دراسات في علم الأصول - ج ٣

آية الله السيّد علي الشاهرودي

دراسات في علم الأصول - ج ٣

المؤلف:

آية الله السيّد علي الشاهرودي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مركز الغدير للدراسات الإسلامية
المطبعة: محمّد
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٤٧
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣   الجزء ٤
  نسخة غير مصححة

متضادة لم يمكن الجمع بينها عقلا ، مع ان المفروض خلافه ، بل المانع عن الشمول هو استلزامه الجمع في الترخيص ، وذلك لا يرتفع بتقييد الترخيص في كل منهما بعدم ارتكاب الآخر ، فان المكلف إذا لم يرتكب شيئا من الأطراف كان الترخيص في جميعها فعليا لا محالة ، وهو مستلزم للعلم بترخيص ما علم حرمته بالفعل ، وهو قبيح.

وبتقريب آخر : إذا علمنا حرمة أحد الإناءين وإباحة الآخر واقعا ، فالحرمة المعلومة غير مقيدة في الواقع بترك المباح يقينا ، كما أن الإباحة غير مقيدة بترك الحرام قطعا ، فالحكم بإباحة كل منهما مناف للعلم بالحرمة والإباحة المطلقتين ، وقد عرفت غير مرة أن الحكم الظاهري لا بد من أن يحتمل مطابقته للواقع ، والإباحة المشروطة لا يحتمل مطابقتها للواقع بالضرورة.

وببيان أوضح : الإباحة الظاهرية وإن لم تكن منافية للحرمة الواقعية إلّا أن ذلك فيما إذا لم يصل الحكم الواقعي إلى المكلف. وأما في فرض وصوله إليه صغرى وكبرى فالمنافاة بينهما متحققة لا محالة ، وتوضيح ذلك : ما تقدم من أن عدم المنافاة بين الحكم الظاهري والواقعي ليس لما أفاده شيخنا الأنصاري قدس‌سره من اختلاف موضوعيهما ، ولا لما ذكر في الكفاية من عدم فعلية الأحكام الواقعية على ما عرفت الحال فيها مفصلا في بحث الجمع بين الأحكام الواقعية والظاهرية ، بل لأن الحكم الّذي هو بمعنى الاعتبار النفسانيّ لا يضاد بنفسه الاعتبار الآخر على خلافه ، فالمضادة بينهما بالعرض ناشئة من التنافي بين مبدأيهما ، أعني بهما الإرادة والكراهة ونحوهما ، أو من التنافي في مقام الامتثال ، وشيء منهما غير متحقق في ظرف الجهل بالحكم الواقعي الّذي هو الموضوع للحكم الظاهري. أما التنافي من جهة المبدأ ، فلعدم نشوء الحكم الظاهري عما في المتعلق من الخصوصية المقتضية لتعلق الإرادة به تارة ، ولتعلق الكراهة به أخرى ، ولعدم تعلق شيء منهما به ثالثة ، بل هو ناشئ

٣٦١

مطلقا عن مصلحة في نفسه. وأما التنافي في مقام الامتثال ، فلأن الحكم الواقعي على تقدير وصوله لا يبقى موضوعا للحكم الظاهري ، كما أنه على تقدير عدم وصوله لا يكون منافيا لامتثال الحكم الظاهري ، وعليه فإذا فرض وصول الحكم الواقعي ولو كان متعلقه مرددا بين أمرين أو أمور ، ولم يكن متميزا في الخارج عن غيره ، فكيف يعقل ثبوت حكم آخر على خلافه ، وهل هو إلّا من الجمع بين المتضادين؟ فإذا فرض أن الخمر مثلا موجود في الخارج ، وقد علم المكلف به وبحرمته ، فكيف يمكن أن يفرض الحكم بإباحته ولو مشروطا بترك ما هو مباح في الواقع؟! وهل هو إلّا من الجمع بين التحريم والترخيص في علم المكلف في زمان واحد.

ولا يقاس المقام بما إذا دار الأمر بين رفع اليد عن أصل الحكم أو عن إطلاقه ، الّذي كان المتعين فيه هو الثاني على ما عرفت ، فان ذلك إنما يتم فيما إذا أمكن التقييد ، واما فيما لم يمكن التقييد أيضا بان كان المانع عن الإطلاق مانعا عن أصل الحكم كما في المقام ، فلا مناص من رفع اليد عن الحكم رأسا.

والمتحصل مما تقدم ان العلم الإجمالي إذا تعلق بحكم غير إلزاميّ فلا مانع من جريان الأصول المثبتة في جميع أطرافه ولو كانت الأصول تنزيلية ، كما لا مانع من شمول أدلتها لها في مقام الإثبات ، نعم لا تجري الأمارات في جميع الأطراف ، لأدائها إلى المناقضة كما عرفت. واما إذا تعلق العلم الإجمالي بحكم إلزامي فالأصول الجارية في أطرافه ان كانت بأجمعها نافية فلا يجري شيء منها ، أما عدم جريانها بتمامها فللمانع الثبوتي ، وهو قبح الترخيص في مخالفة الحكم الإلزامي الواصل ، وأما عدم جريانها في بعضها فلعدم الترجيح ، وإذا كانت بعض الأصول نافية وبعضها مثبتة فيجري الأصل النافي والمثبت كلاهما بلا معارض.

٣٦٢

«تنبيهات»

التنبيه الأول : أن الأصل الجاري في أحد طرفي العلم الإجمالي إما أن يكون مسانخا مع الأصل الجاري في الطرف الآخر ، أو مغايرا له. وعلى الأول إما أن يكون أحد الطرفين مختصا بجريان أصل طولي فيه دون الآخر ، أو لا يكون كذلك ، فهذه أقسام ثلاثة.

