دراسات في علم الأصول - ج ٣

آية الله السيّد علي الشاهرودي

دراسات في علم الأصول - ج ٣

المؤلف:

آية الله السيّد علي الشاهرودي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مركز الغدير للدراسات الإسلامية
المطبعة: محمّد
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٤٧
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣   الجزء ٤
  نسخة غير مصححة

نقلية على خلافه ، وليس احتمال استحالة جعل الحكم أو عمومه أو إطلاقه قرينة على إرادة خلاف الظاهر ، فإذا امر المولى باتباع قول العادل وترتيب الأثر عليه ، واحتملنا استحالة حجيته لاستلزامه الإلقاء في المفسدة أو تفويت المصلحة لا يكون هذا الاحتمال عذرا في مخالفة ظاهر كلام المولى ، وعدم تطبيق العمل على قوله. ومثل ذلك ما إذا أمر المولى إكرام كل عالم ، واحتملنا وجود المفسدة في إكرام العالم الفاسق ، المقتضية لعدم صحة الأمر بالكرامة من الحكيم ، فان هذا الاحتمال لا يكون عذرا في عدم الأخذ بظاهر كلام المولى في إكرام العالم الفاسق. والمتحصل من ذلك ان الإطلاق في مقام الإثبات كاشف عن الإطلاق في مقام الثبوت ما لم يثبت استحالته بدليل قطعي.

ومما ذكرنا يظهر الحال فيما إذا شك في اعتبار أصل الدخول في محل الابتلاء في صحة التكليف وحسنه ، فان المرجع فيه أيضا هو الإطلاق ، الموجب للعلم بالتكليف الفعلي ، المانع عن الرجوع إلى البراءة في الأطراف.

الأمر الثاني : إذا شككنا في خروج بعض أطراف العلم الإجمالي عن تحت القدرة العقلية ، أو خروجه عن محل الابتلاء لشبهة مصداقية ، بناء على ما ذكروه من كونه مانعا من تنجيز العلم الإجمالي ، فهل يرجع إلى البراءة في غيره من الأطراف ، وعليه فتقل ثمرة النزاع بيننا وبين القائل بمانعية الخروج عن محل الابتلاء عن تنجيز العلم الإجمالي ، فان غالب موارد الخروج عن محل الابتلاء يكون من موارد الشك في القدرة ، أو ان المرجع فيه هو الإطلاق أيضا؟ الظاهر هو الأول ، لما ذكرناه في محله من عدم جواز التمسك بالعموم في الشبهات المصداقية ، ولا سيما في موارد التخصيصات اللبية ، خصوصا إذا كان المخصص اللبي من قبيل القرائن المتصلة كما هو المفروض في المقام.

فان قلت : كيف تجري البراءة في المقام مع ان الشك في التكليف فيه ناشئ من

٤٠١

الشك في القدرة ، ومن المتسالم عليه ان الشك في القدرة لا يكون موردا للبراءة فإذا شك المكلف في قدرته على حفر الأرض لدفن ميت فهل تحتمل جواز تركه باحتمال العجز عن الامتثال.

قلت : انما لا يجوز الرجوع إلى البراءة عند الشك في القدرة فيما علم فوات غرض المولى بالرجوع إلى البراءة يقينا ، ولم يحرز استناد ذلك إلى عدم القدرة أو إلى التقصير في الامتثال كما هو المفروض في المثال ، ففي مثل هذا لا بد من الفحص ، فان تمكن المكلف من الامتثال فهو ، وإلّا كان الفوات مستندا إلى عجزه دون تقصيره. واما فيما لم يعلم ذلك ، فلا مانع من الرجوع إلى البراءة والمقام من هذا القبيل إذا لم يحرز وجود غرض للمولى في الطرف المبتلى به أو المحرز قدرة المكلف عليه ، فلا يلزم من الرجوع إلى البراءة فيه إلّا احتمال فوات الغرض الثابت في جميع موارد الرجوع إلى البراءة.

فان قلت : سلمنا انه لا مانع من الرجوع إلى البراءة في الطرف المبتلى به ، أو المتيقن قدرة المكلف عليه ، إلّا ان شمول دليل البراءة له معارض بشموله للطرف الآخر ، فيسقطان بالتعارض ، فلا رافع لاحتمال العقاب الموجب لتنجز الواقع على تقدير المصادفة.

قلت : ما هو المانع من التمسك بالإطلاق في المقام وهو كون الشبهة مصداقية مانع عن التمسك بدليل البراءة في غير الطرف المبتلى به أو المحرز قدرة المكلف عليه ، فان كل مورد لا يكون قابلا لوضع التكليف فيه لا يكون قابلا للرفع أيضا ، فإذا احتملنا عدم القدرة أو ما بحكمها في بعض الأطراف لا يمكننا التمسك بدليل البراءة لكون الشبهة مصداقية ، فلا مانع من الرجوع إليها في غيره من الأطراف.

التنبيه العاشر : كما تعتبر القدرة التكوينية على ارتكاب جميع الأطراف في تنجيز العلم الإجمالي تعتبر القدرة الشرعية عليه ، ومع عدمها في بعض الأطراف لا

٤٠٢

يكون العلم الإجمالي منجزا. فلو علم المكلف بنجاسة أحد ثوبين كان أحدهما المعين مغصوبا لم يكن مانع من الرجوع إلى قاعدة الطهارة في غير المغصوب ، ولا يعارض ذلك بجريان القاعدة في المغصوب ، لعدم ترتب أثر عملي على جريانها فيه بعد العلم بحرمة استعماله على تقديري الطهارة والنجاسة ، فالأصل في الطرف الآخر بلا معارض ، وقد مر مرارا انّ تنجيز العلم الإجمالي يدور مدار تساقط الأصول في أطرافه.

