دراسات في علم الأصول - ج ٣

آية الله السيّد علي الشاهرودي

دراسات في علم الأصول - ج ٣

المؤلف:

آية الله السيّد علي الشاهرودي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مركز الغدير للدراسات الإسلامية
المطبعة: محمّد
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٤٧
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣   الجزء ٤
  نسخة غير مصححة

بمتعلق كل منهما ، وعدم تمييزه الواجب عن الحرام أوجب عجزه عن إحراز الامتثال ، فانتقل الأمر إلى الامتثال الاحتمالي بإيجاد أحد الفعلين وترك الآخر ، وعليه فلا وجه لاجزاء حكم التزاحم بتقديم محتمل الأهمية على غيره.

واختار في ذيل البحث عن دوران الأمر بين شرطية شيء ومانعيته تقديم محتمل الأهمية من الحكمين ، وتعينه في لزوم إحراز الامتثال ، وذكر في وجه ذلك ما حاصله : ان كل حكم فعلي واصل إلى المكلف يقتضي امرين ، أحدهما لزوم امتثاله ، ثانيهما : لزوم إحراز ذلك ، وعليه فالوجوب المعلوم بالإجمال في محل الكلام كما يقتضي إيجاد متعلقه يقتضي لزوم إحرازه بإتيان كلا الفعلين ، وكذلك الحرمة المعلومة تقتضي الانزجار عن متعلقها كما تقتضي إحراز ذلك بترك كلا الفعلين ، وهذان الحكمان وان لم يكن بينهما تزاحم من ناحية أصل الامتثال نفسه ، إذ المفروض تغاير متعلقي الوجوب والحرمة في الخارج ، وتمكن المكلف من إيجاد الواجب وترك الحرام ، إلّا انهما متزاحمان من الجهة الثانية ، إذ المفروض عدم قدرة المكلف على إحراز امتثال كل منهما ، وقد عرفت ان إحراز الامتثال من مقتضيات التكليف بحكم العقل ، فكما ان عدم القدرة على الجمع بين ما يقتضيه الوجوب من الفعل وما يقتضيه الحرمة من الترك يوجب التزاحم بينهما ، كذلك عدم القدرة على الجمع بين ما يقتضيه كل منهما من إحراز الامتثال يوجب التزاحم بينهما أيضا. وبالجملة منشأ التزاحم انما هو عدم القدرة على الجمع بين ما يقتضيه أحد الحكمين وما يقتضيه الحكم الآخر ، وذلك متحقق في المقام قطعا ، والفرق بين ما يقتضيه الحكم أولا وما يقتضيه ثانيا ، وتخصيص التزاحم بما إذا لم يقدر المكلف على الجمع في الأول دون الثاني تخصيص بلا مخصص.

والتحقيق : يقتضي صحة ما ذهب إليه في هذا المقام ، فان ما ذكره وجها لجريان حكم التزاحم في مفروض البحث يرد عليه.

٣٤١

أولا : النقض بما إذا علم تساوي الوجوب والحرمة المعلومين بالإجمال في الأهمية ، فان لازم كون الحكمين من المتزاحمين ان يحكم في مثل ذلك بالتخيير ، فللمكلف ان يأخذ بالوجوب فيأتي بالفعلين ، كما ان له ان يأخذ بالحرمة فيتركهما ، مع انه قدس‌سره لم يلتزم بذلك ، وذهب إلى لزوم الإتيان بأحد الفعلين وترك الآخر مخيرا.

وثانيا : ان محل البحث وان سلمنا دخوله في باب التزاحم ، إلّا انه لم يرد دليل على لزوم الأخذ بمحتمل الأهمية في باب التزاحم مطلقا ليجب الأخذ به في المقام ، وانما الوجه في ذلك ما أشرنا إليه سابقا من ان الحكمين المتزاحمين لا بد من الالتزام بسقوط الإطلاق في كليهما أو في أحدهما ، ومن الظاهر ان ما لا يحتمل أهميته قد علم سقوط إطلاقه على كلا التقديرين ، واما المحتمل أهميته فسقوط إطلاقه غير معلوم ، فلا بد من الأخذ به ، هذا فيما إذا كان لدليل كل من الحكمين إطلاق لفظي. واما فيما لم يكن لشيء من الدليلين إطلاق ، فالوجه في تقديم محتمل الأهمية هو القطع بجواز تفويت ملاك غيره بتحصيل ملاكه ، واما تفويت ملاكه بتحصيل ملاك غيره فجوازه غير معلوم ، فتصح العقوبة عليه بعد فرض كونه ملزما في نفسه.

وهذان الوجهان غير جاريين في محل الكلام إذ المفروض بقاء الإطلاق في كلا الحكمين ، وعدم ثبوت جواز تفويت الملاك في شيء منهما ، من دون فرق بين كون أحدهما أهم من الآخر في الواقع وعدمه. واما حكم العقل بلزوم إحراز الامتثال فهو مشترك فيه بين كل تكليف إلزاميّ ، من غير فرق في ذلك بين ما كان في أعلى المراتب من الأهمية وما كان في أضعفها ، وعليه فلا موجب لتقديم محتمل الأهمية على غيره والحكم بلزوم موافقته القطعية وان استلزمت المخالفة القطعية بالتكليف الآخر.