أما القسم الأول : وهو ما إذا كان الأصل الجاري في كل من الطرفين مسانخا للجاري في الآخر مع اختصاص أحدهما بأصل طولي ، كما إذا علم بوقوع نجاسة في الماء أو على الثوب ، فان الأصل الجاري في كل منهما مع قطع النّظر عن العلم الإجمالي انما هو أصالة الطهارة ، ولا إشكال في سقوطها في كل من الطرفين ، لما مرّ ، فلا يجوز التوضي بالماء ، كما لا يجوز لبس الثوب في الصلاة ، لعدم إحراز طهارتهما ، إلّا أن العلم بالنجاسة لا أثر له في حرمة لبس الثوب ، فيبقى شرب الماء محتمل الحلية والحرمة ، لاحتمال نجاسته ، فهل يجري فيه أصالة الحل ، أو تسقط بالعلم الإجمالي كسقوط أصالة الطهارة فيهما؟ وجهان. ولم نقف على من تعرض لتحقيق ذلك سوى ان المحقق النائيني (١) قدس‌سره ذكر سقوط الأصول الطولية في بعض الأطراف ، وبنى على معارضتها للأصل الجاري في الطرف الآخر ولو كان واحدا ، فالتزم في المثال بعدم جواز شرب الماء ، لعدم المؤمن من احتمال العقاب عليه.

__________________

(١) أجود التقريرات : ٢ ـ ٢٤٥ ـ ٢٤٦.

٣٦٣

ولكن التحقيق : أنه لا مانع من إجراء أصالة الحل ، لعدم معارضتها بأصالة الطهارة في الطرف الآخر ، وذلك لما عرفت من أن العلم الإجمالي بالتكليف الفعلي لا يترتب عليه تنجز الواقع إلّا بعد تساقط الأصول في أطرافه ، فإذا كان الأصل الجاري في الطرفين من سنخ واحد كأصالة الطهارة في المثال فلا مناص عن القول بعدم شمول دليله لكلا الطرفين ، لاستلزامه المخالفة القطعية ، ولا لأحدهما لأنه ترجيح بلا مرجح. وأما الأصل الطولي كأصالة الحل في المثال فلا مانع من شمول دليله للطرف المختص به كشرب الماء في المثال ، إذ لا يلزم منه ترجيح من غير مرجح بعد عدم شمول دليله في نفسه للطرف الآخر.

وبعبارة أخرى : ان دليل أصالة الطهارة بعد العلم بعدم شموله لكلا الطرفين نعلم بتخصيصه ، فلا بد من رفع اليد عنه ، اما في كلا الطرفين ، أو في أحدهما ، وحيث لا سبيل إلى الثاني ، لاستلزامه الترجيح بلا مرجح ، فلا محالة يتعين الأول ، وأما دليل أصالة الحل فهو بعمومه شامل لأحد الطرفين المعين دون الآخر ، فلا موجب لرفع اليد عنه ما لم يثبت تخصيصه. وهذا أحد الموارد التي يرجع فيها إلى الأصل المحكوم بعد سقوط أصل الحاكم ، ونظير ذلك في الفروع الفقهية كثيرة.

منها : ما لو علم نجاسة شيء في زمان وطهارته في زمان آخر ، وشك في المتقدم منهما ، فبعد تساقط الاستصحابين فيهما بالمعارضة يرجع إلى قاعدة الطهارة.

ومنها : ما إذا علم حلية شيء في زمان وحرمته في زمان آخر مع الشك في المتقدم ، فانه بعد سقوط الاستصحابين يرجع إلى أصالة الحل.

ومنها : ما إذا علمت المرأة حيضها في بعض أيام الشهر وطهرها في بعض أيامه الآخر ، وشك في المتقدم منهما ، فبعد تعارض الاستصحابين يرجع إلى أصالة البراءة.

واما القسم الثاني : وهو ما إذا كان الأصل الجاري في كل من الطرفين مماثلا

٣٦٤

للأصل الجاري في الطرف الآخر مع عدم اختصاص أحدهما بأصل طولي ، فلا ينبغي الإشكال في عدم جريان الأصل في شيء منهما على ما مرّ بيانه. وهذا القسم انما يتحقق في موردين.

أحدهما : ما إذا لم يكن لشيء من الطرفين أصل طولي ، كما إذا علمنا بنجاسة أحد الثوبين ، فان الأصل الجاري في كل منهما في نفسه أصالة الطهارة لا غير.

ثانيهما : ما إذا كان الأصل الطولي مشتركا فيه بين الطرفين ، كما إذا علمنا بنجاسة أحد الماءين ، فان الأصل الجاري في كل منهما ابتداء أصالة الطهارة ، وبعد سقوطها أصالة الحل ، والعلم الإجمالي كما يوجب تساقط الأصلين الحاكمين يوجب تساقط المحكومين أيضا ، لاتحاد ملاك التساقط في الأصل الحاكم والمحكوم ، وهو كون جريانه في الطرفين مستلزما للمخالفة القطعية ، وفي أحدهما ترجيح بلا مرجح.

واما القسم الثالث : وهو ما إذا كان الأصل الجاري في أحد الطرفين مغايرا سنخا للأصل الجاري في الطرف الآخر ، كما إذا علمنا إجمالا بنجاسة أحد الماءين أو غصبية الآخر ، فان الأصل الجاري في محتمل النجاسة أصالة الطهارة ، وفي محتمل الغصبية أصالة الحل. فالتحقيق فيه : ان العلم الإجمالي يوجب تنجز الواقع على كل تقدير ، سواء في ذلك اختصاص أحد الطرفين بأصل طولي كما في المثال وعدمه ، والسر في ذلك ان الأصل الجاري في الطرفين وان كانا مختلفين سنخا إلّا أنه بعد العلم بالحرام الموجود في البين يكون الترخيص الظاهري في كل من الطرفين موجبا للمخالفة القطعية ، وفي أحد الطرفين دون الآخر ترجيحا بلا مرجح ، بلا فرق في ذلك بين كون الدليل المرخص من الأصول الحاكمة أو المحكومة ، توضيح ذلك : ان الأصل الجاري في المثال في أحد طرفي العلم الإجمالي وهو المائع المحتمل غصبيته انما هو

٣٦٥

أصالة الحل ، والأصل الجاري في الطرف الآخر المترتب عليه جواز الشرب أصالة الطهارة ، والعلم الإجمالي بالحرام الموجود في البين يمنع جريانهما ، لا لخصوصية فيهما ، بل لأن جريانهما معا مناف للعلم الإجمالي ، فكما أن أصالة الطهارة المترتب عليها جواز الشرب إذا انضمت إلى أصالة الحل في الطرف الآخر لزم الترخيص في المعصية ، كذلك أصالة الحل إذا انضمت إليها أصالة الحل في الطرف الآخر ، فإذا علم حرمة أحد المائعين كان الترخيص في كليهما ترخيصا في المعصية ، وفي أحدهما بلا مرجح ، سواء كان الترخيص بلسان الحكم بالطهارة أو بلسان الحكم بالحلية ابتداء.