التنبيه الحادي عشر : إذا كان الأصل الجاري في بعض أطراف العلم الإجمالي في مرتبة سابقة على الأصل الجاري في البعض الآخر ، كما لو علم بوقوع نجاسة في الماء أو التراب مع فرض انحصار الطهور بهما ، فهل يكون مثل هذا العلم موجبا لتساقط الأصول الطولية في أطرافه ، أو لا يكون موجبا لسقوط الأصل الجاري في الماء ، لتقدم رتبته على الأصل الجاري في التراب؟ وعلى الأول ، فهل يحكم لذلك بفقدان المكلف للطهورين ، أو انه يجب عليه تحصيل الطهارة اليقينية بالجمع بين الوضوء والتيمم ، غاية الأمر انه يحتمل نجاسة بدنه بملاقاة الماء المحتمل نجاسته؟ وسيجيء ان الحكم في ملاقي الشبهة المحصورة هو الطهارة ، وجوه بل أقوال :

اختار المحقق النائيني رحمه‌الله عدم تنجيز العلم الإجمالي (١) وجريان الأصل في الماء بلا معارض ، بتقريب : ان تنجيز العلم بوقوع النجاسة يتوقف على كونه منشأ للعلم بالتكليف الفعلي على كل تقدير ، وهذا مفقود في المقام ، إذ النجاسة على تقدير وقوعها في التراب لم يترتب عليها عدم جواز التيمم به ، بل عدم جواز التيمم حينئذ من جهة تمكنه من الماء الطاهر ، لا من جهة نجاسة التراب. وبعبارة أخرى نعلم تفصيلا ان النجاسة المعلومة في البين لم يترتب عليها عدم جواز التيمم بالتراب ،

__________________

(١) أجود التقريرات : ٢ ـ ٢٥٦.

٤٠٣

فانها ان كانت واقعة في الماء فهي مقتضية لجواز التيمم لا لعدم جوازه ، وان كانت واقعة في التراب فعدم جواز التيمم مستند إلى وجود الماء الطاهر لا إلى نجاسة التراب ، وعليه فلا معارض لجريان أصالة الطهارة في الماء ، وبذلك يرتفع موضوع جواز التيمم ، وهو عدم التمكن من الماء.

وما أفاده قدس‌سره انما يتم فيما إذا لم يكن لنجاسة التراب أثر آخر في عرض الأثر المترتب على نجاسة الماء ، واما فيما إذا كان ذلك كعدم جواز السجود عليه ، فالأصل الجاري في الماء لجواز الوضوء به يعارض الأصل الجاري في التراب لجواز السجود عليه ، فيتساقطان ، وحينئذ يمكن القول بوجوب التيمم عليه ، نظرا إلى ان المكلف فاقد للماء ، وليس في البين إلّا احتمال عدم جواز التيمم بالتراب ، لاحتمال نجاسته ، وبما انه احتمال غير مقرون بالعلم الإجمالي يجري فيه أصالة الطهارة من غير معارض ، وقد مر غير مرة انه لا مانع من التفكيك في جريان الأصل من جهة دون جهة.

إلّا ان التحقيق في المقام : انه لو لم يكن أثر شرعي للتراب سوى جواز التيمم به ، كما إذا فرضنا ان المكلف غير مكلف بالسجدة لكون وظيفته الإيماء ، أو كان التراب مما لا يمكن السجود عليه عقلا لكونه في مكان مرتفع ، أو شرعا كما إذا كان مملوكا لغيره ولم يأذن في السجود عليه ، فالعلم الإجمالي بنجاسته أو نجاسة الماء لا يترتب عليه سقوط أصالة الطهارة في الماء كما عرفت. واما فيما كان له أثر آخر كجواز السجود عليه ، فالظاهر وجوب الجمع حينئذ بين الوضوء والتيمم ، ولا وجه لما ذكر من إدراج ذلك في فاقد الماء ، والحكم عليه بوجوب التيمم ، لأن فقدان الماء الّذي هو الموضوع لجواز التيمم انما يتحقق في موارد :

الأول : فيما إذا لم يتمكن المكلف من استعمال الماء وجدانا لعدم وجوده أو لعدم القدرة على استعماله.

٤٠٤

الثاني : ما إذا لم يتمكن من استعماله شرعا لحرمته ، أو لحكم الشارع بفساده.

الثالث : ما إذا لم يتمكن من استعماله عقلا مع التمكن من استعماله وجدانا واحتمال جوازه شرعا ، كما إذا علم بكون أحد الماءين غصبا ، فان كلا من الماءين يحتمل جواز استعماله شرعا ، إلّا انه ممنوع بحكم العقل ، لاحتمال الضرر وهو العقاب.

وشيء من هذه الأمور غير متحقق في المقام ، أو انه غير محرز التحقق. اما عدم التمكن من استعماله وجدانا ، فعدم تحققه ظاهر. واما عدم التمكن منه بحكم العقل فكذلك ، لعدم احتمال العقاب في التوضي بالماء النجس. غايته انه لا يجزي في مقام الامتثال. واما عدم التمكن منه شرعا فهو أيضا غير متحقق لو كان المانع الحرمة التكليفية ، لما عرفت من عدم حرمة التوضي بالماء النجس إذا لم يكن بقصد التشريع كما هو المفروض ، نعم المنع الشرعي من جهة الحرمة الوضعيّة امر يحتمل تحققه ، إلّا انه غير محرز ، والعلم بوجوب الوضوء أو التيمم يقتضي الجمع بينهما.

وان شئت قلت : ان العلم بنجاسة الماء أو التراب بعد فرض تساقط الأصول فيهما لا يترتب عليه إلّا عدم جواز الاجتزاء بالوضوء بذلك الماء في مقام الامتثال ، وهو لا ينافي وجوبه لعلم إجمالي آخر بوجوبه ، أو بوجوب التيمم ، إذ المفروض تمكن المكلف من تحصيل الطهارة المائية أو الترابية. ومن ذلك يظهر بطلان القول بجريان حكم فاقد الطهورين عليه.