والحاصل : ان كلا من التكليفين كما يقتضي وجوب موافقته القطعية يقتضي

٣٤٢

حرمة مخالفته كذلك ، ولا مزاحمة بينهما في المقام من حيث حرمة المخالفة القطعية لتمكن المكلف من تركها بالإضافة إلى كل منهما ، وانما المزاحمة بينهما من ناحية وجوب الموافقة القطعية الثابت بحكم العقل لكل تكليف إلزاميّ في نفسه ، وحيث لم يثبت لأحدهما ترجيح بالإضافة إلى الآخر ، فلا وجه لتخصيص أحدهما بذلك ورفع اليد عن حرمة المخالفة القطعية بالإضافة إلى الآخر ، فإذا لا مناص من سقوط وجوب الموافقة القطعية بالإضافة إلى كلا الحكمين ، ووصول النوبة إلى الموافقة الاحتمالية.

ثم لا يخفى انما ذكرناه من عدم تقديم محتمل الأهمية في مفروض الكلام لا ينافي تقديم ما علم أهميته في الواقع ، كما لو حلف على ذبح شاة له في ليلة معينة ، واشتبهت الشاة بالنفس المحترمة لظلمة ونحوها ، فانه لا ريب في عدم ثبوت التخيير للمكلف في مثل ذلك ، بل يجب عليه بحكم العقل تقديم معلوم الأهمية وان استلزم ذلك القطع بمخالفة التكليف الآخر ، والسر فيه ان العلم بأهمية تكليف يستتبع القطع بعدم رضاء الشارع بتفويت ملاكه على كل حال ، ويترتب على هذا العلم القطع بجعل إيجاب الاحتياط في ظرف الشك ، فعند التحقيق تقع المزاحمة بين إيجاب الاحتياط والتكليف الآخر غير الأهم ، فيتقدم إيجاب الاحتياط لأهمية ملاكه. وهذا الوجه لا يجري فيما لم يحرز أهميته في البين ، فان إيجاب الاحتياط الشرعي فيه غير ثابت ، والحكم العقلي بلزوم إحراز الموافقة القطعية قد عرفت انه مشترك فيه بين كل منهما ، فلا وجه للترجيح.

وفذلكة ما تقدم ان الأصول العملية ان كانت جارية في أطراف العلم الإجمالي ، فلا يبقى تكليف منجز ليتعين الأخذ بالأهم عند الدوران بين التعيين والتخيير. وان لم تكن جارية ، فيكون كل من الحكمين منجزا من حيث المخالفة القطعية ، ولا وجه لرفع اليد عن تنجيز أحدهما لأجل احتمال أهمية إحراز الامتثال في الآخر.

٣٤٣

تذييل

لو كان لمورد دوران الأمر بين المحذورين أفراد طويلة أو عرضية ، فهل يكون التخيير بين تلك الأفراد بدويا أو استمراريا؟ مثلا لو علم إجمالا بأنه حلف على الإتيان بفعل أو على تركه في كل ليلة جمعة ، فهل يلحظ ذلك الفعل في كل ليلة من ليالي الجمعة واقعة مستقلة ، فيحكم فيه بالتخيير ، فيجوز للمكلف الإتيان به في ليلة ، وتركه في ليلة أخرى ، أو يلحظ المجموع واقعة واحدة ، فيتخير بين الفعل في الجميع ، والترك كذلك ، ولا يجوز له التفكيك بين أفراد ذلك الفعل بالإتيان به تارة ، وتركه أخرى؟ وجهان. ذهب بعضهم إلى كون التخيير استمراريا ، نظرا إلى ان كل فرد من تلك الأفراد له حكم مستقل مغاير لحكم فرد آخر ، وقد دار الأمر فيه بين محذورين ، فيحكم العقل فيه بالتخيير ، لعدم إمكان الموافقة والمخالفة القطعيتين ، ولا يترتب على ذلك سوى ان المكلف إذا اختار الفعل في فرد والترك في فرد آخر يعلم بمخالفة التكليف الواقعي في أحدهما ، ولا بأس به فيما لم يكن التكليف منجزا ، كما هو المفروض.

ولكن ذلك يندفع بان العلم بالإلزام الجامع بين الوجوب والحرمة وان لم يوجب تنجيز المعلوم بالإجمال ، إلّا انه مع فرض تعدد الأفراد يتولد من العلم الإجمالي بالإلزام المردد بين الوجوب والحرمة في كل فرد علم إجمالي ثابت بين كل فردين من الأفراد ، وهو العلم بوجوب أحدهما وحرمة الآخر بنحو المنفصلة المانعة الخلو ، إذ المفروض اشتراكهما في الحكم وجوبا وحرمة ، فان كان أحدهما المعين واجبا وإلّا فالآخر حراما قطعا ، وهذا العلم الإجمالي وان لم يمكن موافقته القطعية ، لاحتمال الوجوب والحرمة في كل منهما ، إلّا انه يمكن مخالفته القطعية ، وقد مر عليك ان العلم الإجمالي ينجز معلومه ، فلا يجوز للمكلف التفكيك بين الأفراد بالفعل والترك.

٣٤٤

أصالة الاحتياط

دوران الأمر بين المتباينين

تنبيهات

دوران الأمر بين الأقل والأكثر

تنبيهات الأقل والأكثر

٣٤٥
٣٤٦

المبحث الرابع :

الشك في المكلف به

اعلم ان التكليف المعلوم بالإجمال تارة : يتردد بين متباينين ، وأخرى : بين الأقل والأكثر. فالبحث يقع في مقامين.