وان شئت قلت : الأمر في مثل المقام دائر بين سقوط أصالة الإباحة في محتمل الغصبية وسقوط أصالة الطهارة وأصالة الإباحة في محتمل النجاسة ، وبما أنه لا ترجيح في البين ، لا بد من سقوط جميعها. ومن هذا القبيل ما إذا علم بولية مائع أو نجاسة مائع آخر بنجاسة عرضية ، فان الأصل الجاري فيما يحتمل نجاسته بالعرض وان كان هو الاستصحاب ، والأصل الجاري في الطرف الآخر هو أصالة الطهارة ، إلّا أنه مع ذلك لا تصل النوبة إلى أصالة الطهارة فيما يحتمل نجاسته العرضية بعد سقوط الاستصحاب فيه ، فان العلم بالنجس في البين مانع عن جعل الطهارة الظاهرية بأي لسان يكون في كلا الطرفين ، لاستلزامه المخالفة القطعية ، ولا في أحدهما لأنه بلا مرجح. هذا كله فيما إذا كان الأصل الطولي موافقا في المؤدى مع الأصل الجاري في مرتبة سابقة عليه.

واما إذا كان مخالفا له ، فيرجع إليه بعد تساقط الأصول العرضية مطلقا ، من دون فرق بين كون الأصول العرضية متماثلة وكونها متخالفة ، فلو علم إجمالا بزيادة ركوع في صلاة المغرب أو نقصانه من صلاة العشاء بعد الفراغ منهما ، فقاعدة الفراغ في كل من الصلاتين تعارض مثلها في الأخرى ، وبعد ذلك يرجع إلى استصحاب

٣٦٦

عدم الإتيان بالركوع المشكوك من صلاة العشاء ، فيحكم ببطلانها ، ولا مانع حينئذ من الرجوع إلى استصحاب عدم الإتيان بالركوع الزائد في صلاة المغرب ، ويترتب عليه صحتها. ونظير ذلك ما لو علم إجمالا بنقصان ركعة في صلاة المغرب أو عدم الإتيان بصلاة العصر مثلا ، فان قاعدة الفراغ في صلاة المغرب تعارض قاعدة الحيلولة في صلاة العصر ، وبعد ذلك يرجع إلى استصحاب عدم الإتيان بالركعة المشكوكة في صلاة المغرب ، أو إلى القاعدة المستفادة من صحيحة صفوان من كون الشك في عدد الركعات موجبا لبطلان الصلاة في غير ما دل الدليل على صحتها ، بناء على المختار من شمولها للشك الحادث بعد الصلاة ، كما حققناه في بحث الخلل من كتاب الصلاة ، فيحكم بوجوب إعادة المغرب ، ومعه لا مانع من الرجوع إلى أصالة البراءة من قضاء صلاة العصر بعد ما ثبت في محله أن الفوت الّذي هو الموضوع لوجوب القضاء لا يثبت بمجرد عدم الإتيان. وهذا الّذي ذكرناه في جواز الرجوع إلى الأصل الطولي في بعض الموارد ، وعدم جواز الرجوع إليه في البعض الآخر يترتب عليه ثمرات مهمة في بحث الخلل في الصلاة وفي فروع العلم الإجمالي.

التنبيه الثاني : بعد ما عرفت أن الميزان في تنجيز العلم الإجمالي هو تعارض الأصول وتساقطها ، يظهر لك أنه لا ملازمة بين وجوب الموافقة القطعية وحرمة المخالفة القطعية ، فإذا علم بحرمة الجلوس في إحدى الغرفتين في آن خاص ، فكل واحد من الطرفين في نفسه غير معلوم الحرمة ، فيجري فيه الأصل لو لا معارضته بجريانه في الطرف الآخر ، ومع المعارضة يسقط الأصلان ، فلا مؤمن للجلوس في كل منهما ، فتجب الموافقة القطعية بتركهما معا ولو كانت المخالفة القطعية غير محرمة عقلا لعدم التمكن منها. وعليه فلا وجه لما ذكره المحقق النائيني رحمه‌الله من عدم وجوب الموافقة القطعية فيما إذا لم تحرم المخالفة القطعية ، وعلى هذا رتب جواز الاقتحام في أطراف الشبهة غير المحصورة من جهة عدم حرمة المخالفة فيها ، لعدم التمكن

٣٦٧

منها (١).

التنبيه الثالث : إذا تردد الواجب بين فعلين أو أفعال لا ينبغي الإشكال في كفاية الإتيان ببعض الأطراف ، وسقوط الواجب معه إذا صادف الواقع فيما إذا كان الواجب توصليا ، وأما إذا كان تعبديا فقد اختار الشيخ قدس‌سره في صحته العزم على الموافقة القطعية بالجمع بين الأطراف ، فلو لم يكن من قصد الفاعل إلّا الإتيان ببعض الأطراف لم يحكم بالصحّة ولو صادف الواجب الواقعي ، وهذا مبني على اعتبار الجزم في النية في العبادة ، وقد ذكرنا في محله أنه إذا شك في اعتبار قصد القربة ، أو غيره من قصد الوجه ، أو التمييز ، أو الجزم في النية وغيرها مما لم يقم عليه دليل بالخصوص فالمرجع فيه هو البراءة ، وعليه فبما أن الجزم بالنية لم يقم على اعتباره دليل لا يكون معتبرا في صحة العبادة ، فالآتي ببعض الأطراف برجاء إصابة الواقع قد قصد القربة بفعله على الفرض ، فإذا صادف الواقع كان صحيحا ومسقطا للأمر لا محالة.