ثم ان الأحوط في محل الكلام تقديم التيمم على الوضوء ، بناء على اشتراط طهارة الأعضاء في صحة التيمم كما هو المعروف ، إذ التيمم على تقدير وجوبه مشروط بوقوعه على الأعضاء الطاهرة ، وهو لا يتحقق إلّا مع تقديمه على الوضوء كما هو ظاهر. بل ربما يقال بعدم صحة العمل الفاقد للشرط إذا كان تفويت الشرط

٤٠٥

بجعل المكلف نفسه عاجزا عن تحصيله اختيارا ، فانه بناء عليه يقطع بفساد التيمم إذا وقع بعد الوضوء ، لعدم الأمر به ، اما لنجاسة التراب ، أو لتفويت المكلف شرط صحة التيمم اختيارا.

التنبيه الثاني عشر : ان ملاقي بعض أطراف الشبهة المحصورة هل يجري عليه حكم نفس الأطراف في وجوب الاجتناب عنه مطلقا ، أو لا يجري كذلك ، أو فيه تفصيل؟ وجوه بل أقوال. وقبل الخوض في ذلك لا بد من بيان امرين.

الأول : ان محل الكلام انما هو فيما إذا كانت الملاقاة مختصة ببعض الأطراف. واما إذا فرضنا ان كل واحد من الأطراف لاقى شيئا معينا فلا ينبغي الإشكال في وجوب الاجتناب عن الملاقيات ، كوجوب الاجتناب عن نفس الأطراف ، وذلك لعلم إجمالي آخر بوجود نجاسة بينها زائدا على النجاسة المعلومة في نفس الأطراف.

الثاني : ان تساقط الأصول المتوقف عليه تنجيز العلم الإجمالي انما يكون مع العلم بالموضوع التام للحكم ، كما هو الغالب في الشبهات الموضوعية. واما فيما لم يعلم إلّا جزء الموضوع فلا مانع من جريان الأصل ، والحكم بعدم تحقق تمام الموضوع عند الشك فيه ، مثلا جواز القصاص حكم مترتب على قتل المؤمن ، فموضوعه مركب من تحقق القتل وكون متعلقه مؤمنا ، فإذا علمنا إجمالا بكون أحد الشخصين مؤمنا محقون الدم ، فالعلم الإجمالي وان كان موجبا لتساقط الأصول في أطرافه ، فلا يجوز قتل كل منهما ، إلّا انه إذا قتل أحدهما فليس للحاكم أن يقتص من القاتل ، لعدم إحراز كونه قاتل مؤمن ، بل مقتضى الأصل عدم قتل المؤمن المترتب عليه القصاص. ومن هذا القبيل ما إذا علم كون أحد الجسدين ميت إنسان لم يغسل بعد ، فان هذا العلم الإجمالي وان كان يقتضي وجوب الاجتناب عن أكل كل من اللحمين ، إلّا انه إذا تحقق مس أحدهما لا يحكم فيه بوجوب الغسل ، لأنه حكم

٤٠٦

مترتب على عنوان مس ميت الآدمي ، وهو مشكوك التحقق ، والأصل عدمه ، والسر في ذلك ان العلم الإجمالي إذا تعلق بثبوت التكليف الفعلي فالشك في كل من أطرافه انما يكون شكا في انطباق المعلوم بالإجمال عليه ، ومعه لا يمكن الرجوع إلى الأصل النافي ، لا في جميع الأطراف ، ولا في بعضها ، كما عرفت وجهه فيما تقدم. واما إذا كان الشك في أصل ثبوت التكليف كما في المثالين ، فلا مانع فيه من الرجوع إلى الأصل ، وترتيب أثره عليه.

وما ذكرناه فيما أحرز كون المعلوم بالإجمال تمام الموضوع للحكم أو جزئه في غاية الوضوح ، إلّا انه ربما يستشكل في بعض الموارد ، فقد يحكم فيه بتنجيز العلم الإجمالي بدعوى انه مندرج تحت العلم بالحكم الفعلي ، وقد يحكم بعدم تنجيزه بدعوى انه من العلم بجزء الموضوع لا بتمامه ، مثاله ما إذا علم إجمالا بغصبية إحدى الشجرتين فتجدد لإحديهما ثمرة دون الأخرى ، فقد يقال فيه بجواز التصرف في الثمرة تكليفا ، وبعدم ضمانها وضعا ، نظرا إلى ان الموجب لحرمة الثمرة كونها نماء المغصوب ، وهو مشكوك فيه ، كما ان موضوع الضمان وضع اليد على مال الغير ، وهو أيضا مشكوك فيه ، فالعلم بغصبية إحدى الشجرتين لا يترتب عليه إلّا حرمة التصرف فيهما ، وضمان المكلف للمغصوب منهما بوضع يده عليه. واما حرمة التصرف في الثمرة أو ضمانها فهي غير مترتبة على العلم المزبور ، فلا مانع من الرجوع إلى الأصل فيها في نفي الحكم التكليفي والوضعي.

وقد أورد المحقق النائيني عليه بما حاصله (١) : ان وضع اليد على العين المغصوبة موجب لضمانها وضمان منافعها إلى الأبد ، ومن ثم جاز للمالك الرجوع إلى الغاصب الأول في المنافع المتجددة بعد خروج العين عن يده ودخولها تحت الأيادي

__________________

(١) فوائد الأصول : ٤ ـ ٧٣ ـ ٧٥.

٤٠٧

المتأخرة ، فالعلم الإجمالي بغصبية إحدى الشجرتين كما يترتب عليه ضمان نفس العين المغصوبة يترتب عليه ضمان منافعها المتأخرة ، هذا من جهة الحكم الوضعي. واما من حيث الحكم التكليفي ، فحرمة الثمرة وان لم تكن موجودة من الأول ، لعدم موضوعها ، إلّا ان ملاكها قد تم بغصب العين الموجب لكون اليد عادية بالإضافة إلى نفس العين ومنافعها الموجودة وغير الموجودة بالفعل.

والصحيح : عدم تمامية ما أفاده ، لا من جهة الحكم الوضعي ، ولا من جهة الحكم التكليفي.

اما من جهة الحكم الوضعي ، فلأنّ الحكم بضمان المنافع المتجددة بغصب العين يتوقف على امرين.