المقام الأول : في دوران الأمر بين المتباينين. وقبل الشروع في تحقيق الحال لا بد من تقديم مقدمة : وهي ان احتمال التكليف الإلزامي سواء كان وجوبيا أو تحريميا مساوق في نفسه لاحتمال العقاب على مخالفته ، ومعه كان العقل مستقلا بلزوم التحرز عنه ، وهذا هو الملاك الوحيد في استقلال العقل بلزوم الإطاعة والتحرز عن المخالفة ، حتى في موارد العلم بالتكليف ، أو قيام الحجة عليه ، فان مخالفة التكليف الواصل لا تستلزم القطع بالمؤاخذة والعقاب عليها ، لاحتمال تلطف المولى سبحانه بالعفو والمغفرة ، أو تعقبها بالتوبة أو الشفاعة من النبي والأئمة عليهم‌السلام ، وانما المحقق عند المخالفة هو احتمال العقاب ، وهو كاف في حكم العقل بالتنجيز ، فلا فرق في موارد التكاليف المعلومة والتكاليف المحتملة في ان حكم العقل بلزوم الإطاعة ناشئ من احتمال العقاب. نعم احتمال عدم العقاب في مخالفة التكليف المحتمل أقوى من احتماله عند مخالفة التكليف المعلوم ، إذ المفروض في مورد المخالفة المحتملة احتمال عدم التكليف في الواقع ، فلو صادفت المخالفة المحتملة خلو صفحة الواقع من التكليف كان عدم العقاب من جهة انتفاء الموضوع ، وهذا المعنى مفقود في مخالفة التكليف المعلوم.

وكيف كان فالعقل يستقل بقبح ارتكاب ما يحتمل فيه مخالفة الحكم الإلزامي

٣٤٧

إلّا أن يكون في مورده مؤمن من العقاب عقلا كقاعدة قبح العقاب بلا بيان ، أو شرعا كالأدلة الشرعية الدالة على البراءة من حديث الرفع ونحوه ، فكلما استقل العقل في مورد بقبح العقاب أو ثبت ترخيص شرعي فيه في الارتكاب كان عدم العقاب فيه متيقنا لا محالة، فلا يبقى إلّا صرف احتمال ثبوت التكليف الواقعي المجرد من احتمال العقاب على مخالفته ، فلا يكون منجزا. واما إذا لم يثبت شيء من الأمرين ، فاحتمال العقاب يكون موجودا لا محالة ، فلا بد من التحرز عنه بحكم العقل ، ويترتب على ذلك ان تنجيز العلم الإجمالي في الحقيقة يدور مدار جريان الأصول في جميع أطرافه أو في بعضها وعدمه ، فان اخترنا جريانها في جميع الأطراف سقط العلم عن التنجيز مطلقا ، وكان وجوده كعدمه. وان قلنا : بعدم جريانها في شيء من الأطراف كان احتمال التكليف بنفسه منجزا له بلا حاجة إلى البحث عن حال العلم الإجمالي ، فتجب الموافقة القطعية كما تحرم المخالفة القطعية. وان قلنا : بجريانها في بعض الأطراف دون بعض لم تجب الموافقة القطعية وان حرمت المخالفة القطعية. فالتفصيل بين حرمة المخالفة القطعية ووجوب الموافقة القطعية يدور مدار جريان الأصول في بعض الأطراف دون بعض.

ثم لا يخفى انه لا فرق في جريان الأصول في أطراف العلم الإجمالي وعدمه بين الأصول الجارية عند الشك في أصل التكليف والجارية عند الشك في الامتثال ، فان الترديد في مورد العلم الإجمالي كما يمكن أن يكون في أصل الحكم أو متعلقه ، كذلك يمكن أن يكون في مرحلة الامتثال بعد العلم التفصيليّ بثبوت التكليف ، كما إذا علمنا إجمالا بعد الإتيان بصلاتين ببطلان إحداهما ، فان قلنا : بجريان الأصول النافية في جميع أطراف العلم الإجمالي أو في بعضها لم يكن مانع من جريان قاعدة الفراغ في المثال في كلتا الصلاتين أو في إحداهما ، فلا وجه لما ذكره المحقق النائيني من اختصاص مورد النزاع بالأصول الجارية عند الشك في ثبوت

٣٤٨

أصل التكليف دون الجارية في مرحلة الامتثال.

إذا عرفت ذلك فالكلام يقع تارة : في حرمة المخالفة القطعية ، وأخرى : في وجوب الموافقة القطعية. والكلام فيهما تارة : يقع في مقام الثبوت وإمكان جعل الحكم الظاهري في تمام الأطراف أو في بعضها ، وأخرى : في شمول الأدلة. فهنا أربع مسائل.

المسألة الأولى : في إمكان جعل الحكم الظاهري وعدمه في تمام الأطراف. والمانع المختص به امران :

أحدهما : استلزامه الترخيص في المعصية ومخالفة التكليف الواصل صغرى وكبرى بالعلم الإجمالي ، وهو قبيح من غير فرق بين كون الحكم الظاهري ثابتا بالأمارة ، أو بالأصل التنزيلي ، أو غير التنزيلي وان كان الارتكاب تدريجيا ، لأن التمييز غير مأخوذ في موضوعات التكاليف ، ولا يفرق العقل في قبح الترخيص في مخالفة التكليف الواصل بين أن يكون معلوما تفصيلا ، أو ان يكون معلوما بالإجمال ، وهذا يختص بموارد العلم الإجمالي بالتكليف ، وكون الحكم الظاهري في جميع الأطراف نافيا له ، وعليه فيستحيل شمول أدلة الأصول لجميع أطراف العلم الإجمالي في عرض واحد. واما جعل الحكم الظاهري في كل من الأطراف مقيدا بعدم ارتكاب الطرف الآخر فهو أيضا مستحيل على ما سيأتي البحث عنه مفصلا.