ومما ذكرناه يظهر أنه لو دار أمر الواجبين المترتبين كالظهر والعصر بين أفعال متعددة لم يجب على المكلف في صحة الإتيان بالثاني الفراغ اليقيني من الأول ، بل جاز له الإتيان ببعض محتملاتها ثم الإتيان بالمحتمل الآخر ، فإذا دار أمر القبلة بين الجهات الأربع جاز للمكلف أن يصلي الظهر والعصر إلى جهة ثم يصليهما إلى جهة ثانية. نعم لو صلى الظهر إلى جهة معينة لم يجز أن يصلي العصر إلى جهة أخرى قبل أن يصلي الظهر إليها ، والوجه فيه ظاهر.

التنبيه الرابع : قد عرفت مما تقدم في ميزان العلم الإجمالي أنه لو كان الأصل النافي جاريا في بعض الأطراف دون بعض فلا مانع من إجرائه ، فلا يكون العلم

__________________

(١) فوائد الأصول : ٤ ـ ١١٩.

٣٦٨

الإجمالي حينئذ منجزا نظير ما إذا كان بعض الأطراف مضطرا إليه ، أو خارجا عن محل الابتلاء ، فان الأصل لا يجري فيه ، لما عرفت من أنه يعتبر في جريان الأصل ترتب الأثر العملي عليه ، ولا يترتب أثر على إجرائه في المضطر إليه أو الخارج عن محل الابتلاء. وكذلك لو كان الأصل الجاري في بعض الأطراف مثبتا للتكليف ، نظير ما إذا علمنا بوقوع نجاسة في أحد الإناءين ، وكان أحدهما المعين متيقن النجاسة ، إما وجدانا ، وإما تعبدا لقيام أمارة أو أصل محرز على ذلك ، فيجري الأصل النافي في الطرف الآخر بلا معارض ، ومثله ما لو كان خصوص بعض الأطراف موردا لقاعدة الاشتغال ، أو طرفا لعلم إجمالي سابق وقد تنجز فيه احتمال التكليف بذلك العلم لسقوط الأصل فيه بمعارضته بالأصل الجاري في طرفه ، ففي جميع هذه الموارد يجري الأصل في الطرف الآخر من غير معارض.

ثم ان الّذي ذكرناه لا إشكال فيه فيما إذا كان حدوث العلم الإجمالي متأخرا عن هذه الأمور والعلم بها ، أو كان مقارنا له. وانما الكلام فيما إذا علم بطرو أحد الأمور المتقدمة بعد تحقق العلم الإجمالي ، فهل يوجب ذلك سقوطه عن التأثير ليجري الأصل النافي في بعض الأطراف؟ وبعبارة أخرى إذا كان العلم الإجمالي حين حدوثه مقارنا لأحد الأمور المتقدمة ، لا بد من عدم تأثيره من أول الأمر. واما إذا فرض تأثيره في زمان ، وحكم بتساقط الأصول في أطرافه ، ثم طرأ شيء من الأمور المتقدمة ، فهل يوجب ذلك سقوطه عن التأثير بقاء ، المعبر عنه بانحلال العلم الإجمالي؟ وجهان ، بل قولان. الأظهر هو الانحلال ، بيان ذلك : ان العلم الإجمالي لا يزيد على العلم التفصيليّ ولا على سائر الحجج والأمارات في تنجز الحكم المنكشف به ، فكما أنه لو تبدل العلم بالشك الساري ، أو زالت البينة بقاء لشبهة موضوعية كما لو شك في عدالة البينة القائمة على نجاسة شيء ، أو لشبهة حكمية كما إذا شك في حجية البينة في المورد الّذي أقيمت عليه سقط الحكم عن التنجيز ، لعدم منجز له بقاء. نعم

٣٦٩

لو كان الشك في التكليف بعد العلم به تفصيلا ، أو بعد قيام الحجة عليه ناشئا من ناحية الامتثال ، كما إذا علم المكلف بوجوب صلاة الظهر عليه ، ثم شك فيه لاحتمال امتثاله والخروج عن عهدته يكون التكليف باقيا على حاله. وكذلك الحال في العلم الإجمالي ، فلو علم إجمالا بنجاسة أحد الإناءين ثم علم تفصيلا أن أحدهما المعين كان نجسا من أول الأمر ، فالشك في نجاسة الإناء الآخر ليس شكا في انطباق المعلوم بالإجمال عليه ، بل هو شك حادث متعلق بحدوث نجاسة أخرى فيه غير ما هو المعلوم تفصيلا ، ولا مانع من شمول أدلة الأصول لذلك ، إذ المفروض ان الأصول المعارضة انما كان موضوعها الشك في انطباق المعلوم بالإجمال على محتملاته ، وقد زال ذلك بزوال العلم الإجمالي ، وحدث شك آخر غير مقرون بالعلم الإجمالي ، فالأصول المتساقطة قد ارتفع موضوعها ، والموضوع الحادث لم يكن الأصل فيه ساقطا.

ومن ذلك يظهر الفرق بين المقام وبين ما إذا كان زوال العلم الإجمالي من جهة الإتيان ببعض الأطراف وحصول الموافقة الاحتمالية ، كما إذا علم بوجوب إحدى الصلاتين القصر والإتمام فأتى بإحداهما ، فان العلم بالتكليف وان كان زائلا فيه أيضا إلّا انه بلحاظ البقاء دون الحدوث ، وإلّا فالعلم بحدوث تكليف مردد بين تعلقه بالقصر أو التمام موجود فعلا ، فالشك في وجوب القصر مثلا بعد الإتمام ليس شكا في حدوث تكليف غير المعلوم بالإجمال ، بل هو شك في انطباق المعلوم بالإجمال عليه. ونظير هذا ما إذا علم بنجاسة أحد الإناءين ثم وقعت نجاسة في أحدهما المعين ، فان العلم الإجمالي وان زال بقاء إلّا أن الشك في نجاسة الإناء الآخر شك في انطباق المعلوم بالإجمال عليه ، لا شك حادث في حدوث أمر جديد ، وهذا بخلاف المقام ، فان الشك في نجاسة الإناء الآخر غير المعلوم نجاسته تفصيلا شك في حدوث نجاسة أخرى.