الأول : إحراز كون المنافع منافع العين المغصوبة ، ومع الشك في ذلك كما في المقام لا يحكم بالضمان ، ضرورة ان إحراز الكبرى الكلية لا يترتب عليه الحكم في الموضوع الخارجي ما لم يحرز كونه من صغرياتها.

الثاني : إحراز وضع اليد على العين المغصوبة ، فما لم يحرز ذلك لا يحكم بضمان منافعها ، كما لا يحكم بضمان أصلها ، فإذا فرضنا انه في فرض العلم بغصبية إحدى الشجرتين لم توضع اليد إلّا على إحداهما فيما انه لم يحرز كونه من وضع اليد على العين المغصوبة لا يحكم بكونه سببا لضمان العين ، فضلا عن ضمان منافعها.

واما الحكم التكليفي ، فلأنّا لا نتعقل ثبوت ملاك تحريم المنافع قبل وجودها خارجة ، فان حرمة التصرف في مال الغير انما تثبت بعد ثبوت موضوعه في الخارج ، ومع عدم تحققه لا معنى لتحقق ملاك التحريم ، كما لا معنى لثبوت نفسه.

والتحقيق ان يقال : ان العينين المعلوم غصبية إحداهما قد تكونان مسبوقتين بملكية الغير بهما ، وقد لا يكونان كذلك.

٤٠٨

اما الصورة الأولى : كما إذا فرضنا انه انتقلت إحدى الشجرتين إلى شخص وغصب الأخرى ، ثم اشتبهتا ، فحصل لإحداهما نماء دون الأخرى ، فالصحيح فيها الحكم بضمان المنافع وحرمة التصرف فيها ، عملا باستصحاب بقاء أصل الشجرة على ملك مالكها وعدم انتقالها إليه ، ومقتضى ذلك الحكم بمالكية المنافع لمالك الشجرة ، فيحرم التصرف فيها بغير اذنه ، ويضمنها لكون اليد عليها يد عادية.

فان قلت : ان استصحاب بقاء الشجرة ذات النماء على ملك مالكها الأصلي معارض باستصحاب بقاء الشجرة الأخرى على ملك مالكها ، للعلم الإجمالي بمخالفة أحدهما للواقع ، فإجراء الأصل في الأولى دون الثانية ترجيح بلا مرجح ، قلت : لا معارضة بين الاستصحابين بعد ما عرفت سابقا من ان العلم بالمخالفة الواقعية في أحد الاستصحابين على الإجمال لا يمنع جريانهما إذا لم يستلزم المخالفة العملية ، كما هو المفروض في المقام ، وعليه فيحكم بحرمة التصرف في كل من الشجرتين ، وبضمان المنافع المتجددة.

واما الصورة الثانية : كما لو خرج شخصان للصيد ، وصاد كل منهما صيدا ، فغصب أحدهما ما اصطاده الآخر ، ثم اشتبها ، فحصل لأحدهما نماء دون الآخر ، فالظاهر فيها عدم الحكم بضمان المنافع ، لعدم إحراز كون النماء ولا العين مملوكة للغير في زمان ليستصحب ذلك ، واستصحاب عدم دخول الماء في ملك من بيده العين لا أثر له في إثبات الضمان ، لأنه مترتب على وضع اليد على ملك الغير ، لا على وضعها على غير مملوكه ، ومن الظاهر انه لا يثبت موضوع الضمان بالأصل المزبور.

واما جواز التصرف في ذلك وعدمه ، فيبتنيان على النزاع المعروف في جريان أصالة البراءة في الأموال وعدمه. فعلى الأول لا مانع من التصرف في النماء ، لعدم إحراز كونه مال الغير ، وعلى الثاني لا بد من الاحتياط. لكن الظاهر هو الأول ، فان أدلة البراءة عامة ، ولم يرد ما يوجب تخصيصها بغير الأموال إلّا ما ربما يقال من

٤٠٩

قوله عليه‌السلام «لا يحل مال إلّا من وجه أحله الله» (١) يدل على أن كل مال لا بد في حليته من سبب يوجبها ، فمهما شك في تحققه يحكم بعدمه ، وهو غير صالح للتخصيص.

اما أولا : فلان الشك في الحلية والحرمة من أسباب الحلية شرعا ، فالحكم بالحلية ناشئ من إحراز موضوعه ، ولا مجال معه لاستصحاب عدم تحقق السبب.

وثانيا : ان الشك في الحرمة في مفروض المثال ناشئ من احتمال دخول النماء في ملك الغير ، والاستصحاب يقتضي عدمه ، وبه يحرز عدم المنع شرعا ، بناء على جريان الاستصحاب في الاعدام الأزلية كما هو المختار ، ولا يعارض ذلك باستصحاب عدم دخوله في ملكه ، إذ لا يثبت بذلك كونه ملكا للغير ، الّذي هو الموضوع لحرمة التصرف.

وبما ذكرنا يظهر صحة جريان الاستصحاب في العين المرددة بين ملك الشخص وملك غيره في غير موارد العلم الإجمالي ، هذا في التصرفات غير المتوقفة على الملك. واما التصرف المتوقف عليه ، كالبيع ونحوه ، فلا ينبغي الشك في عدم ترتب آثاره ، والوجه فيه ظاهر.

إذا عرفت ذلك ، فيقع الكلام في مسائل ثلاث.

الأولى : ما إذا علم نجاسة أحد الشيئين ثم حصلت الملاقاة.

الثانية : فيما إذا تحققت الملاقاة والعلم بها ثم حصل العلم الإجمالي بنجاسة الملاقى ـ بالفتح ـ أو الطرف الآخر.

الثالثة : ما إذا حصلت الملاقاة ولكنه لم يعلم المكلف بها إلّا بعد العلم الإجمالي بنجاسة ما لاقاه أو الطرف الآخر.

__________________

(١) وسائل الشيعة : ٦ ـ باب ٣ من أبواب الأنفال ، ح ٢.