لا يقال : ان مورد جريان الأصل انما هو كل واحد من الأطراف بخصوصه ، وثبوت التكليف فيه غير معلوم ، فليس فيه ترخيص في المعصية.

لأنا نقول : جريان الأصل في كل طرف بخصوصه منضما إلى الترخيص في بقية الأطراف يكون ترخيصا في مخالفة التكليف المعلوم ، وان لم يكن الأمر كذلك في فرض عدم الانضمام.

٣٤٩

ثانيهما : مناقضة الحكم الظاهري الناظر إلى الواقع مع العلم الوجداني. وهذا الوجه غير مختص بما إذا كان المعلوم بالإجمال إلزاميا ، وانما يختص بما إذا كان الحكم الظاهري ثابتا بالأمارة أو بالأصل التنزيلي ، فيمتنع جعله في مجموع الأطراف مطلقا ، سواء لزم منه المخالفة العملية أم لم يلزم.

والتحقيق في ذلك : هو أنه لو قامت الأمارة في كل من الأطراف على خلاف المعلوم بالإجمال ، كما إذا علمنا بنجاسة أحد المائعين ، وقامت البينة على طهارة أحدهما المعين ، وقامت بينة أخرى على طهارة الآخر ، ففي مثل ذلك لا ريب في عدم حجية شيء من الأمارتين ، فان ما دل على طهارة أحدهما المعين قد دل على نجاسة الآخر بالدلالة الالتزامية ، وقد مر غير مرة انه لا فرق في حجية الاخبار بين كونه اخبارا عن شيء بالمطابقة وكونه اخبارا عنه بالالتزام ، وعليه فتقع المعارضة بينها وبين ما دل على طهارة الآخر ، فيسقطان معا على ما هو الأصل من سقوط الدليلين وعدم شمول دليل الحجية للمتعارضين.

وبما ذكرنا ظهر انه لو كان الحكم المعلوم بالإجمال غير إلزاميّ ، وقامت الأمارة على الحكم الإلزامي في جميع الأطراف سقطت الأمارة عن الحجية أيضا وان لم يستلزم جريانها المخالفة العملية ، فلا فرق في سقوط الأمارات القائمة على خلاف المعلوم بالإجمال بين كون العمل بها مستلزما للمخالفة القطعية وما لم يكن.

واما إذا كانت الأصول الجارية في نفسها في أطراف العلم الإجمالي أصولا تنزيلية ، فقد اختار المحقق النائيني قدس‌سره إلحاقها بالأمارات ، فمنع عن جريانها في جميع الأطراف ، سواء استلزم المخالفة القطعية أم لم يستلزم ، وملخص ما ذكره في وجهه : ان المجعول في باب الأصول التنزيلية هو البناء العملي ، والأخذ بأحد طرفي الشك على انه هو الواقع ، فيمتنع جعل ذلك في مجموع الأطراف ، إذ لا يعقل التنزيل على خلاف

٣٥٠

العلم الوجداني (١).

ولكن الصحيح انه لا مانع من جريان الأصول في الأطراف إذا لم يستلزم المخالفة العملية بلا فرق بين التنزيلية وغيرها ، فان الأصل مطلقا لا يترتب عليه أثر إلّا ثبوت مؤداه ، ولا يترتب عليه لوازمه ، فكل من الأصول الجارية في الأطراف انما يثبت مؤداه في مورده بلا نظر إلى النفي عن غيره ، وغاية ما يترتب على ضم بعض الأصول إلى البعض هو العلم بمخالفة بعضها للواقع ، ولا ضير فيه بناء على عدم وجوب الموافقة الالتزامية كما هو الصحيح. ونظير ذلك ما التزم به هو قدس‌سره وغيره فيما إذا شك المصلي المسبوق بالحدث في الطهارة بعد الفراغ من صلاته من جريان قاعدة الفراغ في الصلاة الماضية ، وجريان استصحاب الحدث بالإضافة إلى الصلاة الآتية ، مع انه يعلم إجمالا بعدم مطابقة أحد الأصلين التنزيلين للواقع ، وليس ذلك إلّا من جهة انه لا يترتب على جريان الأصلين إلّا المخالفة الالتزامية ، وهي غير مانعة عن جريانها. هذا فيما إذا كانت الأصول مثبتة للتكليف على خلاف المعلوم بالإجمال.

واما إذا كانت نافية له ، كما إذا علمنا بطرو النجاسة على أحد المائعين المعلوم طهارتهما سابقا ، فعدم جريان الاستصحاب فيهما معا انما هو للمانع المتقدم ، وهو استلزامه الترخيص في المعصية ومخالفة التكليف المعلوم بالإجمال الواصل إلى المكلف صغرى وكبرى ، فإذا علمنا بوجود الخمر بين إناءين مع العلم بحرمة الخمر شرعا ولو لم يكن مميزا على غيره في الخارج ، فالحكم المزبور بما انه واصل إلى المكلف كان الترخيص في مخالفته كالترخيص في مخالفة الحكم المعلوم بالتفصيل قبحا عقلا. وبذلك يظهر ان أدلة الأصول ولو فرض شمولها لأطراف العلم الإجمالي لزم

__________________

(١) أجود التقريرات : ٢ ـ ٢٤٠.