٣٧٠

وان شئت قلت : زوال العلم الإجمالي بعد الإتيان بإحدى الصلاتين كزوال العلم التفصيليّ عند احتمال الإتيان بالواجب المعلوم وجوبه ، فكما أن زواله بقاء لا ينافي تنجيزه بعد بقائه متعلقا بحدوث التكليف ، كذلك زوال العلم الإجمالي بقاء لا ينافي تنجز المعلوم به بعد بقائه متعلقا بحدوث التكليف المردد بين أمرين أو أمور ، نعم لو زال العلم التفصيليّ بتبدله بالشك الساري كزوال العلم الإجمالي في المقام بتبدله بالعلم التفصيليّ لم يكن مانع من الرجوع إلى الأصل كما عرفت.

فان قلت : إذا أتى بإحدى الصلاتين المعلوم وجوب إحداهما إجمالا ، فالعلم الإجمالي بحدوث التكليف المردد وان كان موجودا فعلا إلّا أنه لا يمنع من الرجوع إلى الأصل في الصلاة التي لم يؤت بها ، فيرفع بذلك وجوبها ، فان وجوبه بالفعل مشكوك فيه ، والأصل الجاري فيه غير معارض بالأصل في الطرف الآخر ، لعدم ترتب أثر عليه ، وقد عرفت ان تنجيز العلم الإجمالي انما كان من جهة تعارض الأصول وتساقطها.

قلت : الشك فعلا في وجوب الصلاة التي لم يؤت بها ليس شكا آخرا غير الشك الموجود أولا ، وقد فرضنا عدم شمول دليل الأصل له بالمعارضة ، فكيف يشمله بعد الإتيان بإحدى الصلاتين ، وهل الأصل الساقط في شيء يعود بعد سقوطه؟!

فان قلت : لا مانع من ذلك بعد إطلاق الدليل لكل حال من الحالات ، غاية الأمر رفعنا اليد عنه بالمعارضة ، والضرورات تقدر بقدرها ، فإذا ارتفعت المعارضة بالإتيان بإحدى الصلاتين أمكن التمسك بإطلاق الدليل بعده في الطرف الآخر.

وبعبارة أخرى : الأمر في المقام دائر بين رفع اليد عن أصل الدليل ورفع اليد عن إطلاقه ، وبما ان المقتضى لرفع اليد هو المحذور العقلي ، أعني به لزوم الترخيص في المعصية ، فيقتصر فيه على مورده ، وهو صورة تعارض الأصلين ، واما إذا فرض

٣٧١

عدم جريان الأصل في بعض الأطراف ولو بقاء فلا يكون مانع آخر عن جريان الأصل في غيره.

قلت : المحذور العقلي كما يقتضي عدم شمول دليل الأصل لكل من الطرفين في زمان واحد يقتضي عدم شموله لهما في زمانين أيضا ، فكما لا يمكن الحكم بحلية أحد الإناءين المعلوم حرمة أحدهما في زمان الحكم بحلية الإناء الآخر ، كذلك لا يمكن أن يحكم بحلية أحدهما في زمان والحكم بحلية الآخر في زمان آخر ، فانه من الترخيص في المعصية ومخالفة الحكم المعلوم لا محالة ، فالعلم بحرمة أحدهما لا بعينه يقتضي سقوط الأصول في جميع الأزمنة ، كان كلاهما موجودا أو كان أحدهما معدوما. والوجه فيه أن الحكم بحلية المعدوم في زمان وجوده لا يجتمع مع الحكم بحلية الآخر في زمان وجود الأول وبعده ، فلا يمكن الرجوع إلى الأصل في كليهما ، للمحذور العقلي ، ولا في واحد منهما لعدم الترجيح ، فلا مناص من تساقط الأصلين بالكلية. هذا في ما كان العلم الإجمالي باقيا على حاله وكان الشك شكا في الانطباق.

واما إذا زال بتبدله بالعلم التفصيليّ بنجاسة أحد الإناءين بخصوصه من أول الأمر ، فالشك في نجاسة الآخر شك حادث جديد ، ولا مانع من شمول دليل الأصل له.

ولا فرق فيما ذكرناه في زوال العلم الإجمالي وانحلاله بين زواله بالوجدان كالمثال المتقدم وبين زواله بالتعبد كما إذا قامت الأمارة على نجاسة أحد الإناءين بخصوصه من أول الأمر ، أو كان ذلك مقتضى الأصل التنزيلي كالاستصحاب ، بل الأمر كذلك في الأصل غير التنزيلي أيضا ، فإذا علمنا بنجاسة أحد الإناءين الأبيض والأحمر ، ثم علمنا بعد ذلك بنجاسة الأبيض أو إناء آخر من أول الأمر ، فالعلم الإجمالي الأول ينحل لا محالة ، فانه بعد العلم الثاني لا يبقى لنا علم بحدوث نجاسة بين الأبيض والأحمر ، إذ يحتمل أن يكون الأحمر هو النجس من أول الأمر ، وقد

٣٧٢

فرضنا العلم بنجاسته أو نجاسة الآخر ، فلا يبقى إلّا الشك في حدوث نجاسة جديدة في الإناء الأبيض غير ما هو المتيقن بين الأحمر والإناء الآخر ، ومثل هذا مورد لأصالة الطهارة بلا معارض. وبالجملة العلم الإجمالي الثاني وان كان متأخرا زمانا إلّا أن المنكشف به بما أنه أمر سابق في الوجود فالعلم الإجمالي الأول لا يبقى على حاله ، بل ينحل بالعلم الثاني ، فيرجع الشك في نجاسة الإناء الأبيض إلى الشك البدوي. وانتظر لذلك ثمرة مهمة في بحث الملاقي للشبهة المحصورة.

