال أن يكون المعلوم بالتفصيل من سنخ المعلوم بالإجمال ، ومع عدمه كان العلم الأول باقيا على حاله كما هو ظاهر.

بل لأن التكليف بالمركب ينحل بنفسه إلى التكليف بكل جزء منه ، فيكون لكل جزء حصة من التكليف مغايرة لحصة أخرى منه المتعلقة بالجزء الآخر ، فإذا دار أمر التكليف بين تعلقه بالأقل أو الأكثر فتعلقه بالأقل معلوم ، وتعلقه بالزائد مشكوك فيه ، ولم تقم عليه حجة من الشارع ، فالعقاب على تركه بلا بيان. وبعبارة أخرى : ترك الواجب إذا استند إلى ترك الاجزاء المعلومة فالعقاب عليه عقاب بعد تمامية الحجة. واما تركه المستند إلى ترك الاجزاء المشكوكة فالعقاب عليه عقاب بلا بيان ، لعدم قيام الحجة على جزئيتها على الفرض.

وقد أشكل على ما ذكرناه بوجوه.

الأول : ما ذكره في الكفاية (١) من استحالة الانحلال ، فانه مستلزم للخلف ، ومستلزم لعدم نفسه. اما استلزامه للخلف ، فلأنّ الانحلال يتوقف على كون التكليف بالأقل معلوما ومنجزا على كلا تقديري تعلقه بالأقل والأكثر ، ففرض انحلال العلم وعدم تنجزه بالإضافة إلى الأكثر خلاف المفروض من كون التكليف منجزا على كل تقدير. وبعبارة أخرى : يتوقف انحلال العلم الإجمالي في المقام على

__________________

(١) كفاية الأصول : ٢ ـ ٢٢٨.

٤٢٢

العلم بتنجيز التكليف على كل تقدير ، فلو ترتب عليه عدم تنجز التكليف إذا كان متعلقا بالأكثر لزم الخلف.

واما استلزام الانحلال لعدمه ، فلان لازم الانحلال عدم تنجز التكليف على كل تقدير ، وهو يستلزم عدم العلم بوجوب الأقل على كل حال ، المستلزم لعدم الانحلال ، فيلزم من فرض الانحلال عدمه ، وهو محال.

والجواب عن كلا التقريبين ان ما ذكره مبني على توقف القول بالانحلال على العلم بتنجز التكليف على كل حال ، وليس الأمر كذلك ، بل هو مبني على دعوى انحلال التكليف بالمركب بالتكاليف الضمنية باجزائه ، فانه حينئذ يعلم بتعلق التكليف المعلوم في البين بالاجزاء المعلومة ، غاية الأمر يشك في كونها مأخوذة لا بشرط بالإضافة إلى الجزء المشكوك فيه ، أو بشرط شيء بالإضافة إليه ، فتعلق التكليف بالأقل معلوم على كلا التقديرين ، واما تعلقه بالزائد فمشكوك فيه ، فيجري فيه البراءة.

وببيان أوضح التكليف المعلوم بالإجمال وان كان واحدا واقعا ، وتردد متعلقه بين الأقل والأكثر ، إلّا ان كون الأقل طرفا له معلوم ، فيتنجز بالإضافة إليه ، لوصوله بهذا المقدار ، واما الزائد عليه فكونه طرفا للتكليف غير معلوم ، وبما انه لم تتم الحجة عليه كان العقاب على مخالفته بتركه عقابا بلا بيان.

الثاني : ان الوجوب المعلوم في المقام ، المردد بين تعلقه بالأقل وتعلقه بالأكثر ، وجوب واحد على التقديرين ، إذ المفروض كونه ارتباطيا ، فتعلقه بكل جزء ملازم لتعلقه بالاجزاء الآخر ثبوتا وسقوطا ، ولا يعقل مع ذلك سقوطه بالإضافة إلى بعض الاجزاء ، وعدم سقوطه بالإضافة إلى البعض الآخر ، وعليه فاحتمال تعلق الوجوب بالأكثر ملازم لاحتمال عدم سقوط التكليف من رأسه بالإتيان بالأقل ، ومن الواضح ان العلم بثبوت التكليف يقتضي العلم بفراغ الذّمّة

٤٢٣

وإحراز سقوطه ، ومع الشك فيه كان المرجع أصالة الاشتغال لا محالة.

وان شئت قلت : ان التكليف المعلوم تعلقه بالأقل يشك في سقوطه بإتيان الأقل ، لاحتمال تعلقه بالأكثر ، الملازم لاحتمال عدم سقوطه بترك الجزء المشكوك ، ومع رجوع الشك إلى الشك في السقوط كان المرجع أصالة الاشتغال دون البراءة.

والجواب عنه : ان الواجب بحكم العقل انما هو الإتيان بما علم تعلق التكليف به فرارا عن العقاب المترتب على تركه ، وسقوط التكليف بنفسه ليس من الواجبات العقلية ولا الشرعية ، وانما هو امر ينتزع من الإتيان بمتعلق التكليف خارجا ، فالتكليف المعلوم بالإجمال في المقام وان كان سقوطه في الواقع دائرا مدار الإتيان بتمام متعلقه على ما هو عليه ، إلّا ان سقوطه في حكم العقل أعني به حكمه بالأمن من العقوبة لا يدور مدار ذلك ، بل يدور مدار الإتيان بما علم تعلقه به ، فالأقل المعلوم وجوبه لا بد من الإتيان به ، لأن تركه يستلزم استحقاق العقاب ، واما الزائد عليه فبما انه لم يعلم وجوبه فليس في تركه احتمال العقاب ، فلا يحكم العقل بوجوب الإتيان به. فالإيراد المزبور ناشئ من خلط سقوط التكليف واقعا بسقوطه في حكم العقل ، والواجب هو الثاني دون الأول ، فتدبر.