٣٥١

تخصيصها بغيرها عقلا.

المسألة الثانية : في إمكان جعل الحكم الظاهري ولو في بعض الأطراف وعدمه. والمعروف بينهم انه لا مانع منه ثبوتا ، وانه يمكن ذلك في نفسه ، ومن ثم قالوا : ان العلم الإجمالي ليس علة تامة لوجوب الموافقة القطعية. وذهب المحقق صاحب الكفاية وبعض الأساطين من تلامذته إلى استحالة ذلك ، وما ذكر في وجه الاستحالة امران :

الأول : ما أفاده صاحب الكفاية (١) رحمه‌الله من انه لو أمكن جعل الحكم الظاهري في بعض الأطراف على خلاف الواقع لأمكن في الجميع ، كما انه لو امتنع جعله في الجميع امتنع في البعض ، فهما متلازمان إمكانا وامتناعا.

وملخص ما ذكره في هذا المقام : انه لا فرق بين العلم الإجمالي والعلم التفصيليّ في انكشاف الواقع بهما ، ومن حيث حجيتهما الذاتيّة غير القابلة للجعل ، فان كان بينهما فرق فانما هو من ناحية المعلوم نفسه لا من حيث الانكشاف ، بيان ذلك : ان المعلوم بالإجمال ربما لا يكون فعليا من تمام الجهات ، لأجل الاضطرار إلى بعض الأطراف ، أو الإكراه عليه ، أو خروجه عن محل الابتلاء ، أو لدخل الانكشاف التام في تمامية فعليته ، ففي مثل ذلك لا مانع من جعل حكم آخر على خلافه وان استلزم المخالفة القطعية ، لعدم التنافي بين الحكمين إذا لم يكونا فعليين من تمام الجهات. واما إذا فرض فعلية المعلوم بالإجمال ، وتحقق ما هو العلة التامة للبعث أو الزجر الفعلي امتنع جعل الحكم الظاهري على خلاف الواقع المنكشف في تمام الأطراف أو بعضه ، ضرورة استحالة الترخيص ولو احتمالا في مخالفة الحكم المنجز.

__________________

(١) كفاية الأصول : ٢ ـ ٢٠٨ ـ ٢١٥.

٣٥٢

فتحصل : انه فيما أمكن جعل الحكم الظاهري في بعض الأطراف لعدم فعلية الواقع من تمام الجهات أمكن جعل الحكم الظاهري في جميع الأطراف أيضا ، ومهما امتنع الجعل في تمام الأطراف لفعلية التكليف ووصوله الملازم لصحة العقوبة على مخالفته امتنع الجعل في بعض الأطراف أيضا. وبعبارة أخرى : إذا كان الحكم فعليا من غير جهة الجهل به فالعلم التفصيليّ إذا تعلق به يوجب تمام فعليته ، فيتنجز بحكم العقل لا محالة ، واما إذا تعلق به العلم الإجمالي فبما أنه لا يوجب رفع الجهل بتمامه يمكن أن لا يكون الحكم في مورده فعليا من تمام الجهات ، والمفروض أن مرتبة جعل الحكم الظاهري محفوظة ، فلا مانع من جعله على خلاف الواقع المفروض عدم فعليته ، من غير فرق في ذلك بين ما إذا علم مخالفة الحكم للواقع وما إذا شك فيه ، والسر في ذلك ان الحكم الواقعي ما لم يصل إلى مرتبة الفعلية التامة لا مانع من جعل حكم آخر على خلافه قطعا أو احتمالا ، كما أنه إذا فرض وصوله إلى تلك المرتبة امتنع جعل حكم آخر يعلم مخالفته للواقع أو يحتمل ذلك ، فانه كما لا يعقل القطع بثبوت المتضادين لا يعقل احتمال ثبوتهما.

ولكن التحقيق : يقتضي فساد ما ذهب إليه ، لما مر من أن فعلية كل حكم إنما هي بتحقق موضوعه بماله من الاجزاء والقيود ، فكما يستحيل فعليته مع عدم فعلية موضوعه التام ، كذلك يستحيل عدم فعليته مع فعلية موضوعه ، فالحكم والموضوع متلازمان في الفعلية وعدمها ، فان نسبة الحكم إلى موضوعه التام كنسبة المعلول إلى علته التامة ، فكما يستحيل التخلف بينهما في الخارج ، وإلّا لم يكن ما فرض عليته علة ، كذلك يستحيل التخلف بين الحكم وموضوعه التام ، وإلّا لم يكن ما فرض موضوعيته موضوعا وهذا خلف.

وعليه فما ذكره قدس‌سره من أن المعلوم بالإجمال قد لا يكون فعليا من جميع الجهات ، إن أراد به كون العلم التفصيليّ مأخوذا في موضوع الحكم ، فيرد عليه.

٣٥٣

أولا : أنه خروج عن محل الكلام ، فان بحثنا في تنجيز العلم الإجمالي انما هو بعد الفراغ عن إثبات عدم اختصاص الأحكام بالعالمين ، وانها تعم الجاهلين.