التنبيه الخامس : لو كان الأثر في بعض أطراف العلم الإجمالي أكثر من البعض الآخر، فقد يكون بينهما قدر مشترك ، وقد لا يكون. اما القسم الثاني ، فلا إشكال في تنجيز العلم الإجمالي في الأطراف كلها ، فيجب ترتب الآثار المتباينة بأجمعها ، كما إذا علم بوجوب قراءة سورة ياسين أو سورة التوحيد في ليلة الجمعة بنذر ونحوه ، فان سورة ياسين وان كانت أكثر من سورة التوحيد إلّا انه لما لم يكن بينهما قدر مشترك ليكون هو المتيقن كان العلم الإجمالي منجزا بالنسبة إلى السورتين.

واما القسم الأول ، أعني به ما إذا كان بين الأطراف أثر مشترك مع اختصاص أحد الأطراف بأثر ، كما إذا علم إجمالا بوقوع نجاسة في الإناء الّذي فيه ماء مطلق أو في الإناء الآخر الّذي فيه مائع مضاف ، فان أثر النجاسة في كلا الطرفين هو حرمة الشرب ، فهذا هو الأثر المشترك ، لكن الماء المطلق يختص بأثر آخر وهو عدم جواز الوضوء به على تقدير وقوع النجاسة فيه ، فلو كانت النجاسة واقعة في المائع المضاف لا يترتب عليه إلّا حرمة شربه ، واما لو كانت واقعة في المطلق ترتب عليه حرمة الشرب وعدم جواز الوضوء به ، ففي تنجز هذا العلم الإجمالي من حيث جميع الآثار ، أو تنجزه من حيث الأثر المشترك فقط؟ وجهان. ذهب المحقق النائيني رحمه‌الله إلى الثاني (١) بدعوى : ان الأصل يتعارض في كل

__________________

(١) أجود التقريرات : ٢ ـ ٢٥٠.

٣٧٣

من الطرفين بالإضافة إلى الأثر المشترك ، فيسقط في كل منهما ، فيكون العلم منجزا له. واما بالنسبة إلى الأثر المختص ببعض الأطراف فيجري الأصل فيه بلا معارض ، ففي المثال المتقدم لا يجوز شرب الماء ، ولكن لا مانع من الوضوء به.

والتحقيق : ان العلم الإجمالي منجز بالنسبة إلى جميع الآثار ، وذلك لأن جواز الوضوء به متفرع على جريان قاعدة الطهارة فيه ، فإذا فرض عدم جريانها بالمعارضة فلا طريق للحكم بطهارة الماء كي يجوز الوضوء به ، فنفس احتمال نجاسته مانع عن التوضي به لو لم يكن هناك ما يوجب الحكم بطهارته. هذا كله في فرض تعدد الموضوع والعلم إجمالا بثبوت حكم واحد في موضوع ، أو ثبوت حكمين في الموضوع الآخر.

واما لو كان الموضوع واحدا وكان الترديد في السبب الّذي تعلق به العلم الإجمالي ، كما لو علم بأنه استدان من عمرو عشرة دراهم أو انه أتلف منه ما يساوي عشرين درهما ، ففي مثل ذلك يكون القدر المشترك معلوم التحقق ، والزائد مشكوك الحدوث ، فيرجع فيه إلى الأصل ، والترديد في السبب لا ينافي انحلال الحكم المسبب إلى المتيقن والمشكوك ، فان ما يوجب تنجز الحكم انما هو العلم بنفس التكليف لا بسببه.

ثم ان ما ذكرناه في الفرض الأخير انما هو فيما لم يكن فيه أصل موضوعي حاكم على أصالة البراءة ونحوها ، ففي ما لو دار الأمر بين كون نجاسة الثوب مستندة إلى ملاقاة البول أو الدم لا يمكن الرجوع إلى أصالة عدم وجوب غسله ثانيا ، فان استصحاب النجاسة قبل الغسلة الثانية حاكمة على الأصل المزبور كما هو ظاهر.

التنبيه السادس : هل يفرق في تنجيز العلم الإجمالي بين الدفعيّات والتدريجيات؟ وجهان ، بل قولان. وليعلم ان محل الكلام في هذا التنبيه والتنبيه الآتي هو ما إذا لم تكن أطراف العلم الإجمالي موردا للاحتياط في نفسها مع قطع النّظر عن

٣٧٤

العلم الإجمالي ، واما فيه كما إذا علم إجمالا بأنه يبتلى في هذا اليوم بمعاملة ربوية من جهة الشبهة الحكمية ، فلا إشكال في وجوب الاحتياط ، سواء قلنا بتنجيز العلم الإجمالي أو لم نقل به. والوجه فيه : ان الإقدام على كل معاملة يحتمل فيها الرّبا مع قطع النّظر عن العلم الإجمالي مورد للاحتياط ، لكون الشبهة حكمية ، ولا يجوز فيها الرجوع إلى البراءة قبل الفحص ، هذا من جهة الحكم التكليفي. واما من جهة الحكم الوضعي ، فيحكم في كل معاملة تقع في الخارج بالفساد ، لأصالة عدم حصول النقل والانتقال.

وتوهم جواز الرجوع إلى العمومات الدالة على صحة كل عقد كقوله تعالى (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)(١) ، يدفعه العلم بتخصيصها بالمعاملة الربوية ، وعدم بقائها على عمومها ، فالشك في الصحة والفساد انما هو من جهة الشك في الانطباق ، لا من جهة الشك في التخصيص ، هذا مضافا إلى ان التمسك بالعموم متفرع على الفحص أيضا : كما كان الأمر كذلك في الرجوع أصالة البراءة.

إذا عرفت ذلك فنقول : ان تدريجية أطراف العلم الإجمالي تقع على وجوه.

الأول : ان تكون مستندة إلى اختيار المكلف مع تمكنه من الجمع بينها ، كما إذا علم بغصبية أحد الثوبين وكان متمكنا من لبسهما معا ، ولكنه اقترح لبس أحدهما في زمان والآخر في زمان آخر. لا إشكال في خروج الوجه عن محل الكلام ، فان العلم بالتكليف الفعلي مع تمكن المكلف من مخالفته وموافقته القطعيتين يوجب تنجزه على ما عرفت.

الثاني : أن تكون التدريجية مستندة إلى عدم تمكن المكلف من الجمع بين

__________________

(١) المائدة : ١.