الثالث : ما أفاده المحقق النائيني قدس‌سره وحاصله (١) : ان المعلوم بالتفصيل في المقام انما هو تعلق التكليف بالأقل على نحو الإهمال ، الجامع بين كونه بشرط شيء بالإضافة إلى الجزء المشكوك وكونه لا بشرط ، وكما ان التقييد وأخذه بشرط مشكوك فيه ، كذلك الإطلاق ، ومن الواضح ان مثل هذا العلم التفصيليّ الملازم للشك في كل من الخصوصيّتين مقوم للعلم الإجمالي ، فكيف يعقل أن يكون موجبا

__________________

(١) فوائد الأصول : ٤ ـ ١٥٩ ـ ١٦٠ ، أجود التقريرات : ٢ ـ ٢٨٨ ـ ٢٨٩.

٤٢٤

لانحلاله؟! وهل يكون القول به إلّا قولا بانحلال العلم الإجمالي بنفسه؟!

وببيان آخر : ان انحلال العلم الإجمالي انما يكون بتبدل القضية المنفصلة المانعة الخلو إلى قضية متيقنة وقضية مشكوكة ، وهو مفقود في المقام ، إذ لا علم بوجوب الأقل لا بشرط على الفرض ، فانه أحد طرفي الاحتمال ، واما العلم بوجوب الأقل على نحو الإهمال الجامع بين الإطلاق والتقييد فهو مقوم للعلم الإجمالي ، لا انه موجب لانحلاله ، ولو كان العلم بالمهمل الجامع موجبا للانحلال لكان موجبا له في المتباينين أيضا. ثم انه قدس‌سره أيد ما ذكره بما تقدم من الوجه الثاني لعدم الانحلال من ان الشك في المقام شك في السقوط دون الثبوت ، فيكون مجرى للاشتغال دون البراءة.

ويرد على ما أفاده : ان العلم بالجامع المهمل انما لا يكون موجبا للانحلال فيما إذا كان الأصل الجاري في كل من الخصوصيّتين المشكوكتين معارضا بالأصل الجاري في الأخرى ، كما هو الحال في دوران الأمر بين المتباينين. واما إذا لم يكن بين الأصلين معارضة ، بان اختص أحدهما بجريان الأصل فيها دون الآخر فلا محالة ينحل العلم الإجمالي ، ويكون أحد الطرفين مأمونا من العقاب بمقتضى جريان الأصل.

وتوضيح ذلك : ان الأقل الجامع بين الإطلاق والتقييد قد علم وجوبه ، وترتب العقاب على تركه ، ولكن لا يعلم انه واجب على الإطلاق ، أو مع أخذ الزائد المشكوك فيه أيضا ، فخصوصية الإطلاق وان كانت مشكوكة كخصوصية التقييد إلّا ان أصالة البراءة عن التقييد لا يعارضها أصالة البراءة في الإطلاق ، إذ الإطلاق ليس فيه كلفة زائدة لترتفع بالأصل ، فإذا لا مانع من جريان أصل البراءة عن التقييد ، وبذلك ينحل العلم ، فيحكم بعدم استحقاق العقاب على ترك المشكوك ، وقد فرض العلم باستحقاق العقاب على ترك الأقل. وبهذا يظهر بطلان قياس المقام

٤٢٥

بالمتباينين ، فان الأصل الجاري في كل منهما معارض بالأصل الجاري في الآخر ، وهذا بخلاف المقام كما عرفت. واما ما ذكره من التأييد فقد تقدم الجواب عنه ، فلا حاجة إلى الإعادة.

الرابع : ما ذكره في الكفاية (١) وحاصله : انه بناء على ما هو الحق من تبعية الأحكام للملاكات الثابتة في متعلقاتها نعلم في المقام بثبوت مصلحة ملزمة قائمة بالأقل أو بالأكثر ، وبما ان المفروض لزوم استيفائها بحكم العقل ، فلا مناص من الاحتياط بالإتيان بالأكثر ، إذ المفروض انه لا يعلم بحصولها عند الاقتصار على الأقل.

وقد تعرض لهذا الوجه شيخنا الأنصاري قدس‌سره وأجاب عنه بجوابين (٢).

الأول : ان البحث عن جريان البراءة عند دوران الأمر بين الأقل والأكثر لا يبتني على مسك العدلية القائلين بتبعية الأحكام للملاكات.

الثاني : ان الغرض المعلوم في المقام لا يمكن تحصيل القطع به على كلا تقديري الإتيان بالأقل والأكثر. اما على تقدير الإتيان بالأقل فلاحتمال دخل الأكثر في حصول الغرض ، واما على تقدير الإتيان بالأكثر فلان الإتيان بالزائد لا يخلو من أن يكون بقصد الأمر الجزمي ، أو بقصد الأمر الاحتمالي. اما الأول فتشريع محرم ، لا يحتمل معه الوفاء بالغرض. واما الثاني فلا يقطع معه بحصول الغرض ، لاحتمال اعتبار قصد الوجه في تحققه وحصوله ، فإذا لا يجب علينا تحصيل اليقين بالغرض قطعا ، فلا يبقى في البين إلّا الفرار من العقاب ، وهو يحصل بالإتيان بالأقل ، للعلم بوجوبه ، واما الأكثر فاحتمال العقاب على تركه يدفع بالأصل ، هذا ملخص ما أفاده.