٤١٠

اما المسألة الأولى : فلا ينبغي الشك فيها في عدم وجوب الاجتناب عن الملاقي ، فان وجوب الاجتناب عن ملاقي النجس قد أخذ في موضوعه أمران : أحدهما الملاقاة ، والثاني وقوعها على النجس ، وعليه فالعلم بنجاسة أحد الشيئين ليس إلّا علما بما هو جزء الموضوع لهذا الحكم ، واما الجزء الآخر فلم يكن متحققا في زمان العلم ، فلا يكون العلم منجزا له ، فيرجع عند الشك فيه إلى أصالة الطهارة.

هذا وربما قيل بوجوب الاجتناب عن الملاقي أيضا لوجهين :

الأول : ان نجاسة الملاقي متحدة مع نجاسة الملاقى ، غاية الأمر انها توسعت بالملاقاة ، وثبتت لأمرين بعد ما كانت ثابتة لأمر واحد ، فهو نظير ما لو قسم ما في أحد الإناءين إلى قسمين ، فكما انه يجب الاجتناب عن كليهما حينئذ وعن الطرف الآخر تحصيلا للموافقة القطعية ، كذلك يجب الاجتناب عن الملاقي والملاقى والطرف الآخر تحصيلا للقطع بالاجتناب عن النجاسة المعلومة بالإجمال.

ويرد عليه : انه انما يتم بناء على القول بسراية النجاسة من الملاقى ـ بالفتح ـ إلى الملاقي ـ بالكسر ـ سراية حقيقية ، وهو باطل كما بين في محله. واما على القول بان نجاسة الملاقي حكم مستقل مترتب على الملاقاة مغاير للحكم الثابت لما لاقاه ، فالظاهر ان الاجتناب عن النجس المعلوم في البين لا يتوقف على الاجتناب عن الملاقي ، غاية الأمر انه يحتمل حدوث نجاسة جديدة فيه ، والأصل عدمه. ومما يشهد على كون نجاسة الملاقي مغايرة لنجاسة ما لاقاه ان نجاسة الملاقي للنجس كطهارة المتنجس الملاقي للكر الطاهر ، فكما ان طهارته مغيرة لطهارة الماء وان كانت ناشئة من ملاقاته ، كذلك نجاسة الملاقى مغايرة لنجاسة ما لاقاه وان كانت ناشئة في ملاقاته.

هذا وربما يستدل على كون تنجس الملاقى بالسراية كما عن شيخنا

٤١١

الأنصاري (١) برواية الكافي عن أبي جعفر عليه‌السلام «أتاه رجل فقال وقعت فأرة في خابية فيها سمن أو زيت فما ترى في أكله؟ فقال أبو جعفر عليه‌السلام : لا تأكله. فقال الرّجل : الفأرة أهون عليّ من أن اترك طعامي من أجلها ، قال : فقال له أبو جعفر عليه‌السلام : انك لم تستخف بالفأرة ، وانما استخففت بدينك ، ان الله حرم الميتة من كل شيء» (٢) تقريب الاستدلال ان السائل لم يرد بقوله الفأرة أهون إلخ أكل الفأرة في ضمن الزيت أو السمن ، بل أراد أكل السمن أو الزيت الملاقي لها ، فقول الإمام عليه‌السلام في مقام التعريض له «ان الله حرم الميتة من كل شيء» يدل على انّ أكل الملاقي للميتة ينافي الاجتناب عن نفس الميتة ، فنجاسته وحرمته عين نجاستها وحرمتها.

والجواب عن ذلك : انه لا يستفاد من الرواية إلّا ان حرمة الشيء الناشئة من نجاسته ملازمة مع حرمة ملاقيه ونجاسته من دون فرق بين كثرة الملاقي وقلته ، وكبر ذلك الشيء وصغره ، فكأن السائل استبعد أن تكون الفأرة على صغرها موجبة لنجاسة ما في الخابية من السمن أو الزيت ، فأجابه الإمام عليه‌السلام بعدم اختصاص حرمة الميتة بشيء دون شيء ، وليس في ذلك دلالة على ان نجاسة الملاقي وحرمته عين نجاسة الميتة وحرمتها كما هو ظاهر.

الوجه الثاني : ان العلم الإجمالي بالنجس الموجود بين الطرفين وان لم يكن مقتضيا لوجوب الاجتناب عن الملاقي كما مر ، إلّا انه يحدث بعد العلم بالملاقاة علم إجمالي آخر بوجود نجس في الملاقي أو الطرف الآخر ، وهذا العلم مما لا مجال لإنكاره بعد فرض الملازمة بين نجاسة الشيء ونجاسة ملاقيه واقعا ، ومن ثم لو فرض انعدام الملاقى ـ بالفتح ـ كان العلم بالنجاسة المرددة بين الملاقي والطرف الآخر موجودا لا محالة.

__________________

(١) فرائد الأصول : ٢ ـ ٤٢٣ (ط. جامعة المدرسين).

(٢) وسائل الشيعة : ١ ـ باب ٥ من أبواب الماء المضاف ، ح ٢.

٤١٢

نعم لو فرضنا حصول الملاقاة بعد انعدام الطرف الآخر لم يكن العلم الثاني مؤثرا في التنجيز ، لعدم كونه علما بالتكليف الفعلي الموجب لتساقط الأصول في الأطراف.

وقد أجاب شيخنا الأنصاري قدس‌سره عن هذا الوجه بما حاصله (١) ان العلم الإجمالي بالنجاسة وان كان حاصلا بين الملاقي والطرف الآخر إلّا انه لا يمنع عن جريان الأصل في الملاقي ، إذ المفروض سقوط الأصل الجاري في الطرف الآخر قبل حدوث العلم الثاني ، وعليه فليس العلم الثاني علما بالتكليف الحادث غير التكليف الأول ، إذ المفروض احتمال أن يكون النجس هو الطرف الآخر المفروض تنجز حكمه بالعلم السابق ، وقد عرفت فيما مر انه يشترط في تنجيز العلم الإجمالي ان لا يكون التكليف في بعض أطرافه متنجزا بمنجز سابق على العلم ، إذ معه لا يبقى إلّا احتمال حدوث التكليف في الطرف الآخر ، ولا مانع معه من الرجوع إلى الأصل النافي ، وبما ان أصالة الطهارة في مفروض الكلام قد فرض سقوطها في الطرف الآخر قبل العلم الثاني فلا مانع من الرجوع إلى أصالة الطهارة في الملاقي ، أو استصحاب عدم ملاقاته مع النجس المترتب عليه بقاؤه على طهارته.