وثانيا : ان ذلك لا يصلح فارقا بين العلم الإجمالي والتفصيليّ ، إذ كما يمكن أخذ العلم التفصيليّ في موضوع حكم ، فلا يكون فعليا بدونه ، ولو فرض في مورد علم إجمالي ، كذلك يمكن أخذ العلم الإجمالي في موضوعه ، فلا يكون فعليا مع عدمه ، ولو فرض في مورد علم تفصيلي. وان أراد به دخل العلم التفصيليّ في فعلية الحكم المتعلق به مع كونه طريقيا وغير مأخوذ في موضوعه ، فقد عرفت أنه أمر مستحيل ، لاستلزامه الخلف.

الثاني : ما ذكره بعض الأساطين رحمه‌الله من أن الحكم الواقعي بعد وصوله إلى المكلف وتنجزه امتنع جعل الترخيص على خلافه ، لمناقضة الترخيص له ، وتوضيحه : ان كل واحد من الأطراف وان لم يكن التكليف فيه معلوما ، إلّا أن الإلزام الجامع بينها معلوم وواصل تفصيلا ، والتردد انما هو في خصوصية متعلقه ، فكما لا يمكن الترخيص في مخالفة ذاك الإلزام قطعا ، لا يمكن الترخيص في مخالفته احتمالا.

والجواب عنه : بالنقض وبالحل. أما النقض ، فبما لو فرض الأصل الجاري في بعض الأطراف نافيا دون بعض ، كما لو علم إجمالا بوقوع نجاسة في أحد الإناءين ، وكان أحدهما متيقن النجاسة سابقا ، فان أصالة الطهارة تجري في غير مستصحب النجاسة بلا إشكال ، مع أن العلم بوجود تكليف فعلي موجود بالوجدان.

فان قلت : التكليف في مستصحب النجاسة ثابت قبل تحقق العلم الإجمالي على الفرض ، فالعلم بوقوع النجاسة فيه أو في غيره لا يوجب علما بحدوث تكليف جديد ، فلا يقاس ذلك بالمقام.

قلت : سبق النجاسة في أحد الإناءين لا يضر بالعلم بالتكليف الفعلي المردد

٣٥٤

بين كونه ثابتا من الأول وحدوثه فعلا ، فلو أمكن جعل الحكم الظاهري في مورده والاكتفاء بالامتثال الاحتمالي أمكن في غيره أيضا. وأوضح من ذلك ما إذا علم إجمالا في الوقت اما انه لم يأتي بصاحبة الوقت أو لم يأت بالتي مضى وقتها ، فان العلم بالتكليف الفعلي بإتيان إحدى الصلاتين موجود بالوجدان ، ومع ذلك لا مانع من الرجوع إلى قاعدة الحيلولة في غير ذات الوقت ، والرجوع إلى قاعدة الاشتغال فيها. وان شئت قلت : ان العلم الإجمالي لا يزيد على العلم التفصيليّ ، فكما يجوز أن يكتفي الشارع في مورد العلم بالتكليف تفصيلا بالامتثال الاحتمالي كما في موارد قاعدة الفراغ والتجاوز ، كذلك يجوز له الاكتفاء بالامتثال الاحتمالي في موارد العلم الإجمالي بطريق أولى.

واما الحل ، فبان موضوع الأصول انما هو الشك ، والتكليف في كل واحد من الأطراف مشكوك فيه ، فان احتمال انطباق الإلزام المعلوم في الجملة عين الشك في التكليف ، بداهة ان التكليف المعلوم بوصف كونه معلوما لا يحتمل انطباقه على شيء من الأطراف ، إذ لا معنى لاحتمال العلم في مورد مع أنه صفة وجدانية لا يعقل الشك فيها ، فلم يبق إلّا احتمال نفس التكليف المعبر عنه بذات المعلوم في كل من الأطراف ، فلا مانع من جعل الحكم الظاهري فيه.

المسألة الثالثة : في شمول دليل الحكم الظاهري لجميع الأطراف وعدمه. وليعلم أن دليل الحكم الظاهري يقسم إلى أقسام ثلاثة : الأمارة والأصل التنزيلي والأصل غير التنزيلي.

اما الأمارات ، فقد عرفت انه يستحيل جعل الحجية لها في جميع أطراف العلم الإجمالي ، من دون فرق بين كون مؤدى الأمارات أحكاما إلزامية وكون المعلوم بالإجمال حكما غير إلزاميّ وبين عكس ذلك.

واما الأصل التنزيلي ، فقد ذكر الشيخ رحمه‌الله في وجه عدم جريانه ما

٣٥٥

حاصله (١) : أن الشك المأخوذ في صدر دليله وان كان يعم الشك البدوي والمقرون بالعلم الإجمالي ، إلّا أن اليقين المجعول في ذيله ناقضا يشمل العلم الإجمالي أيضا ، ومن الظاهر أن الحكم بحرمة النقض في جميع الأطراف يناقض الحكم بالنقض في بعضها. ويجري ما ذكره في غير الاستصحاب من الأصول غير التنزيلية أيضا فيما أخذ العلم في دليله غاية للحكم المجعول فيه.

ويرد عليه : أولا : أن أدلة الأصول غير منحصرة بما هو مشتمل على تلك الغاية ، ويكفي للقول بجريان الأصل في جميع الأطراف وجود المطلقات غير المشتملة على ذلك الذيل ، فان إجمال دليل من جهة اقترانه بما يصلح للقرينية لا يسري إلى دليل آخر غير مقترن به.