__________________

(١) كفاية الأصول : ٢ ـ ٢٣٢.

(٢) فرائد الأصول : ٢ ـ ٤٦١ (ط. جامعة المدرسين).

٤٢٦

ولا يخفى عليك ما في كلا الجوابين.

اما الأول : فلأنه لا يتم على مسلك من يرى تبعية الأحكام للملاكات الواقعية. وجواز الرجوع إلى البراءة على مذهب الأشعري لا يجدي القائل ببطلانه ، كما هو ظاهر.

واما الثاني : فلما أورد عليه في الكفاية (١) بوجوه ، نذكر أهمها.

الأول : ان ما ذكره الشيخ رحمه‌الله من عدم إمكان تحصيل القطع بالغرض لو تم فانما يتم في التعبديات دون التوصليات التي لا يحتمل فيها دخل قصد الوجه في حصول الغرض خارجا ، فلازم ذلك هو القول بوجوب الاحتياط في الواجبات التوصلية دون التعبدية ، وهو باطل قطعا.

الثاني : ان لازم ما ذكره عدم التمكن من الاحتياط في المقام أصلا ، وهو باطل بالضرورة. بيان الملازمة ان الاحتياط ان كان لأجل القطع بإدراك المصلحة الواقعية فهو غير ممكن على الفرض ، وان كان للتحرز من العقاب فالمفروض حصوله بإتيان الأقل وعدم احتمال العقاب على ترك الأكثر ، فلا معنى للاحتياط بالإتيان بالأكثر ، أصلا. نعم لا بأس بالاحتياط في دوران الأمر بين المتباينين ، إذ المفروض في مورده عدم حصول الأمن من العقوبة إلّا بالاحتياط ومراعاة العلم الإجمالي في جميع أطرافه وان لم يمكن الجزم بحصول الغرض مع ذلك ، لاحتمال دخل قصد الوجه في حصوله.

الثالث : ان ما ذكره مبني على احتمال دخل قصد الوجه في حصول الغرض وتحققه خارجا ، مع انه احتمال لا يساعد عليه دليل ، بل هو مقطوع البطلان على ما تقدم بيانه في بحث التعبدي والتوصلي. على انه لو صح احتمال دخل قصد الوجه في

__________________

(١) كفاية الأصول : ٢ ـ ٢٣٢ ـ ٢٣٣.

٤٢٧

الغرض فهو انما يصح في الواجبات الاستقلالية ، واما الواجبات الضمنية أعني بها الاجزاء فلا يحتمل دخل قصد الوجه فيها في حصول الغرض من الواجب الاستقلالي. ويظهر الوجه في ذلك من الأدلة التي ذكروها لاعتبار قصد الوجه في حصول الغرض ، فانها مع عدم تماميتها في نفسها مختصة بقصد الوجه في الواجب الاستقلالي دون الضمني.

وأجاب المحقق النائيني رحمه‌الله (١) عن أصل الإشكال بان الغرض الداعي إلى الأمر بشيء إذا كانت نسبته إلى المأمور به نسبة المعلول إلى علته التامة فالذي هو تحت الأمر حقيقة انما هو ذلك الغرض ، ولا يفرق بين تعلق الأمر به في مقام الإثبات أو بعلته ، فكما يمكن الأمر بقتل زيد يمكن الأمر بقطع أوداجه ، والمتحصل من كلا الأمرين شيء واحد وهو مطلوبية القتل. واما إذا كانت نسبة الغرض إلى المأمور به كنسبة المعلول إلى العلل المعدة بحيث يتوسط بينه وبينها امر غير اختياري ، فالغرض في مثل ذلك وان كان ملزما في نفسه ، إلّا انه يستحيل تعلق الأمر به ، لكونه خارجا عن اختيار المكلف على الفرض ، فلا مناص في مثله من تعلق الأمر بالعلة المعدة ، فانها هي المقدورة للمكلف دون المعلول. هذا بحسب مقام الثبوت.

واما بحسب مقام الإثبات ، ففي ما لم يعلم كون الغرض من قبيل القسم الأول يستكشف من تعلق الأمر في ظاهر خطاب المولى بنفس الفعل كون الغرض من القسم الثاني ، وإلّا كان تعلق الأمر بنفس الغرض هو المتعين ، وعلى ذلك يترتب ان نسبة المصالح إلى الواجبات الشرعية نسبة المعلول إلى العلل المعدة ، وإلّا لكان يعلق الأمر بنفس المصالح الولي ، وحينئذ فالواجب على المكلف بحكم العقل ليس إلّا الإتيان بما أمر به المولى ، لا تحصيل غرضه ، لأنه خارج عن اختياره ، فهو غير مكلف

__________________

(١) فوائد الأصول : ٤ ـ ١٧٣ ـ ١٧٦.

٤٢٨

به قطعا ، فإذا فرضنا تردد المأمور به بين الأقل والأكثر ، وكان الأقل هو المتيقن ، لم يكن مانع عن الرجوع إلى البراءة في الزائد.

ويرد على ما أفاده ما تقدم في بحث الصحيح والأعم من ان الغرض المترتب على المأمور به غرضان ، أحدهما : الغرض الأقصى الّذي هو الداعي في الحقيقة إلى الأمر به ، ثانيهما : الغرض الإعدادي المترتب عليه. اما الأول فنسبته إلى المأمور به وان كانت نسبة المعلول إلى العلة المعدة ، ولم يكن بنفسه مأمورا به لخروجه عن الاختيار ، إلّا ان نسبة الغرض الثاني إلى المأمور به نسبة المعلول إلى علته التامة لا محالة ، وعليه فلا بد من القطع بحصول هذا الغرض في الخارج ، ومن الظاهر انه مع الاقتصار على الأقل لا يتحقق ذلك ، فلا مناص من الإتيان بالأكثر تحصيلا للغرض الملزم.