ولكن التحقيق : في المقام هو التفصيل بين ما إذا كان الطرف الآخر مجرى لأصل طولي سليم عن المعارض ، وما لم يكن كذلك ، فيجري الأصل في الملاقي في الصورة الثانية دون الأولى ، مثال ذلك انه إذا علم نجاسة الماء أو الثوب ، فقد عرفت فيما مر انه لا يترتب على هذا العلم إلّا سقوط أصالة الطهارة في كلا الطرفين ، واما أصالة الإباحة في الماء فلا مانع من جريانها ، فإذا لاقى الثوب شيئا آخر فلا محالة يحدث علم إجمالي جديد بنجاسته أو حرمة الماء المفروض حليته الظاهرية

__________________

(١) فرائد الأصول : ٢ ـ ٤٢٤ ـ ٤٢٥ (ط. جامعة المدرسين).

٤١٣

سابقا ، وهذا العلم الإجمالي يمنع عن الرجوع إلى كلا الأصلين ، لاستلزامه المخالفة القطعية ، ولا إلى أحدهما بالخصوص لأنه بلا مرجح. واما فيما إذا علم نجاسة أحد الماءين أو أحد الثوبين فبما انه لا يختص بعض الأطراف بأصل طولي كانت أصالة الطهارة في الملاقي بلا معارض على ما أفاده الشيخ رحمه‌الله ،

واما المسألة الثانية : فهي فيما إذا حصلت الملاقاة والعلم بها ثم حصل العلم الإجمالي بنجاسة الملاقى أو شيء آخر. وقد وقع الكلام فيها في وجوب الاجتناب عن الملاقي وعدمه ، فذهب صاحب الكفاية رحمه‌الله إلى الأول (١) ، نظرا إلى ان العلم الإجمالي كما تعلق بالنجاسة المرددة بين الملاقي وطرفه ، كذلك تعلق بالنجاسة المرددة بين الملاقي وذاك الطرف ، ففي الحقيقة الأمر دائر بين نجاسة الملاقى والملاقى ونجاسة الطرف الآخر ، فهو نظير ما لو علم بوقوع نجاسة في الإناء الكبير أو في الإناءين الصغيرين ، فكما يجب فيه الاجتناب عن جميع الأواني ، كذلك يجب الاجتناب عن مجموع الملاقي والملاقى والطرف الآخر. ولا فرق بين المثال وما نحن فيه إلّا في ان نجاسة الملاقي في المقام مسببة عن نجاسة ما لاقاه ، بخلاف المثال ، ومجرد ذلك لا يكون موجبا لتغير حكمهما بعد كون نسبة العلم الإجمالي إلى كليهما على حد سواء.

وذهب المحقق النائيني رحمه‌الله تبعا لشيخنا الأنصاري رحمه‌الله إلى الثاني (٢) بتقريب : ان الأصل الجاري في الملاقي مقدم رتبة على الأصل الجاري في ملاقيه ، إذ الشك في نجاسته ناشئة من الشك في نجاسة ما لاقاه ، وعليه فالمعارضة انما تقع في الأصول الجارية في المرتبة السابقة ، فيبقى الأصل الجاري في الملاقي بلا معارض.

والتحقيق في المقام : هو التفصيل ، فان زمان المعلوم بالإجمال قد يكون سابقا على زمان الملاقاة ، وقد يكون متحدا معه.

__________________

(١) كفاية الأصول : ٢ ـ ٢٢٧.

(٢) أجود التقريرات : ٢ ـ ٢٦٠. فرائد الأصول : ٢ ـ ٤٢٤ (ط. جامعة المدرسين).

٤١٤

اما على الأول : فلا مانع من الرجوع إلى الأصل في الملاقي ، فلو لاقى أحد الإناءين للثوب يوم الجمعة ، ثم علم يوم السبت بنجاسة أحد الإناءين يوم الخميس ، فالعلم الحادث يوم السبت بما انه متعلق بحدوث النجاسة يوم الخميس المرددة بين الإناءين فالشك في طهارة كل من الإناءين ونجاسته شك في انطباق المعلوم بالإجمال عليه ، فلا يجري فيه الأصل لما مر. واما الشك في نجاسة الثوب وطهارته فهو شك في حدوث نجاسة أخرى بعد حدوث النجاسة المرددة بين الإناءين بزمان ، ولا مانع من شمول دليل الأصل له بعد فرض تنجز النجاسة السابقة بالعلم المتأخر ، واحتمال انطباقها على الطرف الآخر الموجب لعدم جريان الأصل فيه ، فيجري أصالة الطهارة في الثوب بلا معارض.

وبذلك يظهر الفرق بين المقام والمثال المتقدم ، فان كلا من الإناءين الصغيرين كان عدلا للعلم الإجمالي ، بخلاف المقام ، إذ المفروض ان النجاسة الحادثة يوم الخميس مرددة بين خصوص الملاقى ـ بالفتح ـ والطرف الآخر ، واما نجاسة الثوب الملاقى فهي على تقدير ثبوتها واقعا نجاسة جديدة غير المعلوم بالإجمال ، وبما انها مشكوكة يجري فيها الأصل ، كما لو شك في نجاسته من جهة أخرى غير الملاقاة. نعم لو فرض للطرف الآخر أصل طولي جار فيه قبل العلم بالملاقاة لزم الاجتناب عن الملاقى أيضا ، وقد ظهر وجهه مما تقدم في الشق الأول.