وثانيا : أن الناقض لكل يقين لا بد وأن يكون هو اليقين المتعلق بعين ما تعلق به اليقين السابق ، وفي مفروض المقام كان اليقين السابق متعلقا بكل واحد من الأطراف بخصوصه ، ومن الظاهر أن متعلق العلم الإجمالي ليس ذلك ، فكيف يعقل نقضه لليقين السابق؟! وعليه فلا مانع من شمول أدلة الأصول لجميع الأطراف لو لا المانع الثبوتي ، ومن هنا نلتزم بجريانها فيما لم يلزم منه المخالفة العملية ، كما إذا كان المعلوم حكما غير إلزاميّ ، ونمثل له بمثالين.

الأول : ما إذا كان هناك مائعان مسبوقان بالنجاسة ، فعلم طهارة أحدهما إجمالا ، فانه يجري استصحاب النجاسة في كل منهما.

الثاني : ما إذا علم جواز النّظر إلى إحدى المرأتين ، فان قاعدة الاحتياط في الأعراض تجري في كل منهما.

المسألة الرابعة : في شمول أدلة الأصول لبعض الأطراف دون بعض وعدمه.

__________________

(١) فرائد الأصول : ٢ ـ ٤٠٤ ، ٧٤٤ ـ ٧٤٥ (ط. جامعة المدرسين).

٣٥٦

والحق عدم شمولها لشيء من الأطراف. أما البراءة العقلية ، فعدم جريانها واضح ، بعد تمامية البيان في مورد العلم الإجمالي ، ووصول التكليف إلى المكلف صغرى وكبرى. وأما الأصول الشرعية ، فلأن شمول أدلتها لبعض الأطراف معينا ترجيح بلا مرجح ، والبعض غير المعين لا يحتمل تعلق الإلزام به واقعا ليحكم بإباحته ظاهرا ، بل الغالب يقطع بإباحة بعض الأطراف ، وعلى تقدير احتمال ثبوت التكليف في جميع الأطراف لا أثر للحكم بإباحة أحدهما غير المعين بعد وجوب الاجتناب عن جميع الأطراف مقدمة للاجتناب عن الحرام المعلوم ، وإلى هذا أشار الشيخ رحمه‌الله بما مضمونه أن مورد جريان الأصل انما هو المشكوك ، وليس هو إلّا كل واحد من الأطراف بخصوصه ، وأما عنوان أحدهما فليس من المشكوك فيه ، نعم قد يكون بعض الأطراف غير المعين عند المكلف مشكوك الحكم ، إلّا أن جريان الأصل فيه لا يترتب عليه أثر من حيث العمل لعدم تعينه.

وان شئت قلت : أن كل واحد من أطراف العلم الإجمالي وإن كان بنفسه مشكوكا فيه ، إلّا ان شمول الدليل له مع عدم شموله لغيره غير معقول ، ومن دون شموله لغيره بلا مرجح. وأما عنوان أحدهما غير المعين فلا شك فيه غالبا ، إذا الغالب في موارد العلم بالإلزام يعلم بعدمه في بعض الأطراف. واما تقدير الشك فيه والحكم بإباحته شرعا فهو لا يزيد على القطع بها ، فكما أن القطع بها لا ينافي وجوب الاجتناب عن الأطراف بحكم العقل لاحتمال العقاب ، كذلك التعبد بها لا ينافي ذلك بالضرورة.

فتحصل أن أدلة الأصول إذا لم تشمل جميع أطراف العلم الإجمالي لا تشمل بعضها أيضا. نعم يبقى الكلام في احتمال شمولها لجميع الأطراف تخييرا ، بأن يلتزم بجريانها في كل منها على تقدير عدم ارتكاب الآخر ، لتكون النتيجة اكتفاء المولى بالموافقة الاحتمالية. ولا بد قبل ذلك من بيان أمر ، وهو أن التخيير يمكن أن يكون

٣٥٧

على ثلاثة أقسام.

الأول : التخيير الشرعي الثابت بدليل خاص ، كالتخيير في الأخذ بالخبرين المتعارضين عند فقد المرجحات الثابت بقوله عليه‌السلام : «إذا فتخير».

الثاني : التخيير العقلي الثابت في مورد التزاحم ، كما في إنقاذ الغريقين ، فان المكلف حيث لا يتمكن من امتثال كلا الخطابين المشتملين على حكمين تعيينين فلا محالة يسقط الإطلاق من كليهما ، فتكون النتيجة ثبوت التكليف في كل منهما مشروطا بعدم الإتيان بمتعلق الآخر على ما عرفت الحال فيه في بحث الضد.

الثالث : التخيير الثابت من جهة الاقتصار على المقدار المتيقن في رفع اليد عن ظواهر خطابات المولى ، ولا بأس في التعبير عنه بالتخيير العقلي أيضا ، وذلك كما لو ورد عام له إطلاق أحوالي مثل قولنا «أكرم كل عالم» الظاهر في وجوب إكرام كل فرد من العلماء تعيينا من غير تقييد بإكرام غيره وعدمه ، ثم علمنا بعدم وجوب إكرام فردين منه معا كزيد وعمرو ، ودار الأمر بين أن يكون كل منهما خارجا عن العموم تخصيصا ، فلا يجب إكرامهما أصلا ، وخارجا عنه تقييدا ، ليجب إكرام كل منهما عند عدم إكرام الآخر ، ففي مثل ذلك لا بد من الاقتصار على المقدار المتيقن ، وهو الحكم بعدم وجوب إكرام كل منهما عند إكرام الآخر. واما الحكم بعد وجوب إكرامه على الإطلاق فلا موجب له.