٣٧٥

الأطراف ، ولكنه يتمكن من ارتكاب كل منهما بالفعل ، وذلك كما إذا علم بوجوب صلاة الظهر أو الجمعة ، فانه وان لم يتمكن من الجمع بينهما في زمان واحد إلّا انه متمكن من اختيار أي منهما شاء في كل آن ، ونظيره العلم بحرمة أحد الضدين اللذين لهما ثالث. ولا ينبغي الإشكال في تنجيز العلم الإجمالي في هذا القسم أيضا بعد العلم بالتكليف الفعلي وسقوط الأصول في أطرافه.

الثالث : ما إذا كانت التدريجية مستندة إلى تقيد أحد الأطراف بزمان أو زماني متأخر. والحكم المعروف في هذا القسم ، تارة : يكون فعليا على كل تقدير ، وأخرى : لا يكون فعليا إلّا على تقدير دون تقدير.

اما القسم الأول : فلا ينبغي الإشكال في تنجيز العلم الإجمالي فيه ، إذ الملاك في تنجزه هو العلم بالتكليف الفعلي ، وهو حاصل على الفرض ، مثاله ما إذا علم إجمالا بتعلق النذر بقراءة سورة خاصة في هذا اليوم أو في غد ، فانه بناء على كون الوجوب فعليا بالنذر لإمكان الواجب التعليقي نعلم بتكليف فعلي متعلق بالقراءة في اليوم أو بالقراءة في الغد ، فالتدريجية انما هي في المتعلق ، واما الوجوب فهو حاصل بالفعل لا تدريجية فيه على كل تقدير ، وفي مثل ذلك لا بد من القول بتنجيز العلم الإجمالي ، لما عرفت من ان العبرة في التنجيز بالعلم بالتكليف الفعلي وهو ثابت على الفرض.

واما القسم الثاني : وهو ما لا يكون العلم فيه متعلقا بالتكليف الفعلي على كل تقدير ، كما إذا علم بوجوب مردد بين كونه فعليا بالفعل وكونه فعليا فيما بعد ، نظير ما إذا تردد أمر الواجب بين كونه مطلقا أو مشروطا بشرط يحصل فيما بعد. فقد اختلفت فيه كلماتهم ، فبين قائل بجواز الرجوع إلى الأصل في كل من الطرفين كما ذهب إليه صاحب الكفاية (١) وقائل بتنجيز العلم الإجمالي وعدم جواز الرجوع إلى الأصول

__________________

(١) كفاية الأصول : ٢ ـ ٢١٥.

٣٧٦

مطلقا كما ذهب إليه المحقق النائيني رحمه‌الله (١) ، وبين مفصل بينما إذا كان ملاك الأمر المتأخر تاما من الآن وما إذا لم يكن كذلك كما ذهب إليه الشيخ الأنصاري قدس‌سره (٢).

وتوضيح الحال في المقام يتوقف على بيان مقدمة وهي : ان تأخر التكليف قد يستند إلى عدم إمكانه مع تمامية المقتضى له ، كما إذا فرضنا ان الفعل في الزمان المتأخر اتصف بكونه ذا ملاك ولكن المولى غير متمكن من الأمر به فعلا ، مثال ذلك النذر المتعلق بأمر متأخر بناء على استحالة الواجب التعليقي ، فان الفعل المنذور يتصف بالملاك الملزم بتعلق النذر به إلّا ان الأمر بالوفاء مشروط بمجيء زمانه ، بناء على استحالة الأمر بالشيء المتأخر. ومثاله في العرفيات ما إذا كان المريض محتاجا إلى شرب دواء يتوقف تأثيره على وقوعه في أول طلوع الشمس مثلا ، فان المقتضى لشرب الدواء وان كان تاما بوجود المرض إلّا ان عدم القدرة عليه قبل طلوع الشمس مانع عن طلبه ، بناء على استحالة تعلقه بالأمر المتأخر. وقد يستند التأخر إلى عدم تمامية المقتضى لعدم تحقق ما له دخل في تماميته ، وهذا كأكثر الشروط التي أنيط بها فعلية الحكم شرعا ، فإذا علمت المرأة بأنها تحيض ثلاثة أيام مرددة في أيام الشهر كلها ، فلا علم بها بالتكليف الفعلي ولا بملاكه التام ، لعدم العلم بالحيض فعلا المترتب عليه التكليف وملاكه.

إذا تحققت ذلك فاعلم ان من نظر إلى أن تنجيز العلم الإجمالي يتوقف على كونه متعلقا بالتكليف الفعلي فقد ذهب إلى عدم تنجيزه في المقام ، والرجوع إلى الأصول في جميع الأطراف ، إذ المفروض تردد التكليف فيه بين كونه فعليا وكونه مشروطا بشرط غير حاصل ، فلا علم بالتكليف الفعلي ، فلا مانع من الرجوع إلى الأصل في الطرف المبتلى به فعلا ، كما لا مانع من الرجوع إلى الأصل في الطرف

__________________

(١) فوائد الأصول : ٤ ـ ١١١ ـ ١١٢.

(٢) فرائد الأصول : ٢ ـ ٤٢٧ (ط. جامعة المدرسين).

٣٧٧

الآخر في ظرف الابتلاء به. ومن ذهب إلى ان العلم بالملاك التام الفعلي بمنزلة العلم بالتكليف الفعلي فقد فصل بين القسمين المزبورين ، والتزم بعدم تنجيز العلم الإجمالي عند عدم العلم بالملاك التام فعلا ، وبتنجيزه فيما إذا علم الملاك التام فعلا وان لم يكن التكليف فعليا على تقدير ، لعدم حصول شرطه ، لأن الترخيص في تفويت الملاك الملزم فعلا بمنزلة الترخيص في مخالفة التكليف الفعلي ، فان عدم تمكن المولى من البعث لوجود المانع مع تمامية المقتضى بحيث لو أمكنه سحب الزمان المتأخر لفعل لا يرفع قبح الترخيص في تفويت الملاك الملزم ، ومن هنا فصل شيخنا الأنصاري قدس‌سره بين المثالين المزبورين (١) فالتزم بتنجيز العلم الإجمالي في مسألة العلم بالنذر المردد تعلقه بأمر حالي أو استقبالي ، وبعدم تنجزه في علم المرأة بالحيض المردد في أيام الشهر ، فتمسك فيه باستصحاب عدم تحقق الحيض إلى الآن الأول من ثلاثة أيام الباقية من الشهر ، وبالبراءة بعد ذلك. والوجه في رجوعه إلى البراءة هو ان المرأة بعد تحقق الآن الأول من الأيام الثلاثة الباقية يحصل لها اليقين بحيض وطهر سابقين على هذا الآن قطعا ، وبما ان تاريخ كل منهما مجهول ، فالاستصحاب فيهما غير جار ، للمعارضة على مسلكه قدس‌سره (٢) ، أو لوجه آخر كما ذهب إليه صاحب الكفاية (٣) ، وعلى كل حال فلا مجال للاستصحاب فيرجع إلى البراءة.