وببيان آخر : إذا فرضنا الغرض الأقصى خارجا عن قدرة المكلف واختياره فلا يتعلق الأمر به قطعا ، وبما ان المفروض كونه إلزاميا ، فالمولى لا يفوته بالمقدار الممكن تحصيله في الخارج من مقدماته الإعدادية. مثلا إذا فرضنا تعلق غرض المولى بوجود الحنطة في الخارج ، فمن جهة كونه خارجا عن قدرة العبد لا يتعلق التكليف به ، بل التكليف يتعلق بما يكون معدا خارجا من الزرع والسقي ونحوهما ، فإذا تردد متعلق التكليف بين الأقل والأكثر فلا محالة يشك في كون الأقل محصلا للغرض الإعدادي المطلوب من العبد على الفرض ، فيجب عليه الإتيان بالأكثر تحصيلا للقطع به ، فما أفاده قدس‌سره من عدم تعلق امر المولى بالغرض انما يتم في الغرض الأقصى ، دون الغرض الأدنى المترتب على المأمور به ترتب المعلول على علته التامة ، والصحيح في الجواب ان يقال : ان الغرض المترتب على فعل قد يكون بنفسه متعلقا لأمر المولى بالمطابقة ، أو بالدلالة الالتزامية العرفية ، كما إذا امر المولى بقتل زيد ، أو بضرب عنقه الملازم للأمر بقتله عرفا ، ففي مثل ذلك لا بد للمكلف من

٤٢٩

إحراز حصول الغرض خارجا ، والإتيان بما يكون محصلا له قطعا. واما في غير ذلك مما تعلق الأمر فيه بنفس الفعل فالذي يقتضيه حكم العقل بالقيام بوظيفة العبودية ليس إلّا الإتيان بما أمر به المولى ، واما كون المأمور به وافيا بغرضه فهو من وظائف نفس المولى ، فانه الّذي يلزم عليه رعاية غرضه بالأمر بما يفي به ، فلو فرضنا انه أخل بذلك ، وأمر بما لا يفي بغرضه كان التفويت مستندا إليه لا إلى العبد ، وعليه فكما ان التكليف الّذي لم يقم عليه بيان من المولى مورد لقاعدة قبح العقاب بلا بيان ، كذلك الغرض الّذي لم يقم عليه بيان من المولى ، فإذا تردد المأمور به بين الأقل والأكثر ، فكما ان التكليف بالزائد على المتيقن مشكوك فيه ، ولم يتم عليه حجة من قبل المولى ، كذلك الغرض المعلوم في البين المردد ترتبه على الأقل والأكثر ، فانه على تقدير ترتبه على الأقل تكون الحجة عليه تامة ، ويصح العقاب على تفويته ، واما على تقدير ترتبه على الأكثر واقعا فالبيان عليه غير تام من قبل المولى ، والعقاب على تفويته بلا بيان.

وبالجملة لا يزيد حال الغرض على حال التكليف في انه ما لم يصل بنفسه أو بإيجاب الاحتياط لا يصح العقاب على مخالفته ، ويكون فواته حينئذ مستندا إلى المولى ، لا إلى تقصير العبد في القيام بوظيفته ، هذا كله بناء على تبعية الأحكام للملاكات الواقعية في متعلقاتها. واما بناء على كونها تابعة لمصالح في أنفسها ، كما هو الحال في الأحكام الوضعيّة مثل الملكية ونحوها ، فالإشكال مندفع من أصله.

واما الكلام في الجهة الثانية : أعني بها جريان البراءة الشرعية. فتحقيق الحال فيه أن يقال : بناء على ما تقدم من صحة جريان البراءة العقلية لا ينبغي الإشكال في جريان البراءة الشرعية أيضا ، فيرجع إلى حديث الرفع وأمثاله لإثبات عدم الإلزام بالجزء المشكوك فيه في مقام الظاهر. واما بناء على عدم انحلال العلم الإجمالي ، وعدم جواز الرجوع إلى البراءة العقلية ففي جواز الرجوع إلى

٤٣٠

البراءة الشرعية وعدمه وجهان ذهب صاحب الكفاية والمحقق النائيني قدس‌سره إلى الأول (١).

ولكن الصحيح ان جواز الرجوع إليها ملازم لجواز الرجوع إلى البراءة العقلية ، فان جرت البراءة العقلية جرت الشرعية أيضا ، وإلّا فلا ، بيان ذلك : ان عمدة ما توهم كونه مانعا من الرجوع إلى البراءة العقلية على ما عرفت منحصر في امرين.

الأول : لزوم تحصيل الغرض المعلوم في البين ، المردد بين كونه مترتبا على الأقل أو الأكثر.

الثاني : ان الأقل المتيقن وجوبه في البين على كل تقدير طبيعة مرددة بين المطلقة والمقيدة ، فكل من الإطلاقات والتقييد مشكوك فيه ، ومعه لا معنى للانحلال ، ضرورة انه متوقف على إثبات الإطلاق وعدم دخل الجزء المشكوك فيه في الواجب ، فما لم يثبت الإطلاق كان العلم الإجمالي باقيا على حاله ، ويكون الشك معه شكا في السقوط دون الثبوت.