واما على الثاني : وهو ما كان زمان الملاقاة متحدا مع زمان المعلوم بالإجمال ، كما إذا فرضنا ثوبا في إناء فيه ماء ، وعلمنا إجمالا بوقوع نجاسة في ذلك الماء أو في إناء آخر ، فالحق وجوب الاجتناب عن الملاقى وما لاقاه والطرف الآخر ، وذلك لأن العلم الإجمالي كما تعلق بنجاسة أحد الإناءين كذلك تعلق بنجاسة الثوب أو الإناء الآخر ، والأصل الجاري في الملاقى وان كان في مرتبة سابقة على الأصل الجاري في ملاقيه إلّا انه لا يقتضي اختصاص المعارضة به لوجهين.

٤١٥

الأول : ان السبق والتأخر الرتبي انما يترتب عليهما الأثر في الأحكام العقلية المترتبة على الرتبة ، واما الأحكام الشرعية فهي مترتبة على الموجودات الخارجية ، ولا أثر فيها للتقدم أو التأخر الرتبي ، ومن هنا يحكم بإعادة الوضوء وصلاة الغداة وصلاة الظهر فيما إذا علم ببطلان وضوئه لصلاة الغداة أو بطلان صلاة الظهر لترك ركن منها ، فان بطلان صلاة الغداة وان كان في مرتبة متأخرة عن بطلان الوضوء ، والشك فيه مسببا عن الشك فيه ، إلّا انه لا أثر لذلك بعد تساوي نسبة العلم الإجمالي إلى الجميع ، فتسقط قاعدة الفراغ فيها ، فيجب قضاء الصلاتين.

الثاني : ان الأصل الجاري في الملاقي وان كان في مرتبة متأخرة عن الأصل الجاري فيما لاقاه ، إلّا ان كلا الأصلين في عرض الأصل الجاري في الطرف الآخر بلا تقدم وتأخر بينهما.

ودعوى : ان الأصل الجاري في الملاقي ـ بالفتح ـ إذا كان في عرض الأصل الجاري في الطرف الآخر فالأصل المتأخر عنه رتبة متأخر عن الأصل الجاري في الطرف أيضا ، إذ المتأخر عن أحد المتساويين في الرتبة متأخر عن الآخر أيضا بالضرورة.

مدفوعة : بان ذلك انما يتم في السبق واللحوق بالزمان أو بالشرف ، والوجه فيه ظاهر ، واما في غير ذلك من أقسام السبق فقد تقدم ان تأخر شيء عن أحد المتحدين في الرتبة لا يقتضي تأخره عن الآخر ، فان وجود المعلول متأخر في الرتبة عن وجود علته ، ومع ذلك فهو غير متأخر عن عدم علته ، مع كون وجود العلة وعدمها في مرتبة واحدة.

وبالجملة لا اعتبار بالسبق واللحوق الرتبي في جريان الأصول ، وانما الاعتبار بالزماني منهما ، وعليه فإذا فرض اتحاد زمان الملاقاة وزمان المعلوم بالإجمال فكل من الملاقي والملاقى طرف للعلم الإجمالي ، فلا بد من الاجتناب

٤١٦

عنهما. ثم انه يلحق بهذا القسم ما إذا كان العلم بالملاقاة مقارنا مع العلم الإجمالي حدوثا ، والوجه فيه ظاهر.

واما المسألة الثالثة : وهي ما إذا تحققت الملاقاة قبل العلم الإجمالي ، ولكن لم يعلم المكلف بها إلّا بعد حصوله. فلا ينبغي الإشكال في عدم وجوب الاجتناب عن الملاقى فيما إذا كان زمان المعلوم بالإجمال سابقا على زمان الملاقاة إلّا فيما كان للطرف الآخر أثر طولي يختص به ، وقد ظهر وجه كل ذلك مما تقدم. واما إذا كان زمان الملاقاة متحدا مع زمان المعلوم بالإجمال ، فربما يقال : فيه بعدم لزوم الاجتناب عن الملاقي نظرا إلى ان العلم الإجمالي لسبقه زمانا على العلم بالملاقاة أوجب سقوط الأصلين في الملاقى ـ بالفتح ـ وطرفه ، فالشك في نجاسة الملاقي بما انه متأخر عن زمان العلم الإجمالي وعن سقوط الأصلين المزبورين لا مانع من الرجوع إلى الأصل فيه ، بل لو فرضنا ان الشك في نجاسته كان مقارنا للعلم الإجمالي لجرى الأصل فيه أيضا ، لعدم العلم بالملاقاة في ذلك الزمان ، والمفروض أنه لم يحدث بعد ذلك شيء يوجب سقوط الأصل الجاري فيه.

ولكن الصحيح : وجوب الاجتناب عنه ، فان العلم الإجمالي وان كان حدوثا متعلقا بنجاسة الملاقى ـ بالفتح ـ أو الطرف الآخر إلّا أنه بعد العلم بالملاقاة ينقلب إلى العلم بنجاسة الملاقى والملاقي أو الطرف ، وقد مرّ ان الاعتبار في تساقط الأصول انما هو ببقاء العلم الإجمالي دون حدوثه ، ونظير ذلك ما إذا علمنا بوقوع نجاسة في الإناء الكبير أو الصغير ، ثم تبدل العلم المزبور بالعلم بوقوعها في الإناء الكبير أو الإناءين الصغيرين ، فهل يشك أحد في وجوب الاجتناب عن جميع الأواني أو يتوهم أحد كون سبق العلم الأول موجبا لاختصاص تنجز الواقع بالإناء الكبير واحد الإناءين الصغيرين ، وليس ذلك إلّا لما ذكرناه من ان العلم الثاني هو الموجب لسقوط الأصول بقاء دون العلم الأول المفروض زواله.

٤١٧

بقي الكلام فيما أفاده صاحب الكفاية من انه قد يجب الاجتناب على الملاقي ـ بالكسر ـ دون الملاقى وذكر له موردين (١).