والتحقيق : في المقام هو ما ذهب إليه المحقق النائيني قدس‌سره من تنجيز العلم مطلقا ، اما فيما تم فيه الملاك فعلا فقد عرفت وجهه. واما فيما لم يتم فلما تقدم في مبحث مقدمة الواجب من استقلال العقل بقبح تفويت الملاك الملزم التام في ظرفه بتعجيز النّفس قبل مجيء وقته ، كحكمه بقبح تعجيز النّفس عن امتثال التكليف الفعلي ، ولا

__________________

(١) المصدر السابق.

(٢) فرائد الأصول : ٢ ـ ٤٢٥ ، ٧٤٤ (ط. جامعة المدرسين).

(٣) كفاية الأصول : ٢ ـ ٣٣٤ ـ ٣٣٥.

٣٧٨

فرق في حكم العقل بقبح التفويت بين كونه مستندا إلى العبد وكونه مستندا إلى المولى ، ومن الظاهر ان ترخيص المولى في ارتكاب الطرف المبتلى به فعلا وترخيصه في ارتكاب الطرف الآخر في ظرف الابتلاء به ترخيص في تفويت الملاك الملزم التام ، وهو على حد الترخيص في مخالفة التكليف الفعلي وعصيانه.

التنبيه السابع : في الشبهة غير المحصورة. ويقع الكلام أولا في تحديد موضوعها ، ثم في بيان حكمها. وذكر لتعريفها وجوه :

الأول : ان غير المحصور ما يعسر عده.

وفيه : أولا : ان عسر العد لا عبرة به ، لعدم انضباطه في نفسه من جهة اختلاف زمان العد وغيره ، فالألف يعسر عدها في ساعة ، ولا يعسر عدها في يوم أو أكثر.

وثانيا : ان تردد الشاة الواحدة المغصوبة المرددة في أغنام البلد التي لا تزيد على الألف مثلا من الشبهة غير المحصورة عندهم ، والحبة الواحدة من الأرز المغصوبة المرددة في الف الف حبة مجتمعة في إناء ليس كذلك ، مع ان عد الف الف أعسر من عد الأغنام ، فلا يكون عسر العد ضابطا للشبهة غير المحصورة.

الوجه الثاني : ان الشبهة غير المحصورة ما يعسر موافقتها القطعية.

وفيه : ان العسر بنفسه مانع عن تنجز التكليف وفعليته ، سواء كانت أطراف الشبهة قليلة أو كثيرة ، فلا يكون ذلك ضابطا أيضا.

الوجه الثالث : ما ذكره الشيخ رحمه‌الله من ان الشبهة غير المحصورة ما كان احتمال التكليف في كل من أطرافها موهوما لكثرة الأطراف (١).

وفيه : أولا : ما أفاده المحقق النائيني رحمه‌الله انه إحالة إلى امر مجهول ، فان الوهم له

__________________

(١) فرائد الأصول : ٢ ـ ٤٣٨ (ط. جامعة المدرسين).

٣٧٩

مراتب كثيرة ، فأي مرتبة منه يلازم كون الشبهة معها من الشبهة غير المحصورة (١).

وثانيا : ان موهومية احتمال التكليف لا يمنع من التنجيز ، ولذا يتنجز التكليف المردد بين طرفين ولو كان احتماله في أحدهما ظنيا وفي الآخر موهوما ، والسر في ذلك ما تقدم من ان مجرد احتمال التكليف بأي مرتبة كان يستلزم احتمال العقاب ، الّذي هو الملاك في تنجز التكليف لو لا المؤمن.

الوجه الرابع : ان الميزان في كون الشبهة غير محصورة بالصدق العرفي ، فما صدق عليه عرفا انه غير محصور يلحقه حكمه ، وربما يختلف ذلك باختلاف الموارد.

وفيه : أولا : ان هذه الكلمة لم ترد في موضوع دليل ليرجع في فهم معناها إلى العرف ، وانما هي من الاصطلاحات المستحدثة.

وثانيا : ان العرف لا ضابطة عندهم لتمييز المحصور عن غيره ، فلو سألوا عن معنى هذه الكلمة تحيروا في تحديدها ، والسر فيه ما عرفت من ان عدم الحصر ليس من المعاني المتأصلة ، وانما هو أمر إضافي يختلف باختلاف الأشخاص والأزمان وغير ذلك.

الوجه الخامس : ما اختاره المحقق النائيني قدس‌سره من ان الميزان في كون الشبهة غير محصورة عدم تمكن المكلف عادة من المخالفة القطعية بارتكاب جميع الأطراف ولو فرض قدرته على ارتكاب كل واحد منها ، ومن هنا تختص الشبهة غير محصورة بموارد الشبهات التحريمية ، واما في موارد الشبهة الوجوبية فالأطراف وان بلغت من الكثرة ما بلغت يتمكن المكلف من المخالفة القطعية بترك جميعها (٢) ، ولكنه لا يتمكن من الموافقة القطعية ، فيجري فيه حكم الاضطرار إلى بعض الأطراف على ما

__________________

(١) أجود التقريرات : ٢ ـ ٢٧٦.

(٢) فوائد الأصول : ٤ ـ ١١٧ ـ ١١٩.

٣٨٠