ولا يخفى عليك ان كلا هذين الوجهين لو تم كان مانعا عن الرجوع إلى البراءة الشرعية أيضا.

اما الوجه الأول : فلأنّ الغرض المعلوم في البين لو لزم استيفاؤه على كل تقدير كما هو المفروض فلا أثر لشمول أدلة البراءة النقليّة مع الشك في حصول الغرض بإتيان الأقل ، إذ غاية ما يترتب عليه هو الحكم برفع الجزئية المجهولة ظاهرا ، ومن الواضح ان ارتفاعها كذلك لا يترتب عليه إحراز كون الغرض مترتبا على الأقل ، لعدم كونه من الآثار الشرعية ، وما لم يحرز ذلك لا يحكم العقل بحصول الامتثال ، فيجب الإتيان بالأكثر تحصيلا للقطع بحصوله. نعم لو كان ما دل على رفع الجزئية من

__________________

(١) كفاية الأصول : ٢ ـ ٢٣٥. فوائد الأصول : ٤ ـ ١٦٢.

٤٣١

الأمارات الناظرة إلى الواقع لثبت بها لزوم مؤداه ، فيحكم بترتب الغرض على الأقل. كما أنه لو كان دليل البراءة الشرعية واردا في خصوص دوران الأمر بين الأقل والأكثر لزم الحكم بكفاية الأقل في مقام الامتثال ، صونا لكلام الحكيم عن اللغوية ، واما إذا لم يكن شيء من الأمرين ، كما هو المفروض ، فلا يمكن الحكم بشمول أدلة البراءة لنفي وجوب الأكثر بعد حكم العقل بوجوب تحصيل الغرض ، وعدم إحراز ترتبه على الأقل.

واما الوجه الثاني : فلأنّ جريان البراءة الشرعية عن وجوب الأكثر لا يثبت تعلق التكليف بالأقل على نحو الإطلاق إلّا على القول بالأصل المثبت ، والوجه في ذلك انا قد ذكرنا غير مرة ان الإطلاق في مقام الثبوت عبارة عن لحاظ الطبيعة لا بشرط بالإضافة إلى طوارئها ، وهذا الاعتبار مضاد لاعتبار الطبيعة بشرط شيء أو اعتبارها بشرط لا ، وكل من هذه الأقسام ملحوظ على نحو يغاير لحاظه في غيره ، وعليه لا يمكن إثبات لحاظ الطبيعة مطلقة بجريان أصالة البراءة عن التقييد. واما ما اشتهر في كلماتهم من ان الإطلاق أمر عدمي يقابل التقييد تقابل العدم والملكة ، فهو انما يصح في الإطلاق في مقام الإثبات الخارج عن محل الكلام. وبالجملة لو توقف انحلال العلم الإجمالي على إثبات الإطلاق فكما لا تجري البراءة العقلية لا تجري البراءة الشرعية أيضا ، لما عرفت من عدم ثبوت الإطلاق به. واما على ما ذكرناه من عدم الحاجة إلى ذلك ، بل يكفي في الانحلال جريان الأصل في أحد الطرفين بلا معارض ، جرت البراءة الشرعية والعقلية في المقام بملاك واحد.

ومما ينبغي التنبيه عليه في المقام انه لا يحتاج إثبات وجوب الأقل بعد نفي وجوب الأكثر بالأصل إلى أمر آخر وراء نفس العلم الإجمالي المتعلق بوجوب الأقل ، المردد بين كونه لا بشرط أو بشرط شيء ، ضرورة ان فرض العلم المزبور فرض وصول وجوب الأقل بالفعل على كلا تقديري وجوب الأكثر وعدمه ، فلا

٤٣٢

يقاس المقام بما إذا سقطت جزئية شيء للمركب باضطرار أو نسيان ونحوهما ، فان ثبوت التكليف حينئذ بالباقي بعد سقوط الأمر بالمركب يحتاج إلى دليل آخر.

ومن هنا يظهر : ان ما ذكره في الكفاية (١) في المقام من الإشكال في إثبات وجوب الأقل أولا ، ثم الجواب عنه : بأن نسبة حديث الرفع إلى أدلة الاجزاء والشرائط نسبة دليل الاستثناء إلى المستثنى منه ، فيختص الجزئية أو الشرطية بغير حال الجهل ، في غير محله ، ولعله ناش من خلط باب الجهل بباب النسيان.

ثم انه ربما يتمسك في المقام بدليل الاستصحاب. وقد استدل به على كل من القول بالاشتغال والبراءة.

اما التمسك به للقول بالاشتغال ، فتقريبه : ان وجوب الواجب المردد بين الأقل والأكثر مردد بينما هو مقطوع البقاء وما هو مقطوع الارتفاع ، فانه على تقدير وجوب الأكثر يكون التكليف باقيا بعد الإتيان بالأقل قطعا ، كما انه إذا كان متعلقا بالأقل لا بشرط فالتكليف به حينئذ مرتفع قطعا ، فيستصحب التكليف المتيقن ثبوته قبل الإتيان بالأقل ، بناء على ما هو الصحيح من جريانه في القسم الثاني من الكلي.

ويرد عليه : ان جريان الاستصحاب متوقف على كون الحادث مرددا بين المرتفع والباقي لأجل تعارض الأصول في كل منهما ، كما إذا تردد الحدث المتحقق بين الأصغر والأكبر ، فان أصالة عدم تحقق الأكبر معارض بأصالة عدم حدوث الأصغر ، فيرجع إلى الاستصحاب الكلي بعد الوضوء مثلا.