وان شئت قلت : انّ الدليل العام كما دل على وجوب إكرام كل منهما دلّ على إطلاق الوجوب لحال إكرام الفرد الآخر وعدمه ، وقد علمنا من الخارج بعدم الإطلاق لحال إكرام الفرد الآخر قطعا ، فيرفع اليد عنه. واما عدم ثبوت الوجوب له رأسا فهو غير معلوم ، فيؤخذ بظهور الدليل في ثبوته ، فتكون النتيجة هو التخيير بين إكرام زيد وترك إكرام عمرو وعكسه.

وهذا البيان يجري في كل ما إذا دل دليلان على وجوب امرين ، وعلمنا من

٣٥٨

الخارج بعدم وجوبهما تعيينا ، واحتملنا ثبوت الوجوب لهما تخييرا ، فلو دل دليل على وجوب صلاة الجمعة الظاهر في كونه واجبا تعيينا ، ودل دليل آخر على وجوب صلاة الظهر كذلك ، أو دل أحد الدليلين على وجوب صلاة القصر والآخر على وجوب صلاة التمام كان مقتضى القاعدة رفع اليد عن الظهور في الوجوب التعييني المستفاد من الإطلاق ، وحمل كل منهما على الوجوب التخييري. وبالجملة كلما دار الأمر بين رفع اليد عن أصل الحكم ورفع اليد عن إطلاقه ، كان الثاني هو المتعين ، لأنه المتيقن ، واما رفع اليد عن أصل الحكم فلا موجب له بعد إطلاق دليله أو عمومه.

إذا عرفت ذلك فنقول : من الواضح ان القسم الأول من التخيير غير جار في المقام ، لعدم الدليل عليه. كما ان القسم الثاني أجنبي عما نحن فيه ، لأن المكلف في مورد العلم الإجمالي قادر على الامتثال القطعي بالاجتناب عن مجموع الأطراف ، كما انه قادر على ارتكاب جميعها. نعم التخيير في الخبرين المتعارضين على مسلك المعتزلة من باب التخيير في باب التزاحم ، إلّا انه مع بطلانه في نفسه أجنبي عن التخيير في باب الأصول العملية.

واما القسم الثالث ، فربما يتوهم جريانه في المقام بدعوى : ان مقتضى إطلاق أدلة الأصول هو ثبوت الترخيص في كل واحد من أطراف العلم الإجمالي ، سواء عمل المكلف على طبقه بارتكابه له أم لم يعمل ، وقد علمنا من الخارج استحالة هذا الجعل ، لاستلزامه الترخيص في مخالفة التكليف الواصل ، لكنه يدور الأمر بين رفع اليد عن الترخيص في جميع الأطراف رأسا ورفع اليد عن إطلاق وتقييده في كل طرف بما إذا لم يرتكب الطرف الآخر ، وقد عرفت ان المتعين هو الثاني ، ولازم ذلك هو الالتزام بالتخيير في تطبيق الترخيص على أي طرف من الأطراف كيف ما أراد المكلف. وقد وقع نظير هذا في تعارض الأمارتين ، فتوهم ان مقتضى القاعدة هو

٣٥٩

رفع اليد عن إطلاق دليل الحجية بالإضافة إلى كل منهما ، فيثبت الحجية تخييرا ، ووافق المحقق الخراسانيّ على ذلك في الخبرين المتعارضين ، فبنى على ان دليل الحجية غير قاصر الشمول لأحدهما بغير تعيين ، وان كان تقريبه لذلك يخالف ما ذكرنا ، إلّا انه موافق في الدعوى لا في الدليل.

وأورد على ذلك المحقق النائيني رحمه‌الله بما حاصله (١) : ان التقابل بين الإطلاق والتقييد بما انه من تقابل العدم والملكة فاستحالة التقييد يستدعي استحالة الإطلاق وبالعكس ، وحيث ان الإطلاق في محل الكلام ممتنع ثبوتا ، فالتقييد مثله.

والتحقيق : ان ما أفاده قدس‌سره في المقام ونظائره من استلزام استحالة الإطلاق امتناع التقييد وبالعكس غير صحيح ، فان استحالة التقييد بشيء يستدعي أحد الأمرين ، اما التقييد بعدم ذلك القيد أو ضده ، أو الإطلاق ، كما ان استحالة الإطلاق يستلزم ضرورة التقييد بقيد ما لا محالة ، والوجه في ذلك ما بيناه مرارا من انه يستحيل الإهمال في الواقع ، فلا مناص عن الإطلاق أو التقييد.

واما ما ذكره من ان كون التقابل بنحو العدم والملكة يقتضي ذلك ، فهو مضافا إلى انه لا دليل عليه ، ينتقض بعلم الباري وفقر الممكن ، فان التقابل بين العلم والجهل ، أو الفقر والغنى من قبيل تقابل العدم والملكة ، مع ان العلم فيه تعالى والفقر في الممكن ضروري ، كما ان الجهل فيه تعالى والغنى في الممكن مستحيل.

فالصحيح في الجواب أن يقال : انه لو كان المانع عن جريان الأصول في أطراف العلم بالتكليف الإلزامي هو استلزامه الترخيص في الجمع ، لارتفع ذلك بما ذكر من تقييد كل من الترخيصين بعدم ارتكاب الآخر ، إلّا انه ليس المانع ذلك ، وإلّا لزم الالتزام بشمول أدلة الأصول لجميع الأطراف ابتداء فيما إذا كانت أمورا

__________________

(١) أجود التقريرات : ٢ ـ ٢٤٤ ـ ٢٤٥.

٣٦٠