الأول : ما إذا علم بالملاقاة ، ثم علم إجمالا نجاسة الملاقى ـ بالفتح ـ أو الطرف الآخر ، ولكن كان الملاقي حتى حدوث العلم خارجا عن محل الابتلاء ، فانه حينئذ تقع المعارضة بين الأصل الجاري في الملاقي ـ بالكسر ـ والأصل الجاري في الطرف الآخر واما الملاقى فلخروجه عن محل الابتلاء لا يكون مجرى لأصل من الأصول ، وإذا سقط الأصلان المزبوران وجب الاجتناب عن الملاقي بحكم العقل ، فإذا رجع الملاقي بعد ذلك إلى محل الابتلاء ودخل تحت قدرة المكلف لم يكن مانع من الرجوع إلى الأصل فيه ، لعدم ابتلائه بالمعارض ، فيكون حاله حال الملاقي في المسألة الأولى من حيث ان الشك فيه شك في حدوث حكم جديد ، يرجع فيه إلى الأصل.

المورد الثاني : ما لو تعلق العلم الإجمالي ابتداء بنجاسة الملاقي ـ بالكسر ـ أو شيء آخر ، ثم حدث العلم بالملاقاة والعلم بنجاسة الملاقى ـ بالفتح ـ أو ذلك الشيء من قبل ، مثال ذلك ما لو علم يوم السبت نجاسة الثوب أو الإناء الكبير ، ثم علم يوم الأحد نجاسة أحد الإناءين الكبير والصغير يوم الجمعة وملاقاة الثوب للإناء الصغير في ذلك اليوم ، فان نجاسة الثوب ولو فرض عدم احتمالها من غير ناحية ملاقاة الإناء الصغير إلّا انها قد تنجزت بالعلم الإجمالي الحادث يوم السبت من جهة تساقط الأصلين في طرفيه ، واما الإناء الصغير فالشك في نجاسته شك حادث ، ولا مانع من الرجوع إلى الأصل فيه ، ولو فرضنا كونه حادثا في يوم السبت أو قبله لم يكن مانع أيضا من الرجوع إلى الأصل فيه ، إذ المفروض عدم كونه من

__________________

(١) كفاية الأصول : ٢ ـ ٢٢٧.

٤١٨

أطراف العلم الإجمالي ، وبما انه لم يحدث بعد ذلك ما يوجب سقوط الأصل فيه كان الأصل فيه جاريا بلا معارض.

ولكن التحقيق : عدم صحة ما أفاده قدس‌سره في كلا الموردين.

اما المورد الأول : فلان خروج الشيء عن محل الابتلاء ولو بعدم القدرة عليه لا يمنع جريان الأصل فيه إذا كان له أثر فعلي ، فلو غسل الثوب المتنجس بماء حين الغفلة عن طهارته ونجاسته ، ثم انعدم ذلك الماء ، فشك في طهارته ، فهل يشك أحد في جريان أصالة الطهارة فيه لترتيب طهارة الثوب المغسول به على ذلك. كما انه لو كان شيء متيقن النجاسة سابقا ثم لاقى الثوب مثلا على حين غفلة من نجاسته ، ثم انعدم ذلك الشيء واحتملنا عروض الطهارة له قبل ملاقاته الثوب ، فهل يشك في صحة جريان استصحاب النجاسة فيه ، وترتيب أثره عليه من الحكم بنجاسة الثوب ، مع ان المستصحب معدوم حين الشك على الفرض ، وعليه فالملاقى في مفروض الكلام وان كان خارجا عن محل الابتلاء بعدم قدرة المكلف عليه ، إلّا انه لا مانع من جريان أصالة الطهارة فيه في نفسه لترتيب أثره من الحكم بطهارة ملاقيه ، إلّا ان العلم الإجمالي بنجاسته أو نجاسة طرفه يمنع من الرجوع إلى الأصل في كل منهما ، فيبقى أصالة الطهارة في الملاقي بلا معارض على تفصيل قد عرفته في المسائل السابقة.

واما المورد الثاني : فلأنّ ما ذكره انما يتم لو كان حدوث العلم الإجمالي كافيا في تنجيز الواقع بقاء ولو مع انحلاله ، واما على ما عرفت من ان التنجيز يدور مدار حدوث العلم وبقائه ، فالعلم الحادث أولا انما ينحل بالعلم الثاني ، فيكون حال الملاقي في مفروض المثال كحال غيره في وجوب الاجتناب وعدمه. توضيح ذلك : ان العلم الحادث يوم السبت في المثال وان أوجب تنجز الواقع على تقدير كونه في الثوب أو الإناء الكبير ، إذ الشك في كل منهما انما هو في انطباق المعلوم بالإجمال

٤١٩

عليه ، فلا يجري فيه الأصل ، إلّا انه بعد فرض العلم يوم الأحد بنجاسة أحد الإناءين يوم الجمعة ينحل العلم الأول ، فيكون الشك في نجاسة الإناء الكبير شكا في انطباق النجس المعلوم عليه ، واما الشك في نجاسة الثوب فهو شك في حدوث نجاسة أخرى زائدا على المعلوم بالإجمال ، فلا مانع من الرجوع إلى الأصل فيه بعد خروجه عن طرف العلم الإجمالي بقاء.

ونظير ذلك ما إذا علم إجمالا بنجاسة أحد الإناءين من الكبير والصغير في يوم الجمعة ، ثم علم بعد ذلك بنجاسة الإناء الكبير أو الإناء الآخر يوم الخميس ، فان الإناء الصغير يخرج بالعلم الثاني عن كونه طرفا للعلم ، فيرجع فيه إلى الأصل ، وحال الملاقي في مفروض المقام بعينه حال الإناء الصغير في المثال ، وعليه فيجري فيه ما ذكرناه في الصور المتقدمة من وجوب الاجتناب عنه وعما لاقاه تارة ، وعدم وجوب الاجتناب عن الملاقي أخرى.

فتلخص مما ذكر ان ما في أفاده في الكفاية من تثليث الأقسام لا وجه له ، بل الأمر دائر بين وجوب الاجتناب عن الملاقي والملاقى معا ، ووجوب الاجتناب عن خصوص الملاقى دون ملاقيه.

٤٢٠