واما فيما لم يتعارض فيه الأصول ، وقد أحرز حال الفرد الحادث ولو بضم الوجدان إلى الأصل ، فلا معنى للرجوع فيه إلى الاستصحاب ، وما نحن فيه

__________________

(١) كفاية الأصول : ٢ ـ ٢٣٨.

٤٣٣

كذلك ، فان وجوب الأكثر إذا كان مرتفعا بالأصل فالحادث المردد يتعين في وجوب الأقل بضميمة الوجدان إلى الأصل ، ولا يبقى مجال الشك في بقائه بعد إحراز خصوصيته والإتيان بمتعلقه في الخارج. ونظير ذلك ما إذا كان المكلف محدثا بالأصغر ثم احتمل عروض الجنابة له بخروج شيء يحتمل كونه منيا ، ففي مثل ذلك لا معنى للرجوع إلى استصحاب الحدث الكلي بعد الإتيان بالوضوء في الخارج ، فان استصحاب عدم حدوث الجنابة وبقاء المكلف على حدثه الأصغر يحرز به حال الفرد ، ومعه لا مجال لاستصحاب الكلي.

وبالجملة استصحاب الكلي انما يجري فيما إذا لم يكن في مورده أصل آخر حاكم عليه ، وإلّا فلا مجال لجريانه ، كما هو الحال في كل أصل محكوم بالإضافة إلى الأصل الحاكم.

واما التمسك بالاستصحاب للقول بالبراءة فتقريبه : من وجوه.

الأول : استصحاب عدم لحاظ المولى الأكثر حين التكليف.

ويرد عليه : أولا : ان عدم لحاظ المولى ليس بنفسه حكما شرعيا ، ولا موضوعا لحكم شرعي ، فلا معنى لجريان الاستصحاب فيه.

وثانيا : ان الأمر في المقام مردد بين لحاظ الأقل بشرط شيء الّذي هو عبارة عن لحاظ الأكثر وبين لحاظ الأقل لا بشرط ، بعد العلم بتحقق أحدهما لا محالة ، لاستحالة الإهمال في مقام الثبوت ، فكما ان لحاظ الأكثر مسبوق بالعدم ومشكوك الحدوث ، كذلك لحاظ الأقل لا بشرط ، فالاستصحاب في كل منهما على تقدير جريانه في نفسه معارض بجريانه في الآخر.

الثاني : استصحاب عدم جعل الجزئية لما يحتمل كونه جزءا للواجب. وبما ان الجزئية تنتزع من الأمر بالمركب ، فاستصحاب عدمها يرجع إلى استصحاب عدم الأمر بالمركب ، فيرجع هذا التقريب إلى التقريب الآتي.

٤٣٤

الثالث : استصحاب عدم جعل الأمر بالمركب ، بناء على ما حققناه في مبحث البراءة من جريان الاستصحاب في مقام الجعل وجودا وعدما ، وعدم كونه مثبتا بالإضافة إلى ثبوت المجعول أو عدمه.

ويرد عليه : ان استصحاب عدم الجعل وان كان في نفسه جاريا كما ذكر ، إلّا انه في المقام غير جار للمعارضة ، والوجه فيه ما أشرنا إليه آنفا من ان الأقل المتيقن تعلق التكليف به لا يخلو امره في الواقع من الإطلاق والتقييد بالإضافة إلى ما يشك في جزئيته ، فكما ان جعل التكليف بالأقل على نحو التقييد أمر يشك في حدوثه بعد عدمه ، كذلك جعل التكليف به على نحو الإطلاق ، وإجراء الاستصحاب فيهما معا مناف للعلم الوجداني ، وفي أحدهما دون الآخر بلا مرجح ، فلا يمكن التمسك فيه بالاستصحاب. نعم لا مانع من إجراء البراءة عن التكليف بالمقيد ، لعدم معارضته بإجراء البراءة عن التكليف بالمطلق.

دوران الأمر بين الأقل والأكثر في المركبات التحليلية :

واما المورد الثاني : وهو دوران الأمر بين الأقل والأكثر في المركبات التحليلية ، فهو على ثلاثة أقسام :

القسم الأول : أن يكون ما يحتمل دخله في الواجب على نحو الشرطية موجودا مستقلا منحازا عنه ، غاية الأمر يحتمل اعتبار تقيد الواجب به. وهذا يشمل الشرط المتقدم والمتأخر والمقارن. والحكم في هذا القسم بعينه هو الحكم في المورد الأول من حيث جريان البراءة العقلية والنقليّة. وقد استشكل في جريان البراءة العقلية فيه بما تقدم من التقريب ، وقد عرفت الجواب عنه ، وانه لا مانع من جريان البراءة العقلية أيضا ، فان التكليف بالأقل وان كان مرددا بين تعلقه بالطبيعة المطلقة أو المشروطة ، إلّا ان أصالة البراءة عن الاشتراط لا يعارضها أصالة البراءة عن الإطلاق ، فتجري بلا معارض. واما حديث لزوم تحصيل الغرض الملزم فقد عرفت

٤٣٥

ما فيه ، فلا حاجة إلى الإعادة.

وبالجملة فجميع ما ذكر في المورد الأول من تقريب الرجوع إلى قاعدة الاشتغال أو البراءة جار في المقام حرفا بحرف.

القسم الثاني : أن يكون ما يحتمل دخله في الواجب أمرا غير منحاز عنه ، ولكنه لم يكن من مقوماته ، بل كان نسبته إليه نسبة الصفة إلى الموصوف ، والعارض إلى المعروض بنظر العرف ، كما إذا تردد أمر الرقبة الواجب عتقها بين كونها خصوص المؤمنة أو الجامع بينها وبين الكافرة ، فربما يقال فيه بعدم جريان البراءة العقلية والنقليّة ، بدعوى ان جريان البراءة في مورد دوران الأمر بين الأقل والأكثر مبني على الانحلال ، وكون الأقل متيقنا على كل تقدير ، والمقام ليس كذلك ، فان وجود الطبيعي في ضمن المقيد متحد معه ، بل عينه خارجا ، واما الطبيعي في ضمن غيره فهو مباين للمقيد ، لا انه بعضه ، فالإتيان به على تقدير كون الواجب هو المقيد إتيان بأمر مباين ، ولا معنى معه للرجوع إلى البراءة.

والتحقيق أن يقال : ان الملاك في الانحلال كما عرفت سابقا انما هو العلم بتعلق التكليف بالطبيعي المردد أمره بين المطلق والمقيد ، وعدم معارضة الأصل الجاري في ناحية التقييد بالأصل الجاري في ناحية الإطلاق ، والمقام من هذا القبيل ، فان التكليف في المثال قد تعلق بعتق طبيعي الرقبة المردد بين كونه مطلقا بالإضافة إلى الكفر والإيمان أو مقيدا بخصوص الإيمان ، وبما ان التقييد كلفة زائدة لم يتم الحجة عليها فأصالة البراءة العقلية والنقليّة يدفعه ، ولا يعارض ذلك بأصالة البراءة عن الإطلاق ، لأن الإطلاق يقتضي التوسعة دون الضيق.

القسم الثالث : أن يكون ما يحتمل دخله في الواجب مقوما له ، بان كانت نسبته إليه نسبة الفصل إلى الجنس ، كما إذا دار الأمر بين وجوب الإتيان بمطلق الحيوان أو بخصوص الإنسان. وقد ذهب صاحب الكفاية والمحقق النائيني قدس‌سره إلى

٤٣٦

عدم جريان البراءة فيه.

اما صاحب الكفاية (١) فقد ظهر وجه ما اختاره مما تقدم ، كما ظهر جوابه.

واما المحقق النائيني (٢) فقد استدل على ذلك بعد اختياره جريان البراءة في القسمين المتقدمين بان الجنس حيث لا تحصل له في الخارج إلّا في ضمن الفصل فلا يعقل تعلق الحكم به إلّا مع أخذه متفصلا بفصل معين ، أو بفصل ما من فصوله ، وعليه فيكون المقام من دوران أمر الواجب بين التعيين والتخيير ، ولا معنى للقول بان تعلق الحكم بالجنس متيقن وتقيده بخصوص فصل مجهول ، فيجري فيه البراءة. ثم انه قدس‌سره قسم دوران الواجب بين التعيين والتخيير إلى أقسام ثلاثة ، واختار في جميعها التعيين وعدم جواز الرجوع إلى البراءة عن كلفة التعيين (٣). ونحن نقتفي أثره ، ونتكلم في كل من الأقسام ، ونبين المختار عندنا.

القسم الأول : ما إذا دار الأمر بين التعيين والتخيير في أصل الشريعة ومرحلة الجعل في الأحكام الواقعية ، كما إذا شككنا في ان صلاة الجمعة في عصر الغيبة هل هي واجب تعييني أو تخييري؟

القسم الثاني : ما إذا دار الأمر بين التعيين والتخيير في مقام الجعل والتشريع في الأحكام الظاهرية وجعل الحجية ، كما إذا شككنا في ان تقليد الأعلم واجب تعييني ، أو أن المكلف مخير بينه وبين تقليد غير الأعلم؟

القسم الثالث : ما إذا دار الأمر بين التعيين والتخيير في مرحلة فعلية التكليف والامتثال للتزاحم ، كما إذا علمنا بوجوب إنقاذ كل غريق مع التمكن منه تعيينا ، فحصل غريقان لا نتمكن إلّا من إنقاذ أحدهما ، واحتمل أن يكون أحدهما

__________________

(١) كفاية الأصول : ٢ ـ ٢٣٨.

(٢) أجود التقريرات : ٢ ـ ٢٩٧.

(٣) أجود التقريرات : ٢ ـ ٢١٩.

٤٣٧

بخصوصه نبيا ، فان الأمر حينئذ يدور بين وجوب إنقاذه تعيينا أو التخيير بينه وبين الآخر.

ثم انه قبل بيان حكم الأقسام المذكورة ينبغي التنبيه على امرين.

أحدهما : ان محل الكلام انما هو فيما إذا لم يكن في البين أصل لفظي ، أو استصحاب موضوعي يرتفع به الشك ويتعين به كون الواجب تعيينا ، فانه مع أحد الأمرين لا تصل النوبة إلى أصالة البراءة بالضرورة.

ثانيهما : ان مورد الكلام انما هو ما إذا كان ثبوت الوجوب متيقنا في الجملة. واما إذا لم يكن كذلك ، ودار امر شيء بين أن يكون واجبا تعيينا أو تخييرا أو مباحا ، فلا ينبغي الشك في جواز الرجوع إلى البراءة عن الوجوب المحتمل.

إذا عرفت ذلك فنقول : اما القسم الأول ، فله صور ثلاث.

الصورة الأولى : ما إذا علم وجوب فعل في الجملة ، واحتمل كون فعل آخر عدلا في مقام الامتثال مع عدم إحراز كونه مسقطا له ، كما إذا علمنا بوجوب صوم يوم واحتملنا أن يكون إطعام عشرة مساكين عدلا ومسقطا.

الصورة الثانية : ان يعلم وجوب فعل في الجملة ، وعلم سقوطه عند الإتيان بفعل آخر ، ودار الأمر بين أن يكون الفعل الثاني عدلا للواجب الأول ليكون الوجوب تخييريا ، أو مسقطا له لاشتراط التكليف بعدمه ، وذلك كالقراءة الواجبة في الصلاة ، المردد وجوبها بين أن يكون تعيينيا مشروطا بعدم الائتمام ، أو تخييريا بينهما. والثمرة بين الأمرين تظهر فيما إذا عجز المكلف عن القراءة ، فانه على تقدير كون الوجوب تخييريا يتعين عليه الائتمام ، كما هو الحال في كل واجب تخييري تعذر عدله ، وعلى تقدير كون الوجوب مشروطا بعدم الائتمام فهو لا يكون واجبا حينئذ ، لعدم المقتضى له.

ثم ان هذين القسمين على طرفي النقيض ، فان وجوب ما يحتمل مسقطيته

٤٣٨

للواجب الآخر في القسم الأول كان معلوما في الجملة ، وانما الشك في كون امتثاله مسقطا لامتثال الآخر وعدمه. واما في هذا القسم فالمسقطية متيقنة ، وانما الشك في كونه عدلا للواجب ، أو كون عدمه شرطا لوجوبه.

الصورة الثالثة : ان يعلم وجوب كل من فعلين معينين في الجملة ، ويدور الأمر بين أن يكون الوجوب تعيينيا ليجب الإتيان بهما معا مع التمكن ، أو تخييريا ليجتزي بأحدهما في مقام الامتثال.

اما الصورة الأولى : فقد ذهب جماعة إلى ان المرجع فيها هو أصالة الاشتغال ، والحكم بالتعيين. واستدل عليه بوجوه.

الأول : ما ذكره المحقق النائيني رحمه‌الله من ان الشك فيها شك في مقام الامتثال بعد العلم بثبوت التكليف (١) ، فإذا دار الأمر في كفارة تعمد الإفطار بين أن تكون خصوص صوم شهرين ، أو الأعم منه ومن إطعام ستين مسكينا ، كان الصوم مفرغا للذمة يقينا ، وأما الإطعام فسقوط التكليف المعلوم به مشكوك ، فلا يجوز الاجتزاء به في حكم العلم.

والتحقيق ان يقال : ان التخيير المحتمل في المقام اما أن يكون تخييرا عقليا ، كما إذا دار الأمر بين وجوب حصة خاصة أو الجامع العرفي بينها وبين سائر الحصص ، نظير ما إذا علم بوجوب شراء شيء في الجملة ، ودار الأمر بين كونه خصوص الغنم أو مطلق الحيوان. واما أن يكون تخييرا شرعيا ، كما إذا كان المحتمل وجوبه مباينا في الماهية مع ما علم وجوبه في الجملة ، ولم يكن بينهما جامع عرفي ، نظير ما تقدم من المثال في كفارة تعمد الإفطار ، وقد سبق في محله ان الوجوب التخييري في هذا القسم لا مناص من تعلقه بالجامع الانتزاعي المعبر عنه بعنوان أحد الشيئين أو

__________________

(١) فوائد الأصول : ٣ ـ ٤٢٨.

٤٣٩

الأشياء.

اما في موارد التخيير العقلي فالعلم بتعلق التكليف بالجامع مفروض لا محالة ، وانما الشك في انه مأخوذ لا بشرط شيء أي بنحو الإطلاق أو بشرط شيء وبنحو التقييد ، والإطلاق والتقييد وان كانا متقابلين ولم يكن شيء منهما متيقنا إلّا انك قد عرفت ان انحلال العلم الإجمالي لا يتوقف على تيقن بعض الأطراف ، بل يكفي فيه جريان الأصل فيه بلا معارض ، وقد مر أن أصالة البراءة العقلية والنقليّة في ناحية التقييد غير معارضة بأصل البراءة في طرف الإطلاق ، فإذا ثبت عدم التقييد في مقام الظاهر لا يبقى مجال لدعوى رجوع الشك إلى مقام الامتثال ليكون المرجع أصالة الاشتغال.

ومن ذلك يظهر الحال في موارد التخيير الشرعي ، وان الحكم فيه هو التخيير أيضا ، إذ المفروض تعلق التكليف بعنوان أحد الشيئين أو الأشياء في الجملة ، وانما الشك في كونه مأخوذا على نحو الإطلاق أو متخصصا بخصوصية خاصة ، فيجري الأصل عن التقييد ، وبضمه إلى الوجدان يحكم بالتخيير وجواز الاكتفاء بكل من الطرفين أو الأطراف في مقام الامتثال.

وبالجملة الشك في المقام وان كان شكا في الامتثال ، إلّا ان منشأه الشك في تقيد الواجب وإطلاقه ، فإذا ارتفع احتمال التقيد بالأصل يرتفع الشك في الامتثال أيضا ، ولو لا ذلك لم يجز الرجوع إلى البراءة في شيء من موارد دوران الأمر بين الأقل والأكثر.

الوجه الثاني : التمسك بأصالة عدم وجوب ما يحتمل كونه عدلا لما علم وجوبه في الجملة ، وبضميمته إلى الوجدان والعلم المزبور يثبت كون الوجوب تعيينيا.

والجواب : ان أريد بالأصل المزبور البراءة العقلية وحكم العقل بقبح العقاب

٤٤٠